برفيسور يفضح أكاذيب الجيش الإسرائيلي

في الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات، يقف عشرات الآلاف من الجنود على مدخل قطاع غزة، ينتظرون الأوامر . يداي ترتجفان ، وتنفسي غير منتظم. لا أستطيع تخيل أي نهاية سعيدة – هكذا افتتح عيدان لاندو، أستاذ اللغويات الذي يقف وراء المدونة السياسية القديمة والشعبية “لا تموت أحمق”، أول مشاركة له ينشرها بعد 7 أكتوبر . جاء نشر هذه المشاركة بعد فترة أربع سنوات قرر فيها الامتناع عن الكتابة عن “الصراع والسياسة”. وأوضح قائلا أن “الكلمات لم تعد تقنع أحداً في هذا البلد”. بعد مرور 16 شهرًا، تحدث لاندو إلى موقع المكان الأكثر سخونة في الجحيم، وقال بأنه لا توجد نهاية سعيدة في الأفق.
هذه المرة، وحيث عاد إلى الكتابة السياسية، هو لا يحاول إقناع أحد. فالغرض من الكتابة قد تغير . وكتب : ” قبل كل شيء يهدف المنشور إلى “الإدلاء بشهادة”. هكذا كانت الأمور، وهكذا تطورت حتى الآن. كل يوم سيجلب معه المزيد من القتلى والجرحى، والنفس الحزينة لن تتوقف عند الحقائق، عند ماالذي سبق، في سلسلة الأسباب . وسيكون هناك من سيساعد هذه النفس على النسيان، وإخفاء الواقع الذي سبق الكارثة، من أجل تحديد جناة مناسبين ، خونة .
في الأيام الأولى من الحرب، عندما كان الجمهور الإسرائيلي المصدوم يسعى إلى تعزية نفسه بشعارات الوحدة والانتصار ، أدرك لاندو أن الأمور الأكثر خطورة كانت تحدث تحت وطأة الصدمة . وقال لاندو: “كل يوم يمر يحمل معه موجة أخرى من المعلومات المضللة، وهناك الكثير ممن يعملون في نظام النشر الخاص بهذه المعلومات، وإحدات تأثيرها الفوري، بالضبط كما هو
مخطط لها ، حيث تهدف هذه المعلومات إلى إبعاد النار عن المذنبين الرئيسيين في انهيار شبكات الأمن والأمن الاجتماعي في إسرائيل. كانت أبعاد الانهيار كبيرة لدرجة أن الأمر تطلب موجة هائلة من المعلومات المضللة والسموم لتسكين الانتقادات، وقلب أوراق الحوار السياسي، وترك الجميع في حيرة وفي فقدان للاعصاب .
ماكينة تحريض :
لم يشاهد لاندو البث التلفزيوني صباح 7 أكتوبر. ولم يسمع أصوات سكان غلاف غزة وهم يتهامسون على الهواء مباشرة ويتوسلون واحدا تلو الآخر لكي يأتي من ينقذهم . “كنت خائفا من التعرض للرعب في انعكاسه الأكثر وضوحا”، يوضح لاندو في مكتبه الجديد في مكتب رئيس قسم اللغويات في جامعة تل أبيب. “أنا لا أشاهد الأخبار في إسرائيل. ولا أي قناة . لا شيء . إذا أرسلت لي رابطًا لمقال معين، سأشاهده، لكن الاستوديوهات هي ماكينة تحريض، لذلك ابتعدت عنها “.
المعلومات التي من المهم معرفتها، والتي يبني عليها أيضًا منشوراته، يحصل عليها من مصادر معلومات موثوقة وموثقة وقائمة على الحقائق
والبيانات . ” عرفت كل شيء: عدد القتلى، وأنواع الفظائع المرتكبة. قرأت الشهادات باعتدال شديد، وهذا ما عملت وفقه ” .
مكافحة المعلومات المضللة وفضح التلاعبات المتأصلة في الخطاب العام هي التي وجهت — هكذا يبدو — منشوراته طوال الحرب. وآخرها تم نشره قبل أسبوعين. “منذ الأيام الأولى التي رأيت فيها لافتات ” يجب محو غزة” أدركت أن الأمر يسير في اتجاه أخر تماما. قصف جوي غير مسبوق يودي بحياة 200 شخص في غزة يومياً. لم أفهم العلاقة بين ما حدث وبين الرد ، وبين ضرورة إعادة المخطوفين. وهو يقول : ” واضح أن العمل العسكري كان مطلوباً، لكن كان من الممكن أن يكون حول أهداف عسكرية، وليس التفاخر بهزيمة حماس أو إبادة شعب غزة بأكمله”. “إن طبيعتي قبل كل شيء هي عدم قبول القصة التي يبيعونها لنا كما لو لم يكن هناك أي صلة. دائما هناك صلة . في وسائل الإعلام أوفي الخطاب العام في كل جولة حدثت في غزة – أنا أحصيت 12 جولة منذ وصول حماس إلى السلطة – لا توجد صلة. أبداً”.
مثل الجولات التي اعتدنا عليها كل عام، ورغم أن الكثيرين يرفضون الاعتراف بذلك فإنه يوجد ل7 أكتوبر صلة .. “لقد اتُهموني بأنني عقلاني أكثر من اللازم وأنهم حيوانات بشرية. لكن في توقيت ما من شهر مارس/آذار، تم اكتشاف وثائق حماس في الأنفاق، ورأوا أنها كانت عقلانية مثلنا تمامًا: اعتبارات الأقصى، وعزل القضية الفلسطينية بسبب اتفاقيات إبراهام، والشعور بعدم وجود أي رؤية لها في العالم، دفعت حماس إلى القيام ” بعملية واحدة أخيرة ” لإعادة القضية الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات. ويظهر عليها توقيع السنوار».
بدأ لاندو الكتابة في المدونة في عام 2008. وفي الأشهر الستة الأولى من كتابتها، اتخذت المدونة طابعها السياسي ، مع نقطة تحول مهمة حدثت خلال عملية “الرصاص المصبوب”. يقول: “شعرت أن هناك فجوة في نقل الواقع وأن وسائط الإعلام لا تقوم بواجبها ، لذلك أصبحت المدونة أكثر تركيزًا وبحثا “. ويضيف “عندما كنت طالب ماجستير عملت في قسم الأخبار في يديعوت أحرونوت، لذلك رأيت كيف يعمل النظام من الداخل. دائما كان مهما لي ومثيرا للغضب أن أدرس كيف أن وسائط الإعلام تتدخل في تحديد جدول الأعمال وفي الفرضيات الأساسية لدى الجمهور حول الواقع . اردت إنتاج معلومة سياسية بديلة وهذا هو العنوان الذي أستطيع أن أضعه لما أفعله ” .
” يوجد لماكينة الدعاية قدرة رائعة على التلاؤم مع الواقع . الواقع لم يتماشى مع ما أردناه؟ نفعل ماهو مكتوب لما نريده حقا .
يمكن فهم الماكينة الدعائية التي يتحدث عنها لاندو على أنها منظومة العلاقة بين الصحفيين والسياسيين، وبين هيئات وسائط الإعلام والحكومة. “كل الحديث عن تدمير حماس، كان مسيطرا للغاية. رغم أنه في ديسمبر 2023، قال كبار الجنرالات “إن هذا لم يكن هدفًا واقعيًا، ولذلك تم دفعهم جانبًا “. وفي الوقت الذي تم فيه إبعاد الأصوات التي لم تتطابق مع صوت الحكومة من استديوهات وسائط الإعلام ، تم ربط الجمهور بالحرب الأطول والأصعب والأغلى في تاريخ الدولة ونتائجها، كما يصفها لاندو، أكثر تدميراً بكثير مما يرغب الجمهور الإسرائيلي في الاعتراف به.
إنها حرب ذات تغطية كبيرة، حيث يتم إجراء مقابلات مع الجنود والضباط إلى ما لا نهاية. حيث يدخل اور هيلر وألون بن ديفيد إلى القطاع ويفتحان الميكروفونات وجميعهم يظهر السم في عيونهم . ويقولون لك بأن هذا سيعيد المخطوفين ، وهذه أكبر كذبة ،
وبالتأكيد وبالذات عندما ترى عدد المقاتلين الذين خرجوا من الأنفاق التي لم يصل إليها الجيش الإسرائيلي مطلقًا. يشرح لاندو: “ما زلت أشعر بالصدمة من مدى سرعة تحول هذا الأمر إلى طبيعي ” . “إن هذا فشل عسكري مدوي. لقد ألقينا هناك كميات كبيرة من الذخيرة ، وسقط عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من الجرحى، وانهارت الدولة بأكملها . حدثت في غزة أمور ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، كل هذا ولم تهزموا عدوًا أضعف منكم بصورة كبيرة . فماذا يعني هذا المفهوم بشكل عام؟
وحتى في هذه الأيام، أثناء وقف إطلاق النار، تقوم آلة الدعاية بعملها النشط، حيث تعيد كتابة الواقع. “يقول الناس إن الحرب لم تنته، هناك مرحلة ثانية، بقيت قوات حماس المدنية ، وليس العسكرية ، ولكن في الواقع، حماس موجودة هناك ، مع الكثير من الأسلحة، وتقوم بإعادة تدوير ذخائر الجيش الإسرائيلي التي لم تنفجر وتجند مقاتلين جدد . إنهم هناك كقوة عسكرية، ولن يذهبوا إلى أي مكان. ماذا نفعل الآن ؟ عندما نرى هذا كحقيقة قائمة ، انتبه كيف يرتبون صورة العالم حتى لا يضطروا، لا سمح الله، إلى مواجهة حقيقة أنهم كذبوا علينا وجهاً لوجه. هذا النظام برمته قادكم من انوفكم ودفعتم ثمنًا باهظًا لهذه الأكاذيب، لذا فانه من ناحية التناقض المعرفي، من الأفضل ببساطة أن لا نعترف بأننا كنا أغبياء.
الكذبة الكبرى :
من النصر المطلق إلى الصحوة المطلقة : كسر الثقة بالجيش الإسرائيلي – هذا هو عنوان منشور لاندو الأخير، الذي يعرض فيه كيف كذب الجيش الإسرائيلي بشأن أعداد الضحايا في قطاع غزة طوال الحرب. يعرض لاندو في المنشور بيانات نشرها الجيش الإسرائيلي بنفسه، والتي بموجبها قضى الجيش على 45 ألف مقاتل ، على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي ادعى في بداية الحرب أن هناك حوالي 25 ألف مقاتل فاعلين في القطاع. “لقد حاول الجيش الإسرائيلي أن يقول بأن أي شخص يقتله هو مسلح . وسرعان ما خرجوا من ذلك ، ثم بدأوا في تقديم جميع أنواع الأرقام حتى يركز العالم عليها.
ووفقا له، فإنه في العالم لم تعد هذه الأرقام تشغل أي شخص. “يرى العالم صور الأطفال الموتى، لذا فإن الأمر ليس لصالحنا في الغالب. لقد تابعت الأرقام طوال أشهر الحرب، ثم رأيت تعرجات في الأرقام: في بعض الأحيان يرتفع عدد القتلى الذين يبلغ عنهم الجيش الإسرائيلي، وأحيانا ينخفض بشكل كبير. عندما تحاول أن تفهم من هم المقاتلين الذين تم قتلهم بالضبط، لا توجد معلومات. هذه أرقام عالمية، أرقام تم التخلص منها. هنا 200 قتيل، وهناك 100. وهذا أيضًا غير منطقي. بعد كل شيء، ليس الأمر وكأن الجيش الإسرائيلي يذهب ويفحص الجثث ويأخذ بصمات الأصابع.
