الى غسان زقطان… لكنّ النقاش ليس في السيرة الذاتية!


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

يستغرب بل يستهجن الأخ غسان زقطان في مقالته (النهار العربي 16/10) الأفكار التي وردت في مقالة لي نشرتها بدءاً في “ملتقى فلسطين” بخصوص وضعنا اليوم ومستقبلاً، من دون مناقشتها، ففي المختصر هو يركز على ما مفاده أن مواقفي السياسية تستمر في التغير باتجاه اليأس، وأن دعوتي الآن للصمود ونسيان الحلول والمفاوضات لا تقدّم شيئاً جديداً أو مفيداً، ناهيك بكونها “مهلهلة”، أيضاً، من دون أن يقدم أفكاراً بديلة.

لا أريد دحض الحقائق التي أوردها، لكنني أريد أن أضع هذه الحقائق نفسها في قالب آخر يجمع بين مواقفي المتغيرة وتطور الواقع الفلسطيني خلال العقود الأخيرة، عل ذلك يسهّل على غيري تفهم تلك المواقف بل ويجد في تجربته الشخصية والسياسية صدى لها.

باختصار، قضيت أعوامي الطلابية (أواخر الستينات وخلال السبعينات الى أوائل الثمانينات من القرن الماضي) ككثيرين غيري مؤمناً بالدولة الديموقراطية والعلمانية الواحدة. أعترف بأنني كنت حينها لا أمتلك في ذهني خريطة واضحة لتحقيق هذا الهدف، وكنت بالتالي منقاداً مع آخرين في الاعتقاد أن الثورة المسلحة سوف تأتي بما لم تستطع الجيوش العربية عليه. عند عودتي الى البلاد والبدء في التدريس في جامعة بيرزيت في أواخر السبعينات من القرن الماضي، كنت ما زلت على إيماني بالهدف، إلّا أنني مع تعرّفي في شكل أعمق على ما نحن بصدده بدأت بالتفكير في مسارات إضافية قد توصلنا إلى الهدف ذاته، ما جعلني أطرح فكرة “الضم” التي تعني المطالبة بالحقوق السياسية المتساوية مع الإسرائيليين، وفقاً لاعتقادي، وفهمي، أن طرحاً كهذا تتأسس أركانه على: البقاء والعودة والمساواة، تماماً كما جاء في ختام مقالتي الأخيرة موضع النقد. بيد أن ذلك أثار، وقته، رفضاً عارماً من الزملاء (يميناً ويساراً) والأعداء! في الأثناء، سنحت لي الفرصة كنقابي يتصدى للأوامر العسكرية، آنذاك، التي كانت إسرائيل تريد بموجبها أن تسيطر على الجامعات في الأراضي المحتلة، للتواصل العضوي مع الحركة الطلابية (والقيادة في الخارج) وأن أستشف تدريجياً أولوية الاهتمام بنزع الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال. شهدت تلك الأيام المعركة الكبرى التي شنتها إسرائيل على الحركة الوطنية باجتياحها لبيروت وبالمجازر في المخيمات (1982) كما شهدت المعركة الموازية التي شنتها على الحركة الوطنية في الأرض المحتلة وعلى الجامعات والمؤسسات والقيادات المحلية. شهدت أيضاً تلك المرحلة بروز فكرة ما جرت تسميته في ما بعد بـ”المشروع الوطني”، أي إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع.

كأي عنصر فلسطيني في ذلك الوقت متمسك بمنظمة التحرير، ويؤمن بقيادته (أبو عمار وأبو جهاد)، ومستعد للقيام بدوره، بدأت بالعمل مع زملاء لي في الأرض المحتلة لفتح العلاقات مع قوى إسرائيلية مختلفة بهدف جذبها للاعتراف بمنظمة التحرير وبحل الدولتين (برنامج المنظمة). تُوّجت تلك اللقاءات باتفاقات مبدئية مع بعض أوساط إسرائيلية، التي كان من المقرر الإعلان عنها في حضرة ياسر عرفات في جنيف، والتي انتبه لها حزب العمل الإسرائيلي في حينه فحاول إجهاضها بوضع الأخ فيصل الحسيني في السجن لمنعه من السفر، وكان من تبعاتها، أيضاً، الاعتداء عليّ من الطلبة المنتمين للحركة نفسها، وذلك لأسباب قد يظهرها الباحثون يوماً ما، إذ لم أقم بشيء يخل باعتبارات القيادة وهي قيادتهم أيضاً. مختصر القول إنني أصبحت من أولئك الذين ينادون بالمفاوضات وبحل الدولتين، تماماً كما فعلت قيادة المنظمة، وجاءت الانتفاضة الأولى باستراتيجيتها العصيانية والبنائية (عصيان وبنيان) لتدعو لهذا الحل، بل جاءت وثيقة الاستقلال بدءاً من أحضان تلك الانتفاضة. وتبع تلك المفاوضات نفسها والتي كنت جزءاً منها ومن أعمالها الفنية والميدانية على الأرض تهيئة لإقامة الدولة (قد ألفت النظر هنا بأن القيادة المحلية في تلك الفترة عكفت على وضع الأسس المؤسساتية لجهاز الدولة المستقبلي ولم تنتظر عودة قيادة م.ت.ف. الى الداخل).

أما المرحلة الثالثة، فجاءت بعد سنين كنت أثناءها قد عدت الى العالم الأكاديمي، وحدث ما حدث في كامب ديفيد2 (2000) وتفجرت الانتفاضة الثانية. لم أجد شخصياً فيها استراتيجية مقنعة كالانتفاضة الأولى، وارتأيت أن العقل يوجبنا العودة الى المفاوضات واقتناص ما قد يكون الفرصة الأخيرة لاستكمال إنجاز الدولة المستقلة. تم طرح “خطة الطريق”، آنذاك، التي أعلنها أرييل شارون وبوش (الابن) وأبو مازن في شرم الشيخ، بينما كان عرفات محاصراً في مقاطعته، وكان أن زارني آنداك عامي أيالون الذي لم يكن مقتنعاً بحلول بوش وشارون كما لم أكن أنا الآخر مقتنعاً بها، وقررنا أن نطرح ما أسميناه بـ”خطة الهدف”، لتجاوز ضبابية اتفاق شرم الشيخ وللتأكيد على طبيعة نهاية الطريق، وكانت هذه لا تختلف جوهرياً عن أطروحة الدولتين التي كان هنالك إقرار بها، والتي كانت البرنامج الرسمي لمنظمة التحرير.

في الغضون، استضافتني محطة أردنية في ذلك الوقت، وكان ذلك أثناء زيارة شخصية أردنية مرموقة للرئيس الفلسطيني، وسألني من ضمن ما سألني في ذلك السياق ما إذا كنت بالرغم من قراءتي للواقع الماثل أمامي (الزحف الاستيطاني والاستملاكي المستمر) سوف أرفض انسحاباً إسرائيلياً لمصلحة الأردن وضمن مفهوم الكونفدرالية معه. فأجبت أن أحداً لن يعارض انسحاباً إسرائيلياً وأن الكونفدرالية مع الأردن أمر أقرته مجالسنا الوطنية في السابق.

قُتل ياسر عرفات بالسم أثناء حصاره (أواخر 2004) وفكر البعض أن إسرائيل سوف تتوقف حينها عن غطرستها واستشراسها في الاستيلاء على مقدراتنا وأراضينا، لكن العكس حدث وبدأ مسلسل التدهور وتقلص هامش الحركة. منذ ذلك الوقت، أي منذ 15 عاماً، كنت بدأت بإدراك أن المفاوضات لن تسفر عن شيء وأن المستقبل الوحيد المتبقي أمامنا هو الكدّ نحو الدولة الواحدة (لاحظ معي: لا أقول الحل، إذ ليس ثمة حل كهذا معروض علينا هو الآخر).

إذاً أقول: نعم لقد تغيّرت مداركي ومواقفي عبر السنين والتجربة. لكنني في الأغلب، كغيري كثر، تقلّبت عليهم الأيام والمواقف لكنهم ظلوا في حضن الحركة الوطنية، بكل ما يترتب على ذلك من إيمان بأهداف شعبنا وحقوقه.

ليس ذلك بتبرير بل تفسير واقعي ـ بل ومنطقي كما أعتقد ـ لما مر كثيرون في هذه الحركة به. هل كان خطأ أو خطيئة أو أمراً مستهجناً أن ينظر الفلسطيني حوله، عبر أربعة عقود، فيعاين المستجدات بما له وما عليه، ساعياً باستمرار ليجد منافذ للتصدي في هذه المرحلة أو تلك للمخطط الاستعماري، أو حتى للتخلص من شباك الفخ الذي يحاك حوله، في ظروف ومعطيات جد صعبة ومعقدة، وبعيداً من مجرد طرح الشعارات؟

أعتقد بالعكس أن المستهجن هو أن يبقى الإنسان الوفي للهدف أسير عقل منغلق على ذاته، بينما هو في الواقع يتكيف مع الوقائع الحاصلة لأنها أقوى منه ومن رغباته.

أما الآن، فما أقوله هو أنه طالما لا حلول مقبولة معروضة علينا فلا داعي للالتهاء بها أو إلهاء شعبنا بها. ليس ذلك تعبيراً عن يأس بمقدرات الشعب الفلسطيني بل هو دعوة لتغيير النهج، الرغبوي والشعاراتي، الذي فشل. طرحت مساراً آخر نحن اعتدنا عليه وهو الثبات على الأرض والاستمرار في مطالبة الحقوق – ليس فقط في الأرض المحتلة بل في كل أماكن الوجود الفلسطيني وفي كل المحافل، وذلك إلى أن يكتمل انقلاب الموازين فنكون في موقع أقوى للتعامل مع مستجدات المستقبل. لم أطرح ما تقدم كخطة (ما يجعل الطرح “مهلهلا”)، بل كأرضية لوضع خطة، وتطوير أفكار، يفترض أن يتشارك الجميع الفلسطيني فيها. فالذي يضع الخطط هي قيادة الشعب بأجمعه، وإطاراته الجمعية، ما يوجب تمثيلاً شاملاً في منظمة التحرير لقطاعات الشعب في كل أماكن وجوده، وما يوجب أيضاً قيادة محلية في الأرض المحتلة، رسمية كانت أم ميدانية، تعمل على تطبيق تلك الجزئية من الخطة التي تخص موقعها.

وباختصار، كنت أتمنى لو ذهب غسان نحو مناقشة الأفكار التي طرحتها في مقالتي، ولكنه للأسف ذهب الى مواضع أخرى خارج موضوع المقالة المذكورة، كنت أتمنى أن يناقش تلك الفكرة، أو الدعوة، علماً أن فكرتي تتلخص في أن الصمود هو أهم شكل للمقاومة الآن، في هذه الظروف والمعطيات، وأنه من دون صمود لا مقاومة، وأنني أقصد بالصمود ليس الصمود الفطري أو الطبيعي، الذي ينتهجه شعبنا منذ قرن، فحسب، بل تمكين الشعب من الصمود أي توفير عوامل الصمود، وضمنها إعادة بناء البيت الوطني الجامع، أي منظمة التحرير الفلسطينية (المقالة في https://www.palestineforum.net/).

ما أدعو إليه هو أن نشرع جميعاً بالمساهمة في طرح الأفكار الخلاقة لتصميم خطة كهذه. الواجب يحتّم علينا الشروع في وضع الأفكار وليس مجرد طرح الشعارات والرغبات، أو الانتظار الى ما لا نهاية بانتظار مخلّص يأتينا من خارج.

المصدر: النهار العربي، 20/10/2020 ـ الرابط: https://www.annaharar.com/arabic/makalat/opinions/19102020055404904

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *