النتائج غير المقصودة للحرب الإسرائيلية الإيرانية

في 13 يونيو/حزيران 2025، شنت إسرائيل حربًا على إيران، بهدف القضاء على قيادتها العسكرية العليا، وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر ببنيتها التحتية النووية ومنظومة صواريخها الباليستية. جاء ذلك بعد 15 عامًا من التخبطات والنشاط العسكري الإسرائيلي الذي تم تأُجيله عدة مرات، لا سيما بين عامي 2009 و2013 .
بدايةً، لا بد من توجيه الشكر للقيادة السياسية والقيادة العملياتية المتميزة (سلاح الجو، والمخابرات، والموساد) على الأداء الرائع، مع أنه لا مجال للبهجة . ففي نهاية المطاف، يحفظ علماء العلاقات الدولية المثل المعروف: “نعرف كيف تبدأ الحرب، لكننا لا نعرف كيف تنتهي وما عواقبها”. نأمل جميعًا أن يستقر وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران ويدوم. ربما انتهت الحرب، لكن السلام لم يصل بعد .
في 22 يونيو/حزيران 2025، انضمت الولايات المتحدة إلى المعركة بقصف ثلاثة مواقع نووية – فوردو، ونطنز، وأصفهان. واضح للجميع بأن إسرائيل لا تستطيع لوحدها إحداث تغيير في النظام الإيراني البغيض، ولا القضاء على المشروع النووي الإيراني. ولايوجد ما يؤكد تمامًا أن الولايات المتحدة نفسها قد نجحت في تدمير كامل المشروع الضخم الذي طورته إيران في العقود الأخيرة . وفي الوقت
نفسه، أثبتت إسرائيل للعالم أجمع أنها لن تسمح لإيران بتجاوز العتبة النووية وتهديد وجودها ، وأنها مستعدة لاستخدام القوة، كما فعلت في الماضي بشأن العراق (1981) وسوريا (2007). ومن المكن مناقشة مدى اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي في المدى القريب. في الوقت نفسه، بالامكان الإشارة إلى الإدانة الرسميةالتي وجهها مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لانتهاك إيران لمعاهدة حظر الانتشار النووي لعام 1968، لأول مرة منذ 20 عامًا . إلى جانب الثناء على رئيس الحكومة نتنياهو، تجدر الإشارة إلى أننا وصلنا إلى الملاجئ وإلى امتصاص مئات الصواريخ الإيرانية بسبب انسحاب الرئيس ترامب من جانب واحد في عام 2018 من الاتفاق النووي الموقع مع ايران منذ عام 2015، بناءً على نصيحة نتنياهو . وقد أدى ذلك إلى قيام ايران بانتهاك إيران الاتفاقية في عام 2020 والتقدم تدريجيًا في السباق الى التسلح النووي. لم يكن اتفاق 2015، كما ذكرنا، مثاليًا، لكنه كان بديلاً أفضل لخيار الحرب، مع مراقبة المشروع النووي الإيراني والحد منه عن كثب. وحتى بعد الهجوم الأمريكي الجراحي والفعال، نأمل أن تؤدي الحرب الحالية إلى اتفاق أفضل بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب القوى الأخرى (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي) . في نهاية الامر ، فإن السبيل الوحيد لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية في المستقبل هو الدبلوماسية، وليس العسكرية فقط .
في الأسبوع الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي رسميًا أن ساحة قطاع غزة أصبحت ثانوية مقارنةً بالساحة الإيرانية . من الممكن أن تُؤدي الحرب مع إيران إلى دفع الكثير من الإسرائيليين إلى فهم أن مصدر التهديد الوجودي الحقيقي لنا هو (إيران، وليس الفلسطينيين) وما هي الطريقة الأكثر فعالية للتعامل مع التهديد الإيراني الحالي والمستقبلي (في إطار تحالف إقليمي ودولي ضد إيران، وليس كشعب يعيش وحيدًا) . من هنا نصل إلى استنتاج ثانٍ لا يقل أهمية: السبيل الوحيد للتعامل مع إيران هو في إطار تحالف سلام مع الدول العربية المعتدلة، بقيادة الولايات المتحدة.
توصلت إلى هذين الاستنتاجين بناءً على الحقائق التالية من “حرب الاثني عشر يومًا”:
1- إيران قوة إقليمية، يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة، ومساحتها أكبر بـ 80 مرة من مساحة دولة إسرائيل. وتملك بنية تحتية علمية وصناعية متطورة . وحتى لو تضرر البرنامج النووي بشدة جراء هجمات إسرائيل والولايات المتحدة، فإن المعرفة والعلم اللذين بُني عليهما هذا البرنامج لا يمكن القضاء عليهما، حتى مع القضاء على عشرات العلماء النوويين.
٢ – يوجد لإيران خبرة طويلة في حروب الاستنزاف (استمرت الحرب الإيرانية العراقية حوالي ٨ سنوات، وراح ضحيتها مئات الآلاف). يجب ألا تنجر دولة إسرائيل إلى حرب استنزاف مع إيران. إن انضمام الولايات المتحدة، وردّ إيران “الرمزي” على القاعدة الأمريكية في قطر، أدى إلى تقصير أمد المواجهة بين إسرائيل وإيران.
٣ – النظام الإيراني متطرف، أصولي، فاسد، وغير محبوب، لكنه ليس غير عقلاني. هذا النظام عرضة للعقوبات الاقتصادية، وأولويته هي بقاؤه السياسي. لذلك، يخشى النظام الإيراني من حرب شاملة مع الولايات المتحدة وتصعيد العقوبات ضده. مع إعلان وقف إطلاق النار، تم فتح الطريق للعودة إلى المسار الدبلوماسي، بعد استخدام محدود وفعال للغاية للقوة من قبل الولايات المتحدة.
٤ – حماس وحزب الله متضامنان مع إيران، لكنهما عمليا تلقيا ضربات موجعة من الجيش الإسرائيلي، ولم تعودا تُشكلان تهديدًا كبيرًا لإسرائيل. علاوة على ذلك، كان إضعاف حزب الله شرطًا أساسيًا لشن حرب على إيران.
٥ – كما حدث في أبريل وأكتوبر 2024، انضمت المملكة الأردنية الهاشمية مجددًا لاعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل، رغم موقفها العدائي تجاه تصرفات إسرائيل في قطاع غزة والحرم القدسي الشريف. وهذا يُثبت أهمية اتفاقيات السلام مع مصر والأردن من أجل الحفاظ على أمن إسرائيل.
٦ – تُنسق إسرائيل تحركاتها مع الولايات المتحدة، وتحظى مجددًا بدعم دولي مهم لجهودها المُبررة لمنع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية. في الوقت نفسه، يُبدي المجتمع الدولي اهتمامًا بوقف الحرب مع إيران، وخاصةً إنهاء الحرب في غزة. من هنا يجب على الرئيس ترامب تصحيح خطأه عندما انسحب من الاتفاق النووي السابق عام 2018 . بعد الضربة العسكرية التي وجهها لإيران، يجب عليه التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، بشروط أكثر صرامة. وفي الوقت نفسه، يجب عليه أيضًا دفع إنهاء الحرب في غزة ، ومتابعة عملية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين من شأنها دمج إسرائيل في المنطقة.
يوجد للحروب، مثل عمليات السلام، أحيانًا نتائج غير مقصودة، سواء كانت جيدة أو سيئة. وبقدر ما لا يمكن فهم توقيع اتفاقيات إبراهام في سبتمبر 2020 دون الإشارة إلى التهديد الإيراني، من الممكن أن يكون للحرب مع إيران في النهاية نتائج إيجابية غير مقصودة. من المحتمل أن تساهم الحرب مساهمة مهمة في إنهاء الحرب في غزة، وفي إعادة المخطوفين، وفي عملية السلام والتطبيع بين إسرائيل والدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
في ظل التركيز الطبيعي والإنساني على تبادل الضربات القاتلة بين إسرائيل وإيران، يجب ألا ننسى أن الحرب في غزة لا تزال مستمرة ، وأن هناك خمسين مخطوفا مازالوا محتجزين . لذا، من الأفضل أن تعلن الحكومة الإسرائيلية اليوم، بالتزامن مع وقف إطلاق النار مع إيران، عن استعدادها لإنهاء الحرب في غزة بشرط إبعاد حماس ونزع سلاح القطاع. كما يجب أن تكون لإسرائيل خطة خروج سياسية من الحرب مع إيران، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، على شكل دعم لاتفاق صارم يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي مستقبلاً. يجب ألا نصاب مرة أخرى بجنون العظمة و الغطرسة ، كما حدث في حرب لبنان الأولى (1982)، في السعي لتغيير النظام وإزاحته الوشيكة. هذا أمرٌ يتجاوز قدرتنا، وربما يتجاوز حتى قدرة الولايات المتحدة.
إن إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران خبر سار. فهو يمثل الخطوة الأولى في عملية الانتقال المعقدة والضرورية بين الحرب والسلام، وذلك لمنع حرب استنزاف ستكون كارثية على كلا الجانبين. في المستقبل، يجب على الولايات المتحدة قيادة اتفاق جديد بين القوى الكبرى وإيران بشأن القضية النووية؛ ويجب على إسرائيل وإيران التوصل لاحقًا إلى اتفاق عدم قتال ( “سلام” رسمي يبدو أمرا مبالغا فيه في هذه المرحلة). ولكن ، تبقى المهمة الرئيسية هي إنهاء الحرب في غزة، وإعادة جميع المخطوفين ، والقضاء على حماس دبلوماسيًا، والعودة إلى مسار عملية سياسية وحل سلمي متفق عليه للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلى جانب السلام والتطبيع مع المملكة العربية السعودية وجميع الدول العربية، بما في ذلك لبنان وسوريا.
لقد أثبتت إسرائيل قوتها العسكرية وتفوقها التكنولوجي ومناعة مجتمعها. الآن هو الوقت المناسب للمضي قدمًا نحو السلام انطلاقًا من القوة، وبحكمة سياسية تعرف كيف تترجم الإنجازات العسكرية العظيمة إلى مستقبل أفضل للإسرائيليين والفلسطينيين وجميع شعوب المنطقة.
عن موقع N12