“في إسرائيل، يعتقد الناس أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يقاتل المقاتلين في غزة، منذ أكثر من عام. “ماالذي نفعله، إنهم يتكاثرون”، لذلك دائما يتحدث الجيش الإسرائيلي عن إرهابيين . وفي الواقع، نحن نقتل النساء والأطفال، وندمر المستشفيات، والمدارس، وكل ماهو ممكن. هذه ليست حربًا ضد إرهابيين ، إنها حرب ضد شعب، لكن الجيش الإسرائيلي لا يستطيع تقديم الأمر بهذه الطريقة. في حين أن اليمين يفعل. واضح لليمين بأن هذه حرب ضد شعب، لأنهم “كلهم هكذا”. الجيش الإسرائيلي لا يسمح لنفسه بأن يقول ذلك .
أيضا القائد لا يستطيع فعل ذلك
تماما “نعم، ولكن من حوله يقولون ذلك. الأمر كله يشبه لعبة مباعة مسبقًا لصالح الجيش الإسرائيلي. هويختار أدوات اللعب والمشاركين في المناقشة. أنت لا تسمع انتقادات، وحتى لو سمعتها، فإن الجنرالات المتقاعدين لا يريدون إهانة أصدقائهم والقول: “الجيش الإسرائيلي ينتصر والجيش الإسرائيلي يتقدم ولكن ليس واضح من أجل ماذا” أو شيء من هذا القبيل . وكأن اللوم يقع على السياسيين فقط، والجيش الإسرائيلي خارج المسؤولية. أنا لا أقبل هذا . في الجلسات الجوهرية لمجلس الوزراء الأمني وفي اجتماعات الجيش الإسرائيلي مع هيئة الأركان العامة، يقررون كل شيء سوية. وهذا ليس لأن بيبي يقول افعلوا هذا وذاك وهم ينصاعون . الجيش الإسرائيلي نفسه قرر اختيار فيلادلفيا، والجيش الإسرائيلي نفسه قرر اختيار محور نتساريم الجنوني الذي سوّى مدينة بأكملها بالأرض هناك. إن هذا أشبه باتخاذ قرار حول الكثير من الأمور التي لا تتعلق بالسياسة ولا يقوم مواطن بالسؤال عن هذا المنطق كخطوة تؤدي إلى واقع مختلف.
إذن لمن كانت هذه الأرقام موجهة؟
” بشكل خاص للجمهور الإسرائيلي، للدعاية الداخلية. لأن هذا لم يعد يعمل في الخارج. حتى الإسرائيليون هم أيضاً بوق بلسان حالهم، لأنه يقال لهم إن 20 ألف حماسي قتلوا من أصل 40 ألفاً قتيل . حسنًا، يقول الإسرائيلي لنفسه واحد لواحد : إن هذه خسائر جانبية معقولة . ولكن بعد ذلك تتحقق من الأرقام وترى أن ما يقرب من ثلثي القتلى هم من النساء والأطفال. أعتقد أننا سنصل في النهاية إلى وضع فيه 20% كحد أقصى من القتلى هم مقاتلين . وفي الوقت نفسه، بدأ يتطور حديث مفاده أنه لا يوجد أشخاص غير متورطين في غزة، لأنه يتعين علينا أن نبرر لأنفسنا ما نقوم به، وأعتقد أيضا أن هذا هو نوع من التبرير في مكان ما لسؤال لماذا فشلنا .
ماذا تقصد ?:
” لدى اليمين توجد إجابة على سؤال لماذا فشلنا . هم يقولون: “بالطبع، يجب أن نبيدهم جميعًا، لأنهم جميعًا مذنبون، كما قلنا لكم مسبقًا”. هل اعتقدتم أن حماس لن تعود؟ يقول اليمين الآن: “يجب قتل جميع الأطفال”، مليونين شخص. يجب أن تمحى غزة، لم نكن قساة بما فيه الكفاية. لقد دخل الناس في حالة تناقض ، هم يعلمون أننا لم ننتصر، والطريقة الوحيدة للانتصار على مايبدو هي قتلهم جميعًا. الآن حقا، هل ستفعل ذلك؟ هل ستتطوع للاحتياط لتقتل كل أطفال غزة ؟ ومن لا يريد أن يقف هناك ليس لديه إجابة، لأنه غير قادر على إعطاء إجابة غير عسكرية. لذلك أنا أتحدث إليكم، أيها التيار الإسرائيلي الرئيسي: لقد فهمتم أنه لا يوجد حل عسكري، ورأيتم ما فعلناه في غزة. ما هو الحل الذي تقترحه الآن؟
ما كان هو ماسيكون :
بشكل ينطوي على المفارقة أنه بعد فشل 7 أكتوبر، والحرب التي استمرت 16 شهراً، وعمليات القتل غير المسبوقة في قطاع غزة ومئات القتلى من الجنود والمدنيين الإسرائيليين، وصلت ثقة المجتمع الإسرائيلي بالجيش الإسرائيلي إلى نسبة 70%، مقارنة بـ 17% يثقون بالحكومة.
في منشوره الأخير، يشير لاندو إلى أن الجيش الإسرائيلي ليس مدفوعا على الإطلاق من الرغبة في الحفاظ على أمن مواطني إسرائيل، ومن هنا يطرح نفسه سؤال: ماالذي يريده حقا ؟ .
“أعتقد أن أفضل ما يفسر سلوك الجيش الإسرائيلي هو الحاجة إلى السيطرة. السيطرة على الأرض وعلى السكان وعلى الوضع وتقليل المخاطر بالمفهوم الضيق للكلمة. إذا كان هناك خطر الآن، فإن المنطقة التي يمكنهم إطلاق النار عليّ منها، يجب ان تسوى بالأرض. هذا هو التناسب بين الخطر وبين وسائل تحييد الخطر. الجناح اليميني هو جزء أساسي جدًا من الطريقة التي يعمل بها الجيش الإسرائيلي. حتى قبل الحرب، كانت سياسة الجيش الإسرائيلي هي في نهاية المطاف الحفاظ على الاحتلال، وهذه هي سياسة اليمين . أنا لا أقبل هذه الواجهة، واجهة الجيش الإسرائيلي كطرف محايد ، أنا لااقبل ذلك .
لكن الأمر لا يقتصر على الجيش فحسب، بل نحن بحاجة إلى إدخال الحكومة في المعادلة.
“نحن في وضع حيث جزء كبير من الجمهور لا يصدق كلمة مما تقوله الحكومة، لذلك يبدو أن وضعنا أفضل في هذه المسألة، ولكن كل كلمة تقولها الحكومة عن حماس – هم يصدقونها. إنها مقدسة، وليس هناك قصة بديلة. بالنسبة لقسم كبير من الجمهور وهو التيار الليبرالي الإسرائيلي فإنه “إذا تحدثت الحكومة عن المحكمة العليا أو عن المستشار القضائي فإن هذا كذب، ولكن فجأة عندما تتحدث الحكومة عن حماس يصبح كلامها صحيحًا؟ الجيش يكذب ليخفي حقيقة أنه فشل وأنه يفعل أشياء فظيعة في غزة. على من هم في داخل هذا النظام أن يسلمو بهذه الأكاذيب وأن يستوعبوها وأن يجندو أنفسهم . نحن نعيش في هوية مزدوجة حيث أننا من جهة نعرف أن الجيش قد فشل، ومن جهة أخرى نقول: نعم، ولكن ما هو البديل؟ ولا نسمح لأنفسنا بالتفكير عن بديل، وحينها مرة أخرى نحن عالقون في اللعبة التي يحددها الجيش مسبقاً. هذا أمر يجب اختراقه .
كيف؟ :
“المجتمع المدني هو الذي يجب أن يضع الحدود وأن يقول للجيش: هذه ليست مشكلة بالنسبة لك على الإطلاق، إنها ليست شيئاً يمكنك حله.” إن التمسك بالحل العسكري يعني أن ما كان هو ما سيكون. واصلوا العمليات، واصلوا جز العشب، لن يكون هناك سلام أبدًا، ومن حين لآخر سيكون هناك السابع من أكتوبر. يجب على كل مواطن أن يقول ذلك بصوت عالي، ليسمع أن هذا هو المستقبل الذي يتمناه لنفسه ولأولاده . يقولون دائماً أين نشطاء السلام الفلسطينيين . أولاً وقبل كل شيء، في غزة في الوقت الحالي، وتحديدًا الآن، لا أعتقد أننا سنجد العديد من نشطاء السلام، لأنهم يفكرون في داخل أنفسهم “مع من سنصنع السلام؟” مع هذه الأمة التي تريد أن تمحونا من على ظهر الأرض؟ لكن هناك قوى غير حماس في المجتمع الفلسطيني، وعلينا العثور عليها والتحدث معها وتعزيزها، وخاصة أن هذا الخطاب يجب أن يكون حاضرا لدينا ليس من باب الخير أو الرحمة، ولكن ببساطة لأنه لا يوجد خيار آخر للوجود .
ما الذي تعتقد أننا نسيناه خلال هذه الأشهر الستة عشر؟
“أننا ضعفاء. ليس كإسرائيليين، بل كبشر، كأزواج، كجنود، فمثل هذه الحرب تُرهقنا أيضًا. نحن غير قادرين على الدفاع عن الجبهة الداخلية لا في الجنوب ولا في الشمال، ومؤشرات هذه اللغة لغة القوة والعظمة والانتصار تساعدنا على إخفاء ضعفنا . ويقاس هذا الضعف بأشياء يتم دفعها إلى هامش الأخبار: عدد القتلى، عدد الجرحى، المصدومين، الأسعار على المدى الطويل ، أزمة الثقة المجنونة التي كانت قائمة بين الدولة والمواطنين، الهجرة السلبية ، حقيقة أن الشمال لن يعود إلى ما كان عليه، الأثمان التي من الصعب قياسها على الإطلاق، ولا تدخل في الصورة العامة. ولكن باستمرار يقولون لنا بأننا أقوياء ومنتصرون، حتى ننسى الأثمان مهما كنا ضعفاء. لأنه إذا لم نتمكن حقاً من حل هذه المشاكل بالقوة، فماذا يعني ذلك؟
“هناك خوف هائل بشأن وجود العرب والفلسطينيين. من ناحية هم حاضرون، كما تراهم، إنهم في وسائل الإعلام، إنهم في المستشفيات، الإسرائيليون يجتمعون معهم طوال الوقت، ولكن من ناحية أخرى هناك بن غفير
وهناك محاولة إشعال المدن المختلطة ومحاولة إقناع الإسرائيليين بأنه لا يوجد سلام وكلهم سواء. مهمتنا هي الوقوف في مواجهتهم. نحن صغار وضعفاء للغاية، ولكن هذه هي مهمتنا، وهي إنشاء هذه التحالفات مع الأشخاص الذين سيكونون في نهاية المطاف شركاء لنا في هذا المستقبل البديل. لا أعتقد أن هذا سيحدث في أي وقت قريب، لكنني هنا لأظهر أن هناك بديلاً. يقولون أنه سيتعين علينا أن نعيش إلى الأبد وسيفنا بيدنا والثمن سيرتفع أكثر وأكثر . هل هذه هي الصهيونية؟ هل هذا ما تقدمه؟ بديلنا يجب أن يكون بديلا واقعيا تماما، وليس نوعا من الهلوسة. نوع من الواقعية التي تقول إنه ليس لدينا خيار آخر.
الموقع العبري : اسخن مكان في الجحيم