بؤس المشهد وبعض من الأفق


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

شاهدت التصويت في الكنيست على اقامة مستشفى في منطقة البطوف، وبرأيي أن المقترح جدير والمطلب ضروري بإقامة اول مستشفى حكومي في بلدة عربية فلسطينية، وتحية للقائمة المشتركة ورئيسها ونوابها على الجهود في هذا الصدد.

صحيح أن القرار لا يزال في طور القراءة التمهيدية وقد يجري تعويقه، لكن بمجرّد اتخاذه، فقد بات مرجعية يُراكَم عليها النضال الشعبي والسياسي مستقبلا حتى انجازه.

كان على القائمة الموحّدة أن تدعم الاقتراح، وان تحذو حذو النائب مازن غنايم والذي لاعتباراته دعم الاقتراح، بدلا من التصرف غير اللائق بل البائس لنوابها، والذي لا يمس بهم وحدهم بل يمس بصدقية العمل السياسي والتمثيل البرلماني العربي. كان من واجبها أن تدفع بالحكومة لاقرار اقتراح القانون الذي قدمه رئيس المشتركة أيمن عودة حتى ولو رأت بالامر تحديا لها وإحراجا لها كما تقول، فالمطلب مطلب حق، كما كان عليها ان تصرّ على دعمه كي تكسب – من منطلقاتها – وزنا اكبر في الحكومة التي تدعمها، فالمسألة ليست سياسة مبدئية بالنسبة للحكومة الاسرائيلية الا من باب التمييز البنيوي والعنصرية، كما ان إقامة المستشفى لا تتعارض حتى مع الخطوط العريضة للحكومة او اي قانون، والواقع السكاني يتطلب ذلك ومن باب الحق بالعدالة في توزيع موارد الدولة ومرافقها المدنية. غنيّ عن القول أن المشروع الصهيوني بكل تياراته لا يتعامل مع اي طرف فلسطيني باحترام حقيقي الا بقدر ما يتمسك هذا الطرف بحقه ويناضل من أجله ويضحي من أجله. إنني على ثقة انّ القائمة الموحدة ليست ضد اقامة مستشفى في البطوف او سخنين كموقف، لكن عليها ان تدرك ان وجودها في الائتلاف الاسرائيلي الحاكم يتطلب منها ثمنا لا تستطيع حمل أوزاره لا سياسيا ولا في اخلاقيات السياسة، حتى ولا مطلبيًّا، وهذه الحالة شكلت دليلا.

الا ان اشكالية المشهد المُعاش قد تكون في التحوّل الحاصل في الثقافة السياسية التي شاهدنا انعكاسها يوم العاشر من تشرين ثانٍ. ان دخول حزب عربي وفي هذه الحالة القائمة الموحَّدة الى الائتلاف الاسرائيلي الحاكم، ليس مسألة تكتيكية، او مسألة حدثت بالصدفة او لمرة واحدة، بل هي تأسيس لواقع سياسي جديد – إشكالي برأيي – وقد كُتِب في هذا الصدد. بل هو تحوّل جوهري في الثقافة السياسية التي قامت على المواجهة والكفاح والصراع ليحضر حاليا نموذج “الشراكة” والاندماج السياسي في الحكم وفي خطاب الحكم وفي الثقافة السياسية الاسرائيلية النقيضة لثقافتنا في هذا الصدد، وهذا ناتج بسبب الموقع والوضعية وطبيعة النظام الاسرائيلي الصهيوني بكل تجلياته وبسبب تمسكنا بالحق الفلسطيني. كما أنّ ما بانَ في جلسة الكنيست هو أن جبهة الصراع والمواجهة قد تنتقل الى داخل القوى السياسية العربية بدلا من مواجهة الدولة وسياساتها. وسوف تنقسم القوى السياسية الصهيونية الحاكمة – ليس انقساما جوهريا – بناء الى اعتباراتها واهدافها البعيدة عن اهدافنا، الى داعمة او معارضة لهذا الطرف العربي او ذاك، ومن أجل أهدافها هي، ومن أجل إجماعها جميعها في التخلص من الوزن النوعي الوحدوي للتمثيل البرلماني العربي.

قد يكون في التعارض الحزبي الاسرائيلي الداخلي فرصة لهامش تمرير قوانين ومن المغري استغلالها، لكن في المقابل وعلى النقيض من ذلك وهذا ما يتطلب الحذر الشديد، فإن لهذا الامر استحقاقات لا نريدها لو عرفناها مسبقا، فلا نريد ان نكون جزءا من كتلة فيها اصطفاف للكتلة الصهيونية اليمينية الحاكمة او للكتلة الصهيونية اليمينية المعارضة التي تريد ان تسقطها لتحكم بدلا منها. واعتقد ان تصويت المشتركة ومحاججاتها في مسألة ميزانية الدولة كان الاسلم سياسيا، فقد اعاد الاعتبار نوعا ما الى الجوهر السياسي الحقوقي، الذي افتقدته الحلبة السياسية الداخلية بعد قيام المشتركة وتهميش الاختلافات في التوجهات، هذا من جهة، كما اعاد الاعتبار للسياسة بمفهوم الموقف من جوهر السياسات في المؤسسة الصهيونية الحاكمة بغض النظر فيمن يقف برأسها.

لن اتوقف هنا عند تحليل التحولات الاجتماعية الاقتصادية في المجتمع العربي الفلسطيني والتي تحمل بعض المناحي التي تدعم هذا التحوّل السياسي، لكن كما يتضح فإن ما نحن بصدده اليوم في الحلبة البرلمانية هو نتاج ما جرى في جولة الانتخابات قبل الاخيرة، حين حصلت القائمة المشتركة على خمسة عشر مقعدا، وبذلك عوّقت رتابة تشكّل السلطة الحاكمة، واعتبرت المؤسسة الصهيونية الحاكمة ان ذلك فائض قوة غير مجاز ولا ينبغي أن يتاح مستقبلا. هذا الانجاز كما الدور الجماهيري الشعبي قد فرض ذاته على الحالة السياسية الاسرائيلية، فمن ناحية هناك اعتراف غير مسبوق بالوزن السياسي لهذا الجمهور والذي انتزع شرعيته ضمن مسيرة كفاحية متراكمة طويلة المدى وحالية، لتجد الحالة السياسية الاسرائيلية أنها امام وضع لا يمكنها تجاوز هذا الواقع ولا يمكنها التسليم به، ونتيجة لذلك بتنا اليوم امام حالتين متناقضتين، فمن ناحية اعتراف اسرائيلي بشرعية الدور السياسي العربي الفلسطيني وفي المقابل ازدياد وتصعيد في منسوب العنصرية الدمويىة والتحريض الشعبي والسياسي والاعلامي والعداء القضائي الاسرائيليين. يضاف اليه سهولة التحريض العنصري في الكنيست ذاته.

على المشتركة ان تتحاشى وضع يستند فيه اي اقتراح لها بدعم اليمين الفاشي، حتى ولو من باب المصادفة، لان ذلك قد يدفع نحو العبث بالسياسة ويجعل كل شيء مباح، كما ويلغي الفروقات بين التوجهين (المشتركة والموحدة) في الكنيست، ليس لانهما تتبنيان ذات المواقف، بل لانه رغم تعارضهما فإنهما تتبنيان قواعد اللعبة ذاتها، او هكذا يبدو الامر. لقد دفع انضمام الموحدة للائتلاف الى وضعية مفصلية ليس فقط للموحدة بل ايضا للمشتركة ومجمل العمل السياسي البرلماني العربي. وهذا كما يبدو سيكون ملازماً في هذه المرحلة حيث لا يوجد مرجعية تبتّ في مثل هكذا صراع، بل انه صراع يهدد مرجعياتنا وقد ينعكس في لجنة المتابعة اذا تركت الامور للصدفة. فلو كان في لجنة المتابعة كهيئة مرجعية ميثاقا اخلاقيا لربما كان بالامكان العودة إلى معاييره، لكن ذلك غير قائم ولا يمكن ان يصاغ في ظل الصراع الحاد القائم اليوم.

لكن رغم هذا النقص هناك حاجة ليس الى تفاهمات ولو بالحد الأدنى،  فالموضعين مختلفين (ائتلاف ومعارضة، ولا تستطيع المشتركة التنسيق كما لو كانت الموحدة قوة ضاغطة او لوبي داخل الائتلاف الاسرائيلي الحاكم، ولا التسليم بذلك)، فالاختلاف جوهري وليس عابرا وليس مؤقتاً، وعليه بالامكان الاتفاق على تهدئة الاجواء وعلى الكف عن خطاب الإلغاء والتخوين، فمن شأنه أن ينعكس اجتماعيا وعلى اوساط واسعة ليخلق حالة صراع مجتمعي قائمة على التعصب السياسي الغيبي، وهذا يمس بالمجتمع الفلسطيني كمجتمع. ادارة النقاش والخلاف والصراع بين المشتركة والموحدة ينبغي ان يكون سياسيا وفقط سياسيا وفي المفاهيم الاجتماعية وهذا يشمل المواقف والسلوكيات السياسية والمجتمعية.

هل تعود السياسة الى السياسة؟

شهدنا بعض الوقفات الهامة مؤخرا والتي من شأنها ان تضيء الطريق في خلق التوازنات وفي اعادة الاعتبار للسياسة القائمة على التعددية، ومنها تصدي اوساط واسعة في القوى الوطنية لحملة التحريض الاعلامي الاسرائيلية على الحركة الاسلامية الجنوبية والقائمة الموحدة وجمعية الاغاثة 48، بسبب مشاريع الاغاثة للايتام والمحتاجين في غزة، والسعي الاسرائيلي الى دمغها بالارهاب. وقد شكل الموقف المذكور اساسا اخلاقيا وواجبا اخلاقيا. في المقابل يجدر الاشادة بموقف المشتركة كما ذكر انفا في مسألة ميزانية الدولة، كما يجدر الاشادة بتأكيد التمسك بأخلاقيات السياسة الوطنية والذي جرى التعبير عنه في حدثين ليسا عابرين بل يشكلان استمرار للطريق الكفاحي وتعزيزا له، والقصد تصدي النائب ايمن عودة جسديا للنائب الفاشي بن غفير ومنعه بالقوة من دخول مستشفى كابلان والوصول الى الاسير مقداد القواسمة المضرب عن الطعام وبحالة صحية حرجة، وياضاف الى هذا الموقف الزيارة التي قام بها نواب المشتركة الى جانب رئاسة لجنة المتابعة بزيارة المؤسسات الحقوةقية التي اعلنتها دولة الاحتلال منظمات ارهابية، والاجتماع مع هذه المؤسسات في رام الله ووضع خطة لتوفير حمايتها ونزع شرعية الاحتلال والقرار الاسرائيلي. انها رسالة بأن كل شأن فلسطيني هو شأننا وفوق اي اعتبار مصلحي ولا مكان لنهج اللا – سياسة في السياسة.

ان هذه الوقفات تؤكد ان الحركة الوطنية قادرة ان تبقى حامية لكل من يتعرض للملاحقات والترهيب السياسي الاسرائيلي، كما وهذا الاساس تملك المقومات لان تصون الطريق الكفاحي لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني ورفد مجمل قضايا شعبنا وأن تحقق الانجازات في القضايا المطلبية.  كل هذا وارد فقط اذا اعتمدت قوة الشعب وحراك الشعب وحركته ومسيرته التي لا تنضب ولا تخيّب الأمل..

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: أمير مخول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *