الموقف الأوروبي من الدولة الفلسطينية

منصور أبو كريم- مدونات الجزيرة

هناك عوامل كثيرة تجعل الموقف الأوروبي من التسوية السياسية بين العرب وإسرائيل ذات أهمية كبيرة للشعب الفلسطيني وللقارة الأوروبية، من هذه العوامل الإرث التاريخي لأوروبا في المنطقة، بحكم سنوات الاستعمار، والمسؤولية التاريخية والسياسية والأخلاقية لأوروبا، عن نكبة الشعب الفلسطيني، وتشريده من أرضه.
منذ بداية المشروع الصهيوني في فلسطين، رأت أوروبا أن الحل يكمن في التسوية، وتقاسم الأرض، بما يؤدي لإنشاء دولتين واحدة عربية والأخرى يهودية، وطرحت من أجل تحقيق تلك الرؤية العديد من المبادرات ومشاريع التقسيم، سواء عبر البوابة البريطانية باعتبارها الدولة المنتدبة على فلسطين، أو من خلال تبنيها قرار التقسيم وتمريره في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد تطور الموقف الأوروبي من القضية والدولة الفلسطينية حسب طبيعة المراحل التاريخية، ويمكن لنا توضيح الموقف الأوروبي من التسوية والدولة الفلسطينية عبر التسلسل التالي:

أولاً: لجنة التوفيق الدولية
عقب النكبة الفلسطينية عملت أوروبا على حل القضية الفلسطينية، من خلال تفعيل لجنة التوافق الدولية. فقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة المجتمعة إنشاء لجنة توفيق دولية من ممثلين عن الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا ” لتتابع أعمال ومهام الوسيط الدولي الراحل الكونت برنادوت، ولوضع حلول سياسية لإنهاء الصراع العربي الصهيوني، وذلك بالتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة، ورعت لجنة التوفيق الدولية مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين، وفي 12 مايو أيار 1948، توصل الجانبان إلى توقيع برتوكول لوزان، الذي وضع الأسس التي يجب أن تؤدي إلى فض النزاع بين الفريقين هي التقسيم وحدوده مع بعض التعديلات التي تقتضيها اعتبارات فنية، وتدويل القدس، وعودة اللاجئين وحقهم في التصرف بأموالهم وأملاكهم وحق التعويض على من لا يرغب في العودة، واقترحت اللجنة على الوفود اتخاذ الوثيقة المرفقة خريطة التقسيم أساساً للبحث، فقبلت الوفود بهذا الاقتراح ووقعت البروتوكول. وقد اعتبرت إسرائيل توقيع العرب على البرتوكول نوعاً من الاعتراف الرسمي بها خاصة وأن التوقيع قد جاء في اليوم التالي مباشرة للقرار الذي اتخذته الجمعية العمومية للأمم المتحدة، القرار رقم 273 – الدورة 3 بتاريخ 11 مايو أيار 1949، بقبول إسرائيل في عضويتها.

ثانياً: بيان نوفمبر
عقب حرب حزيران 1976 أصدرت الدول الأوروبية بيانا سمي “بيان نوفمبر” عبرت من خلاله الدول الأوروبية عن موقف صريح من القضية الفلسطينية، فطالبت إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 تمهيدا لإقامة الدولة الفلسطينية على هذه المساحة من الأرض.

ثالثاً: إعلان البندقية
تطور الموقف الأوروبي من الحقوق الوطنية الفلسطينية خطوة للأمام، ففي عام 1980 كان إعلان المجموعة الأوروبية في مدينة البندقية بإيطاليا الذي حمل اسم “إعلان البندقية” أول موقف واضح وصريح للمجموعة الأوروبية بشكل موحد، وقد تميز الإعلان بلغته الصريحة وعباراته الواضحة في مساندة الحق العربي واعترافه صراحة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وقد طالب إسرائيل بالتوقف عن بناء المستوطنات، واعتبرها غير شرعية ووصفها بأنها عقبة أمام تحقيق السلام في الشرق الأوسط.

رابعاً: إعلان بروكسل
ردت المجموعة الأوروبية على إعلان الاستقلال وقبول منظمة التحرير الفلسطينية بقرارات الأمم المتحدة كأساس للتسوية، وخاصة القرار242، بإعلان بروكسل في 21/11/1988، حيث جاء فيه إن المجموعة تعلق أهمية خاصة على القرارات الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، التي تعكس إرادة الشعب الفلسطيني في تأكيد هويته الوطنية والتي تتضمن خطوات إيجابية نحو تسوية سلمية للصراع العربي الإسرائيلي.

خامساً: مؤتمر مدريد
عقب انتهاء حرب الخليج الثانية والنتائج التي ترتبت عليها، وفي اطار الترتيب للنظام العالمي الجديد، خرجت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بالإعلان عن بدء مشروع كبير يرمي إلى إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط والبحث عن طرق لحل القضية الفلسطينية والتوصل إلى تسوية لمشكلاتها العالقة مثل القدس والمستوطنات واللاجئين والمياه وغيرها كل ذلك من خلال مفاوضات ثنائية وجماعية تمهد البيئة اللازمة لإعلان قيام الدولة الفلسطينية، فكانت فكرة عقد مؤتمر جامع للسلام يعقد في إحدى العواصم الأوربية فكان مؤتمر مدريد عام 1991.

سادساً: اجتماع برلين
خلال اجتماع للمجلس الأوروبي في برلين في 24-26/3/1999 أكدت دول الاتحاد الأوروبي اقتناعها بأن إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة، وديموقراطية، ومسالمة، وقادرة على البقاء هو أفضل ضمان لأمن إسرائيل، ولقبول إسرائيل كشريك في المنطقة على قدم المساواة. وأكد المجلس الأوروبي على “الحق الدائم ومن دون تقييد للفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

سابعاً: وثيقة موراتينوس
عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2000م، قدم المبعوث الأوروبي للسلام ميجيل انخل موراتينوس وطاقمه وثيقة غير رسمية لحل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد تشاور الممثلين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين تواجدوا في طابا في كانون الثاني يناير 2001. وكانت هذه الوثيقة انعكاساً لخريطة اقترحها الإسرائيليون في بداية محادثات كامب ديفيد، والتي دعت إلى إقامة دولة فلسطينية على 87 من الضفة الغربية، في حين ترى الخطة التي قدمها موراتينوس الدولة الفلسطينية على 83 من أراضي الضفة الغربية، وتكون حدود الدولة الفلسطينية وفق “قرار مجلس الأمن 242”.

ثامناً: بيان الاتحاد الأوروبي 2016
خلال الفترة الأخيرة تطور الموقف الأوروبي من الحقوق الفلسطينية خطوات للأمام، في سبيل ترسيخ قواعد عملية السلام، ومواجهة الإجراءات الإسرائيلية، حيث صدر بيان قوي من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، في العاصمة البلجيكية بروكسل بتاريخ 18 يناير 2016، أكدوا فيه بشكل واضحٌ وقطعي إن الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل لا تسري على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووجهوا انتقادات للسياسة الاستيطانية التي تتبعها إسرائيل في الأراضي التي احتلتها بعد عام 1967، ووصفها البيان بأنها انتهاك للقانون الدولي، وعقبة أمام عملية السلام، وتهديد لحل الدولتين. كما أورد البيان الانتهاكات الإسرائيلية في أراضي 1967، ومنها إنشاء الجدار العازل، وعمليات مصادرة الأراضي، واعتبر بناء المستوطنات في القدس الشرقية، بأنها تهدِّد احتمالية أن تكون المدينة عاصمة لدولتين في المستقبل.

تاسعاً: الشراكة الأوروبية الفلسطينية
انطلقت في العاصمة البلجيكية بروكسل مفاوضات الشراكة الفلسطينية الأوروبية، كما أكد المستشار هادي شلبي، الدبلوماسي الفلسطيني في البعثة الفلسطينية لدى الاتحاد الأوروبي، وهذه الشراكة لا تقوم إلا بين دول مستقلة والاتحاد الأوروبي، في إشارة لتوجه الاتحاد للاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، فرغم وجود خطوط حمراء لدى الاتّحاد الأوروبّي، قائمة على اعتماد المفاوضات الطريقة الوحيدة للوصول لحل للصراع الفلسطيني، بهدف الوصول حلّ الدولتين.

خاتمة
لا يمكن وصف العلاقة بين فلسطين والاتّحاد الأوروبيّ بالاستراتيجيّة، نظراً للعلاقة القويّة التي الاتّحاد الأوروبي وإسرائيل، ورغم إن موقف الاتّحاد الأوروبّي حتّى اللحظة لم يرتقى إلى تطلّعات الشعب الفلسطينيّ الذي يأمل منه لعب محوري في عملية السلام، والتوقّف عن تبنّي سياسة ناعمة تجاه الاحتلال وانتهاكاته، إلا إن هذا لا يعني أن موقف الاتحاد الأوروبي لم يتطور تجاه الحقوق الفلسطينية، وخاصة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فالاتحاد بدأ يأخذ موقف إيجابي من الحقوق الفلسطينية، وخاصة بعد فتح باب مفاوضات الشراكة الأوروبية الفلسطينية التي لا تجرى سوى بين الاتحاد ودول، مما يتطلب مزيد من الجهود الفلسطينية والعربية للضغط بتجاه تطوير موقف الاتحاد من الحقوق الفلسطينية.

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *