النكبة والشتات الفلسطيني في الكويت.. دور العائلة ودينامياتها الوظيفية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

لا تزال تجربتي اللجوء والشتات الفلسطينيين بحاجة إلى مزيد من الأبحاث، تتناول عوامل نشوئهما وتماسكهما واستمرارهما، وأيضا عوامل تفككهما، والتي برزت في العقدين الأخيرين ما بين القرنين العشرين والحادي والعشرين، وركّزت دراسات عديدة بدأت في سبعينيات القرن العشرين في نزعتها الإجمالية على الفلسطينيين تحت الاحتلال، وعلى منظمة التحرير الفلسطينية.

في هذا السياق، يأتي الجهد البحثي لشفيق الغبرا، في كتابه “النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت” (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2018) متناولا الشتات الفلسطيني الذي ظل بعيدا عن مناطق الصراع المباشر للاجئين الفلسطينيين، وكان الإطار الأهم للتفاعل والبناء الاقتصادي والوعي. وتحوّل في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وفي ظل نشوء طبقة وسطى فلسطينية منتجة في الخليج عموما والكويت خصوصا، إلى حاضنة رئيسية للملمة جراح النكبة وبناء الهوية الوطنية الفلسطينية، مستمرا في تقديم العمق والمكانة الاقتصادية والثقافية الإنسانية للحركة الفلسطينية حتى عام 1990.

هذه التجربة، في نظره، لا تزال تجربة حديثة، ومستمرة وجوديا بحكم استمرار السعي الإسرائيلي الصهيوني لتقليص رقعة الأرض الفلسطينية.

الكتاب في الأصل هو أطروحة دكتوراه تقدم بها الباحث لجامعة تكساس في أوستن، وصدرت في كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان:

 Palestinians in Kuwait: The Family and the Politics of Survival, (Westview Press: 1987)

وفي عام 1988 صنفت «تشويس» في الولايات المتحدة الأميركية الكتاب بوصفه «الكتاب الأكاديمي المتميز».

كتاب “النكبة والشتات الفلسطيني في الكويت” ليس مجرد دراسة حالة للشتات الفلسطيني في الكويت بل يحوز قيمة سياسية

إشكالية البحث ومنهجيته

لسد ثغرة في الكتابات عن الموضوع، وعبر دراسة حالة الفلسطينيين في الكويت، يتقصى الكتاب الآليات والوسائل التي مكّنت الفلسطينيين، على الرغم من تشتتهم، من إعادة التنظيم والبروز من جديد.

استند الباحث إلى عمل ميداني بدأ في العام 1984، وتعمق خلال العام 1985، تم خلاله إجراء 110 مقابلات مفتوحة ومتكررة لأشخاص متنوعين، بما في ذلك عينة تمثيلية من الرواد الأوائل والمؤسسين والمثقفين المتعلمين الذين كانوا من أوائل الوافدين إلى الكويت. هدفت هذه المقابلات إلى توثيق الأنماط الأولية لاستراتيجيات البقاء التي انتهجتها هذه الشريحة من الفلسطينيين. ويؤكد الغبرا على فائدة الأسلوب التراكمي في جمع البيانات، إلى جانب التأكيد الجماعي لها، في فهم حوادث غير موثقة، وتوثيقها، وتاريخ غير مكتوب ذي طابع شفهي، والذي يمكّن من فهم جانب مهم وغير موثق من جوانب الشتات الفلسطيني وممراته المعقدة، ومن تقصّ معمق لاستراتيجيات البقاء والتكيف التي يستخدمها شعب هجّر عن طنه.

وعبر إلقاء نظرة عن كثب على الفلسطينيين الذين هجروا في حربي 1948 و1967 تتكشف للباحث مجموعة كاملة من تكتيكات واستراتيجيات التأقلم، أتاحت للفلسطينيين الحفاظ على الروابط الصغرى في مجتمعهم. تمحورت هذه المنهجية الاجتماعية والسياسية، للبقاء والتأقلم، حول دور الروابط على مستوى العائلة بالتحديد، وعلى مستوى علاقات القرية والبلدة في الحفاظ على النسيج الاجتماعي الفلسطيني وإعادة بنائه وصوغه في بلدان جديدة، والتي لولاها لبقي المجتمع الفلسطيني مفككا بالكامل، وربما غرق في البيئة العربية المحيطة. ففي مواجهة الأزمة كانت العائلة متغيرة ومستقلة وتابعة في الوقت نفسه؛ فاستوعبت التغيير، وتأقلمت معه، وأنشأت استراتيجيات خاصة بها للصمود والبقاء، فكانت هيئة ناشطة، وعاملا مستقلا يستوعب التغييرات الناتجة من الأحوال الاقتصادية الاجتماعية، فيما يؤثر في تلك التغييرات، وتحلت بالدينامية المناسبة في تعاملها مع الأزمات.

والكتاب ليس مجرد دراسة حالة للشتات الفلسطيني في الكويت، بل يحوز قيمة سياسية، ويرتبط بعلم أوسع عن الشعوب المهجرة والمقتلعة، وبطبيعة الحال بالمسألة الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي بأبعاده الوجودية والإنسانية كلها، ليكون إضافة مفيدة إلى الكتابات عن استراتيجيات التأقلم، والمجموعات النازحة، وقضايا اللاجئين وشعوب الشتات. فمن خلال تجربة الشتات الفلسطينية، خصوصا الذين وفدوا إلى الكويت في الأعوام الأولى التي تلت النكبة، نستطيع فهم التعرجات المعقدة التي أدت إلى إعادة بناء اللحمة الاجتماعية والإنسانية للفلسطينيين، فالتجربة واحدة، وإن تنوعت معالمها وتفصيلاتها.

من اللجوء الى الشتات

يذهب الباحث إلى أن الكويت شكلت ساحة لتحويل اللجوء والمنفى من حالة موقتة إلى شتات طويل الأمد. ويبيّن أن المنفى واللجوء هما انتقال قسري له صفة الموقت، في حين أن الشتات تأقلم طويل مع بيئة جديدة، من دون فصم عرى الحنين بأشكال مختلفة مع البيئة القديمة التي دمّرتها حالة استثنائية قسرية. وعكس الشتات طول أمد حالة اللجوء والسعي للتأقلم الطويل مع النكبة في مناطق بعيدة عن بلدان اللجوء الأوّل. لقد نشأ الشتات الفلسطيني الأول فيّ الكويت بسبب توافر التربة التي أمنت الأساس الاقتصادي والاجتماعي لنشوء شتات يمثل فئات الشعب الفلسطيني كلها.

ويمكن لي أن استخلص مع الباحث بعض الملاحظات حول الشتات الفلسطيني في الكويت تكتسب أهمية على صعيدي اختيار الحالة، ومنهجية البحث:

أولا: مثلت الجالية الفلسطينية في الكويت المجتمع الفلسطيني الأصلي بكامله؛ فقد انحدر هؤلاء من أنحاء فلسطين المختلفة، وطبقاتها الاجتماعية وخلفياتها الدينية المتنوعة، ومن العائلات في الأرياف والمدن. فما حدث لم يكن نزوحا فلسطينيا من الأرياف إلى المدن، بل هو نزوح جماعي أدى إلى اقتلاع أبناء المدن والأرياف على حد سواء من جذورهم.

ثانيا: وصل عدد الفلسطينيين في الكويت العام 1987 إلى حوالي 380.000 نسمة وكانوا حتى العام 1990 ثالث أكبر جالية فلسطينية في بلدان الشتات من أصل إجمالي عدد السكان الكويتيين، وغير الكويتيين، البالغ حينها 1.7 مليون نسمة.

ثالثا: وبينما تكون أنماط الهجرة التقليدية عادة من المناطق الأقل تقدما إلى المناطق الأكثر تقدما، فإن فلسطينيي الكويت تركوا هيكلية اقتصادية واجتماعية أكثر تطورا، واتجهوا نحو أخرى أقل تطورا، ما طبع منذ البداية دورهم في الاقتصاد والعملية الإنمائية.

رابعا: لم يأت الفلسطينيون إلى الكويت على الفور كلاجئين بعد النكبة، كما حصل في دول الطوق، بل قصدوا الكويت والخليج خلال الخمسينيات والستينيات، فشكلوا مصدرا مهما للعمالة الأجنبية.

خامسا: مثلت الهجرة إلى الكويت قرارا اتخذه الفلسطينيون الأفراد، لتكون الكويت في الإطار التاريخي، المكان الأول للشتات الفلسطيني، وإعادة لمّ شمل الطبقة الوسطى ونشوئها ما بعد النكبة، وموقع ارتكاز لتطور هذا الشتات في أجواء من الحرية والدفء الوطني القومي، مما سيقدم للفلسطينيين كشعب ما لا تستطيع أن تقدمه أي دولة ومجتمع آخر في تلك الحقبة الحساسة والصعبة من خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

طال انتظار العودة، وكبر الشتات الفلسطيني. وفي سبيل البقاء، كان الفلسطينيون بحاجة لإيجاد وظائف. ولما شحت فرص العمل في بلدان اللجوء الأولى، بحث اللاجئون عن عمل في منطقة الخليج؛ في بعض الحالات في العراق، وفي الكويت بصورة خاصة، التي كانت تشهد نموا وتطورا هو الأول من نوعه، بعد اكتشاف النفط وسياسات التنمية الأولى. وهناك، طورت النخبة المثقّفة التي وصلت إليها من الفلسطينيين استجابات مكّنتهم من التكيف مع البيئة الجديدة، وأرست أسس مجتمع الصمود الفلسطيني الجديد.

بعد حصولهم على وظائف، وفرت لهم دخولا ثابتة، وأمّنت الدعم الاقتصادي لعائلاتهم وإخوتهم اللاجئين، تمكّن الفلسطينيون من فرض أنفسهم في سوق العمل، وبرز التعليم عاملا مرتبطا بمتطلبات البقاء الأساسية. أما الاستجابة المحورية، برأي الغبرا، فكانت لمّ شمل العائلة والأقرباء لمعالجة الانفصال الجغرافي لأفراد العائلة، إذ كانت المسؤوليات العائلية هي الدافع إلى قرار التوجه إلى الكويت.

تقاليد العائلة الفلسطينية

توقعت أبحاث سقوط العائلة في العالم الثالث، إلى جانب الروابط الدينية والأولية. لكن، وكما يذهب الغبرا، فقد بيّنت الأدلة أن العائلة تكيّفت وتغيّرت وتماسكت لحماية نفسها من التغييرات التي أحدثتها الثورة الصناعية. ويمضي، فيرسم أبرز خطوط التقاليد العائلية الفلسطينية، في مجتمع فلسطيني يمنح الأولوية للروابط الشخصية وغير الرسمية، مقدما إياها على الروابط الرسمية.

كانت الوحدة العائلية الأكثر وظيفية قبل عام 1948 هي العائلةّ الأبوية الموسّعة، تأتي بعدها في الأهمية الوحدة العائلية الأكبر التي كانت تتألف من العديد من الأسر الموسعة التي تجمعها قرابة لجهة الأب، وتحمل الشهرة نفسها. وفي حالات كثيرة، كانت الوحدة العائلية بكاملها، والتي قد تتراوح بين عشرات الأشخاص ومئات عدة، ترتبط بوحدة أكبر وأكثر تمايزا عرفت بـ«الحمولة» الممتدة عبر مجموعة من القرى والبلدات، ويعتقد أعضاؤها أن لديهم سلفا بيولوجيا مشتركا.

أدّت كل دائرة من الدوائر العائلية وظائفها مداورة، وشملت التعليم (ذاع مثلا صيت منازل عائلية كثيرة في الخليل وطولكرم والقدس بعدما أصبحت مراكز للتعلم، خرّجت هذه المنازل، في جيل واحد، العديد من الأشخاص المتنورين)، والتعليم المهني والحرفي (اشتهرت عائلات أخرى بمهاراتها التجارية أو الحرفية)، كما لعبت العائلة دورا اقتصاديا مهما (احتكرت عائلات قطاعات اقتصادية قام عليها اقتصاد القرية، وكانت المحاصصة العائلية في العمل واضحة في الوظائف التابعة لحكومة الانتداب في فلسطين).

ورغم تحضّر سريع للمدن الفلسطينية، عقب الحرب العالمية الأولى، ظلّت الروابط العائلية سمة طاغية في الحياة المدينية والقروية الفلسطينية حتى عام 1948، واستمرت رغم وتيرة التحولات في خمسينيات القرن التاسع عشر، مع بروز أوّل منظومة اعتماد متبادل بين القرية والمدينة لمصلحة الأخيرة، ولم يكن ممكنا فصل عملية التنمية الاقتصادية والمأسسة والقيادة وبناء الأحزاب السياسية عن العائلة، والتحالفات العائلية، فكانت قيادة الحركة الوطنية، قبل العام 1948، تعود تقليديا لعائلات بعينها (آل الحسيني وآل النشاشيبي)، كما تدل القيادة العائلية لمعظم أحزاب الحركة الوطنية على دور العائلة المركزي. بحث الفلسطينيون في القرية والمدينة، لمواجهة الانتداب البريطاني، عن الحماية في العائلة كوحدة سياسية واقتصادية اجتماعية، التي وجدوها جاهزة لتأدية هذا الدور.

سياسة التماسك العائلي

 عشية النكبة، كانت للفلسطينيين مجموعة متنوعة من المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، التي كانت تتطور بوتيرة سريعةً جدا، لكن تلك المؤسسات أبيدت عن بكرة أبيها، باستثناءات قليلة، مع نكبة 1948. فكان على من لا دولة لهم، وعبر العائلة، إعادة بناء روابط التضامن الاجتماعية، ليستمروا كمجموعة، في مواجهة التشتت والتجزئة والاستيعاب، وهكذا حددت طبيعة المجتمع والعائلة الفلسطينية، منذ البداية، الشكل الذي سيتخذه البقاء الفلسطيني، بعد دمار مؤسساته الرسمية، واستمرت العائلة في حماية الفلسطينيين كمجموعة اقتلعت من أرضها حتى يومنا هذا.

عدم الشعور بالأمان كان بحد ذاته دافعا للإنجاز، الذي بدت كل خطوة نحوه إرساء للبنة جديدة في معركة استقلال العرب، وتحقيق العودة إلى فلسطين، ووجد الفلسطينيون في الكويت الناهضة فرصة لاستدراك الخسارة التي كانت أيضا نتاج ضعف العرب التعليمي والنهضوي. هؤلاء المتعلمون؛ خريجو النظام التعليمي التنافسي وعالي الجودة في ظل الانتداب البريطاني، من الوافدين الأوائل، سعوا لإنقاذ عائلاتهم من ظلام النكبة، وكانوا النماذج الأولى في سياسة التماسك العائلي. وعلاوة على دعمهم للعائلة ماديا، حاولوا أن يوفروا للأفراد في شبكاتهم الشخصية وظائف وفرصا، فكان يكفي أن يسمع صديق أو قريب مهجّر أن نسيبا له موجود في الكويت ليطلب منه تأمين وظيفة له، وتزكيته لدى المراجع المعنية. وهكذا جاء آلاف الفلسطينيين إلى الكويت بفضل الجهد الذي بذله من وصل أولا. وبعد عقد أو اثنين، ونتيجة «الهجرة المتسلسلة» أصبح لكل عائلة فلسطينية 100 أو 200 من أفرادها في الكويت، وأصبحت العائلة الأوسع ممثلة وراسخة في أوساط الجالية الفلسطينية في الكويت.

في فلسطين، كانت الأنثى تعتبر عبئا، وجزءا من المنزل الوالدي لفترة موقتة فحسب، أي حتى زواجها. كان الزواج في سن مبكرة يعتبر نقلا للولاء والالتزام والإنتاجية إلى عائلة أخرى؛ عائلة الزوج. بعد عام 1948 تغيرت هذه النظرةٍ التقليدية للمرأة إلى حد كبير، فالحاجة إلى مواجهة الأزمة سمحت بتجاوز العديد من القيم التي كانت سائدة قبل عام 1948، والتي كانت ترفض ربما من الأساس أن تصبح المرأة مركز الشبكة العائلية الفعلية والموسعة. الوجود المادي للعائلة كان على المحك، مما شجّع عددا كبيرا من العائلات الفلسطينية المحافظة على السماح بمشاركة المرأة الناشطة في القوة العاملة. الشابات اللاتي كان معظمهن من خريجات كليات التربية، وتوجهن إلى الكويت، لعبن دورا أساسيا في تحسين تعليم الإناث في مدارسها الرسمية والخاصة على حد سواء، وأرسلن الجزء الأكبر من رواتبهن إلى أهلهن المتقدمين في السن، الذين ما عاد لديهم أي وسيلة لكسب معيشتهم بعد الهجرة، وتولين إعالة إخوتهن وأخواتهن الأصغر، وساعدنهم في متابعة تحصيلهم الجامعي، وأسهمن عبر استقلالهن في تكوين نظرة جديدة إلى المرأة في المجتمع الفلسطيني.

معاودة النهوض السياسي

قبل النكبة، تمتع الفلسطينيون بحياة سياسية؛ أحزاب ومؤسسات اجتماعية وثقافية ومهنية مختلفة، لم تكن موجودة آنذاك في العديد من أقطار العالم العربي، وفقدت النخبة التقليدية من العائلات القوية المتنفذة في المدن الفلسطينية بعد النكبة مصادر نفوذها التقليدية، ولم تعد تسيطر على الحياة السياسية والاقتصادية، وانتقل موقعهم القيادي إلى قوة اجتماعية جديدة من المتعلمين وحملة الشهادات من المعدمين العصاميين الذين سعوا لبناء حياة كريمة في أماكن بعيدة كالكويت ومنطقة الخليج.

التهميش السياسي الذي لم يعرفه الفلسطينيون قبل عام 1948 كان سببا في إحباط شديد. وفي مطلع الستينيات، بعدما انتظر الفلسطينيون السياسة العربية أكثر من عقد لإيجاد حل لمشكلتهم، اقتنع الفلسطينيون في الكويت وبلدان انتشارهم الأخرى، بحلول عام 1964، أنهم إذا لم ينخرطوا بفاعلية في رسم مستقبلهم السياسي، فسيبقون بلا حقوق وخارج دائرة الإنسانية مطولا، فعملوا على إعادة بناء حياة سياسية مستقلة. تمثّل ذلك في دعم إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، أملا منهم في استعادة حقهم بوطنهم الأم. هذا التطور عنى عمليا أن روح الانتظار التي سادت في الخمسينيات بدأت تتحول إلىّ روح التمرد والثورة، وقد توّج ذلك بانطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة مطلع 1965. 

إلى الكويت: طريق أخرى

يبين الغبرا كيف شارك الرواد الأوائل من أبناء الطبقتين الوسطى والدنيا الذين أتوا إلى الكويت، من دون علم منهم، في تحول اجتماعي واسع شمل طبقات المجتمع الفلسطينيّ التقليدي وتشكيلاته، رغم أنهم لم يملكوا شيئا عندما انتهت حرب 1948، وكانوا بحاجة إلى البدء من جديد لتحمل مسـؤوليات عائلاتهم الكبيرة، ومنحتهم خبرتهم في العمل وتحصيلهم العلمي وكونهم من فئة الشباب، الموقع الأول في العثور على وظائف وبناء هيكلية الشتات. ينطبق الأمر ذاته، بنسب متفاوتة، على أبناء الطبقة المتنفذة، خاصة حملة الشهادات العليا في الطب والسياسة والاقتصاد، الذين وجدوا في المؤهل العلمي ما يساعدهم في حياة جديدة بعد أن فقدوا المال والأرض والنفوذ. لكن الفلاحين والريفيين الفلسطينيين دفعوا الثمن الأغلى جراء النكبة، إذ كانت خياراتهم محدودة مقارنة بتلك المتوافرة لمجموعات اللاجئين الفلسطينيين ذات التحصيل العلمي الأعلى من سكان المدن، فلم يجيدوا إلا العمل في الزراعة، فتحول هؤلاء، لا سيما الشبان منهم، إلى طبقة دنيا تنشد عملها وقوتها اليومي كعمال وبنائين.

في البداية، لم تكن للفلاحين الكفاءات اللازمة، ولم تكن لمعظمهم معارف لمساعدتهم؛ كان أقرباؤهم بشكل عام مغلوبين على أمرهم، مثلهم تماما. ولم يمتلكوا وسيلة لبلوغ الكويت إلا الطريق السرية الخاصة بالتهريب. فلم تكن أغلبية الفلسطينيين تملك أوراقا ثبوتية كي تقدمها للقنصلية البريطانية في القدس أو بغداد التي كانت مسؤولة عن إصدار تأشيرات السفر بموجب إجراءات صارمة في الفترة التي كانت فيها الكويت محمية بريطانية.

مجددا تظهر بوضوح قوة العائلة ودورها في ضبط السلوك الفردي، فبالنسبة إلى أغلبية الآتين عبر طريق التهريب الخطرة، كان الدافع وراء انتقالهم هو مسؤوليات عائلية، والحاجة إلى تحسين حظوظهم الاقتصادية، فكان الانضواء تحت حملة تهريب مسألة مهمة جدا للعائلة الفلسطينية. ولدى وصولهم، يكوّن بعض أفراد العائلة ممن سبقوهم إلى الكويت جسر ا بين الطرف المرسل والطرف المتلقي.

كان أعضاء العائلات الذين رحّلوا إلى الكويت يرسلون معلومات عن الرحلة لأنسبائهم في القرية، وكانوا يصفون الرحلة وتكاليفها، ويذكرون حتى أسماء من ساعدهم في الطريق لتفادي الأجهزة الأمنية السورية ثم العراقية للوصول إلى صحراء الكويت، كما يصفون لهم الكثير من المواقع والقرى البدوية والريفية في سورية والعراق لطلب المساعدة منها في حال وجود مشكلات. وفي معظم الوجهات التي كان الفلسطينيون يقصدونها، كان هناك من ينتظرهم، وكان أوائل المغادرين هم الأكثر مغامرة على الإطلاق، وكان لكل قرية روادها الذين غادروا الوطن من دون أن يكون هناك من يساعدهم في وجهتهم.

استمرت طريق التهريب حتى أواخر الخمسينيات، وسيلة لآلاف الفلسطينيين، وبعد ذلك ما عادت هناك حاجة إلى تأشيرات سفر، أو أذون دخول للسفر بين الكويت والأردن. حتى عند إعادة العمل بتأشيرات السفر، لم تستعمل طرق التهريب من جديد نظرا لتحسن أوضاع الشعب الفلسطيني.

العلاقات الفلسطينية- الكويتية

ينسب الغبرا لأنماط السلوك الكويتية دورا هاما في قدرة الفلسطينيين على تشكيل مجتمعهم الجديد في الشتات. ففي مرحلة تميّزت كويتيا بإرساء أسس البنى التحتية الاقتصادية الحديثة، لعب الفلسطينيون دورا أساسيا، في ظل تأثر المجتمع الكويتي بالقضايا القومية العروبية، ورغبته في الاستقلال عن بريطانيا ورفض سياساتها في العالم العربي. ورأى الكويتيون في الهجرات الفلسطينية الأولى، عنصر قوة لا عنصر إضعاف، وإضافة نوعية لمشروعهم الوطني والعربي وانتشرت فرضية بين النخب الكويتية مفادها؛ الاستفادة من الخبرات الفلسطينية لمدة موقتة إلى حين تأمين عودة الفلسطينيين إلى وطنهم خلال بضعة أعوام.

لكن حرب العام 1973 غير الحاسمة جلبت إلى الكويت مخاوف احتمالات التوصل إلى تسوية للصراع العربي – الإسرائيلي تؤدي إلى بقاء جالية فلسطينية كبيرة في الكويت تساوي أكثر من نصف المواطنين، وتزايد الشعور بوجود همّ فلسطيني بعد التورط الفلسطيني في الحرب الأهلية في لبنان في عام 1975، وقبلها حوادث أيلول/سبتمبر 1970 في الأردن، وبدأ يتكون حاجز مبهم بين الفلسطينيين من جهة، والنظام السياسي في الكويت وبعض قطاعات المجتمع الكويتي من جهة أخرى، عززه نسج منظمة التحرير، والعديد من فصائلها المسلحة، علاقات خاصة مع المعارضة اليسارية اللبنانية، وصلات وثيقة مع المعارضة الكويتية، الأمر الذي فاقم الشعور بالقلق فيما يتعلق بالناحية الأمنية في الكويت. لكن الضربة القاضية التي وُجّهت إلى الشتات الفلسطيني في الكويت ستأتي مع غزو النظام العراقي للكويت في العام 1990.

الغزو العراقي والفرص الضائعة

الصراع جزء من حياتنا اليومية، فلا ينظر شخصان إلى جميع الأمور بالطريقة نفسها، فتنوّع تجارب الحياة تنتج وجهات نظر مختلفة حول مواضيع بعينها. والصراع ليس في حد ذاته شيء سيء؛ فقد يساعدنا على فهم العالم بشكل أفضل من خلال وجهات نظر أخرى، إلا أنه قد يصبح حالة مستعصية ومحفوفا بعوامل تبدو غير قابلة للحل، حين تدوم تؤدي إلى نتائج سلبية، مع عدم قدرة أحد الأطراف على حسم الموقف لصالحها، أو عدم توافر الاستعداد لديه لتقديم تنازلات من أجل التوصل إلى تسوية سلمية.

وبالرغم من العلاقات التفاعلية التي ترسخت بين الفلسطينيين والكويتيين في سياق التطورات التي شهدتها الكويت منذ الخمسينيات، كما يذهب شفيق الغبرا في كتابه “النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت” (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2018)، بدأ يظهر حاجز مبهم بين الفلسطينيين من جهة، والنظام السياسي في الكويت وبعض قطاعات المجتمع الكويتي من جهة أخرى. الاعتماد المتبادل بين الطرفين كان ساترا منع ظهور هذه المشاعر السلبية علنا بينهما، لكنها تفجرت مع الغزو العراقي للكويت العام 1990.

ومستندا إلى جون بيرتون، يرى الغبرا أن الصراعات والخلافات في الكثير من الأحيان بين الفرقاء ليست نتاج أحوال صعبة تتحكم بعلاقة بين أصدقاء أو حلفاء، بل الأهم من ذلك أنها نتاج إدارة غير سليمة بين أطراف ومكوّنات عدّة ينتج عنها تحويل الأصدقاء إلى أعداء. هذا ما حدث في العلاقات الفلسطينية الكويتية، وهي عموما مشكلة عربية ينوه الغبرا، حيث كمن الخطأ في غياب أي إطار رسمي أو شبه رسمي تجري خلاله مناقشة المشكلات، وأسباب الخلاف، وإيجاد حلول لها. بمعنى آخر، لم تكن هنالك مؤسسة كويتية تملك الشرعية الكافية لتفرز القضايا المتعلقة بالعلاقات بين الأطراف المعنية.

نقاط تحول

كانت الكويت قاعدة آمنة للشتات الفلسطيني، حمت وطنيتهم واستقلاليتهم، وكانت في المستويين الرسمي والشعبي من أكثر الدول دعما لقضيتهم، ورغم القيود الحكومية الكويتية والاغتراب الفلسطيني العميق الناتج عنها، استفاد الفلسطينيون من الرفاهية الاقتصادية التي تمتعت بها الكويت، كما ساهموا فيها في الوقت نفسه، ولولا الغزو العراقي للكويت لاستمرت هذه الترتيبات والإجراءات لعقود مقبلة.

يشير الغبرا إلى جملة من الأسباب الاقتصادية والمهنية والأخلاقية والسياسية، حالت بين الكويت وبين اللجوء إلى صدام مباشر مع الفلسطينيين، كما كانت حال عديد من الدول العربية الأخرى، فكانت الكويت أرضا للشتات وليست معبرا حدوديا إلى فلسطين المحتلة، كما هي حال الأردن ولبنان، أو حتى مصر وسورية. كما كان للقضية الفلسطينية ثقل سياسي واجتماعي في الكويت، وحتى العام 1990كانت تسود في الكويت أجواء الثقة بالفلسطينيين وبإخلاصهم في عملهم، والتقدير لإسهاماتهم في نهضة الكويت منذ الثلاثينيات، ولولا الغزو العراقي لربما وفرت الكويت لقطاع كبير من كفاءات الفلسطينيين المقيمين فيها شكلا من أشكال الإقامة الدائمة، بالإضافة إلى المواطنة لقطاع من المجتمع، بل لكان في الإمكان، في مرحلة لاحقة، تجاوز أزمة الثقة التي تبلورت في الثمانينيات.

هناك نقاط تحوّل عديدة عملت على تعزيز الشعور بالحاجز بين الفلسطينيين والكويتيين وتوضيحه قبل الغزو العراقي، أبرزها:

أولا: عقب حرب العام 1973 غير الحاسمة تزايدت المخاوف الكويتية من احتمالات فرض حل سياسي إقليمي يؤدي إلى فرض جالية كبيرة من الفلسطينيين تساوي أكثر من نصف المواطنين، ليصبح هذا الأمر همّا داخليا كويتيا يتزايد مع ضغوط مثّلها نمو الطبقة الوسطى الكويتية، التي أفرزت مئات وآلاف الخريجين الكويتيين الذين أصبحوا يرون في الوجود المدني الفلسطيني الكثيف عنصر منافسة لهم.

ثانيا: بدأ الفلسطينيون يشكّلون همّا أمنيا لا سيما بعد التورط الفلسطيني في الحرب الأهلية في لبنان في عام 1975، وقبلها حوادث أيلول/سبتمبر 1970في الأردن، وبعد صلات وثيقة ربطت منظمة التحرير الفلسطينية بالمعارضة الكويتية، واليسار اللبناني، الأمر الذي فاقم الشعور بالقلق فيما يتعلق بالناحية الأمنية في الكويت، وأصبحت احتمالات أن يخلّ الفلسطينيون بميزان الجوالي في الكويت، وسط تحولات جذرية وتيارات سياسية سادت المنطقة آنذاك، من القضايا التي أخذت تقلق المسؤولين الكويتيين.

 ثالثا: تعرّضت الكويت لضغوط المجتمع الكويتي وفئاته المعارضة في شأن التغير والإصلاح، وتم حلّ مجلس الأمة للمرة الثانية عام 1986، كما شهدت الكويت في أواسط الثمانينيات موجة من الإرهاب على يد جماعات موالية لإيران. هذا كله انعكس على العلاقة بالفلسطينيين؛ الجالية الأكبر في الكويت، من حيث حدة الإجراءات الأمنية الداخلية والتدقيق في هويات المقيمين. وبدأت السلطات الكويتية منذ أواخر السبعينيات وخلال الثمانينيات بفرض قيود على الإقامة، وتأشيرات الدخول، وتصاريح العمل، والتعليم، وحصول غير الكويتيين على رخص السيارات، وما إلى ذلك، ما خلق توترا وضيقا بين قطاعات كبيرة من الفلسطينيين خصوصا في أوساط الأجيال الجديدة من الفلسطينيين الذين ولدوا وترعرعوا في الكويت.

رابعا: حالة الاغتراب الفلسطينية التي ساد الشعور بها بحلول عام 1990، وعلى عكس طبقة المهنيين والطبقة العليا من المجتمع الفلسطيني، التي تمكنت من إدارة شؤونها وترتيب احتياجاتها عبر الاستثناءات الإدارية التي تقدمها الدولة مستفيدة من علاقاتها بالنخبة الكويتية ومن ثرائها، فإن الطبقة الوسطى والدنيا من الفلسطينيين، والتي لا تملك علاقات قوية مع السلطات العليا، كانت دائمة الشعور بالاغتراب والخوف من المستقبل نتيجة لتلك القيود التي فرضت خلال عقد الثمانينيات.

الموقف الفلسطيني من الغزو

كان المجتمع الفلسطيني في الكويت معتمدا على النظام الكويتي لتأمين عيشه وإقامته، بينما تميز المجتمع الكويتي بارتباط مشاعره بمصير القضية الفلسطينية. ويذهب الغبرا إلى أن خليطا من المواقف والمشاعر المتناقضة مثلت ردة الفعل الأولى على الغزو بين الفلسطينيين في الكويت، واتخذت المجموعات الفلسطينية في الكويت موقفها من الغزو العراقي بناء على خبرتها التاريخية.

الذين وقفوا على الحياد بدوا على يقين أن العراق سيخرج من الكويت خلال أيام، وهم من الفئة التي عاشت في ظل النظام الكويتي منذ ما قبل آب/أغسطس 1990، ولم تكن أساسا تشارك في نشاط سياسي فلسطيني أو غيره قبل الغزو، وكان جلّ اهتمامها هو أن تستمر عجلة الحياة بشكل طبيعي قدر الإمكان، ولكنها تراجعت عن موقف الحياد بعد أن رأت طبيعة الممارسات العراقية في الكويت ونالهم نصيب منها.

هناك من عارض الغزو، بوصفه خطوة رعناء، وكان هؤلاء بغالبيتهم من الوافدين الأوائل، الذين ربما مثّلوا، بحسب الغبرا، 30% على الأقل في بداية الغزو، لترتفع النسبة مع مرور الوقت بسبب وضوح نيات الرئيس العراقي، وعدم اتّزان قراراته ورعونة تصرفاته، وعدم انسحابه بعد أيام أو أسابيع، عانى خلالها الفلسطينيون من تصرفات الأجهزة الأمنية والجيش العراقي غير المسؤولة في الكويت، واستند هؤلاء إلى العلاقة الأخلاقية والاقتصادية والمهنية والاجتماعية التي بنتها الكويت عبر عقود من الزمن مع الفلسطينيين والذين خبروا المصاعب ذاتها من قبل في لبنان والأردن، وغيرهما من الدول التي استضافتهم، وبالتالي لم يكونوا راغبين في تكرار تلك التجارب المريرة في الكويت أيضا. بعض المعترضين شارك في العمل الشعبي الكويتي المقاوم، أو ترك الكويت في أثناء الاحتلال ومغادرتها نهائيا. ولعل أول تعبير علني لتضامن الفلسطينيين مع الكويتيين جاء على هيئة تظاهرة علنية وحاشدة، لها طابع شبه عفوي هتفت لأمير الكويت وشعبها في منطقة الحولي ذات الغالبية الفلسطينية، خرجت في الرابع من آب/أغسطس 1990.

أما من تعاطف مع العراق، فيلاحظ الغبرا أنهم فئة شكّلوا النسبة الأكبر من قطاعات الفلسطينيين الأقل حظا اقتصاديا، تأثروا بتعقيدات المشهد، لا سيما بعد خلط صدام حسين للأوراق وقلبه الطاولة حين أعلن أنه مستعد للانسحاب من الكويت شريطة أن تنسحب إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة. استحضر هذا الإعلان مسألة القيم القومية والوطنية لدى فئة، أخذت في الازدياد فلسطينيا، رأت في الغزو العراقي للكويت عملية موقتة، بل اعتبروا أن هذا الحدث قد يأتي بوضع مفيد للعرب ولقضية الفلسطينيين في الأراضي العربية المحتلة.

حسمت الجالية الفلسطينية في الكويت موقفها بصورة أوسع باتجاه رفض معظمها للاحتلال العراقي، وذلك عندما تبيّن لهم أنه احتلال باق ويمارس نهبا وتدميرا لا يسمح في المدى القريب بحل سياسي، وانسحاب سلمي.

بين فكي كماشة

اسهمت التدخلات الخارجية وضغطها وحضورها الدائم وسط الجالية الفلسطينية في توتير العلاقات الفلسطينية – الكويتية، وغيّرت الموازين بين المتعاطفين الفلسطينيين مع العراق، وبين المحتجين منهم على الغزو العراقي، فتر هؤلاء الأخيرون ونزلوا تحت الأرض تجنبا لدفع ثمن احتجاجهم، وعلت أصوات المؤيدين للعراق. ومع أن أعداد المتعاطفين الفلسطينيين مع العراق تناقصت مع مرور الوقت، اعتبرت الجالية الفلسطينية، ولسوء حظها، منذ البداية في الأوساط العربية، كما في الإعلام الخليجي والمصري، مؤيدة للعراق بغض النظر عن موقفها الحقيقي.

ظهرت تصريحات متناقضة لقادة فلسطينيين، وكانت زيارة ياسر عرفات للعراق بعد يومين فحسب من الغزو، وتصويت المنظمة ضد قرارات القمة العربية التي عقدت في 10آب/أغسطس، والتي تشجب الغزو، عوامل أسهمت في تسميم العلاقات الفلسطينية- الكويتية.

لعب العراقيون على الانقسام الفلسطيني واعتمادهم على الأمن المعاشي وعلى نظام الإقامة السابق في الكويت، فاستخدموا النظام نفسه، مستغلين بذلك حاجة الفلسطينيين للإقامة والعمل والتعليم والتأمين الاجتماعي لدفعهم للتعاون معهم، وهددت الرافضين منهم بالطرد وفقدان حقوق الإقامة والتعويضات الناتجة عن عملهم على مدى العقود. هكذا، وقع الفلسطينيون بين فكي كماشة؛ فهم إن لم يتعاونوا مع العراق فقدوا أعمالهم وإقاماتهم وتعويضاتهم، وغيرها من الأمور التي عملوا من أجلها على مدى عقود، وإن تعاونوا واستأنفوا أعمالهم يصبحون في نظر الكويتيين خونة للكويت.

الفرص الضائعة

بالرغم من العلاقة السلمية والتعاون بين الشعبين على امتداد زهاء 55 عاما، تبلورت حالة من حالات نزع الصفة الإنسانية لدى كل طرف تجاه الآخر؛ وهي نزعة معروفة في الصراعات. ويعتقد الغبرا أنه كان من الممكن التخفيف من حدة التوتر، على الرغم من الأوضاع العدائية السائدة، لكن ما زاد الطين بَلّة هو ما جرى من تصنيف الشعوب طبقا لمواقف حكوماتهم (الفلسطينيون والمصريون والسوريون وغيرهم)، فاعتبر الفلسطينيون في صف العراق، بصرف النظر عن الانقسامات الفعلية في صفوفهم، وعن وجود مؤيدين حقيقيين للموقف الكويتي مثّلوا قطاعا كبيرا وأساسيا في الوسط الفلسطيني في الكويت.

أيضا أسهم الإعلام في العديد من الدول العربية، بشكل مقصود أو عفوي، في نشر معلومات غير صحيحة عن قيام الفلسطينيين بعمليات سلب ونهب وتعاونهم الكامل مع العراق. وصوّر إعلام بعض الدول العربية الاحتلال العراقي للكويت وكأنه احتلال فلسطيني، وفي الوقت نفسه، وقع الفلسطينيون ضحية السياسة الرسمية الفلسطينية، التي ونتيجة سياسة غير مدروسة، غلبت عليها الانفعالات والحسابات غير الصائبة، أوحت للفلسطينيين بإمكان إيجاد حل عربي للأزمةُ. إضافة إلى ذلك، وقع الفلسطينيون في الكويت في حيرة من أمرهم، فهم في هذه الأزمة كانوا بلا قيادة حقيقية (فمعظم وجهاء الجالية المعروفين كانوا خارج الكويت عندما وقع العدوان) وبلا معلومات؛ وقعوا وسط رمال متحركة ودول ومنظمات وأحزاب أرادت جميعها استخدام ورقتهم بما يعود إليها بالكسب السريع. وهكذا تقاذفت المخاوف الفلسطينيين في الكويت من كل صوب. ويذهب الغبرا إلى أن هذا المثال على إخفاق السياسة العربية ومدى انحطاطها، هو دليل على قدرة الأزمات المفاجئة على تغيير العلاقات الطبيعية وتحويلها إلى صراعات عميقة بين الشعوب.

يجزم الغبرا باستحالة حياد الفلسطينيين في الحالة الكويتية، في ظل العوامل الإقليمية والخارجية والعراقية التي سادت حينذاك، فإن العوامل الخارجية، كموقف منظمة التحرير الفلسطينية، والأردن، والسياسة العراقية التي استهدفت الفلسطينيين في الكويت، كلها صبت في إعطاء الجالية الفلسطينية في الكويت بعدا لا يعبّر عن حقيقة موقفها. وبينما نجد أن الأرمن في لبنان كانوا مواطنين لبنانيين ولم تقلقهم يوما قضايا الإقامة والضمان الوظيفي والحقوق والمستحقات والتعليم والصحة، ولم تقضّ مضاجعهم المخاوف من احتمالات ترحيلهم، نجد في المقابل أن تلك القضايا كانت تؤرق الفلسطينيين وسط الأزمة، وكانت مصدر ضعف موقفهم.

وفيما يتعلق بعملية نزع كل طرف عناصر الأنسنة عن الآخر، يؤكد الغبرا أن كلا منهما لم تتوافر لديه المعلومات عن الوجه الإنساني الكلي للطرف الآخر؛ فبدا أن الطرفين انقطعا عن التواصل مع مناطق الطرف الآخر إبان الاحتلال، فلم يعلم الكثير عن معاناته وحقيقة مواقفه، لترتفع نسبة الخوف والتشكك لدى كل طرف من الآخر. وخلال فترة الاحتلال كانت شقة الخلاف والتباعد تتسع بين الشعبين حيث كان كلاهما يفسران الحدث الواحد من منظورين مختلفين متناقضين، إذ لم يقترب أي من المنظورين من تفهم أحوال الآخر واحتياجاته وحقائقه. انعدام الثقة بين الطرفين، وتداخل القوى والعوامل الخارجية مع العوامل والديناميات الداخلية، أبقيا الجالية الفلسطينية عموما في معظم تشكيلاتها وأفرادها خارج المعادلة، متأثرة سلبا بالغزو الذي قام به صدام حسين وكارهة له في الوقت نفسه. لكن الصوت الأعلى كان في خارج الكويت، وبين فئات مختلفة من الفلسطينيين، ما أدى إلى تشويه الصورة.

أصبح الإطار النفسي الكويتي بعد التحرير مهيأ للتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم متعاونين، وهذا عنى في التطبيق العملي، صعوبة أن يكون هناك فلسطيني غير متعاون، بغض النظر عن حقيقة عواطفه أو مواقفه في أثناء الغزو. وبعد أن كان الكويتيون ضحايا الغزو العراقي وممارساته القاسية، اقتصر هذا الفعل بعد التحرير على الكويتيين تجاه الفلسطينيين بشكل عام، بينما تحول شعور الفلسطينيين إلى الإحساس بالمعاناة، وبأنهم أصبحوا هم الضحية.

إن انتهاء سريان العقد الاجتماعي- السياسي بين الفلسطينيين والكويتيين (حلفاء وأصدقاء على مدى نصف قرن) كان نهاية حزينة أضرّت بمصلحة الطرفين على صعد اقتصادية وثقافية ومهنية وإنسانية. فالكويتيون لم يدركوا في السابق حجم الضغوط ومشاعر الاغتراب التي عاناها الفلسطينيون في الكويت قبل الثاني من آب/أغسطس 1990، في مجال الحقوق والعمل والمعاملة والإقامة والعلاج ومشكلات يومية لجيل ثالث ولد في الكويت. والفلسطينيون من جانبهم لم يتفهموا حجم معاناة الكويتيين في أثناء الاحتلال. فقد سيطر على مشاعر الكويتيين تجاه الفلسطينيين الشعور بالألم والطعن بالظهر، تماما كما سيطر على مشاعر الفلسطينيين الشعور بأنهم إنما كانوا ضحايا لكل ما حصل.

ووفق الغبرا، كان من الصعب جدا على أغلبية الكويتيين أن يعوا جيدا المشاعر المتناقضة التي عصفت بالفلسطينيين في أثناء الاحتلال العراقي للكويت، وأن كلا الشعبين تجاهلا الدور الإيجابي الذي أداه الناشطون في مجال حقوق الإنسان، ودور الرافضين وغيرهم من الأفراد والجماعات التي التقت مصالحها في إحقاق الحق والعدالة في الكويت. فليس صحيحا أن الفلسطينيين في الكويت ناصروا غزو صدام (وإن كان منهم من فعل ذلك)، كما أنه ليس صحيحا أن الكويتيين كمجموعة سكانية آذوا الفلسطينيين، وإن كان منهم من فعل ذلك بعد تحرير الكويت؛ فقد عانى كثيرون من كلا الطرفين جراء وقفتهم لتأمين حقوق الإنسان في الوقت الذي كان فيه الغضب في كلا الطرفين هو سيد الموقف.

إن الشعبين، الفلسطيني والكويتي، لم يفهما بعضهما حق الفهم، وهو بالتحديد ما يجعل هذه الحالة مثالا عربيا مؤلما لشعبين، كان كل منهما بحاجة للآخر، ولكنهما أخفقا مع ذلك في حل معضلة التعايش والصداقة في أثناء الأزمات والصراعات، التي أثبتت أنها أكبر بكثير من قدرتهما على التعامل معها.

يؤكد الغبرا أنه لولا وجود فلسطينيين مناهضين للاحتلال، ورافضين للتعاون، لارتفع عدد المتعاملين منهم مع سلطات الاحتلال، ولبلغت حدة الأزمة بين الكويتيين والفلسطينيين مستويات أكبر في أثناء الاحتلال. وبالمثل، لولا وجود كويتيين ناشطين في مجال حقوق الإنسان، ولولا ضبط النفس على مستويات قيادية حكومية في الكويت، لارتفع عدد الفلسطينيين ممن تعرضوا للأذى بعد التحرير. ويرى في البعد الإنساني الذي يوفّره أفراد مثل هؤلاء، في أوقات الحروب والأزمات، أساسا لبناء الصلح الأهلي بين المجتمعات المتصارعة.

تفكيك الشتات الفلسطيني

مع تحرير الكويت تراجع عدد الفلسطينيين من نحو 400,000 إلى نحو 150,000 شخص. ومع النصف الأول من عام 1992 تحوّل عدد الفلسطينيين من 150 ألفا إلى نحو 30 ألفا. واستغرق الكويتيون ردحا من الزمن للتخلص من آثار الغزو النفسية وجروحه. وخلال الأشهر الأولى من عام 1992 كانت المشاعر قد هدأت نسبيا وبدأ كثير من المواطنين الكويتيين يتساءلون عن حقيقة مجريات الأمور خلال الغزو، وخاصة فيما يتعلق بدور الفلسطينيين. وهنا بدأ الناس يدركون أنه كان هناك فلسطينيون أيّدوا الشعب الكويتي حقا، كما كان هناك فلسطينيون جاهروا بمواقف معادية للكويت، وهنا أيضا بدأ كثير من أبناء الكويت يفكّرون جدّيا بحوادث الأزمة ووضعها في منظورها الأكثر تعقيدا. فإن كان العدو قد بدا، خاصة في وسائل الإعلام، على أنه فلسطيني، ففي الإمكان القول إن الصديق في الكويت كان فلسطينيا أيضا.

ينبّه الغبرا لحجم التحريض الكبير على الفلسطينيين في الصحافة المصرية الموجهة رسميا، إلى حد الإيهام بأن ما وقع في الكويت كان احتلالا فلسطينيا ولم يكن عراقيا، ويتساءل حول ما إذا كان هناك موقف سياسي بين أكثر من طرف دولي وعربي، إسرائيلي وأميركي، بالإضافة إلى النظام المصري بقيادة مبارك، يرفض مبدأ وجود جالية فلسطينية مؤثّرة في الكويت ومنطقة الخليج، تمثل القوة الداعمة الأهم للانتفاضة الفلسطينية، والقاعدة الإدارية والتنظيمية والمالية الأهم للحركة الوطنية الفلسطينية؟

يذهب الغبرا إلى أن الموقف الأميركي من قضايا الإرهاب والتمويل، واعتبار المنظمات الفلسطينية قواعد للإرهاب، ساهم على الأغلب، بصورة أو بأخرى، في الدفع باتجاه ضرب قواعد هذه الجالية المؤثرة، ويخلص إلى أن الحس المنطقي يقول إن ضرب الوجود الاقتصادي والمالي والديموغرافي للفلسطينيين في الخليج، وخاصة في الكويت، هو المدخل لإضعافهم وفرض شروط تسوية لا تتضمن نيل الحقوق الأساسية. فما أن انتهت حرب العام 1991 حتى تبنّت الولايات المتحدة عملية سلام واسعة النطاق، الهدف منها تعميم السلام الذي بدأ مع كامب ديفيد. وكان ياسر عرفات حينها في أضعف حالاته، في ظل مقاطعة عدة أطراف عربية مؤثّرة له، وفي ظل “المجزرة الديموغرافية” التي ألمّت بالفلسطينيين في منطقة الخليج. وهذه الأوضاع أدت بطبيعة الحال إلى مؤتمر مدريد في عام 1991 ثم إلى اتفاق أوسلو عام 1993.

عن ضفة ثالثة/ العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: حسام أبو حامد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *