بدلاً من عدو واحد، لدينا عدد غير قليل من الأعداء في سوريا

الجولاني إسلامي متطرف، وأردوغان يحاول ترسيخ نفسه، والدروز مخلصون، والفوضى بدأت للتو. صورة للوضع وما هو متوقع في الشمال الذي يغلي.

بدلاً من عدو مر واحد اسمه بشار الأسد، ظهر لنا في سوريا بدائل وليسوا أقل مرارة، ولكنهم أقل اتزانا وأكثر خطورة.
أحمد الشرع الملقب بالجولاني ، وهو إسلامي متطرف، عضو تنظيم القاعدة، يقف حاليا على رأس نظام ما كان يسمى في الماضي بالدولة السورية. ورغم كل جهوده للظهور كزعيم موزون ، هذه الجهود التي تتضمن بالدرجة الأولى الكلمات الرقيقة والجميلة التي يستقبلها الغرب الجاهل كعلامات تدل على الاعتدال، وخاصة عروض البدلات وربطات العنق الملونة التي يغيرها من حين لأخر بقي هو الجولاني نفسه زعيم العصابة المتعصب ، الذي يتحدث بصوت عالي عن وحدة الأمة السورية، وفي الوقت نفسه، يصفي الحسابات مع اتباع النظام السابق، وخاصة أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد وأتباعه.

يجب أن لانخطئ وأن لا نغرق في الشفقة. لقد اكتسب العلويون، بصراحة، الكراهية التي يكنها لهم غالبية السكان السوريين الذين ينتمون إلى الطوائف الأخرى، وخاصة ابناء الطائفة السنية. فعلى مدى سنوات طويلة تصرف أبناء الأقلية العلوية بالتعالي والغطرسة والعنف . سيطروا على معظم مراكز القوة والسلطة في البلاد ، في الأعمال ، وفي الجيش وأجهزة الأمن والمخابرات. والآن ينشغل رجال الجولاني بتصفية الحسابات مع العلويين، ويتم ذلك وفق أفضل تقاليد الشرق الأوسط. القتل الجماعي للنساء والأطفال والشيوخ بدون تمييز.

وهناك أيضاً أردوغان :

وهناك عدو ثاني يحاول ترسيخ نفسه وأخذ مكانه في سوريا وهو تركيا برئاسة أردوغان. يوجد لأردوغان عدة أهداف ، وإسرائيل واحدة منها، لكنها لاتحتل الأفضلية الأولى . الهدف الأول للأتراك هو قمع الأقلية الكردية ومنع أي محاولة منهم لإقامة إقليم مستقل في سوريا، الأمر الذي قد يدفع حسب رأيهم الأقلية الكردية في بلادهم إلى التوحد مع إخوانهم في سوريا، وإقامة الدولة الكردية سوية.

وهم لا يجدون صعوبة في الوصول إلى قاسم مشترك مع الجولاني وعصابات القاعدة التي يترأسها. ورغم أن أردوغان مشغول في هذا الوقت بقمع الأكراد في سوريا والمساعدة في تثبيت حكم الجولاني، إلا أنه في المستقبل ستضاف دولة إسرائيل إلى خطط أعماله، انطلاقا من أطماعه التوسعية وأيضا كخدمة لحليفه الجولاني، الذي سينشر قواته في جنوب سوريا بصورة تشكل تهديدا لإسرائيل.

في هذه المرحلة، يجب أن يكون الاستعداد الإسرائيلي قائماً على الاستخبارات، لكن يجب على الجهات المختصة أن تبني القوة ، ومع مرور الوقت، أن تستعد مقابل الجيش التركي الذي يعتبر واحدا من أكبر الجيوش في العالم . أحلام السلام والهدوء التي دفعت رؤساء الأركان الإسرائيليين إلى تقليص قوة الجيش الإسرائيلي،قد تبددت في حرب “السيوف الحديدية” وفي المواجهة مع حزب الله في الشمال . وكما هو واضح فإنه يوجد لحقيقة انتماء تركيا لحلف الناتو أهمية كبيرة ، ويوجد لموقف الولايات المتحدة تأثير كبير، ولكن “لا توجد حصانة ابدية ” فأيضا النظام في الولايات المتحدة يتغير ، ومعه سياسة الإدارة تجاهنا وتجاه ما يحدث في منطقتنا.

هناك طرف قوة آخر موجود ويعمل في سوريا هو الدروز . ووفقاً لأفضل تقاليد هذه الطائفة فإنهم يؤمنون بالولاء الكامل لسلطة الدولة التي يعيشون فيها. و يشكل اندماج أبناء الطائفة الدرزية في دولة إسرائيل وفي الجيش الإسرائيلي مثال ملموس على ذلك ، الأمر نفسه ينطبق في لبنان وفي سوريا. ولايوجد للدروز وأبدا لم يكن لهم طموح لإقامة دولة درزية مستقلة لهم ، وإضافة إلى الولاء للسلطة ، هناك مبدأ آخر يوجههم كواجب وكأحد أسس ديانتهمم – ” الحفاظ على الأخوة ” وبالعبرية، حماية الإخوة.

الدروز ملتزمون بالإهتمام بسلامة أبناء طائفتهم أينما كانوا. ومن هذا ربما نفهم الضغوط التي يمارسها أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل على الحكومة الإسرائيلية لحماية القرى الدرزية القريبة من الحدود الإسرائيلية مثل البلدة الدرزية الواقعة في ضواحي دمشق، جرمانا. وحسب تقديري أيضا حماية التمركز الدرزي الرئيسي في سوريا الواقع في جبل الدروز، وعاصمته هي مدينة السويداء.

وفي ظل غياب المعلومات لدي ،فإنني استطيع أن أقدر من خلال معرفتي بالمنطقة لسنوات عديدة، بأنه يتم نقل اسلحة اسرائيلية بالفعل إلى الدروز في السويداء، عبر المملكة الأردنية، وبمساعدتها. لأن المملكة الأردنية أيضاً ليست مهتمة بجيرة أكثر من اللازم مع أتباع القاعدة التابعين للجولاني، حتى عندما يغطي نفسه بلقب أحمد الشرع.
فوضى:
الفوضى السائدة في سوريا ما زالت في بدايتها، ونحن ننتظر المزيد من التطورات التي لا يزال من الصعب تقدير من سيحاول النبش في الطبخة التي تغلي . إيران التي تسعى إلى الحفاظ على التواصل الإقليمي مع حزب الله في لبنان هي واحدة منها، وأيضا روسيا التي تسعى إلى حماية قواعدها البحرية في اللاذقية وطرطوس تشكل طرف مهم يجب أخذه بعين الاعتبار.

في مقابل هذه التطورات المتوقعة، وكذلك التطورات التي لا يمكن التنبؤ بها حاليًا، يجب على دولة إسرائيل أن تستعد وأن تعمل بطريقة تضمن أمنها وتحافظ على مصالحها على المدى البعيد . وفي قطاع جبهة هضبة الجولان، يجب الحفاظ على الإنتشار القائم، وإجراء تغييرات باتجاه الشرق إذا تطلبت الأحداث على الأرض ذلك. يجب على دولة إسرائيل أن تساعد الدروز في محافظة السويداء بالاسلحة والمعدات . وينبغي أن يتم ذلك سراً بالتعاون مع المملكة الأردنية، ويجب الإمتناع بشكل َمطلق عن إطلاق تصريحات بشأن الرغبة في توحيد الدروز في سوريا مع إخوانهم في إسرائيل .

مثل هذه التصريحات تؤدي فقط إلى الإضرار بأبناء الطائفة الدرزية في سوريا وتضعفهم، كما أنها تتعارض مع مبدأ الولاء للوطن الذي يعيشون فيه. كَما ان هروب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 وترك أفراد جيش جنوب لبنان لمصيرهم هما أمران متجذران بعمق في أذهان الأقليات في المنطقة، وسوف يحدان من طبيعة التعاون معهم إلا في حدود احتياجاتهم المباشرة. أما بالنسبة للأقلية الكردية التي تناضل من أجل حياتها واستقلالها، فيجب أن نتذكر أن تركيا كانت منذ فترة طويلة دولة عدو توفر المأوى للإرهابيين، وتدعم المنظمات الفلسطينية بالمال والسلاح. ومن هنا فإن الظروف مهيأة لدعم الحركة الكردية في سوريا سراً، وحتى لإيصال السلاح إليها. وينبغي علينا أن لانعمل في أي حال من الأحوال على نقل أسلحة أو أن نقيم علاقات مع الحركة السرية الكردية العاملة داخل تركيا مثل حركة حزب العمال الكردستاني أو حركة DEV SOL اليسارية.

والآن وصلنا إلى الطائفة الأخيرة العلويون وهم غير ودودين على الإطلاق، فهم حكموا سوريا لسنوات عديدة وكانو عدوًا لدودا وقاسيًا لنا. واليوم، كما قلنا، جاء وقت الحساب، وأهل السنة كما نعلم لهم سيطرة جيدة على هذا المجال المعرفي . وبما أن السياسة والاستخبارات لا تسترشد بالحب والآمال، بل بالحقائق والمصالح، فإن هناك مجالا لدولة إسرائيل لمساعدة العلويين سراً من خلال تزويدهم بالأسلحة والمعدات التي ستساعدهم في الدفاع عن أنفسهم، وإذا أمكن، أيضاً لإراقة دماء أعدائنا الرئيسيين اليوم في سوريا، الذين هم سنة تنظيم القاعدة. كماأن تقوية العلويين ستساعدهم على حماية الشريط الساحلي المهم في سوريا، حيث تقع موانئ اللاذقية وطرطوس.

وفي الختام، أود أن أؤكد مرة أخرى على أهمية السرية التي يجب أن تقوم فيها العلاقات التي اقترحتها، وأن يتم منع تصريحات السياسيين حول هذه الإتصالات ، بما في ذلك فرض الرقابة المشددة . وأخيراً يجب علينا تجنب الأحلام الفارغة حول “شرق أوسط جديد” أو “نظام جديد في سوريا”، من مدرسة شعبة العلاقات الخاصة في الموساد، التي أوصلتنا إلى باب الجحيم في لبنان في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

ملاحظة:
الكاتب يائير رافيد، شغل في الماضي منصب قائد المنطقة الشمالية للوحدة 504 ورئيس فرع عمليات الموساد في بيروت.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *