بدون تحركات دبلوماسية، لا يوجد لإسرائيل ما تفعله

لم يكن موقف إسرائيل من حيث الردع والأمن القومي أبداً أقوى مما هو عليه الآن . فعلى مدار السنة الأخيرة ، ساعدت القدرات التنفيذية للجيش الإسرائيلي والموساد في استعادة الاحساس بالأمن الذي انهار في أعقاب هجوم 7 أكتوبر . فالضربة التي استهدفت وكلاء إيران ، واعتراض هجومين صاروخيين واسعي النطاق، وسقوط نظام الأسد في سوريا، والحرب الأخيرة التي استمرت 12 يومًا مع إيران، كل هذه التطورات غيّرت خارطة الأمن ​​الإقليمي لصالح إسرائيل . ومع ذلك، لا يمكن لهذه الإنجازات أن تبعد الانتباه عن التحديات العميقة التي مازالت تنتظرنا .
وفي مقابل ذلك لم يكن الوضع الدبلوماسي لإسرائيل – على الساحة الإقليمية وأيضاً على الساحة الدولية – أسوأ من أي وقت مضى . فالوضع الإنساني الصعب في غزة، والنقص الخطير بالإمدادات الغذائية ، والتقارير حول إطلاق النار على المدنيين في مراكز التوزيع ، والتدمير واسع النطاق للمنازل والبني التحتية – كلها عوامل أضرت جداً بصورة إسرائيل . هذا على الرغم من مسؤولية حماس عن بدء القتال ، والأسر الوحشي لأكثر من 50 مخطوفاً إسرائيليًا والمستمر منذ أكثر من 630 يومًا . والأحداث الأخيرة في الضفة الغربية، بما في ذلك هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وحتى ضد جنود الجيش الإسرائيلي، تزيد من إضعاف المكانة الأخلاقية والسياسية لإسرائيل في العالم. كل هذا يشكل مايشبه رسالة للعالم مفادها أن الحكومة الحالية تتطلع إلى إعادة احتلال غزة وطرد سكانها وتوسيع الضم في الضفة الغربية .
وعلى الصعيد الداخلي، لا تزال إسرائيل منقسمة. ولا تُظهر حكومة نتنياهو أي دلائل على وقف جهودها لتقويض استقلال منظومة القضاء والمحكمة العليا – وهما المكونان الأساسيان للديمقراطية الإسرائيلية . هذه الأزمة الداخلية ألحقت ضررًا بالغًا بالردع الإسرائيلي في نظر أعدائها ، وشكلت أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى هجوم 7 أكتوبر، وخسارة أرواح أكثر من 1900 مدني وجندي، وأسر أكثر من 250 إسرائيليًا. والآن، وفي أعقاب ما يوصف بأنه انتصار كبير على إيران، من المتوقع أن يشعر نتنياهو بالقوة ويواصل الانقلاب السلطوي – خاصة مع اقتراب نهاية حسم محاكمته الشخصية .
ويزداد الوضع تعقيدًا بسبب حالة عدم اليقين التي أعقبت انتهاء القتال مع إيران. حيث أعلنت إدارة ترامب أن البرنامج النووي الإيراني قد تم تدميره، لكن ما زالت لم تتوفر تقييمات موثوقة للأضرار التشغيلية . وحتى لو أن المواقع الرئيسية في فوردو وأصفهان ونطنز قد تضررت بشدة ،فإنه توجد تناقضات في التقارير حول 408 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ . ويزعم البيت الأبيض إنه لا يوجد ما يشير إلى نقل المواد من فوردو قبل الهجوم، لكن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يقول إن هناك دلائل على نقل المواد في عدة حاويات إلى موقع بديل.

مدى الضرر الذي لحق بأجهزة الطرد المركزي الإيرانية :

هناك سؤال رئيسي آخر يجب طرحه وهو مدى الضرر الذي لحق بأجهزة الطرد المركزي الإيرانية، وهي أجهزة بالغة الأهمية لاستمرار التخصيب ، وما إذا كانت إيران لا تزال تمتلك القدرة على إنتاج أجهزة طرد مركزي متطورة أخرى . إذا كانت كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وأجهزة الطرد المركزي المتطورة قد خُزنت بالفعل في منشأة سرية، كما فعلت إيران في الماضي، فإن هذا يعني بأن التهديد لم ينتهِ بعد .
تجدر الإشارة إلى أن قدرات الجيش الإيراني قد تضررت بشدة بالفعل، وظهر فشله في الدفاع عن وطنه – مما قد يعزز من تطلعه إلى امتلاك سلاح نووي كرادع. وباختصار، لا يمكن لإسرائيل أن تفترض أن المشكلة الإيرانية قد انتهت.
تؤثر كل هذه التطورات تأثيرًا عميقًا على المجتمع الإسرائيلي، المُمزّق والمُنهك جراء حربٍ دامت 21 شهرًا، بدون هدف استراتيجي واضح ودون ان تلوح لها نهاية في الأفق . ورغم الإنجازات العسكرية الكبيرة منذ هجوم أكتوبر، إلا أن غياب الرؤية السياسية يُقوّض هذه الإنجازات، التي لا يُمكن الحفاظ عليها إلا بواسطة التحركات الدبلوماسية . إذا أردنا منع تجدد البرنامج النووي الإيراني، علني أو سري ، فمن الضروري الدفع نحو اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، يتضمن حظرًا على جميع عمليات تخصيب اليورانيوم والانشغال بدورة الوقود النووي، ومنع إنتاج أجهزة الطرد المركزي، وإجراء عمليات تفتيش ومراقبة شاملة من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إذا رفضت إيران، فعلى فرنسا وبريطانيا، بدعم من ألمانيا والولايات المتحدة، تفعيل آلية “العقوبات المتكررة” (SNAPBACK) فورًا وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2231 – وهي آلية لا تخضع لحق النقض – ​​قبل انتهاء صلاحيتها في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

إذا كانت إسرائيل تنوي اغتنام فرصة إقليمية حقيقية، فعليها الوصول إلى إطلاق سراح جميع المخطوفين – الأحياء لعائلاتهم والموتى لدفنهم – وإنهاء الحرب في غزة فورًا. لا يمكن تحقيق أي اختراق دبلوماسي إقليمي طالما أنه يتم النظر إلى إسرائيل على أنها تسعى لإعادة احتلال غزة وضم الضفة الغربية. يجب على الحكومة الحالية تقديم خطة سياسية جادة وذات مصداقية لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني – وإذا لم تتمكن من ذلك، فعليها التنحي والتخلي عن مكانها لحكومة قادرة على فعل
ذلك . لن يكون توسيع اتفاقيات إبراهام لتشمل السعودية وسوريا وغيرهما ممكنًا إذا استمرت إسرائيل في السيطرة على غزة والضفة الغربية. هذه حقيقة جوهرية يرفض الائتلاف الحالي الاعتراف بها، لكن إدارة ترامب قد توافق على دعمها. وهذه قد تكون فرصة تاريخية – لجيلنا ولاولادنا .
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالفرص فقط ، بل يتعلق أيضًا باستمرار التهديدات الملموسة. إن غياب تسوية سياسية مع الفلسطينيين سيؤدي إلى واقع دولة واحدة بين البحر والنهر، مما سيُشكّل أرضًا خصبة للعداء واستمرار سفك الدماء. هذا الوضع سيُلحق ضررًا أكبر بالعلاقات مع مصر والأردن – وهما ركيزتان أساسيتان للأمن القومي – وسيُعيق أي إمكانية للتقدم مع السعودية وسوريا. إن اتفاقات السلام والأمن مع سوريا، وربما مع لبنان أيضًا، قد تُحدث تغييرًا جذريًا في أمن إسرائيل – حيث ستحيط بها حلقة من الاستقرار والسلام، بدلًا من حلقة النار التي سعت إليها إيران .

المصدر: يديعوت احرونوت

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *