بعد بناء “جدار غزة” الحديدي: إسرائيل تتحوّل إلى “رائدة” في مجال صناعة الجدران العازلة!


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

في نهاية العام 2021، انتهى الجيش الإسرائيلي من بناء جدار بطول 65 كيلومترا حول قطاع غزة. وضخّت إسرائيل مليارات الشواكل في عملية البناء هذه التي استمرت حوالي ثلاث سنوات ونصف السنة. وقد دشنت إسرائيل الجدار في مطلع شهر كانون الأول من العام السابق 2021، من خلال احتفال رسمي حضره وزير الدفاع بيني غانتس، ونائبه، ورئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي بالإضافة إلى رؤساء المجالس المحلية للبلدات الإسرائيلية المحيطة بغرة. في حفل التدشين، قال غانتس بأن الجدار هو مشروع تكنولوجي من شأنه أن يحرم “حماس” من إحدى القدرات التي كانت تحاول تطويرها وهي الأنفاق. وأضاف أن الجدار يهدف إلى وضع حاجز حديدي وخرساني وأجهزة استشعار بين

“حماس” وسكان الجنوب. وختم غانتس خطابه بالقول بأن “هذا الجدار سيساعد هذه المنطقة الجميلة بالاستمرار في النمو والازدهار”.    1

هذه المقالة تتناول مشروع بناء الجدار حول قطاع غزة، وتنظر إلى إسرائيل كدولة رائدة على صعيد العالم في بناء جدران العزل، كفكرة وصناعة باتت رائجة عالميا ومنتشرة في العديد من دول العالم بحيث أن إسرائيل هي بمثابة نموذج يحتذى به.

أولا، ما هو جدار غزة التكنولوجي الإسمنتي؟

بدأت فكرة الجدار في العام 2014 في أعقاب المعركة التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم “الجرف الصامد”. وحسب تقرير نهاية العام الذي أصدره الجيش الإسرائيلي لتلخيص أعماله خلال 2021، 2 فقد بدأ العمل في الجدار العام 2017 واستمر نحو ثلاثة أعوام ونصف العام. ويصل ارتفاع الجدار إلى حوالي 6 أمتار فوق سطح الأرض ويمتد إلى عشرات الأمتار تحت سطحها. ويهدف الجدار إلى حماية الإسرائيليين من خطر الأنفاق التي وقف الجيش عاجزا عن محاربتها، أو التكهن بمكانها خلال معركة 2014. وقد أقام الجيش الإسرائيلي حوالي 6 مصانع باطون على طول قطاع غزة لتوفير مواد خام لبناء الجدار. بالإضافة إلى ذلك، استخدم الجيش حوالي 140 ألف طن من الحديد والفولاذ. والجدار هو الجزء الأساس من بنية تحتية تكنولوجية أوسع يطلق عليها الجيش اسم “الجدار الإسمنتي الدلالي” كون البنية تشمل عشرات أبراج المراقبة، ومئات الكاميرات بالإضافة إلى وسائل إنذار مسبق ومجسات حساسة. في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، والتي اندلعت في أيار 2021، ادعى الجيش الإسرائيلي بأن الجدار الذي كان في المراحل الأخيرة من بنائه كان قد حقق نجاحا مطلقا في إفشال الأنفاق التي حفرتها المقاومة الفلسطينية للتسلل إلى العمق الإسرائيلي.

ثانيا، كيف يختلف جدار غزة عن جدار الضفة الغربية؟

يختلف جدار غزة عن جدار الضفة الغربية في العديد من النواحي المتعلقة بمنطق عمل الحدود الفاصلة ونوعية التكنولوجيا المستخدمة. بالنسبة لجدار الضفة الغربية والذي بدأ العمل فيه العام 2002 ويمتد على طول 720 كم، فإنه يعمل بناء على أسس إثنية- قومية، أي أنه جدار عازل فيما يخص السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية لكنه يعتبر ممرا مفتوحا وآمنا بالنسبة للمستوطنين. بمعنى أن جدار الضفة يعمل وفق المنطق الإسرائيلي القائل: “هم هناك، بينما الإسرائيليون هنا وهناك”. لكن جدار غزة يعمل وفق منطق مغاير وهو أن “الفلسطينيين هنا والإسرائيليين هناك”. هذا التمييز له دلالات في الأدبيات المتعلقة بدراسات الحدود والتي تميز ما بين الجدار العازل والجدار الحابس. إن جدار غزة الحابس يهدف بالأساس إلى تحويل غزة إلى سجن كبير وحبس سكانه بداخله دون الحاجة إلى تنظيم عبورهم ومرورهم، وهو بذلك يحول القطاع إلى غيتو كبير. بينما جدار الضفة لا يهدف إلى حبس سكان الضفة الفلسطينيين، وإنما إلى عزلهم وحسب. والعزل يعني تحويلهم إلى سكان غير مرغوبين أو خطرين، لكن يمكن تنظيم عبورهم وتدفقهم إلى داخل إسرائيل وفق نظام تصاريح يميز ما بين الدخول لغايات العمل، أو السياحة أو العلاج، ويصنف أصحاب حق المرور من خلال ملف أمني يساهم في عمليات إدارة السكان وتطويعهم وحثهم على التصرف وفق التوقعات المرغوبة لدى إسرائيل.

من جانب آخر، ثمة مقارنة أخرى يمكن إحداثها ما بين جدار غزة وجدار الضفة الغربية وتتعلق بمنطق عمل الاستعمار الاستيطاني لأن للجدران وظيفة تتعلق بالأرض أيضا وليس فقط بالسكان المنوي عزلهم أو حبسهم. فجدار الضفة الذي أحيانا يطلق عليه الفلسطينيون اسم “جدار الضم” لم يتم بناؤه تماما وفق مسار الخط الأخضر، وإنما كان في بعض الأحيان يتعمق داخل أراضي الضفة الغربية وقد قضم منها فعليا حوالي 10% وضمها إلى إسرائيل كونها أصبحت على الجانب الإسرائيلي من الجدار. بينما جدار غزة أقيم تماما على الحدود الفاصلة ما بين إسرائيل والقطاع. بالنسبة لدولة استعمار استيطاني كإسرائيل، فإن الأمر يحمل دلالات هامة فيما يتعلق بعلاقة إسرائيل بأراضي الضفة الغربية وأراضي قطاع غزة. فأثناء عملية بناء جدار الضفة ما بين 2002 و2005 (وهي الأعوام التي تم فيها بناء القسم الأكبر من الجدار) تعامل المخططون الإسرائيليون مع جدار الضفة باعتباره جدارا تخوميا (frontier) بمعنى أنه تحول إلى أداة للتوسع الإسرائيلي على الأرض وضم أكبر مساحات ممكنة من الضفة الغربية إلى إسرائيل. لكن حتى بعد الانتهاء من بناء الجدار، ما يزال جدار الضفة يعتبر تخوميا في وظيفته كونه مرسوما بشكل متعرج ومعقد جدا ويدخل على شكل ألسن داخل العديد من المناطق لتطويق تجمعات استيطانية وفصلها عن تجمعات فلسطينية داخل الضفة الغربية. وعليه، هو ليس بالضبط جدارا عازلا ما بين الضفة الغربية وإسرائيل بقدر ما هو جدار عازل ما بين أراضي الفلسطينيين وأراضي الإسرائيليين حتى داخل الضفة الغربية نفسها. في المقابل، فإن جدار غزة لا يعتبر جدارا تخوميا، وانما جدار فاصل (border) ويفصل بشكل واضح ما بين أراضي غزة وأراضي إسرائيل. ففي النهاية، لا ترى إسرائيل في أراضي غزة احتياطيا إضافيا من الأراضي يمكن التوسع عليها لفرض السيادة الإسرائيلية وتوطين مستوطنين جدد كما هو الحال في أراضي الضفة الغربية. ومن هنا، فإن وظيفة ومنطق عمل جدار غزة يختلف تماما عن جدار الضفة.

ثالثا، إسرائيل رائدة عالميا في مجال صناعة الجدران!

في العام 1989، سقط جدار برلين الذي كان يفصل ما بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. وقد اعتبرت هذه لحظة فارقة في حياة العالم كونها رمزت إلى انهيار الحدود وتحول العالم إلى قرية صغيرة تتسم الحركة فيها بالانسيابية والتدفق. لكن هذا ليس صحيحا؛ بل إن انهيار جدار برلين شكل بداية عهد جديد تحولت فيها الجدران العازلة إلى موضة عالمية. اليوم هناك العشرات من الجدران الفاصلة في العالم والتي تحاكي في تفاصيلها ومنطق عملها الجدران التي تقيمها إسرائيل. في مدينة ليما في البيرو مثلا، أقام الأغنياء في العام 1985 جدارا بطول 6 أميال لفصل الأحياء الغنية عن الأحياء الفقيرة ويطلق عليه اسم “الجدار المخجل”. في نيقوسيا في قبرص أيضا، هناك جدار بطول 120 كيلومترا ويفصل ما بين السكان المسيحيين الأرثوذكس وما بين السكان المسلمين الأتراك. أما في شمال المغرب، فهناك مدينتان هما مدينة سبتة ومدينة مليلة واللتان ما تزالان تحت السيادة الإسبانية على الرغم من أنهما مقامتان على أراض مغربية في القارة الأفريقية. يحيط بكل مدينة جدار عازل ضخم تمت إقامته في العام 1995 للحد من دخول اللاجئين الأفارقة إلى أوروبا، لكنه لا يمنع الأوروبيين من دخول أراضي المغرب بحرية شبه مطلقة. ولعل أشهر الجدران الفاصلة هو الذي يفصل ما بين الولايات المتحدة والمكسيك والذي يصل طوله إلى حوالي ألفي ميل. في العام 2019، بدأ رئيس الولايات المتحدة في حينها، دونالد ترامب، مشروعا جديدا لاستكمال بعض النواقص وإضافة حوالي 500 ميل جديد من الجدار الفاصل ما بين الدولتين. إضافة إلى ذلك، هناك جدار صخم ما بين هنغاريا وصربيا يمتد على طول 100 ميل، وجدار فاصل ما بين الهند وباكستان وما بين الهند وبنغلاديش، بالإضافة الى عشرات الجدران الأخرى. 3

وتعتبر إسرائيل رائدة على مستوى العالم في تطوير وبناء العوازل والجدران الضخمة. فإسرائيل تعتبر دولة الجدران إذ أنها اقامت جدار الضفة العام 2002، ثم جدارا مع سيناء في العام 2012، ثم جدارا مع لبنان في العام 2018، وأخيرا جدارا مع غزة تم استكماله في العام 2021. لكن صناعة الجدران بالنسبة لإسرائيل لا تتوقف على صب الإسمنت ووضع الحواجز، بل إنها صناعة ضخمة تقوم على علوم إدارة السكان، والضبط والمراقبة، واستخدام التكنولوجيا المتطورة والتقنيات العالية في حماية الحدود ومعرفة كل ما يحصل ما وراء الحدود. ولهذا السبب تعتبر إسرائيل بمثابة “وادي السيلكوم” في صناعة الجدران إذ إن هناك عشرات الشركات الإسرائيلية التي تعمل في مجال البحث والتطوير في كل ما يتعلق بصناعة الجدران والحواجز والعوازل والبوابات الإلكترونية وأنظمة الرقابة المتعلقة بإدارة السكان، وكل هذه الصناعات تدخل في بناء الجدران العازلة. أهم الشركات في إسرائيل هي: شركة أكرشتيان التي لديها مصانع في مستوطنات داخل الضفة وتعمل في مجال إدارة السكان وتطوير نظم رقابة وجدران عازلة، وشركة أفكون القابضة، ومجموعة أشترون القابضة، وشركة الأخوة باردارين الحبيبة على الجيش الإسرائيلي، وشركة كول غيدير وغيرها. 4 لكن إسرائيل تحولت أيضا إلى مستقطبة لعشرات الشركات العالمية والتي تقيم معامل وورشات تجارب وتصنيع في أنحاء إسرائيل والضفة الغربية باعتبار أن المنطقة أرضية خصبة لتطوير صناعات الجدران العازلة وتسويقها على مستوى العالم. مثلا، قامت دولة المغرب بالاستعانة بالتكنولوجيا والخبرات الإسرائيلية لبناء جدار فاصل ما بين المغرب والصحراء الغربية. 5 كما أن الهند استدعت إسرائيل لتخطيط الجدار مع باكستان. وتعتبر شركة ميغال الإسرائيلية إحدى أهم الشركات الأمنية الخاصة والتي تطورت من خبراتها في إسرائيل وتعمل على تصدير صناعة الجدران إلى العالم. فهذه الشركة التي ساهمت في بناء جدار إسرائيلي مع سيناء حصلت على عقود لبناء جدران مماثلة في كينيا والصومال. وقد نشرت صحيفة “جروزاليم بوست” تقريرا في العام 2016 يعكس مدى حضور القطاع الخاص الإسرائيلي العامل في صناعات الجدران على الصعيد العالمي. 6 وبعد فوز ترامب في انتخابات العام 2016، ارتفعت أسهمها في بورصة الناسداك الأميركية بشكل ملموس لأن ترامب كان أعلن عن نيته الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في تطوير جدار عازل بين الولايات المتحدة وكند

1 يانيف كوبوفيتش، بطول 65 كم حول قطاع غزة: الانتهاء من بناء الجدار حول القطاع، هآرتس، 7 كانون الأول 2021. أنظر الرابط التالي: https://www.haaretz.co.il/news/politics/1.10446352

2للاطلاع على كل التقرير، أنظر موقع الجيش الإسرائيلي على الرابط التالي: https://bit.ly/3mPmO6W (آخر دخول بتاريخ 2 كانون الثاني 2021).

3 James Pasley, “16 Significant Walls Dividing People, Cities, and Countries across the World,” Business Insider, accessed January 1, 2022, https://www.businessinsider.com/photos-walls-cities-borders-creating-division-2019-9.

4للاطلاع على قائمة كل الشركات الإسرائيلية والعالمية المتورطة في تطوير صناعة الجدران في الضفة الغربية، أنظر الرابط التالي: https://bit.ly/3mJnoTC (آخر دخول بتاريخ 2 كانون الثاني 2021)

5حول علاقات إسرائيل مع المغرب أنظر الدراسة التالية: https://bit.ly/3FNwgPs (آخر دخول بتاريخ 2 كانون الثاني 2021)

6el Zeff, “Israeli Fence-Tech Company Doing Great after Trump Win,” Jerusalem Post, 19 Nov 2016. See: https://bit.ly/32Uop41

عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: وليد حباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *