المُدونة الشخصية لماجد كيالي

لم يُخطئ مصمم غلاف كتاب الصديق ماجد كيالي الذي يحمل عنواناً رئيسياً “مدونة ليست شخصية” عندما أعطى كلمة “ليس” لوناً أحمر في الغلاف، وكأنها فائضة عن الحاجة في عنوان الكتاب. يُدرك قارئ الكتاب مباشرة أنه تدوين لذاكرة مُغرقة في الشخصي، فهي تجربة ملتصقة تماماً بحياة ماجد كيالي. صحيح أن أسئلة الهوية التي يطرحها في كتابه، عن كيفية اكتشاف فلسطينيته وهو المولود في حلب منفى العائلة مثل ملايين الفلسطينيين. لكن التعرف على الهوية الوطنية في المنافي يضفي على كل تجربة طابعاً خاصاً، فماجد الذي اكتشف فلسطينيته بين السوريين، وهو عاش مدينة حلب، لم تسكن عائلته في المخيّم، وهذا مسار اكتشاف للهوية الوطنية مختلف عنه في تجارب الذين ولدوا في مخيّمات المنافي، من هنا يبدو نفي شخصية هذا الكتاب في العنوان، يكرس عكس المطلوب منه، يؤكد شخصية التجربة بدلاً من نفيها، وهو يبدو نوع من التلميح الذي يؤكد عكسه، كما يفعل الروائيون عندما، يؤكدون في مقدمة رواياتهم، أن شخصياتهم غير واقعية، في الوقت الذي يكتبون عن أشخاص من لحم ودم من محيطهم القريب، وليس من خيال روائي.

لا تدور التجربة الشخصية حول الحياة الاجتماعية لأصحابها فحسب، فمسارتهم السياسية هي تجربة شخصية في النهاية أيضاً. فالمسار السياسي الذي خاضه ماجد في تجربته السياسية، هي مسار شخصي، فكل منا عندما يخوض تجاربه، حتى أكثرها عمومية، يُضفي عليها أداءه الشخصي. وهذا ينطبق على الكاتب، ويؤكده نص الكتاب، لأن الخيارات السياسية، هي خيارات شخصية، فإنها في النهاية تنتج صاحبها، فهو في النهاية نتاج صناعة تاريخه الشخصي.

يروي كيالي لنا المسارات المتعرجة لاكتشاف فلسطينيته في السياق السورين، والانتماء على العمل السياسي، واحد من التجارب الأساسية التي أنتجت هويته الوطنية والشخصية، مع غياب الوطن في الواقع، وهو الذي احتلته قوات أخرى وتحول إلى اسم آخر على الخريطة، وبقيَّ سكانه الذين طُردوا منه، وتحولوا إلى لاجئين في بلاد أخرى. وكان من الطبيعي والشخصي أن يلتحق ماجد بالعمل الفدائي في الأردن وهو طفل، وهو نوع من اختبار الهوية الوطنية، وترسخها عند الكثيرين في التجربة الفلسطينية.

يتعرف ماجد على نفسه من خلال علاقته مع أقاربه الذين يعيشون لاجئين مثلهم في حلب. أما ما يكشف فلسطينيته أمام اصدقائه السوريين، هو الخبز الفلسطيني، المصنوع من طحين الأونروا، التي يصنع منها سندويشاته المختلفة عن سندويشات أصدقائه السوريين.

انخرط ماجد في حركة فتح، وانتمى إلى جناحها اليساري، معتقداً أنها الخيار الأمثل لاستعادة البلاد، وخاض صراعاتها الداخلية، وأسفرت التجربة في النهاية، عن خروجه من العمل الفصائلي والبقاء مشتغلاً في الشأن العام من خلال الكتابة, ناقداً للتجربة الفلسطينية.

أن تكون فلسطينياً ـ سورياً، هذا يعني، أن تكون مكوي على الجانبين، خاصة بعد الثورة السورية، ومساراتها المُرهقة والمُكلفة. وماجد واحد من الفلسطينيين الذين اختبروا هذه التجربة وقسوتها. فالرجل العصامي، الذي رتب حياته في الوصول إلى بيت أحلامه بعد الكثير من التضحيات. وجد نفسه مضطراً لمغادرته، مثل ملايين السوريين والفلسطينيين الذين اقتلعوا من بيوتهم في سورية. وهذا ما قاده إلى مسار منفى جديد وطويل ومرهق، قاده عبر مسارات في ثلاثة قارات. بدأت بخروجه المؤقت للإمارات عند ابنه، والتي اعتقد أنها مؤقتة، وسيعود إلى بيته بعد قليل. ولأن الانتظار طالت كثيراً، غادر إلى الولايات المتحدة، وبقي هناك حتى حصل على جنسيتها. ومن هناك عاد للعيش في اسطنبول الذي كانت تجمعاً للسوريين والفلسطينيين.

اكتشف ماجد هويته السورية، في سياق الثورة السورية، التي فعلت فعلها عنده وعند الكثير من الفلسطينيين، حتى طغت على فلسطينيتهم، وهو من الذين وازنوا بين فلسطينيتهم وسوريتهم. انتقل من اسطنبول للإقامة في برلين. وطوال هذه الرحلة كانت الكتابة رفيقه، أنقذته وأبقته على صلة بعالمه الذي يُحب، متربطاً بالقضايا الأثيرة عنده.

يكتب ماجد عن اكتشافه لفلسطين الحقيقية، في رحلة حقيقية إلى الوطن، وليس إلى فلسطين المتخيّلة التي بناها من ذاكره الأهل، ليكتشف أو وطن الواقع  أجمل من الوطن المتخيل. عندما حصل على الجنسية الأمريكية، زار وطنه الحقيقي، فلسطين الأرض والبحر والبشر، كان مبهوراً بوطن مسلوب، يملك من الجماليات من يفوق التصور، يرفعه ماجد إلى منزلة السحر.

في القسم الأخير من كتابه، يرثي ماجد أصدقاءه الذين رحلوا، أصدقاء عرفهم من بعيد، وأصدقاء عرفهم عن قرب. في مراثيه للأصدقاء، ينصف بلغة حزينة أصدقائه ويعطيهم حقهم، وبحكم قربه منهم، يرى فيهم ما لا يراه الآخرون، إنه الوفاء للزمن الجميل، والفخر بالانتماء له، رغم كل آلامه.

ماجد صديق قديم، عرفته منذ عقود، وكان لكل منا مساره في الأوديسة السورية القاسية، التي شرّدتنا إلى منافي جديدة في أربع أصقاع الأرض. التقيت ماجد مرات عدّة، في ألمانيا والنمسا والسويد، طغى دائماً على هذه اللقاءات قسوة المنفى وصعوباته وفقدان المعنى.

المرة الاخيرة التي التقيت فيها ماجد، كانت في دمشق، هناك وجدته سعيداً، رغم حزن دمشق المتهالكة بفعل جرائم النظام المنهار. وجدته سعيداً في دمشق التي له، لا لأنه استعاد بيته الذي كان يعني له الكثير، بل لأن هذا البيت قال له، أن حياتك في دمشق كانت حقيقية، وأن المنفى على صعوبته أعادك لتتفقد ذكريات أطفالك الذين كبروا، لكنهم كانوا هناك حيث بنيت أحلامك، وهنا تعود لتعرف أن العالم حقيقي، وليس حقيبة سفر، لطالما وضعت فيها مفتاح بيتك، في انتظار لحظة عودة، خفت ألّا تتحقق، لكن مكر التاريخ حققها، وعدت بالمفتاح الذي احتفظت به طوال الوقت، وفي بلدان عدّة، لتفتح باب بيتك على ذكريات عائلتك وحقيقة عالمك.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *