بعد مرور عام: حان الوقت للتعامل مع الساحة الفلسطينية

منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، عاد إلى حياتنا مصطلح من عام 1973 – ” التصور ” . التصور هو ليس بالضرورة مفهومًا سلبيًا. فهو الرابط الضروري بين فهم الواقع والواقع نفسه. ولكن من المناسب أن يصف هذا – الرابط أي ” التصور ” – الواقع الحالي والمعقد بشكل صحيح . ما هو التصور الذي تبدد في عيد سمحات هتوراة في السابع من أكتوبر 2023 ؟ يعتمد الأمر على من تسأل وما هو موقفه الأصلي بشأن الساحة الفلسطينية.
مع مرور سنة على السبت الأسود، وحيث في الخلفية هناك اتفاق على أن التصور بأن حماس ضعيفة وخائفة قد تبدد ، فمن الضروري مناقشة تصورين مركزيين آخرين قد تبددا ، والإشارة إلى العبرة المدوية القائلة بأن إسرائيل تحتاج إلى تصور واستراتيجية جديدين.
- أحد التصورات التي تبددت هو أن الساحة الفلسطينية ليست عائقاً أمام العلاقات مع العالم العربي
رمزت اتفاقيات أبراهام إلى عصر يوم جديد حيث أنها أزالت عائق الساحة الفلسطينية (“الفيتو الفلسطيني”) وأتاحت المجال لإقامة علاقات ثنائية بين إسرائيل ودول عربية اسلامية امتنعت عن ذلك علناً حتى الآن . قبل الاتفاقيات، كانت المقولة العربية ، بترويج فلسطيني ، هو أنه بدون حل للقضية الفلسطينية، لن تتمكن إسرائيل من التمتع بقبولها الكامل في الشرق الأوسط .
ولكن ، في سبتمبر/أيلول 2020، أزالت الإمارات العربية والبحرين والمغرب هذا العائق، وما زالت العلاقات معهم قائمة حتى خلال الحرب.
بالنسبة للفلسطينيين، لم تكن هذه الاتفاقيات أقل من خيانة ورمزت إلى تراجع أهميتهم بنظر دول المنطقة. وقبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كانت هناك عملية لدفع التطبيع مع السعودية، وهي خطوة كانت ستضاف إلى هذا الاتجاه المتمثل في دفع الفلسطينيين إلى الهامش . وهناك اعتقاد بأن خطوة حماس كانت تهدف إلى إفشال الصفقة الإسرائيلية – السعودية، التي شكلت أيضا تحدي للراعي الإيراني لحماس . وسواء كان توقيت هذه الخطوة مقصودًا أم لا، فإن الهجوم القاتل الذي نفذته حماس أخرج التطبيع عن مساره والآن هناك مطلب سعودي لاتخاذ خطوات نحو إقامة دولة فلسطينية – وهي خطوات ستجد إسرائيل صعوبة بالغة في تنفيذها في ظل المناخ السياسي الحالي.
وبعيدًا عن مسألة التطبيع، ذكّر هجوم حماس الإسرائيليين بالتهديد الأساسي الذي تشكله الساحة الفلسطينية على إسرائيل . فعلى النقيض من العقد الماضي، عندما كان هناك شعور بأن التهديد الفلسطيني يقتصر على لحظات ذروة لبضع ساعات أو أيام – سواء بعد هجوم أو عملية في غزة – وبعد ذلك يعود السلام والاستقرار . فإن سنة من الحرب في غزة خلقت لنا واقعاً جديداً لا نعرفه تشكل فيه الساحة الفلسطينية مسألة أساسية لا يمكن تجاهلها في الأمن القومي الإسرائيلي . - التصور الثاني الذي تبدد : من الممكن إدارة الصراع .
منذ عام 2014 لم تكن هناك أي محاولة لإحياء العملية السياسية وتشكل تصور بأن الصراع يمكن إدارته وربما حتى تقليصه، لكن ليست هناك حاجة أو قدرة على السعي إلى اتفاق دائم. وامتنعت إسرائيل عن اتخاذ موقف واضح بشأن مستقبل الصراع ، وانشغلت عمليا مع السلطة الفلسطينية في الصراع على الأراضي في المنطقة C وإضعاف السلطة اقتصاديا وتثبيت حقائق على الأرض .
ومن جانبها، ركزت السلطة الفلسطينية على “تدويل” الصراع (أي جعله دولياً)، على أساس أن وسيلة الضغط على إسرائيل لقبول التنازلات هي الاستعانة بالضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية.
وفي ظل الفراغ السياسي، ازدادت قوة العناصر المتطرفة، ذات المواقف والأيديولوجيا، التي تعمل على تغيير الواقع من خلال استخدام الإرهاب العنيف. والأكثر سيطرة بينها بالطبع هي حركة حماس، التي استغلت ضعف السلطة الفلسطينية، وانتشار الفساد في أعلى قيادتها، وأزمة الشرعية التي تعيشها نتيجة عدم قدرتها على دفع الإنجازات السياسية مقابل إسرائيل . وفي مقابل ما كشفت عنه استطلاعات الرأي الأخيرة في المجتمع الفلسطيني، فإنه من الصعب تقدير الرأي العام الفلسطيني بصورة واضحة ، ولكن اتجاه تعاظم قوة حماس على حساب فتح يمكن رؤيته على أرض الواقع، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية .
استغلت حماس رغبة إسرائيل في السلام والاستقرار، وتجاهل إسرائيل لنوايا المنظمة المعلنة، من أجل بناء قوتها العسكرية في قطاع غزة. وبشكل ينطوي على مفارقة فإنه بعد كل عملية عسكرية في قطاع غزة، خرجت حماس قوية شعبيا رغم الأضرار الكبيرة، واستغلت فترات وقف النار من أجل تعزيز قوتها . إسرائيل الرسمية عرفت ذلك حيث أن الهيئة الأمنية حذرتها ، ولكن طالما أن الخيار الوحيد الذي كان مطروحا على الطاولة هو إدارة الصراع، فإن إسرائيل فرضت على نفسها ديناميكية الجولات القتالية لتقويض القدرات ومحاولة الحفاظ على برميل الحريق الفلسطيني تحت عتبة الأنفجار في الوقت الذي كان فيه من يقترب نحو البرميل وفي يده عود الثقاب . - تصور مطلوب : العرب هم مفتاح التحسن المطلوب مقابل الفلسطينيين
بعد حوالي عام من الحرب، تواجه إسرائيل العديد من التحديات : حرب متعددة الساحات وطويلة ، ونهايتها غير واضحة، ضغوط سياسية كبيرة، مخطوفون في قطاع غزة، مواطنون نازحون لا يستطيعون العودة إلى منازلهم في المستقبل المنظور، اقتصاد منكمش ونظام ايراني يعمل على رسم الشرق الأوسط لغير صالح إسرائيل ، ويتعرض لها بشكل مباشر وأيضا بواسطة وكلاء . ولكن إلى جانب التهديدات هناك أيضاً فرص : إدخال أوساط عربية معتدلة للتدخل في قطاع غزة وإنشاء تحالف يعزز من مكانة إسرائيل الإقليمية ويشارك في النضال ضد إيران .
إن التغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تفتح نافذة فرص أمام إسرائيل لخلق رؤية إقليمية مشتركة مع الدول العربية السنية، تتضمن تجفيف حماس وتعزيز العناصر المعتدلة في السلطة الفلسطينية، ولكن من أجل تحقيقها سيتعين على إسرائيل الالتزام بالأفق السياسي لدولة فلسطينية منزوعة السلاح. ويجب أن لايتوهم أحد بأن هذا سيحدث صباح الغد، لكن المطلوب من إسرائيل هو القيام بخطوات داعمة. ومن جانبها، ينبغي لإسرائيل أن تطالب بإصلاحات عميقة في السلطة الفلسطينية، بما في ذلك وضع حد للتحريض في نظام التعليم ووضع حد لآلية دفع الرواتب للمخربين ، والمضي قدمًا على أساس الأداء على الأرض.
لقد حان الوقت لكي يحدد قادة الدولة إستراتيجية لإسرائيل للتعامل مع المسألة الفلسطينية . في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، شهدت دولة إسرائيل الأسوأ على الإطلاق، صدمة تؤكد ضرورة التركيز على عامل الأمن ونزع السلاح في أي تسوية مستقبلية . من المهم تحديد أهداف صحيحة على أساس تصور جديد للتطلع إلى التسوية وتعزيز اجراءات من واقعين يرفعان من قيمة إسرائيل ومكانتها في العالم، ولكن هذا يحتاج إلى استراتيجية منهجية وبعيدة المدى ومنيعة أمام التقلبات السياسية وتضع نصب عينيها صالح دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
المصدر: موقع واللا العبري