بطريرك الشعب – الأب ميشيل صباح واللاهوت المقاوم

تتمتع فلسطين بثلاث مزايا لا توجد في أي بلد آخر. فالبلاد على صغرها موئل الدين المسيحي، في بيت لحم ولد السيد المسيح وعاش في الناصرة، وبقية أرجاء فلسطين وصلب أو «شبه لهم» في القدس، لذلك فأفئدة المسيحيين في العالم تحنو إلى فلسطين وتتمنى زيارتها، إضافة إلى الدين المسيحي فالقدس والمسجد الأقصى «الذي باركنا حوله» مهوى أفئدة المسلمين، حيث أسري برسوله محمد «عليه السلام» من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي باركنا حوله» وبالتالي ظلت القدس ثالث أقدس مدينة للمسلمين في العالم. أضف إلى ذلك ما تضمه فلسطين من آثار يهودية عديدة منتشرة خاصة بين نابلس والقدس.

وبسبب هذه الميزة تأتي الميزة الثانية، وهي وجود هذا المزيج من البشر الذين يختارون أن يقيموا في الأرض المقدسة فلسطين، لجمال طبيعتها ورقة طقسها وتسامح أهلها. وقد وجدت في البلاد، إضافة إلى مكوني الشعب الأساسيين المسيحيين والمسلمين، أقليات كثيرة ضمتها البلاد مثل الطائفة السومرية في نابلس والبهائيين الذين فروا من إيران في القرن التاسع عشر، واستقروا في حيفا، حيث سمحت لهم السلطات العثمانية إقامة معبدهم الشهير، وتجد في القدس حارة المغاربة أي الحجاج من شمال افريقيا، الذي آثروا أن يستقروا مع إخوتهم الفلسطينيين، وكذلك الدروز والأرمن. فلو سرت في شوارع القدس لرأيت كل الأجناس والأشكال والأعراق والأديان. ولهذا السبب أيضا فتحت الدول الغربية قنصليات لها في القدس، بعضها منذ القرن السابع عشر كالقنصلية الفرنسية التي فتحت عام 1623 والقرن التاسع عشر مثل القنصلية الأمريكية التي أسست عام 1857.

أما الميزة الثالثة فهي تنافس الدول الكبرى على إيجاد موطئ قدم في فلسطين، عن طريق بناء المدارس والكنائس والمستشفيات والملاجئ، فالألمان بنوا مدرسة «شمت» والأمريكان مدرسة «الفريندز» والإسبان مدرسة «تيرا سانتا» أي الأرض المقدسة، والفرنسيون «لي فرير» أي الإخوة، والروس بنوا المجمع المدعو «المسكوبية» عام 1864 ويضم كنيسة وقنصلية ومدرسة ومنزلا للحجاج تحول عند الاستعمارين الإنكليزي والصهيوني إلى سجن.

لذلك ارتقت الحياة في فلسطين قبل غيرها، فانتشر التعليم والمدارس، والرياضة والصحافة والصناعات، ومطار اللد وميناء يافا وحيفا، ومعامل تكرير البترول وخطوط السكة الحديد التي تذهب إلى بيروت ودمشق وغزة. وعلى من يريد أن يطلع على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والرياضية والصناعات وغيرها، أن يراجع كتابي رشيد الخالدي ومحمد مصلح حول موضوع تشكل الهوية الفلسطينية.

الإسلام والمسيحية والنموذج الأرقى

تذكرت هذه الملاحظات وأنا أتابع الفيلم الوثائقي القصير «بطريرك الشعب» الذي أنجزه الزميلان محمد العطار وليلي حبش لتوثيق تجربة وآراء الأب ميشيل الصباح، أول بطريرك فلسطيني للبطريركية اللاتينية في القدس، ومقرها كنيسة القيامة وأخشى أن يكون الأخير، فبعد تقاعده 2008 تم تعيين مساعده فؤاد طوال من الأردن، ثم استبدل أخيرا ببطريرك إيطالي هو بييرباتيستا بتسابالا. أهمية ميشيل صباح ابن الناصرة، أنه جاء من رحم هذه الأرض، وعاش معاناتها واطلع على همومها، وشاهد مآسيها ليس كمن يأتي من وراء البحار ويختبئ في كاتدرائيته ويقيم القداس الأسبوعي، أو في الأعياد المسيحية المشهورة، بدون أن يشير إلى الاحتلال والمعاناة والظلم الذي لحق بهذا الشعب.

المسيحيون في فلسطين هم من نسيج هذا الشعب الأصيل، لا فرق بين مسيحي ومسلم إلا في الشعائر والمحفوظة لكل جماعة. ففلسطين بلد التسامح والحريات الدينية والتضامن الوطني ضد العدو القومي، الذي اغتصب البلاد وأهان العباد وشرد الملايين واستولى على الأرض ودمر المساجد والكنائس واقتلع المسلمين والمسيحيين من وطنهم، وحولهم إلى لاجئين في المنافي في كل بقاع الأرض. يثير ميشيل صباح في الفيلم الوثائقي، مجموعة قضايا أولها أن رسالة المحبة التي جاء بها المسيح إلى أرض السلام غائبة، واستبدلت برسالة الظلم والقهر. ويقول إن «القدس الآن ليست مدينة المحبة والسلام، بل مدينة العنف والكراهية». الوضع الفلسطيني في أسوأ حالاته، وقد أميط اللثام عن الاتفاقيات وجوهرها «لن يكون لكم دولة». ويقول: «أمام الشعب الفلسطيني خياران: إما أن نبلع السم المقدم لنا أو نبقى في المقاومة وتبقى الإرادة». وهل هناك أوضح من هذا التصوير البسيط لحال الشعب الفلسطيني من رجل دين رسالته المحبة، ويتمنى الخير لكل بني البشر على ألا يكون هناك ظالم ومظلوم، وقوة قائمة على الاحتلال وشعب واقع تحت الاحتلال. ويقول تبين إن القيادة الفلسطينية وقعت في خديعة أوسلو، فلا إسرائيل احترمت الاتفاقية ولا الدول التي شاركت في التوصل إلى الاتفاقية احترمت تعهداتها، بل فرضوا الحصار على ياسر عرفات وعزلوه. ويقول «توجهت إليه في الحصار وقلت له يا ليته دخل كرئيس دولة لا كرئيس منظمة تحت سيطرة إسرائيل. تلك هي الغلطة الأساسية من قضية أوسلو».

تراجع الوجود المسيحي في فلسطين

وأهم ما يقلق البطريرك والشعب الفلسطيني بشكل عام، هو أن الوجود المسيحي في فلسطين يتقلص، وحتى في العراق وسوريا ولبنان لأسباب سياسية. كان عدد سكان المسيحيين في فلسطين قبل النكبة بين 7-9% من مجموع السكان. الآن لا يصلون حتى إلى 2% بسبب الهجرتين بعد نكبة 1948 ونكسة 1967. فمدينة بيت لحم مثلا كان عدد المسيحيين فيها عام 1947 نحو 78% انخفض الآن إلى نحو 12% فقط. ومدينة القدس كان يقطنها نحو 19% من المسيحيين انخفض الآن لأقل من 1% أي بحدود 8000 فقط. ولم يبق في فلسطين التاريخية التي اغتصبت عام 1948 إلا 34000 ألف مسيحي، وصل عددهم الآن إلى 125000، وهو عدد قليل بسبب الهجرة الخارجية وقلة الإنجاب. ويصل عدد المسيحيين في الضفة الغربية إلى أكثر قليلا من 200000 بينما انخفض عدد المسيحيين في قطاع غزة، خاصة بعد أن سيطرت حركة حماس على القطاع عام 2007، ولا يتعدى عدد المسيحيين فيها 1000 شخص.

يتعرض مسيحيو القدس إلى الاستنزاف المتواصل من قبل سلطلات الاحتلال، عن طريق سحب الهويات من القاطنين خارج القدس، وعدم تجديد الهوية المقدسية، إذا تجاوز حاملها سنة خارج البلاد. والسبب الآخر لهجرة المقدسيين هو ارتفاع نسبة البطالة، وشلل الحياة الاقتصادية في المدينة، بسبب الإجراءات الإسرائيلية المتلاحقة، الهادفة إلى اقتلاع سكان القدس الأصليين، خاصة الضرائب الباهظة على الأملاك والمحلات التجارية، ما يجبر السكان على الهجرة. ويجب أن نشير إلى أن الدول الغربية تسهل هجرة المسيحيين للتناغم مع مشروع إسرائيل التطهيري.. كما يتعرض مسيحيو المدينة إلى الهجمات المتواصلة من المتطرفين اليهود. فقد تضاعف عدد الهجمات على المواقع المسيحية في السنوات الأخيرة، حيث يقوم المتطرفون اليهود بنشر يافطات تهاجم المسيحيين، حيث رفعت يافطات تقول «الموت للعرب ـ الموت للمسيحيين» أثناء زيارة البابا فرنسيس لفلسطين المحتلة عام 2014 أمام مركز الفاتيكان في القدس «نوتر دام» ومقابل كنيسة الروم الأرثوذوكس. كما تمت مهاجمة أماكن المسيحيين في الجليل، حيث تم تخريب أماكن للعبادة، وقذف متطرفون يهود مجموعة من الحجاج المسيحيين في الناصرة بالحجارة.

بعض مظاهر التطرف الغريبة على الشعب الفلسطيني

الشيء المؤسف أن هناك بعض الممارسات من متطرفين إسلامويين تساهم في دفع العنصر المسيحي إلى حمل حقائبه والرحيل. فبغض النظر عن الأهداف والنوايا التي تدفع للتعرض للمسيحيين الفلسطينيين، فهم إنما يخدمون إسرائيل ومخططاتها في تفريغ البلاد من سكانها، خاصة المكون المسيحي الأصيل، كي يبرروا يهودية الدولة وليقولوا هذه دولة يهودية مقابل وجود دولة مسلمة. وقد حدثت في المدة الأخيرة مجموعة حوادث تشير إلى هذا التطرف، كالبيان الذي صدر في غزة يمنع الاحتفال بعيد الميلاد ورأس السنة الميلادية، وكذلك حرق شجرة عيد الميلاد في سخنين، ومنع النائبة عايدة توما سليمان من إلقاء كلمة في بلدية قلنسوة. هذه عادات غريبة على شعبنا تصب في المحصلة في خدمة العدو الصهيوني.

نحن في فلسطين لا نستطيع أن نعيش بدون إخوتنا وأهلنا وأحبتنا وقياداتنا من المسيحيين، الذي ضربوا أروع الأمثال في النضال. نحن منهم وهم منا. نحن جسم واحد وقلب واحد ودم واحد، ولا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تقسم الشعب الفلسطيني بين مسيحي ومسلم، فالعروبة توحدنا والعدو القومي يوحدنا والهم الواحد يوحدنا والوجع الواحد يوحدنا والمستقبل الواحد يوحدنا. وكل من يعمل على تفريغ فلسطين من مكونها المسيحي الأصيل يعمل بعلم أو بدون علم لصالح المشروع الصهيوني، الذي يسعى لإقامة دولة يهودية خالية من «الأغراب» العرب مسلمين ومسيحيين. فهل يمكن أن نتخيل بيت لحم، والناصرة والقدس بدون مسيحيين؟ هل نتخيل مكة والمدينة بدون مسلمين؟ أو الفاتيكان بدون كاثوليك؟ يكاد الوضع في فلسطين ينذر بذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *