انتقاد اسرائيلي لاسرائيل… وتوحد حول “الخطر الوجودي”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

انكسار هيبة الجيش، نتيجة العملية التي شنّتها حركة “حماس”، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وإنما بسبب طريقة التعامل مع الفلسطينيين، وطابع الدولة الإسرائيلية، أيضا.

ومعلوم أن إسرائيل كانت عايشت، قبل الحرب، نوعا من التصدّع العمودي والعميق والقديم، بين تياراتها السياسية، بين العلمانيين والمتدينين، وبين دعاة ديمقراطية الدولة ودعاة يهودية الدولة، أكثر من أي فترة سابقة من تاريخها، منذ إقامتها قبل 75 عاما (1948)، إلى حد أن البعض بات يتحدث عن انشقاق في المجتمع الإسرائيلي، وعما يقارب حربا أهلية، بين إسرائيل الأولى (العلمانية الليبرالية الإشكنازية) وإسرائيل الثانية (المتدينة الاستبدادية والاستيطانية المتطرفة).

ورغم أن تلك الحرب، في أحد ارتداداتها العكسية، أعادت وحدة اليهود الإسرائيليين حول ما يعرف بالخطر الوجودي، الآتي من الخارج، وضمنه من الفلسطينيين، وهو العنصر الأساسي في تكون الهوية الإسرائيلية، وتقوية الاجماع الإسرائيلي، إلا أن ذلك ترافق، أيضا، مع استمرار عملية النقد، وإن تغيرت بعض مضامينها في ظروف الحرب.

الحرب، في أحد ارتداداتها العكسية، أعادت وحدة اليهود الإسرائيليين حول ما يعرف بالخطر الوجودي، الآتي من الخارج، وضمنه من الفلسطينيين

كعادته كان إيلان بابيه الأكثر صراحة وجرأة في موقفه، ففي مقال عنوانه: “أصدقائي الإسرائيليون: لهذا أنا مع الفلسطينيين”، طالبهم بالتمسك بالبوصلة الأخلاقية، و”إنهاء الاستعمار والتحرر”… لمقاومة إغراء الانضواء تحت لواء الغضب (يقصد الرد على عملية “حماس”)، مع رفضه تشبيه إسرائيل للحدث بـ”هولوكوست”، لتوظيفه في تبرير حربها الوحشية ضد غزة، كما لم يخف إعجابه “بشجاعة المقاتلين الفلسطينيين الذين استولوا على اثنتي عشرة قاعدة عسكرية، وتغلبهم على أقوى جيش في الشرق الأوسط”، لكنه طرح بعض الانتقادات والتساؤلات حول “القيمة الأخلاقية أو الاستراتيجية لبعض الإجراءات التي رافقت تلك العملية”. يقول بابيه: “منذ يونيو/حزيران 1967، تعرض نحو مليون مواطن فلسطيني للسجن دون محاكمة؛ ولو لمرة واحدة في حياته على الأقل… ويعرف هؤلاء الناس أيضا الواقع المروع الذي خلقته إسرائيل في قطاع غزة عندما أغلقت المنطقة، وفرضت عليها حصارا محكما، ابتداء من العام 2007، وممارستها المستمرة بقتل الأطفال في الضفة الغربية المحتلة. وهذا ليس جديدا على الحركة الصهيونية… لطالما كان العنف أحد الوجوه الثابتة للصهيونية منذ قيام إسرائيل في العام 1948”. 
وفي الختام يرى بابيه أن ثمة “بديلا متاحا: أن تكون فلسطين منزوعة من الصهيونية، متحررة وديمقراطية من النهر إلى البحر. فلسطين التي ترحب بعودة اللاجئين وتبنِّي مجتمعٍ لا يميز بين أفراده على أساس الثقافة أو الدين أو الإثنية… بما يبشر بفجر شرق أوسط جديد” ( Palestine Chronicle، 10/10/2023)

الحرب في سياقها الاستعماري


ثمة مقاربات أخرى تقارب رؤية بابيه، لعديد من المثقفين والأكاديميين اليهود في إسرائيل وخارجها، كجوديث بيتلر وبينامين فرانكشتاين، مثلا، في شأن رفض سردية إسرائيل الرسمية عن اعتبار نفسها ضحية، واحتكار مكانة الضحية في الضمير العالمي، وتحويل الضحايا (الفلسطينيين) إلى معتدين، بمطالبة الإسرائيليين برؤية السياق العام للأحداث، ورؤية إسرائيل على طبيعتها، كدولة قامت على حساب الفلسطينيين. 

AFPمتظاهرون اسرائيليون يرفعون صورة تندد بنتنياهو


يقول جدعون ليفي: “منذ 1948 وإسرائيل تعاقب غزة… أمس رأت صورا لم تتوقعها في حياتها (يقصد عملية “حماس”)، بسبب غطرستها… نعتقل، نقتل، نسلب، نرحّل، نصادر أراضيهم، ونقوم بتطهير عرقي، أيضا نواصل الحصار غير المعقول على غزة… نبني حاجزا هائلا حول القطاع، كلفت بنيته تحت الأرض ثلاثة مليارات شيكل، ونكون آمنين… ثم يتضح أنه يمكن لجرافة بدائية وقديمة اختراق حتى أكثر العوائق تعقيدا والأعلى تكلفة في العالم بسهولة نسبيا… أثبت بضع مئات من المقاتلين الفلسطينيين أنه من المستحيل سجن مليوني إنسان إلى الأبد، دون دفع ثمن باهظ… يتحمل نتنياهو مسؤولية ثقيلة جدا عما حدث… علينا الآن أن نبكي بمرارة على الضحايا الإسرائيليين؛ ولكن علينا أيضا أن نبكي على غزة، التي معظم سكانها لاجئون خنقتهم أيدي إسرائيل؛ غزة التي لم تعرف يوما واحدا من الحرية”. (هآرتس”، 8/10/2023). وعلى ذات المنوال حمّلت عميرة هاس حكومة نتنياهو مسؤولية ما حصل، بسبب سياستها إزاء الفلسطينيين، وضمنها انتهاك مقدساتهم، وإطلاق يد المستوطنين المسعورين المتطرفين في القدس والضفة، مع ربطها كل ذلك بمحاولة تلك الحكومة تغيير النظام السياسي الإسرائيلي. وبرأيها فإن: “قوات الأمن الإسرائيلية أهملت الدفاع عن مستوطنات غلاف غزة بسبب تركيزها على حماية المستوطنين ونشاطات توسعهم… في الضفة الغربية… الإهمال (برأيها) يتساوق مع أحد الأهداف السامية للانقلاب النظامي ولمن قاموا بوضعه ومؤيديه في (الصهيونية الدينية): تسريع عملية الضم الفعلي لمعظم مناطق الضفة الغربية وزيادة عدد المستوطنين اليهود هناك”. (“هآرتس”، 10/10/2023).
وهذا الربط بين سياسة إسرائيل إزاء الفلسطينيين، وما تحاوله حكومة نتنياهو، التي تعرف بالحكومة الأكثر تطرفا منذ إقامة إسرائيل، في الانقلاب على النظام العلماني، وعلى طابع إسرائيل كدولة ليبرالية وديمقراطية (نسبة لليهود فيها)، أثار مخاوف كثيرين. وبرأي أمير زيف، فإن “أعضاء الكابينت الأمني لدولة إسرائيل” غير مؤهلين وغير مؤتمنين، إذ “لا يعقل أن تكون هناك أي صلة بين بن غفير، الكهاني العنصري، الذي تفكك أمن مواطني إسرائيل تحت يديه، والمهرج الاستعراضي عديم التجربة… بحياة ابني، أو حياة مقاتلين آخرين يضحون بحياتهم… لا يعقل أن يكون وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، المسيحاني الذي يدق طبول الحروب، حارق حوارة، الذي لشدة الفظاعة هو أيضا وزير في وزارة الدفاع… ولا يوجد لأي من زعماء العالم المتنور استعداد للقائه، أي صلة بحياة ابني أو المقاتلين الآخرين في الجبهة. لا يعقل أن يكون وزير العدل لفين، الذي يتآمر على المنظومة التي يؤتمن عليها… أي صلة بحياة ابني أو حياة المقاتلين الآخرين في الجبهة… هذا زمن الكارثة… كفى. حررونا”. (“يديعوت”، 11/10/2023).

كثير من أصحاب الرأي اليهود، داخل إسرائيل وخارجها، ذهبوا إلى دراسة السياق العام للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، على نحو ما فعل إيلان بابيه، وأيضا جوديث بيتلر، التي وقعت على بيانات أدانت فيها الحرب

أيضا، كثير من كتاب الرأي تحدثوا على هذا النحو، معتبرين ما جرى كيوم أسود في تاريخ إسرائيل، وعند إفرايم غانور فهذا “أكثر الأيام حلكة وصعوبة وفظاعة في تاريخ إسرائيل وشعبها. أفظع من 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، وأيّ مقارنة بـ(يوم الغفران) هي مقارنة خاطئة… 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعاد دولة إسرائيل إلى أيامها الأولى، إلى حرب 1948… أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول كشفت المؤسسة الأمنية في إسرائيل- الجيش والاستخبارات العسكرية و”الشاباك”، عارية، وحطمت النظريات الدفاعية الهوسية وفشل إسرائيل مجددا. وكما فشل خط بارليف، فشل أيضا السور الأمني الغالي التكلفة، المُقام بين القطاع ومستوطنات الغلاف”. (“معاريف”،10/10/2023). وهو ما كرره ناحوم برنياع بقوله: “كلف العائق في غزة ثلاثة مليارات ونصف المليار شيكل. من فوق الأرض، من تحت الأرض، مجسات، كاميرات… انهار العائق، وأصبح سورا من ورق… في نظري، 7 أكتوبر 2023 كانت إهانة عظمى، لم يشهد الجيش الإسرائيلي مثيلا لها في كل سنواته”. (“يديعوت”، 9/10/2023).

التحرر الفلسطيني والتحرر الإسرائيلي


إذن، ثمة كثير من أصحاب الرأي اليهود، داخل إسرائيل وخارجها، ذهبوا إلى دراسة السياق العام للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، على نحو ما فعل إيلان بابيه وأيضا جوديث بيتلر، التي وقعت على بيانات أدانت فيها الحرب، وكتبت عن ضرورة دراسة السياق الاستعماري لإسرائيل، وعدم الانجرار وراء لحظة هجوم “حماس” فقط، مع انتقادها له. فهذا ميني ماوتنر يرى أن: “كل شخص عاقل وإنساني ونزيه يجب أن يسأل نفسه سؤالين: كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟ كيف سننهي دائرة العنف التي استمرت سنوات طويلة؟”.
ويجيب: “وصلنا إلى هذه اللحظة بسبب وجود حركتين قوميتين تصادمتا على أرض إسرائيل. في بداية الصهيونية ساد شعار (أرض دون شعب لشعب دون أرض)… لكن نظرة إلى الخرائط من القرن التاسع عشر، والإحصاءات السكانية العثمانية من العام 1897 و1905 ونتائج الإحصاءات السكانية لبريطانيا في 1922، تدل على أن البلاد كانت تضم مئات القرى العربية التي كان يعيش فيها نحو 700 ألف نسمة في بداية القرن العشرين… وثمة نقطة فارقة مهمة في العلاقة بين الحركتين القوميتين، وهي نكبة 1948، التي أصبح فيها نحو 700 ألف فلسطيني لاجئين، وتم هدم 400 قرية فلسطينية… استمرار احتفاظ إسرائيل بـ(المناطق) تم تبريره بالحاجة الأمنية… بسبب الطريقة التي تعرف بها أهداف قوميتها”.
ويخلص من ذلك إلى أن “إنهاء دائرة الدماء يقتضي الاعتراف بالقومية الفلسطينية والحق في تقرير المصير… يجب أن تدرك إسرائيل أيضا أن استمرار النزاع الدموي هو التهديد الرئيس للديمقراطية الليبرالية… تدمير النظام الديمقراطي الليبرالي، ثم تدمير الدولة نفسها. والاحتلال هو التهديد الرئيس لليبرالية… يجب أن نسأل أنفسنا، في أي دولة نريد العيش بعد 20 أو 30 سنة؟ دولة تستند إلى القوة العسكرية أم دولة تطبق التعايش مع القومية الفلسطينية وتقيم علاقات متشعبة مع دول الشرق الأوسط؟”. (“هآرتس”، 26/10/2023).
في ذات السياق، كتب ميخائيل سفارد: “الفساد الأخلاقي آلية تغذي نفسها، وتبرر ذاتها… فرضنا على الفلسطينيين 25 سنة من اللجوء، و56 سنة من الاحتلال، وفرضنا على الملايين من سكان غزة 16 سنة من الحصار– كل ذلك أدى إلى تآكل مبادئ الأخلاق لدينا… إسرائيل، الآن، دولة ومجتمع، فيها دعوات لمحو غزة… ويأمر فيها وزير الدفاع بقطع المياه والغذاء والوقود عن مليوني إنسان… النضال من أجل إنهاء الاحتلال واستقلال الشعب الفلسطيني جزء من النضال العالمي لحماية حقوق الإنسان للجميع، وليس العكس… الحرية الفلسطينية وتقرير المصير تهدف إلى تعزيز واقع يتمتع فيه الناس بحماية حقوقهم ويكونون أحرارا في إدارة حياتهم كما يريدون”. (“هآرتس”، 24/10/2023).
لكن الظاهرة الأبرز في نقد إسرائيل أتت من جماعات يهودية في الولايات المتحدة الأميركية، من المنتمين لمنظمات مدنية يهودية مؤيدة للسلام، منها “الصوت اليهودي من أجل السلام”، وحركة “إن لم يكن الآن”، الذين تظاهر بعضهم في كثير من المدن، كما قام بعضهم بالاعتصام في مبنى الكونغرس الأميركي في العاصمة (واشنطن، 25/10)، وقد تخلل كل تلك المظاهرات والاعتصامات رفع علم فلسطين، ولافتات مناهضة للحرب، وشعارات مثل: “دعوا غزة تعيش” وأغاني تدعو للسلام بالعبرية والإنكليزية.

النقد الإسرائيلي قبل الحرب


كما قدمت، فإن النقد الإسرائيلي لإسرائيل كان قبل الحرب في ذروته، ولم يتوقف أثناءها، وهو نقد ناجم عن التناقض الكامن في إسرائيل منذ إقامتها، قبل 75 عاما، بين كونها دولة يهودية أو دولة ديمقراطية، كما بين كونها دولة دينية أو دولة علمانية، ويشمل نمط علاقتها مع الفلسطينيين، كدولة استعمارية وعنصرية، وكلها أمور باتت غاية في الوضوح بعد تشكيل حكومة نتنياهو، التي ضمت حزب الليكود والأحزاب الدينية المتطرفة، والتي جمعت بين انتهاج سياسات متطرفة ضد الفلسطينيين، وسياسات تفضي إلى تآكل الديمقراطية الإسرائيلية، بفرض أجندة اليمين القومي والديني المتطرف، إلى حد أن بعض أصحاب الرأي الإسرائيليين باتوا يصفون إسرائيل باعتبارها دولة نازية وفاشية ودولة آبارتهايد، وقد جمع النقد بين شخصيات يهودية مؤثرة في إسرائيل وخارجها، كما ظهر ذلك في تقارير منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية (“بتسيليم”)؛ وما أكدته تقارير صادرة عن منظمات دولية مثل “هيومان رايتس ووتش”، و”أمنستي”، والأمم المتحدة. وهذا أبراهام بورغ (رئيس كنيست وأحد قادة حزب العمل سابقا) يقول: “نحن نتصرف بالفعل في المناطق التي قمنا باحتلالها في الضفة وغزة… كما تصرف النازيون في المناطق التي احتلوها في الغرب”. (“هآرتس”، 5/9/2023).

تناقض كامن في إسرائيل بين كونها دولة يهودية أو دولة ديمقراطية، كما بين كونها دولة دينية أو دولة علمانية، ويشمل نمط علاقتها مع الفلسطينيين، كدولة استعمارية وعنصرية

المغزى من تشبيه بورغ هو أن التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، من النهر إلى البحر، بات سياسة للدولة في مركبها القانوني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، سيما بعد أن تم ترسيمه بسنّ الكنيست (2018) “قانونا أساسيا” (دستوريا) يعتبر إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي، ما يجعل فلسطينيي 48، من مواطني إسرائيل، في درجة دنيا، إذ ليهود إسرائيل فقط حق تقرير المصير فيها باعتبارها دولتهم! وعن خواء وتناقض، الادعاء بأن إسرائيل يهودية وديمقراطية، يرى يوسي كلاين أن ذلك “هدف خيالي… دولة يهودية… دولة شريعة، ليست ديمقراطية… فجوة بين اليهود العلمانيين والليبراليين وحفنة الفاشيين المتدينين… السيطرة والاحتلال ليست وسيلة بل غاية… الفاشية اليهودية تضع الدولة فوق الفرد”. (“هآرتس”، 28/9/2023).

Reutersالرئيس الاسبق للكنيست الاسرائيلي ابراهام بورغ


ولعل ما تقدم يفسر صعود أصوات لشخصيات يهودية تقرن معارضتها أي تغيير في النظام السياسي في إسرائيل بفضحها سياسات إسرائيل العنصرية المتطرفة ضد الفلسطينيين، سيما مع تصريحات عديدة عنصرية لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بقوله إن تنقله مع زوجته وأطفاله “أهم من حرية حركة العرب في الضفة”، ولوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا إلى محو قرية حوارة الفلسطينية (قرب نابلس)، وعرض “خريطة إسرائيل” تضم الأراضي الأردنية، ولوزير الحرب الإسرائيلي يواف غالانت الذي شبه الفلسطينيين بالحيوانات.
فهذا تامير باردو (الرئيس السابق لجهاز الموساد)، مثلا، يعتبر أن “إسرائيل تطبّق نظام فصل عنصري في الضفة الغربية… يقربنا من نهاية الحلم الصهيوني”. وكان النائب السابق لرئيس الموساد عميرام ليفين صرح بأن “ما تشهده الضفة الغربية، بعد 57 عاما من الاحتلال، هو آبارتهايد، وأن الجيش الإسرائيلي بدأ بالتورط في جرائم حرب… تذكّر بالعمليات التي حدثت في ألمانيا النازية… لدى القيام بجولة في مدينة الخليل، ستصادف شوارع لا يستطيع العرب السير فيها”. (“يديعوت”، 7/9/2023). 
أما إيريس ليعال فوجه انتقاده لبعض الشخصيات المسؤولة التي تنبهت مؤخرا فقط لواقع الآبارتهايد، بعد أن بات يمسّ بها، بقوله: “ما الذي يحدث مؤخّرا لكبار المسؤولين في جهاز الأمن، الذين على الفور بعد تقاعدهم ينضمون إلى اليساريين؟ لأن هذا هو احتلال سموتريتش وبن غفير، وليس مثلا احتلال بني غانتس؟! وعنده إسرائيل تمارس “الآبرتهايد، وجرائم ضد الإنسانية… الآن… ومن قبل… الحقيقة ستبقى على حالها… لا توجد ديمقراطية مع الفصل العنصري”. (“هآرتس، 11/9/2023).

مشكلات الخطاب النقدي الإسرائيلي لإسرائيل


يستنتج من كل ذلك أن النقد الإسرائيلي لإسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والدينية والعنصرية والعدوانية، غني وعميق ومؤثر، مع شخصيات مثابرة مثل: إيلان بابيه وإيلا شوحط وأبراهام بورغ وشلومو ساند ونورمان فنلكشتاين وعميره هاس وجدعون ليفي وأفي شلايم وباروخ كيمرلنغ وأوري رام وجرشون شافير، وجوديث بيتلر، ومن المهم الاستثمار به، لكن مشكلته تكمن، أولا، في افتقاده لعوامل ضغط عربية ودولية على إسرائيل. ثانيا، في افتقار الخطاب السياسي الفلسطيني لمقاربات مماثلة تتقاطع معه. وثالثا، في افتقاد الفلسطينيين لرؤية نقدية مسؤولة لتجربتهم الوطنية، الغنية والمديدة والباهظة، ما يسهم في إضعاف تأثير النقد الإسرائيلي، أيضا. ورابعا، في نفاق الدول الغربية، المسؤولة عن الهولوكوست، وعن اللاسامية، والتي تحاول تفريغ ذلك، أو التكفير عنه، بدعمها اللامحدود والأعمى لإسرائيل، في سياساتها الاستعمارية والعنصرية والوحشية ضد الفلسطينيين، واعتبارها العداء لتلك السياسات عداء للسامية، التي هي مسؤولة عنها أصلا، وفي تحويلها المعتدي (ضحيتها) إلى ضحية، وتحويلها ضحية ضحاياها إلى معتدٍ، مع ما في كل ذلك من تقليص لحرية الرأي والتعبير في مجتمعاتها. ويأتي ضمن ذلك اعتبار حرب إسرائيل الوحشية ضد الفلسطينيين حربا مشروعة، ودفاعا عن النفس، علما أنها تحتل أراضيهم وتصادر حقوقهم وتمعن في امتهانهم، وكأن الفلسطينيين ليسوا بشرا ولهم حقوق، على ما ذكر ذلك إسرائيليون يهود كثيرون.

عن المجلة

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: ماجد كيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *