النهج الثالث المطلوب

ساد في الساحة الفلسطينية منذ مدة نهجان سياسيان.
اعتمد النهج الأول على خيار المفاوضات كخيار وحيد، والعمل على التفاهم وعدم الصدام مع المجتمع الدولي، وخاصة مع الإدارة الأمريكية، والذي شجّعها مؤخرًا بربط أي أفق لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة بإجراء عمليات من الإصلاح للسلطة الفلسطينية كما ورد في خطة ترامب، والذي تَمأسس بقرار مجلس الأمن 2803.
هذا الإصلاح الذي ربما تُعرف بدايته، ولكن لا تُعرف نهايته.
واعتمد النهج الثاني على خيار المقاومة المسلحة، والذي تُوِّج بعملية طوفان الأقصى.
لا نتحدث هنا عن الحق بالمقاومة، فهو حق مشروع كفلته المواثيق والأعراف الدولية، وهو حق وواجب.
ولكن نتحدث عن أشكال المقاومة، سواء المسلحة أو الدبلوماسية والتفاوضية، بارتباطهما بتحقيق هدف التحرر الوطني، حيث بات معروفًا أن أشكال النضال ليست أهدافًا بحد ذاتها، بل وسائل لتحقيق الهدف.
إننا بحاجة إلى مراجعة تقييمية نقدية تجاه أشكال النضال.
لقد استغلت دولة الاحتلال أسلوب المفاوضات كغطاء لفرض الوقائع الاستيطانية على الأرض، واستغلت المقاومة المسلحة لتكتيل المجتمع الغربي تحت ذريعة التعرّض لخطر وجودي (وحقها بالدفاع عن النفس)، وقد نجح ذلك في البداية قبل أن تتضح الأبعاد الفاشية والتدميرية لممارسات دولة الاحتلال والتي وصلت حد الإبادة الجماعية ومحاولة تنفيذ التطهير العرقي والتهجير.
يملك المجتمع الفلسطيني تراثًا قويًا من أشكال النضال الجماهيري، والذي أخذ أبعادًا فاعلة ومؤثرة في معادلة الصراع مع دولة الاحتلال، والتي أخذت عدة أشكال تنظيمية ذات بعد تمثيلي شعبي، أبرزها الجبهة الوطنية، ولجنة التوجيه الوطني، والقيادة الوطنية الموحدة، والتي تشكّلت ـ أي الأخيرة ـ لقيادة الانتفاضة الشعبية الكبرى.
لقد أثبتت تجربة حرب الإبادة التي مارستها دولة الاحتلال قدرة الشعب الفلسطيني على تعزيز روايته، وبالمقابل تفكيك الرواية الصهيونية.
لقد ظهرت أشكال مثمرة قادرة على تحقيق التراكم المطلوب القادر على تعديل موازين القوى لصالح شعبنا، على طريق محاصرة المشروع الصهيوني والعمل على عزله، والتعامل معه كدولة مارقة.
لقد ظهر سلاح المقاطعة والعمل الحقوقي في محكمتي العدل والجنايات الدوليتين، وفي ساحة قوى التضامن الشعبي الدولي، بما يشمل الحركة الطلابية في الجامعات، وخاصة في أميركا.
وإذا ترافق ذلك مع المقاومة الشعبية عبر تشكيل لجان شعبية تعمل على أجندة الحماية من هجمات الاحتلال وقطعان المستوطنين، والحراسات، وصيانة السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، فإن ذلك سيؤدي إلى تعديل توازنات القوى، واستثمار الزخم الشعبي والقانوني لصالح حقوق شعبنا.
إن نهج المفاوضات والعمل الدبلوماسي فقط، دون تعزيزه بالعمل الشعبي المقاوم، لن يؤثر في معادلة الصراع، كما أن المقاومة المسلحة في ظل اختلال موازين القوى وفي إطار الدعم الأمريكي اللامحدود ربما تُستغل للبطش بالشعب الفلسطيني وتنفيذ مخططات اليمين الفاشي بدولة الاحتلال.
مرة أخرى، لا نتحدث هنا عن مشروعية أشكال النضال، وفي مقدمتها المقاومة المسلحة، بل نتحدث عن الشكل القادر على تحقيق الهدف في ظل موازين قوى مختلّة، بسبب العلاقة العضوية بين دولة الاحتلال وبين رأس الإمبريالية التي يعبّر عنها الرأسمال المتوحش، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.