بعد وقف إطلاق النار: حياة الغزيين بين المقابر والنفايات

عقب إعلان وقف إطلاق النار، تسللت إلى قلوب الغزيين نسمات خجولة من الأمل؛ أمل هشّ اعتقد فيه الناجون أن آلة الحرب توقفت أخيراً، وأن المعاناة التي أثقلت صدورهم لأشهر طويلة، ستجد طريقها إلى النهاية. بيد أن هذا الأمل لم يلبث أن تلاشى سريعاً أمام واقع أكثر قسوة؛ إذ اكتشف مئات الآلاف من سكان قطاع غزة أن وقف إطلاق النار لم يكن نهاية الألم، إنما بداية فصل جديد من المعاناة اليومية؛ فصل عنوانه التشرد القسري، والحرمان من العودة إلى المنازل، والعيش في أماكن لا تصلح للحياة الإنسانية، في جوار المقابر ومكبات النفايات.
منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كنا نعتقد أن نهاية الحرب ستعني بالضرورة نهاية معاناتنا. لم نكن ندرك آنذاك أن المعاناة قد تتخذ أشكالاً أُخرى بعد توقف القصف، وأن الألم يمكن أن يستمر حتى في لحظات الصمت التي تلي الحرب. تلك الحرب التي لم تدمّر البيوت فقط، بل أيضاً أعادت تشكيل حياة الناس ودفَعتهم إلى حافة الوجود.
في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025، أُعلن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة “حماس” في مدينة شرم الشيخ المصرية، برعاية الولايات المتحدة الأميركية ومصر وقطر. ودخل الاتفاق حيّز التنفيذ في اليوم التالي، بعد موافقة الحكومة الإسرائيلية وإعلان الجانبين تعليق العمليات العسكرية. ومع هذا الإعلان، انتعشت آمال الكثير من الغزيين في العودة إلى بيوتهم، أو على الأقل في تفقُّد ما تبقّى منها.
كان أصحاب البيوت السليمة أو المتضررة جزئياً يحلمون بالعودة السريعة من أجل ترميم الأضرار والسكن مجدداً، بينما علّق أصحاب البيوت المدمرة كلياً آمالهم في نصب خيام فوق الركام، باعتبارها خطوة أولى للتمسك بالأرض وعدم مغادرتها. وقد برزت وسط هذه الأحلام قصة جارنا أبو خالد، التي تختصر مأساة آلاف العائلات.
يقول أبو خالد -وهو رجل ستيني من شرق جباليا- إنه لم يفكر يوماً بمغادرة منطقته بصورة دائمة. فقد كان يردد باستمرار: “سأعود إلى منزلي المدمر، وسأضع خيمة فوق الركام.” لم يكن الركام بالنسبة إليه مجرد حجارة مكسورة، بل أيضاً كان ذاكرة كاملة تحتضن ضحكات أطفاله، ودفء الأيام التي أمضاها مع عائلته. فقد كان يقول إن ركام بيته أحبُّ إلى قلبه من القصور، لأنه يحمل تاريخه الشخصي والإنساني.
لم تتوقف أحلام أبو خالد عند حدود بيته فحسب، فقد كان يملك أراضي زراعية في منطقة بيت لاهيا، وكان قد وعد جيرانه وأصدقاءه بأنه سيحوّل هذه الأراضي إلى مركز إيواء موقت، ينصب فيه خياماً للعائلات التي فقدت منازلها. كان يرى في ذلك واجباً إنسانياً قبل أن يكون مبادرة شخصية، وخصوصاً في ظل حجم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب.
لكنه اصطدم بعد إعلان وقف إطلاق النار بواقع صادم. فقد حاول العودة إلى منزله المدمر في شرق جباليا، كما حاول الوصول إلى أراضيه الزراعية في بيت لاهيا، ليكتشف أن المنطقة بأكملها صُنفت “منطقة حمراء” تخضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي. يقول أبو خالد إن ابنه الأكبر خالد حاول التوجه إلى المكان عدة مرات، إلاّ إن الجنود أطلقوا النار عليه مباشرةً؛ الأمر الذي اضطره إلى التراجع حفاظاً على حياته.
وفي هذا السياق، يروي خالد كيف شاهد جثث عدد من الجيران الذين حاولوا العودة إلى منازلهم بعد وقف إطلاق النار. كما يؤكد أبو خالد أن مئات الغزيين قُتلوا منذ إعلان الهدنة في أثناء محاولتهم تفقد بيوتهم أو العودة إليها، في مشهد يعكس هشاشة مفهوم “وقف إطلاق النار” على أرض الواقع.
اليوم، يعيش أبو خالد وعائلته في خيمة نُصبت بجانب مقبرة عشوائية في مدينة دير البلح جنوبي قطاع غزة. وتضم هذه المقبرة عشرات الشهداء مجهولي الهوية، الذين لا تزال عائلاتهم غير معروفة؛ إذ يعلّق أبو خالد قائلاً: إن العيش في جوار القبور لم يكن خياراً، إنما كان اضطراراً فرضته الأحوال القاسية وانعدام البدائل.
تصف تالا -حفيدة أبو خالد- كيف تغيّرت حياتها بصورة جذرية؛ إذ تقول إنها كانت تخاف في السابق من المرور بجانب المقبرة في طريقها إلى المدرسة، ولذلك كانت تختار طريقاً أطول لتجنبها. أمّا اليوم، فلا يوجد طريق آخر. تقول تالا بصوت خافت: “إذا أردتُ شراء بسكوت أو الذهاب إلى الخيمة التعليمية، فلا يوجد سوى طريق المقبرة”؛ إذ أصبح هذا الطريق جزءاً من يومياتها، ومن طفولة تُجبرها على التعايش مع الخوف والموت في آن واحد.
يعاني أبو خالد وعائلته جرّاء أوضاع الخيام القاسية؛ إذ ترتفع درجات الحرارة بطريقة خانقة في فصل الصيف، فتتحول الخيمة إلى ما يشبه الفرن المغلق، حيث لا هواء يتجدد فيه ولا وسيلة للتخفيف من الحر إلاّ بفتح فتحات صغيرة لا تكاد تكفي للتنفس. ونتيجة ذلك، يجلس أفراد العائلة ساعات طويلة خارج الخيمة هرباً من الحرارة، بينما يعاني الأطفال وكبار السن جرّاء الإرهاق والجفاف، في ظل شح المياه الصالحة للاستخدام وانعدام وسائل التبريد البسيطة. أمّا في فصل الشتاء، فتنخفض درجات الحرارة داخل الخيمة بصورة حادة، وتصبح الأرض الرطبة مصدراً دائماً للبرد؛ بحيث تتسرب مياه الأمطار إلى داخل الخيام، وتغمر الأغطية والفرشات، وهو ما يضاعف من معاناة العائلة ويجعل النوم ليلاً مهمّة شاقة.
ولا تقتصر المعاناة على الأحوال المناخية فحسب؛ إذ تفوح من المقبرة العشوائية المجاورة روائح كريهة بصورة شبه دائمة، وخصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة؛ وهو ما يجعل الجلوس داخل الخيمة أو خارجها أمراً شديد الصعوبة. يقول أبو خالد: إن هذه الروائح لا تثير الاشمئزاز فقط، بل تترك أيضاً أثراً نفسياً عميقاً في أطفاله الذين يعيشون في حالة خوف وقلق دائمين. في ساعات الليل، يزداد هذا الخوف مع غياب الإضاءة وانتشار الحشرات؛ بحيث تتحول المقبرة إلى مصدر رعب للأطفال، وتصبح أصوات الرياح وحركة الحيوانات الضالة كابوساً يومياً.
يقول أبو محمد بصوت مثقل بالتعب: “إن العيش في جوار النفايات لا يسرق منهم الراحة فقط، بل أيضاً ينهك صحتهم وكرامتهم يوماً بعد يوم.” ويعلّق: “في الليل نحاول النوم، لكن الرائحة أقوى من التعب. أحياناً نغطي أنوف أطفالنا بقطع قماش مبللة، ومع ذلك لا نستطيع النوم لساعات”، كما يشير إلى أن أكوام القمامة تحيط بالخيام من كل جانب، ومع غياب أي نظام لجمع النفايات، تتحول المنطقة مع الوقت إلى بؤرة مفتوحة للحشرات والقوارض. ويشير إلى أن أطفاله يعانون جرّاء التهابات جلدية مستمرة، وسعال متكرر، وحالات إسهال، مؤكداً أنه لا يعرف إن كانت هذه الأمراض ناتجة من التلوث أم من المياه غير النظيفة؛ إذ يعلّق: “لكننا نعيش وسط القاذورات، وهذا وحده كافٍ ليجعل المرض ضيفاً دائماً في خيمتنا.” ويشرح أن الوصول إلى مراكز طبية بات صعباً، وأن الأدوية في الأغلب غير متوفرة، وهو ما يضطرهم إلى الاكتفاء بالمسكنات أو الوصفات البسيطة.
بالإضافة إلى ذلك يقول أبو محمد إن حرق النفايات، على الرغم من مخاطره، فقد أصبح خياراً قسرياً لبعض العائلات. “نحرق القمامة لنهرب من الرائحة، لكن الدخان يخنقنا أكثر. تضيق صدورنا، وتحترق أعيننا، ومع ذلك لا يوجد حل آخر.” إن هذا الواقع يعكس حجم الإهمال الذي يعيشه النازحون بعد وقف إطلاق النار ويؤكده، فقد تُركوا لمواجهة مصيرهم من دون دعم حقيقي.
أخيراً، يختم أبو محمد شهادته بالقول: “نحن لا نطلب رفاهية، نطلب فقط مكاناً نظيفاً نعيش فيه بكرامة. وقف إطلاق النار أوقف القصف، لكنه لم يوقف معاناتنا. ما نعيشه هنا موت بطيء لا يراه أحد.”
وفي تصريح نُشر سابقاً، حذّر محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، من خطورة تراكم النفايات في مناطق النزوح، مؤكداً أن غياب الآليات والمعدات والوقود اللازم لجمع القمامة أدى إلى تفاقم الأزمة البيئية والصحية. وأشار إلى أن هذه النفايات تشكّل بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة، وخصوصاً في ظل الاكتظاظ السكاني ووجود آلاف الأطفال في مناطق غير صحية.
ليست معاناة أبو خالد وأبو محمد سوى نموذج لمعاناة جماعية يعيشها مئات الآلاف من الغزيين الذين لم يجدوا مكاناً يأويهم سوى في جوار المقابر ومكبات النفايات. لقد كشفت مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار أن الهدنة لم تكن نهاية المأساة، إنما كانت إعلاناً عن تحولها من حرب بالقصف والدمار إلى حرب أُخرى بالتشريد والإهمال والمعاناة اليومية الممنهجة.
لم تنتهِ الحرب في غزة بانتهاء القتال، فلا تزال مستمرة في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الطرقات التي يمر بها الأطفال، وفي الخيام التي لا تحمي ساكنيها، وفي الروائح التي تخنق الأنفاس، وفي حلم العودة الذي لا يزال مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
عن المؤلف: عهود نصار: كاتبة صحفية ومعلمة من شمال قطاع غزة.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية