بعض من ذاكرة الطفولة..


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

كلما تمادت الغربة في امتصاص بقايا العمر أهرب الى البدايات، إلى مخيم خان الشيح، حيث كنت أطل على الكون من ثقب باب عتيق، وأركب الأحلام في الزواريب الضيقة

مخيم خان الشيح حيث شاءَ القدر لهذا الرأس المعفر بالتاريخ والمهشم بالجغرافيا والمتلبس عيوناً أنهكها الدمع أن يسقط ..

خان الشيح هو التآلفُ بين البداوةِ وانفتاح المدى على نهر أعوج يَخيطُ أطراف المخيم ليشكل جغرافيا حدودها من فوق الطريق الى تحت النهر متكئةً على هواءِ سفوح جبل الشيخ .. هو كونفدرالية الحارات تحت سقف المخيم ، فالشوارع الضيقة تتشعب بك مستنداً على ذكريات عجوز أسند الهمَّ على بوابة الدار في حارة المواسى وحارة الخوالد، وتحملك العيون المنتظرة على عتبات الصبار الى حارة الصبيح وحارة الوهيب مروراً بدندنات دلعونا وظريف الطول بحارة السمكية وحارة السياد وحكايا الحنين في حارة الزنغرية … هو امتلاءُ الروح بعشق المكان ، وتخمةُ الجسد بتفاصيل الحكايا .. إنه همس الصبايا وجنون الليل على إيقاع مهباش القهوة وتعاليل الفرح يُشعلها أرغول طحيمر ويُؤجج نشوتها مجوز أبو حسن…
خان الشيح عبق الطفولة ممزوجاً برائحة البرد والطين ..

خان الشيح، شقاوة الحب وحكايا العشاق وأول قبلة ترطب هواء الوادي الناشف .. ليالٍ معطرة بورد الليل ومنسوجةً بعريشةٍ من عنب .. قلوب تآلفت حول كرة القدم وأطلقت مدن فلسطين على فرقها، حطين ويافا والقدس ..أيادٍ تمسكت بأطراف جرارات متخمة بالاطفال والعاملات يَسرُون مع الفجر لجَني الثوم وإشتعال الحكايا في بساتين الدرخبية ..مراهقون يعبثون بالحياة ويجمعون فوارغ الطلقات من حقل الرماية في مغامرة على أطراف الموت، ويسرقون بقايا البطاطا ونثار الفول من مساكب زاكية ثمنا لسيكارة.. طلابٌ يُسمعون الله صوت كتب الجغرافيا والتاريخ فوق سهول الشيح في رحلة البحث عن الأول … خان الشيح فدائيون بلا مكاتب، وشهداء بلا ملصقات، وشعراء بلا دواوين، وفلاسفة بلا أتباع، وشيوخ بلا مريدين، ونقاشات لاتنته حول الطريق إلى فلسطين .. خان الشيح اليوم أثار براميل موتٍ وغبارٍ ودمار.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: محمد إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *