بعد عملية الخليل :قرارات الكابينيت، هل هي انقلاب في المقاربة الأمنية أم تكتيك دعائي؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تقديم :
“الكابينيت” وهو لجنة وزارية خاصة مؤتمنة على بلورة سياسات الحكومة وقيادتها وتطبيقها في مسائل العلاقات الدولية والامن القومي وهو هيئة مستدامة منذ العام 1948. في الكابينيت دائرتان؛ الواسعة وتشمل ممثلين عن كل احزاب الائتلاف الحاكم، والمقلصة المعنية بالقضايا السرية للغاية والتي تجمع مجموعة محدودة يحددها رئيس الحكومة ويشارك فيها وزير الامن وقيادة الاجهزة الامنية ورئيس مجلس الامن القومي، وأحيانا بمشاركة المستشار القانوني للحكومة، وهي تبحث في مسائل وخطوات ذات بعد استراتيجي. كما يحدث ان يتم تخويل رئيس الحكومة ووزير الأمن باتخاذ القرارات العملياتية الحساسة مقابل الجيش او الموساد والشاباك. اعضاء الكابينيت السياسي الامني يوقعون بشكل قانوني على السرية، ولم تحصل سابقة تسريبات حقيقية.


في التفاصيل :
حظي اجتماع المجلس الوزاري للشؤون السياسية والامنية (الكابينيت) والذي عقد يوم 22/8/2023 غداة عملية الخليل (21/8) ، باهتمام اعلامي قلّ مثيله ، اسرائيليا أم فلسطينيا.
التصريحات الموحية بأن اسرائيل ستبدأ بالاغتيالات والتصفيات للقيادات “لتي تقف وراء العمليات” والاشارة الى “المسؤولين والممولين من بعيد او من قرب” يضاف اليها هالة السرية التي احاطت باجتماع المجلس الوزاري المصغر، تبدو للاستهلاك الداخلي سياسيا، اكثر منها للتورط في حالة حرب تحتاجها حكومة نتنياهو سياسيا وتخشاها إسرائيل استراتيجيا، ثم تلاها الانباء عن غضب نتنياهو عن تسريب مكنونات ما دار في الاجتماع وهو خبر يثير العديد من التساؤلات ومنها: هل “التسريبات” من الكابينيت هي بقرار من نتنياهو نفسه ام فوضى ادارته؟، وهل التسريبات موجهة للإسرائيليين ام للفلسطينيين؟، ولماذا التركيز الاعلامي الاسرائيلي على التسريبات ولماذا التركيز الاعلامي الفلسطيني على مضمون التسريبات باعتباره موثوقا؟
كما تابع الاعلام الاسرائيلي أخبارا مفادها بأن “الفصائل في غزة تخلي مواقعها خوفا من الاغتيالات” وذلك وفقا لموقعي “واللا ” و “واينت” ، في المقابل سادت تكهنات فلسطينية واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي بالتخمينات بشأن المقصد من كل خطوة اسرائيلية.


تحليل:
يشهد الائتلاف الحاكم تضاربا في المواقف ظهر في سياق ردود الفعل على عملية الخليل، كما هناك تخوف حقيقي يعبر عنه ممثلو الجيش والشاباك والموساد بشأن احتمالية تسريب معلومات وتقديرات، خاصة من قبل وزير الامن القومي ايتمار بن غفير الذي تم استبعاده من تركيبة الكابينيت المقلّص لهذا السبب. في هذا السياق شن المستوطنون من خلال مجلس المستوطنات والنواب والوزراء من تيار الصهيونية الدينية حملة ضد وزير الامن وقيادة الاركان، باعتبار التوجهات احتوائية للحالة وليست تصعيدية، بمفهوم “الانتقام” وفرض الطوق والاجتياح والاغتيالات.
كان لافتا ان معظم التسريبات لوسائل الاعلام وفائض اهتمام الاخيرة بالاجتماع، يعود مصدرها الى مكتب رئيس الحكومة وتحت مسمى “مسؤول كبير رفض الافصاح عن اسمه”، وقام الاعلام بالتركيز عليها والترويج لها. في الحرب الحديثة فإن معظم المعلومات التي ترشح من اجتماعات سرية، هي مقصودة وموجّهة وليست بالضرورة صحيحة وليست بالتسريبات فعلا، وانما لها أكثر من وظيفة في اطار ما يعرف بالإعلام الحربي.
جاءت التسريبات تجاه الاسرائيليين لتخلق حالة من القناعة بأن الحكومة قامت بتغيير النهج المعتمد في السنوات الاخيرة وقررت الانتقال الى النهج الهجومي لا الاحتواء، وخلق الانطباع بأن الضربة التي تعدها للفلسطينيين سوف تغير من قواعد اللعبة وتردعهم وتقوم ب “تدفيعهم الثمن”.
تدرك الحكومة بأن “تسريب” المعلومات بشأن العودة الى الاغتيالات من شأنه ان يجعل معظم القيادات المستهدفة تتخذ الحيطة وتغير مسار حياتها اليومي الى حين، وفي المقابل لا تسرع المؤسسة الامنية الى تبني سياسة الاغتيالات والتصفيات باعتبارها قد تدفع نحو جبهة مشتعلة ومواجهة عسكرية واسعة، عادة ما لا تخدم اسرائيل.
أما تجاه الفلسطينيين، فالهدف خلق حالة من الترقب والقلق لدى كل المستويات القيادية والميدانية للفصائل سواء في الضفة ام غزة ام خارج فلسطين، بل وحتى ضد جهات اقليمية ملمحة الى ايران وحزب الله. تنطلق هذه الرسالة من اعتبار اسرائيل للفصائل الفلسطينية بأنها تقوم بدور وكلاء الحرب (بروكسي) لصالح جهات اقليمية وخاصة إيران وفقا لنتنياهو، وبأن عناصر المقاومة الفلسطينية ميدانيا، لا يتحركون بدافعية ذاتية بل هناك من يدفعهم لذلك، وهذا بخلاف تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية التي نشرها موقع واينت مؤخرا. هدف اخر هو خلق حالة من الفوضى والارتباك فلسطينيا تسهل على الاحتلال عمليات الاستهداف، يضاف اليها حالة من الارباك السياسي تخلق التوتر في الحالة الفلسطينية العامة. بهذا تعتبر اسرائيل ان الانشغال الفلسطيني الكبير وغير العادي باجتماع الكابينيت هو هدف بحد ذاته ، يخلق حالة من الردع القائم على تناقض الرؤى الفلسطينية حسب التقدير الاسرائيلي.
بخلاف جبهات فلسطينية وعربية اخرى، ففي الضفة الغربية لا يوجد لدولة الاحتلال بنك اهداف يتم اعدادها مسبقا لاستهدافها في اول عملية عسكرية، فالمنطقة بالكامل تخضع للسيطرة الاسرائيلية العسكرية سواء من خلال الطرق الالتفافية او من خلال الاستيطان والحواجز والقواعد. كما ان خلق حالة ردع تعمل من حيث المبدأ تجاه جهات منظمة وليس تجاه شعب.

الخلاصة:
• تبدو “التسريبات” الأمنية، أنها جاءت لتلبية احتياجات سياسية اسرائيلية داخلية وليست محصورة بالجانب العملياتي الامني.
• تبنّي اوساط فلسطينية اعلامية وفي وسائل التواصل الاجتماعي لجوهر “التسريبات” باعتباره حقيقة، قد يكون نوعا من الوقوع في فخ الحرب النفسية الاسرائيلية وهي جزء لا يتجزأ من السياسات العدوانية. وقد تدفع الى توتر فلسطيني داخلي بدلا من الانشغال في اولوية الحماية الشعبية والصمود والبقاء.
• من الاهمية بمكان التشكيك بأية رواية رسمية اسرائيلية والامتناع عن تبنيها كما يريد اصحابها. ذلك لا يلغي بالطبع حالة الحذر واتخاذ كل الاحتياطات والإجراءات الوقائية الطبيعية التي تعي جيدا ان المنطقة الفلسطينية بأكملها تخضع للسيطرة العسكرية والأمنية الاحتلالية .
عن: مركز تقدم للسياسات

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: أمير مخوّل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *