الهزات الارتدادية لزلزال غزة تتسع وتأخذ منحى تصاعديا يؤسس لتصويب اعوجاج مسار التاريخ (3)


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

يقول المؤرخون أن التاريخ الإنساني يشهد أحداثا تبدو محدودة، لكنها تؤدي إلى انعطافات جوهرية في مساره، بسبب تضافر وتفاعل مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية، وتقاطع الاهتمامات المتباينة لأطراف عديدة فاعلة، والتحامها معا في لحظة معينة دون تخطيط مسبق.

ورغم أن ،ذلك، يبدو عرضيا، إلا أنه ينجم عن تراكم الأحداث بطريقة تجعل منع حدوثه متعذرا. ويصبح من غير الممكن التحكم بتطوراته. فلا يعود الوضع بعد حدوثه كما كان عليه قبله، دون أن تستهدف ذلك خطة استراتيجية مسبقة. وغالبا ما تفاجىء النتائج التي تترتب عليه صانعي الحدث أنفسهم، والمتأثرين بتداعياته على حد سواء .

وأغلب الظن أن طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر/ 2023 من بين الأحداث التي ستغير وجه التاريخ، فلن يعود العالم بعده لما كان عليه قبله.

تناول المقال في الجزأين الأول والثاني الأسباب والعوامل التي جعلت ملحمة طوفان الأقصى مشابهة للأحداث العالمية الكبرى التي تغير مجرى التاريخ .

وسيركز الجزءان الثالث والرابع على التغيرات الجوهرية التي أحدثها طوفان الأقصى وتداعياته، وما يزال، فلسطينيا وعربيا وإقليميا وإسرائيليا ودوليا. ويستوجب تبينها بموضوعية دون تهويل أو تهوين لاستشراف ما تتيحه تلك التغيرات من فرص واعدة بتحولات جيو – سياسية تعيد فلسطين وشعبها إلى الخريطة الجغرافية العربية والإقليمية والدولية، بعد تغييب تواصل نحو 76 عاما. دون إغفال النتائج الكارثية للحرب على حياة الشعب الفلسطيني عموما، وفي قطاع غزة خصوصا. والتي تستوجب البحث المعمق لوضع خطة شاملة لمعالجتها وتسريع التعافي المجتمعي والوطني.

وسيتم التركيز على أبرز التغيرات التكوينية التي توفر فرصا واعدة ينبغي إدراكها وتعظيمها عبر استراتيجيات واضحة محددة الأهداف، تترجم إلى خطط عمل وبرامج تنفيذية، توظف التغيرات الواعدة لخلق وقائع جديدة مستهدفة تقرب الشعب الفلسطيني من بلوغ أهدافه التحررية.

وعلى الرغم من قسوة استخدام مصطلح الفرص الواعدة التي تتيحها حرب الإبادة الجماعية الأكثر دموية ووحشية في التاريخ الإنساني قديمه وحديثه، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن التحولات التكوينية التاريخية الكبرى، غالبا ما تلي الحروب، وجميعها شر خالص. فلم تستطع البشرية منذ فجر التاريخ أن تمنع حروبا كبرى يشنها طغاة العالم الذين يراكمون القوة التدميرية ويوظفونها للسطو على بلاد وموارد الشعوب المستضعفة. وانتهاك الحقوق الإنسانية الأساسية المتساوية لبني البشر في الحياة والحرية والكرامة وتقرير المصير. فيفرضون عليها الاختيار بين العبودية وبين التحرر. ولكلا الخيارين ثمن باهظ.

لقد شكل استبدال فلسطين بكيان استعماري استيطاني يهودي هدفا مركزيا للقوى الاستعمارية الغربية الطامعة في بلادنا العربية-الإسلامية الممتدة منذ أكثر من قرنين.لأسباب تم تناولها بإسهاب في مقالات سابقة ولا حاجة لتكرارها. ولم يكن استهداف فلسطين بالاستعمار والاستيطان لذاتها، وإنما أساسا لموقعها الجيو-استراتيجي في مركز وصل الأمة الجغرافي والديموغرافي والحضاري. واستغرق التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري لبلوغ هدفه قرابة قرن ونصف من التخطيط والتحضير والتنفيذ (منذ حملة نابليون بونوبارت العام 1799, وحتى إنشاء الكيان الصهيونى العام 1948).

ومنذ نجاحه في إنشائه قبل نحو 76 عام، باحتلال كامل فلسطين على مرحلتين يفصلهما عقدين، واقتلاع أكثر من نصف الشعب الفلسطيني وتشريده خارج وطنه . باتت خياراته تنحصر بين التسليم بالقدر الذي أراده الغزاة الأجانب وارتضاه أتباعهم. والقبول بالاختفاء من الجغرافيا والتاريخ/الموت، أو الهجرة والتيه والذوبان في بلاد اللجوء، أو العبودية لمن يتبقى في وطنه/ .

وبين الاستعصاء والصمود والمقاومة لتغيير الواقع الذي فرض عليه، وصنع مستقبل مغاير . وعندما استعصى على الخضوع والاستسلام، لإدراكه الواعي لصيرورة التاريخ الإنساني عموما، وتاريخه الفلسطيني خصوصا. (إذ تعاقب على فلسطين غزاة كثر حكموا العالم عندما تمكنوا من استعمارها، وغادروا التاريخ عندما تحررت وخسروها. وبقيت فلسطين عصية على الزوال، وبقي شعبها العربي الفلسطيني عصيا على الفناء)، بات كسر استعصاء الشعب الفلسطيني هدفا رئيسا للتحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري وأتباعه، فشنوا عليه سلسلة حروب طالت جميع مكوناته داخل الوطن وفي أماكن اللجوء. تخللتها فترات هدن قصيرة لتوظيف السياسة في انتزاع ما عجزت عنه الحروب والمجازر .

ولم تكن موقعة طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر/ 2023 سوى محاولة للدفاع عن النفس، بعد أن تواطئ طغاة الكون لمحو فلسطين وشعبها جغرافيا وسياسيا، وأوشكوا على بلوغ غايتهم . ففاجأهم بضع مئات من الثوار في قطاع غزة (الذي تحمل أكثر من غيره عبء القضية ومسؤولية الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية). وتمكنوا في بضع ساعات من استعادة الحضور الفاعل للشعب الفلسطيني في جزء من أرض أجداده التي استقر فيها الغزاة الصهاينه. ما أثار الذعر في كامل التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري وبين أتباعه. ورؤوا في ذلك تهديدا بتقويض المنجزات التي حققوها على مدى أكثر من قرنين. فاستنفروا كل قواهم، وبدأوا حرب إبادة جماعية لمحو قطاع غزة أرضا وسكانا من الوجود، وجعله عبرة لكل من يتجرأ على التمرد .

غير أن استبسال المقاومة في الدفاع عن وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف، ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير على أرض وطنه. والصمود الأسطوري لحاضنتها الشعبية للشهر السادس على التوالي في مواجهة التحالف الذي حشد جل قواه العسكرية والاستخباراتية والسياسية والدبلوماسية والمالية، وتجند رؤساؤه ووزراء دفاعه وخارجيته وقادة وخبراء جيوشه وأجهزته الأمنية ومشرعيه وإعلامييه. وانخرطوا جميعا في حرب الإبادة الجماعيه والتطهير العرقي ضد شعب صغير أعزل محاصر. وأرادوها حربا فاصلة، لاستكمال هندسة الإقليم، وإدامة هيمنتهم العالمية الآيلة للسقوط.

وبالرغم من هول القوة التدميرية التي استخدمها التحالف واستهدفت محو الإنسان والمكان والتاريخ والذاكرة بوحشية لم تعهدها البشرية على مر التاريخ الإنساني. لم يتمكن التحالف من تحقيق أي من أهدافه المعلنة ( استعادة الرهائن واستئصال المقاومة). واقتصرت منجزاته على القتل والدمار وتقويض فرص العيش في قطاع غزة ( وهو الهدف الرئيسي المضمر للتحالف) والذي باتت تدركه شعوب ودول العالم أجمع ، وتتابع وقائع الإبادة بالبث الحي لحظة حدوثها. وتعجز عن وقفها. ما فجر الغضب على امتداد الكرة الأرضية، فتدفقت الجموع الغاضبة من مختلف الأعراق والأجناس والألوان والأديان بمئات الآلاف وملأت الساحات والميادين في مختلف مدن العالم للمطالبة بوقف حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في قطاع غزة. فقد حركت حرب الإبادة والتطهير العرقي غير المسبوقة في كثافتها التدميرية ووحشيتها ضد الشعب الفلسطيني الصغير الأعزل المحاصر، طبقات الإنسانية العميقة وهزتها بعنف . وأحدثت تغيرات تكوينية في الوعي الجمعي العالمي وأسست لتحولات جيو – سياسية واعدة بتصويب انحراف مسار التاريخ الفلسطيني والعربي والإقليمي والدولي .

ويمكن تلخيص أهم هذه التغيرات بما يلي :-

أولا : استعادة وحدة الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة لمكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. بعد نحو 76 عام من محاولات اجتثاثها وتغييبها بتجزئتها جغرافيا وديموغرافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وإداريا وقانونيا.

فقد جرف طوفان الأقصى ما تراكم من تكلسات وتباينات أفرزها التشتت الطويل. وأحدثت شروخا بين المكونات الفلسطينية المختلفة، وأغرقتها بهموم واقعها اليومي المعاش .

وأسهم في تنقية العقل الفلسطيني مما علق به من شوائب وتشوهات نجمت عن عقود من الترويج لتسويات سياسية وهمية، أراد بها التحالف المراوغة وكسب الوقت لإنجاز أهدافه. ولم يسفر خضوع القيادة السياسية الفلسطينية لمنطق تفوق حق القوة على قوة الحق . بإظهارها جاهزية لاستبدال الوطن بدولة على نحو خمسه، واستعدادا لمقايضة حقوق ثلثي الشعب الفلسطيني بحقوق متوهمة للثلث الباقي دون أن يؤدي ،ذلك، إلى تخلي التحالف الاستعماري عن هدفه المركزي بمحو فلسطين سياسيا وجغرافيا، وإخضاع نصف الشعب الفلسطيني المتبقي داخل وطنه، والتعامل معهم كمجموعات سكانية مقيمة لا تملك حقوقا سياسية أو وطنية، يتم تسخيرها لخدمة أبناء الشعب المختار في الدولة اليهودية. والتنكر لحقوق نصفه الآخر في العودة إلى أي جزء من فلسطين الانتدابية . ما أفشل عملية التسوية ، وعمّق الشروخ المجتمعية بين المكونات الفلسطينية. وأضفى شرعية سياسية هي الأهم على الوجود الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري. باعتراف القيادة السياسية الفلسطينية بحق المستوطنين الصهاينة في العيش الآمن المستقر المزدهر فوق أنقاض الشعب الفلسطيني. ما قوض صدقيه الرواية الفلسطينية. وجزأ الشعب، وتسبب في إرباك وتشويه الوعي العربي والدولي. وأبعد الشعب الفلسطيني عن أهدافه التحررية، ورفع كلفة بلوغها. فأعادت موقعه طوفان الأقصى بلورة الوعي الجمعي الفلسطيني بوحدة فلسطين أرضا وشعبا وهوية ومصيرا. وأيقظ المكونات الفلسطينية المختلفة داخل الوطن وخارجه، وبصرهم بالخطر الوجودي الذي يتربص بهم جميعا. وأعاد تذكيرهم بحقيقة عدوهم الاستعماري الاستيطاني الإجلائي – الإحلالي، الذي ينفرد عن كافة النماذج الاستعمارية الاستيطانية التي عرفها التاريخ الإنساني (باستثناء نموذج الاستعمار الاستيطاني الإفرنجي/ الصليبي/ الذي شهدته فلسطين قبل عشرة قرون واستدام نحو قرنين)، ويتميز بخاصيتين أساسيتين مانعتين للتعايش. أولاهما : بنيوية عنصرية/ يهودية، والثانية : وظيفية إمبريالية، ما تتعذر معه أي تسويات سياسية، ليس فقط مع الشعب الفلسطيني الذي يرى فيه التحالف نقيضا وجوديا ينبغي التخلص منه – كما يعتقد الكثيرون-. وإنما مع جميع الشعوب العربية والإسلامية الأصيلة المستهدفة بلادها ومواردها وثرواتها. حتى وإن قامت بعض أنظمة الحكم فيها بمهادنته طوعا أو كرها . فطالما احتفظ الكيان الصهيونى بخصائصه العدوانية البنيوية: العنصرية/ اليهودية/ ، والوظيفية /الإمبريالية/ ، فلن يحظى بقبول الشعوب، وهو الشرط الأساسي للبقاء. وسيبقى كيانا معاديا غريبا منبوذا، حتى تفكيكه وزواله. فالتحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري لم يستهدف احتلال واستيطان فلسطين لذاتها- كما سبقت الإشارة- وإنما يسعى – عبر استبدالها بإسرائيل، وإبادة وتهجير شعبها العربي الفلسطيني واستقدام المستوطنين اليهود من مختلف بقاع العالم للحلول مكانه- إلى تكرار النموذج الاستعماري الإفرنجي/ الصليبي/ – وتحويل الكيان الأجنبي المستحدث إلى دولة عازلة جغرافيا وديموغرافيا وحضاريا، وقاعدة استعمارية استيطانية عسكرية متقدمة، وقوة ضاربة مهمتها الحفاظ على تجزئة الأمة العربية- الإسلامية وتفريق شعوبها، واستنزاف طاقاتهم في حروب وصراعات بينية وأهلية دامية تعطل نهوضهم، وتمنعهم من استعادة تكاملهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ووحدتهم السياسية في إطار حضارتهم الجامعة. وتديم ،بذلك، سيطرة التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري على مقدراتهم ، وتضمن تفرده بالقيادة الدولية.

ثانيا: استعادة القضية الفلسطينية لهويتها النضالية، كقضية تحرر وطني وجزء أصيل من حركة التحرر الإنساني العالمية ضد الاستعمار والاستعباد والفاشية والعنصرية. ومن أجل تحقيق العدالة والمساواة والسلام . واكتسابها زخما لم تعرفه منذ بداية الصراع قبل أكثر من قرن. فقد وضع طوفان الأقصى القضية الفلسطينية- والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في بؤرة الاهتمام العربي والإقليمي والدولي . وقضى على سنوات من الإهمال والتجاهل للقضية الفلسطينية . فأصبحت بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر/ 2023 ، عاملا رئيسا مؤثرا في السياسات الداخلية للدول. وعنصرا محوريا في سياساتها الخارجية، بعد تغييب وتهميش تواصل على مدى عقود طويلة .

ثالثا: تطور الوعي السياسي وتنامي الإدراك بالتناقض الرئيس مع العدو الوجودي. وتعمق التلاحم الوطني الفلسطيني العابر للقوى والتنظيمات والفصائل . وتغير قواعد الفرز والاستقطاب الشعبي وفقا للفعل النضالي. وزيادة التقارب والتنسيق الميداني في مواجهة المحتل بين الثوار من مختلف الانتماءات الحزبية والعقائدية والمناطقية. ما عزز الترابط القاعدي بين الغالبية الساحقة من الجماهير على اختلاف انتماءاتها ، وعزل وحاصر تأثير النخب المهادنة على الفعل المقاوم.

رابعا : تحطم الأوهام والأساطير التي تم ترويجها طوال عقود حول الدولة المنيعة والجيش الذي لا يقهر . وزوال الخوف الذي زرعته إسرائيل (بقوتها وقسوتها، وتجاوزها لقوانين وأعراف الحروب كافة، وعدم تورعها عن ارتكاب المجازر الوحشية ضد الأطفال والنساء والمدنيين العزل) في نفوس الشعوب والأنظمة العربية، وضمنت به أمنها لعقود .

فأظهرت ملحمة طوفان الأقصى، واستبسال المقاومة الفلسطينية والصمود الأسطوري لحاضنتها الشعبية أن قيم الحرية والكرامة والعدالة والمساواة أغلى من الحياة. وأن الشعب الفلسطيني المنتهكة حياته وحقوقه، مستعد للتضحية بالنفس من أجل بلوغها. وأنه مصمم على تغيير واقعه ،وتصويب اعوجاج مسار التاريخ، وصنع مستقبل مغاير مهما طال الزمن وعظمت التضحيات.

خامسا : استعادة القضية الفلسطينية حضورها الفاعل في الوعي الشعبي العربي والإسلامي، كقضية مركزية، بعد عقود طويلة من التراجع والعزل عن إطارها العربي والإسلامي والعالمي، ومحاصرتها في إطار فلسطيني ضيق.

وتفعيل هذا الوعي في حراك جماهيري واسع عم المدن العربية والإسلامية لنصرة المقاومة ودعم صمود الشعب الفلسطيني بعد انكفاء طويل أعقب فشل ثورات الربيع العربي وما رافقها من عنف مضاد، وما تلاها من أزمات اقتصادية وضغوط معيشيّة فاقمها انتشار وباء الكورونا.

فبات يتعذر على الأنظمة -بعد ملحمة طوفان الأقصى- تجاوز القضية الفلسطينية عند التفكير في مصالحها الوطنية. وأصبحت جميعها تعي مخاطر إغفال حقوق الشعب الفلسطيني في أي ترتيبات مستقبلية دون المجازفة بأمنها واستقرارها .

وعلى صعيد الجاليات العربية والإسلامية في الخارج ، تحولت القضية الفلسطينية، بفعل ملحمة طوفان الأقصى، إلى محفز رئيس لوحدتها، ودافع لتأطير وتنظيم جهودها وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية. فتمردت على العزلة القسرية التي فرضها تنامي العنصرية والإسلاموفوبيا منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر/ 2001 . وباتت عنصرا حيويا فاعلا في الحراكات الشعبية في مواطنها، ولاعبا مؤثرا في السياسات الحزبية، وفي الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأميركية والأوروبية والغربية عموما.

وأصبحت القضية الفلسطينية محددا أساسيا في عملية الفرز المتنامي بين من مع ، ومن ضد تساوي حقوق الإنسان في الحياة والحرية والعدالة وتقرير المصير. داخل الأحزاب والتنظيمات والمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والإدارية والقضائية الخ…

سادسا : استشعار النظام الرسمي العربي والإقليمي للخطر الاستعماري الصهيوني التوسعي على دول المنطقة عموما، والدول المجاورة لفلسطين خصوصا (مصر والأردن ولبنان وسوريا). وتوافقهم على تنامي خطر إسرائيل وتهديدها للاستقرار والأمن للدول فرادى وللأمة مجتمعة. واتفاقهم -لأول مرة منذ بدء الصراع – على تنسيق سياساتهم الخارجية ومواقفهم في المحافل الدولية لردع إسرائيل، التي تجاوزت كل الحدود لتحقيق حلمها في إقامة الدولة اليهودية على كامل فلسطين الانتدابية. وتهجير باقي الشعب الفلسطيني خارج وطنه. والتمدد الأمني بفرض مناطق عازلة تمتد في عمق أراضي دول الجوار، وفي مياهها الإقليمية. وتقييد حقوق الدول في استثمار مواردها الطبيعية والاقتصادية. والتدخل في خياراتها التنموية وتوجهاتها السياسية ومواقفها الدبلوماسية. وفرض الشروط على سياساتها التربوية ومناهجها التعليمية. وباتوا أكثر إدراكا لمخاطر استمرار الاعتماد على إسرائيل في تأمين احتياجات شعوبهم الأساسية / الماء والكهرباء والطاقة/ .

وباتت الأنظمة تدرك أهمية إيلاء الأولوية الأولى لمصالحها الوطنية في علاقاتها السياسية والاقتصادية الدولية . وتعي ضرورة تعاونها البيني . وتبتعد – رغم اختلافاتها – عن تبادل الاتهامات فيما بينها. وترفض- باستثناءات محدودة- الانخراط في تحالفات دولية ضد الدول العربية والإسلامية.

صحيح أن بعض هذه التطورات سابقة لطوفان الأقصى . إلا أنه ساهم في تعزيزها وتجذرها .

غير أنه بالرغم من إسهام عملية طوفان الأقصى وتداعياته في تطور إدراك النظام الرسمي العربي والإقليمي للخطر الصهيوني. إلا أن افتقار الأنظمة العربية خصوصا، لدعم وحماية شعوبها. وهشاشة بناها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية والإدارية. وضعف مناعتها الذاتية بسبب عقود طويلة من التغريب والتبعية للمراكز الاستعمارية الغربية. وارتفاع درجة حساسيتها لارتهان اقتصاداتها للخارج/ انتاجا وتجارة وعملا وتمويلا/ . وازدياد الضغوط الخارجية عليها. واستغلال بعض القوى السياسية المعارضة لغضب الشعوب ومحاولة توظيفه لتحقيق مكاسب فئوية ضيقة. ما يزال يحد من قدرة هذه الأنظمة على اتخاذ مواقف جذرية حاسمة تؤثر في مجرى الحرب. بما في ذلك الأنظمة التي باتت تستشعر خطرا وجوديا على كياناتها القطرية ( الأردن ومصر وسوريا ولبنان ) .

سابعا : أزالت حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المتواصلة في قطاع غزة الغشاوة ، وفتحت أعين الناس في العالم أجمع على خطر التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري . وأخضعته- لأول مرة منذ ثمانية عقود- للنقاش العام. بعد أن حرّمته القدسية التي أضفتها المحرقة النازية على اليهودية. وجرّمه التحالف الذي يهيمن على النظام الدولي بقوانين محلية ودولية صارمة بذريعة مواجهة معاداة السامية. وبعقوبات جزائية غير مسبوقة تطال كل من يتجرأ على مناقشة السلوكيات الصهيونية والإسرائيلية ومساواتها بمعاداة السامية ، بعد نجاح التحالف في توظيف المحرقة النازية للدمج والتماهي بين الصهيونية وإسرائيل وبين اليهودية حدّ التطابق . ما أضفى مشروعية سياسية وقانونية وأخلاقية على تنفيذ مشروعه الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ، الذي استوجب الإبادة والتطهير العرقي واقتلاع الشعب الفلسطيني وتهجيره خارج وطنه، لإحلال الغزاة المستوطنين اليهود “ضحايا النازية” مكانهم.

وبذريعة المحرقة وعقدة الذنب العالمية ( رغم أنها جريمة الغرب ولا علاقة للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية والإسلامية بها). تم استثناء الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيونى المستحدث فوق أنقاض الشعب الفلسطيني من نفاذ الاتفاقيات والقوانين الدولية. وتحريره من وجوب تطبيق قراري الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 الخاص بتقسيم فلسطين، والقرار رقم 194 لعام 1948 الخاص بعودة وتعويض اللاجئين الفلسطينين. ووضع إسرائيل فوق المساءلة والمحاسبة .

لقد أيقظت حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة شعوب العالم، وأسقطت المحرمات، وأخضعت سياسات وسلوكيات إسرائيل والحركة الصهيونية للنقاش العام المفتوح الذي انخرط فيه اليهود أيضا. و أصبحت المظلومية الفلسطينية قضية عالمية، وباتت الجهات الفاعلة في دول الجنوب العالمي، وفي المجتمع المدني في الدول الغربية ترى فيها انعكاسا لواقع الظلم والقهر في حياتهم.

وأدركوا جميعا خطورة تحالف الظالمين على امتداد الكرة الأرضية. وتبينوا فداحة الاختلال القائم في النظام الدولي الذي يسيطر عليه التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري ، ويسخر كافة مؤسساته السياسية والاقتصادية والتجارية والمالية والاجتماعية والقانونية لخدمة أهدافه. وبات الجميع يعي دوره في تكبيل إرادة المجتمع الدولي، ومنعه من وقف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تواصل إسرائيل ارتكابها ضد الشعب الفلسطيني للعقد الثامن على التوالي. وفتح أعين الناس على مدى تورط الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية في حرب الإبادة، ومشاركتهم الفعلية فيها بالخبراء والسلاح والعتاد والمال. وفي توفير الحماية الاستثنائية لإسرائيل من نفاذ القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، واستمرار إفلاتهم من العقاب. وباتت جميع الشعوب والدول خارج التحالف ، تدرك أن الأوان قد آن لمواجهة الظلم والظالمين، باعتباره حاجة وضرورة ملحة للدفاع عن النفس للأفراد والمجتمعات والدول .

سأكتفي بهذا القدر على أن استكمل في الجزء الرابع التغيرات البنيوية التي أحدثتها ملحمة طوفان الأقصى على الصعيدين الدولي والإسرائيلي لاستكمال الإحاطة بالفرص الواعدة بتصويب اعوجاج مسار التاريخ الفلسطيني خصوصا والعربي والعالمي عموما .

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: غانية ملحيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *