يتضمن جوهر أجندتنا السياسية والأمنية تطورات هامة في ساحتين : في غزة، انطلقت المرحلة الثانية من خطة “النقاط العشرين” التي أطلقها الرئيس الأمريكي ، وفي إيران بدأت مرحلة الانتظار ، التي تتسم بعدم اليقين بشأن مستقبل الاحتجاجات وسياسة الرئيس ترامب.
في هاتين الساحتين ، تبدو قدرة إسرائيل على التأثير في مجريات الأحداث محدودة . لذلك، أقترح البدء بتحرك سياسي في ساحة أخرى، وهي الساحة السورية، من أجل التوصل سريعاً إلى اتفاق أمني شامل بين إسرائيل وسوريا.
صمد الاتفاق السابق مع سوريا – “اتفاق فصل القوات” الموقع عام 1974 بعد حرب أكتوبر – خمسين عاماً، وهي أطول مدة لأي اتفاق آخر مع دول عربية، على الرغم من التحديات العديدة التي هددت استمراره . أوصل انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 إ الاتفاق إلى نهايته فعلياً . شنّ الجيش الإسرائيلي، بتوجيه من القيادة السياسية، عملية “سهم باشان”، وتحرك بسرعة وحسم، وسيطر على مناطق متاخمة للحدود السورية مع هضبة الجولان، بما في ذلك قمة جبل الشيخ. وفي الوقت نفسه، شنّت إسرائيل هجمات واسعة النطاق في أنحاء سوريا لتدمير مخابئ أسلحة ذات أهمية استراتيجية ومنعها من الوقوع في أيدي النظام الجديد.
وخلال الفترة التي تلت ذلك، سعت إسرائيل جاهدةً لتحقيق هدفين سياسيين طموحين في الشمال: أولهما، دفع اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لتعزيز انضمام لبنان إلى عملية التطبيع والسلام ، وثانيهما، في سوريا، صياغة عملية من مرحلتين تبدأ بتنظيم الأوضاع الأمنية على الحدود المشتركة، وتستمر بانضمام سوريا إلى اتفاقيات إبراهام.
بدون مشاركة أمريكية فعّالة، يستحيل إحراز تقدم على هذين المحورين، ولذا عيّن الرئيس الأمريكي سفيره لدى تركيا، توم باراك، مبعوثًا شخصيًا له للترويج لهذه الرؤية . وقد أظهر السفير باراك مثابرةً ومبادرةً، وبذل جهدًا كبيرًا، حيث عمل معه الوزير رون ديرمر بتناغم تام، ساعيًا إلى حلّ الخلافات مع كلٍّ من لبنان وسوريا. الا أن النتيجة النهائية في هذه المرحلة تدل على صورة معقدة . ففي لبنان، يبدو الرئيس ميشال عون كقائد ملتزم بمستقبل بلاده، وليس بالمصالح الخارجية، ولا سيما الإيرانية، التي أوصلته إلى حافة الهاوية . ولكن على الرغم من نواياه الحسنة، فقد فشل عون في محاولاته لتنفيذ البند المركزي في الاتفاقية الموقعة مع إسرائيل : نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان . وهناك أسباب عديدة لذلك، أهمها الضعف الجوهري للجيش اللبناني، وخوف عون وحكومته من مغبة تطور الوضع إلى حرب اهلية . لقد تعرض حزب الله بالفعل الى ضربات موجعة خلال عام من القتال مع إسرائيلة، ويتجلى ذلك في قراره الامتناع عن الرد على مئات الهجمات القوية التي تشنها إسرائيل ضده في إطار سياستها الرامية إلى فرض عقوبات على انتهاكات الاتفاق بالقوة . ومع ذلك، فإن هذه المنظمة الشيعية، بفضل تفوقها العسكري الواضح، مازالت تُثني خصومها عن اتخاذ خطوات سياسية جريئةو. والنتيجة هي عدم إحراز أي تقدم عملي في الحوار الثلاثي الذي تقوده الولايات المتحدة بشأن قضايا النزاع على الحدود الإسرائيلية اللبنانية ، وقد أوضحت إسرائيل أن انتشارها الدفاعي الأمامي في جنوب لبنان لن يتغير طالما أن حزب الله يشكل تهديدًا لسكان الشمال ، ويبدو تصعيد الصراع الآن أكثر ترجيحًا من التوصل إلى تفاهمات.

بنظري يبدو المسار السوري واعداً أكثر :

كما أُعلن، يجري حوار سياسي مستمر بين إسرائيل والنظام الجديد في سوريا منذ فترة . وقد شاركت فيه، ولديّ انطباع بأن المصالح المشتركة تفوق الخلافات. ربط أحمد الشرع، رئيس سوريا، مصير بلاده بالولايات المتحدة والغرب. وفي العالم العربي هو شريك في المحور السني المعتدل بقيادة السعودية. و كراهية القيادة السورية الحالية لإيران وحزب الله عميقة وحقيقية. خلال حواري المباشر مع مسؤولين سوريين رفيعي المستوى، اقتنعتُ بإمكانية إيجاد حلول عملية لكل مبدأ من المبادئ المهمة التي يجب على إسرائيل التمسك بها. وهي ثلاثة مبادئ: التزامنا بحماية أفراد الطائفة الدرزية القاطنين قرب حدودنا مع سوريا؛ وضرورة منع تمركز قوات معادية لإسرائيل في المناطق التي تهدد حرية تحركنا في ساحات بعيدة؛ وضمان نزع سلاح جنوب سوريا كجزء من مفهوم حماية مستوطنات هضبة الجولان .

في إطار مهمتي كرئيس لمجلس الأمن القومي، عقدتُ سلسلة من الاجتماعات السرية حول القضية السورية. وتتمثل المخاوف الرئيسية لإسرائيل في أن تصبح سوريا دولة حماية على حدودنا الشمالية . من بين أمور أخرى، ونظرًا للخطاب العدائي للرئيس التركي أردوغان، فإن هذا القلق ليس بلا أساس. مع ذلك، فإن أنجع السبل لإحباط مثل هذا السيناريو هو تعزيز المكاسب المتوقعة لسوريا من الانضمام إلى مبادرة السلام التي أطلقها الرئيس ترامب في الشرق الأوسط، ومن التعاون مع إسرائيل. كانت هذه ولا تزال الاستراتيجية الأمريكية، إلا أن البيت الأبيض لم يطلب أي مقابل لدعمه للنظام الجديد . التقى ترامب بالشرع عبر وساطة سعودية، ورفع العقوبات التي كانت قد شلّت الاقتصاد السوري. في غياب أدوات الضغط الأمريكية، بات التحدي المتمثل في إيجاد توازن بين مصالح إسرائيل وسوريا أكثر صعوبة. صعب، ولكنه ممكن.

لا تثير سوريا مسألة السيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان في سياق ترتيبات أمن الحدود، وذلك لعدم وجود أي فرصة لذلك، ولأن إدارة ترامب تدعم هذه السيادة دون أي تحفظات. لكن في المفاوضات الرامية إلى إرساء ترتيبات أمنية جديدة، من المرجح أن يطالب السوريون بانسحاب إسرائيلي من المناطق الجديدة التي استعد الجيش الإسرائيلي للدفاع عنها في نهاية عام 2024. ويمكن أن يرتكز حل هذه المسألة على إيجاد التوازن الأمثل بين الوجود الإسرائيلي على الأراضي السورية والتنفيذ الفعلي لخطوات تضمن مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية. إن العمل الحازم والمستمر والفعال لقوات النظام السوري للقضاء على أنشطة إيران وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي في جميع أنحاء سوريا، بالتوازي مع نزع السلاح الكامل من المنطقة الواقعة جنوب دمشق، سيزيد من هامش المناورة المتاح لإسرائيل.

عرّفت الحكومة الإسرائيلية سيطرة الجيش الإسرائيلي على المناطق القريبة من الحدود بأنها إجراء مؤقت يهدف إلى الحفاظ على المصالح الأمنية الحيوية. فإذا ما حُفظت هذه المصالح، سيُفتح الباب أمام اتفاقيات مبتكرة. وفي اتفاقية السلام مع مصر، أصرّت إسرائيل أيضاً على أن يتم الانسحاب من شبه جزيرة سيناء على مدى ثلاث سنوات، تلتزم مصر خلالها بتنفيذ بنود أساسية في الاتفاقية ، كإقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتبادل السفراء . هذا نموذج أثبت جدواه، ويمكن مناقشته في إطار الحوار مع الولايات المتحدة وسوريا. وخلاصة القول: يمكن وضع هدف “سوريا أولاً” في صدارة الأنشطة السياسية الإسرائيلية. الوقت يشكل عامل بالغ الأهمية، فنحن ندخل عام انتخابات، وستحظى الاعتبارات السياسية بزخم متزايد وستطغى على الاعتبارات الموضوعية . يمكن إغلاق ساحة مفتوحة، وسيكون النجاح في هذا المجال عاملاً إيجابياً في ساحات أخرى.

المصدر: يديعوت احرونوت

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *