النكبة والشتات الفلسطيني في الكويت

قلَّت كتابات الأكاديميين العرب عن حياتهم العامة وعن دورهم في الفعل السياسي والاجتماعي. ودفعت سلعنة الجامعات وأنظمة ترقيتها أساتذتها الكثير منهم إلى الكتابات التخصصية الجرغونية (Jargons). ولعل أبرز ما وجدته في السوق في السنوات الأخيرة مذكرات عبد الوهاب المسيري (2000)، وجلال أمين (2007)، وعبد الخالق عبد الله (2014) وسعد الدين إبراهيم (2013). وتعتبر هذه المذكرات الأربع وثائق مهمة للأكاديميين الذين اهتموا بالشأن العام. وقد يقل العدد أكثر عندما نتناول بروفيلات الأكاديميين الذين كانت لهم التزامات وطنية وقومية بما فيها حمل السلاح. شفيق الغبرا (2012) من خلال مذكراته حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات هو واحد من هؤلاء.

الغبرا هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت من عام 1987 والرئيس المؤسس للجامعة الأميركية في الكويت (2003 -2006). نال شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة تكساس في أوستن في عام 1987 والبكالوريوس من جورج تاون. وهو في الوقت نفسه قائد الكتيبة الطلابية لحركة فتح من 1975-1981 في بنت جبيل وصاحب مسار نضالي مهم داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. رغم بطولية ترك الدراسة في أميركا والتخلي عن الحياة المدنية الرغيدة في الكويت والالتحاق بالعمل العسكري، فسردية الغبرا خالية تقريباً من الاستعراض وعفوية حميمية لأحلام ذاتية ولجيله في آن واحد. وهي أيضا سردية صادقة لانحراف مشروع الكفاح المسلح الفلسطيني وحتى المشروع الوطني واستشراء الفساد فيهما. لقد انتقد الغبرا العمل الفدائي الذي لا يتعامل مع البيئة الاجتماعية المحيطة به، وكيف أنه استفز أهل الجنوب اللبناني.


الاسم الظل

تجربة “جهاد”، الاسم الحركي للغبرا وظِلِّه الذي سوف يرافقه طوال حياته، غنية في كل المواقع من الجبل إلى الجنوب ومن العرقوب إلى بيروت. تجربة كلها داخل السرية الطلابية، والتي أصبحت فيما بعد كتيبة الجرمق. أهمية هذه السرية هو في تميزها بخط أخلاقي وسياسي وفكري إيديولوجي يساري (سماه البعض ماوياً) ذي امتدادات في الأراضي المحتلة (من خلال لجنة 77 للقطاع الغربي) وفضاءات عربية أخرى. ستصبح هذه السرية بسبب ذلك مغردة خارج السرب الفتحاوي. فهي التي ستقوم بالفصل بين الفرقاء المتقاتلين: حركة أمل والقوى الوطنية بما فيها “فتح”. أروع ما كتب “جهاد” حول معركة بحمدون بين القوى الوطنية وسورية وكيف كان التحليل السياسي الصائب بأن التناقض الرئيس هو مع العدو الصهيوني وليس مع الأنظمة العربية (وهذا ربما من وحي أدبيات منير شفيق- منظّر هذه الكتيبة- حول التناقضات الأساسية والثانوية) ولذا كان يجب تأخير وصول الجيش السوري إلى بيروت بانتظار اجتماع القمة العربية وإعادة تصويب الدور السوري آنذاك، من خلال دوره كقوة ردع. وكيف أن السرية قد منعت السرقات من أهالي بحمدون من القوى الوطنية بما فيها من كتائب فتحاوية أخرى. تجربة تمتزج فيها الجسارة العسكرية بقصص تضحيات رفاقه الذين سقطوا على الدرب وما أكثرهم بمن فيهم الكتاب والأدباء والفنانون.
لقد شدني الغبرا في مذكراته لأنه كتب قصص أشخاص كنت قد عرفتهم عن كثب بحكم انتمائي السابق للسرية الطلابية، كطالب يتدرب ويشارك في مواقعها في عطلي الصيفية عندما كنت طالباً في جامعة دمشق. من هؤلاء الأيقونات: حمدي، نعيم، علي أبو الطوق، سعد (عبد الله جرادات)، أبو حسن (محمد بحصيص)، جورج عسل ومروان كيالي، كلهم سقطوا شهداء ومثوى أغلبهم في مقبرة الشهداء لمنظمة التحرير الفلسطينية. هذه المقبرة التي تكاد تكون البقعة الوحيدة العلمانية والكسموبوليتية في لبنان حيث يتجاور المسيحي مع السني والشيعي والدرزي، وكذلك الفلسطيني مع اللبناني والسوري والعراقي والياباني. ما أروع هذا المكان!
أما علي أبو الطوق فكان مثواه قبور شهداء الحصار الآثم في عام 1985 في مخيم شاتيلا. وهكذا سيعرف طلابي الذين آخذهم كل سنة لزيارة المخيم، ضمن مساق “الهجرة والعولمة”، لماذا أصر على زيارة هذه المقبرة.


“طلاب” أعلام

يذكرنا “جهاد” بأسماء كانت من هذه الكتيبة وأصبحوا أعلاما كمعين الطاهر وهاني فحص ويزيد صايغ وأنيس النقاش وعادل عبد المهدي (أصبح لاحقا نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي) ومحمود العالول، ومحجوب عمر الذي اعتدت على لقائه كثيرا عندما كنت باحثا في مركز البحوث الفرنسي في مصر (السيداج).  

هذه الذكريات النازفة هي ضرورة لإعادة الاعتبار لأبطال سطروا بتضحياتهم المشروع الوطني الفلسطيني وقل ما كتب عنهم، فهم قد استشهدوا في حقبة لا إنترنت ولا فيسبوك ولا تويتر بها. لم يسرد “جهاد” بعين فدائي مقاتل فقط، بل أيضاً بعين أكاديمي نقدي، حيث شكلت مذكرات الغبرا إضافات نوعية على ما كتبه معين الطاهر (الطاهر، وآخرون 2015)، وفتحي البس (2008) وأطروحة دكتوراه نيكولا بويار عن تجربة السرية الطلابية. ولعلها أكثرها نقدا للإخفاقات والتحولات التي أصابت الثورة الفلسطينية من تجربتها العسكرية إلى السياسية.

يمثل الفصل السادس عشر بالنسبة لي أهم فصل من فصول كتاب الغبرا، حيث يتناول تأَثُر الكتيبة الطلابية بالثورة الإيرانية في 1981 وخاصة منظرها منير شفيق. وهكذا مشى حمدي وأبو حسن ومروان على الدرب الإسلامي ليُنَظِّروا للاهوت التحرير بطعم فتحاوي. وطبعا رغم انفتاح هذا الاتجاه على الآخرين إلا أنه حسب الغبرا قد ترك آثاره التفكيكية على كتيبة الجرمق. يكتب الغبرا: “بدأ الشيعي منا يتحول نحو شيعيته، والسني نحو سنيته الإسلامية، أما الدرزي فبدأ يتساءل عن موقعه من المشروع الإسلامي الجديد، ما يدفعه إلى الانضواء في ظل طائفته.  .. أما الذي بقي من المجموعة على يساريته أو إيمانه بأهمية فصل السياسة عن الدين، والتركيز على المشروع الوطني في مواجهة إسرائيل فهو الآخر شعر بطوق يحيط أفكاره” (349).  

ينهي الغبرا ذكرياته بالحديث عن زيارته مع زوجته تغريد، التي رافقته في تجربته كـ”جهاد”، وأبنائه لجنوب لبنان، وبالتحديد الى القلعة الأسطورية قلعة شقيف، وكذلك تلال مارون الراس في 2002: “في بنت جبيل وقفت على تلال مارون الراس وتذكرت أبو خالد، وحسان، وأبو وجيه وبشار وبلال ودلال المغربي.. وعشرات برزت وجوههم أمامي من دون أن أفهم سرعة ومضات وجوههم وسرعة اختفائها، وقفت أتساءل تغالب عينيّ الدموع ..: هل وقع هذا أم كان مجرد حلم لم أفق منه بعد؟ هل وقع كل هذا في حياتي ومعي ساعة بساعة؟ وهل سألتقي يوما بكل هذه الأرواح البريئة والمتوقدة التي سقطت شابة على الدرب في طريق شائك؟”.

كنت أتمنى ألا تنتهي مذكرات الغبرا هنا، وأن يتابع سيرته بما يتجاوز تجربة الكتيبة الطلابية. وأتمنى أن يقوم بها في مجلد آخر، وخاصة في ما يتعلق بنضاله العربي. الغبرا هو الفلسطيني الذي يعتز بأصله ولكن أيضاً بانتمائه للبلد الذي استقبل أهله منذ نهاية الأربعينيات. وكما هو الفلسطيني-الكويتي الذي يرفض نصيحة ولي العهد، آنذاك، سالم الصباح، صديق والده الطبيب، بعدم الالتحاق بالثورة الفلسطينية في لبنان، فهو أيضاً الكويتي-الفلسطيني الذي يشكل سرايا المقاومة ضد الاحتلال العراقي للكويت. فهو ممتن لصدق النخبة السياسية الكويتية في دعمها للثورة الفلسطينية، وخاصة في الستينيات والسبعينيات. سيتحول الغبرا إلى كاتب يدافع عن الكويت في أزمة وجودها في نهاية الثمانينيات، ولكن هو الذي يدافع أيضاً على الهامش الديمقراطي هناك ضد استبداد بعض نخبها السياسية. لقد انتقد الغبرا هشاشة مفهوم المواطنة في كثير من الدول العربية بما فيها الكويت. لقد انتقد عملية تدرج المواطنة ودعا إلى توحيد الجنسية في الكويت. وهكذا نادى الإقصائيون بسحب جنسية الغبرا الكويتية. ولعل من أكثر التصريحات صفاقة تصريح الوكيل المساعد لشؤون الجنسية والجوازات اللواء الشيخ مازن الجراح قائلا: “الدكتور شفيق أمس متجنس ويبي يصير حاله حال المؤسسين”.
نشط الغبرا في الانتفاضات العربية ما بعد 2011 ينادي بالديمقراطية والإصلاح السياسي كخيارات وحيدة للعالم العربي ورافق هذه الانتفاضات بحس نقدي وتأملية ذاتية عالية بكتابات في صفحات الرأي والمناقشات في الفضاء الإعلامي بالإضافة الى الكتابات الأكاديمية التأملية ذات النفس الطويل والمتأني. 

أخيرا دعوني أقول إن مذكرات الغبرا هي سيرة غير ذاتية، فهي تخص جيلاً كاملاً من الذين عاصروا نكسة 1967 والتي يسميها “لحظة جيلي المصيرية” ومرحلة الكفاح المسلح. وهي أيضًا سيرة غير موضوعية، سيرة أكاديمي يلتقي في فضاء حياته الخاص بالعام، فالقضايا الفكرية التي دافع عنها قد شفعت دائمًا بأحداث من حياته تبين كيف ترجمت همومه الفكرية والسياسية (العامة) نفسها إلى أحداث محددة في حياته الشخصية (الخاصة).

عن ضفة ثالثة

Author: ساري حنفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.