المنطق المقلوب في رؤية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

بين إدانة أي فعل مقاوم فلسطيني بوصفه “عملاً إرهابياً” في مواجهة إسرائيليين آمنين، وتفهّم الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين بوصفها “دفاعاً عن النفس”، وانتقادها في أفضل الأحيان بوصفها “استخداما مفرطا للقوة” لا يضع العالم المتحضّر وقائع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في فراغ قيمي، ويساوي بين طرفين غير متساويين في الصراع فحسب، بل هو يقلب الصورة، ويُخرّب السياق الموضوعي للصراع، بتحويل مكوّناته الأساسية إلى صورةٍ لا تنتمي إلى حقيقته، بل إلى بلاغة غربية ممجوجة، تنزع الصراع من سياقه، وتستخدم البلاغة الفارغة للتضامن مع إسرائيل ضد الفلسطينيين، “الضحية” في مواجهة “الإرهاب”، بحيث يدين العالم “المتحضر” كل فعل مقاوم يمارسه الفلسطينيون ضد الاحتلال الإسرائيلي. وعندما يرتكب الجيش الإسرائيلي الجرائم بحق الفلسطينيين، يطلب هذا العالم “المتحضّر” من الفلسطينيين تَحمّل هذه الجرائم والعمل على التهدئة.
تتجاهل هذه النظرة المنحازة إلى إسرائيل حقيقة الصراع، فهو ليس صراعاً جزئياً على خلافات حدودية بين دولتين، إنه صراع بين ضحية وجلاد، بين معتدٍ ومُعتدى عليه، بين دولة احتلال وشعب مُحتل. دون تجاهل هذه الحقيقة التي نصت عليها عشرات القرارات الدولية، بوصف وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية احتلالا، وباعتماد أن شرعة الأمم المتحدة تحرّم الاستيلاء على أراضي الآخرين بالقوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا يمكن قبول خطاب العالم “المتحضّر” بالمساواة بين الضحية والجلاد. إنه انحيازٌ صارخ ولا أخلاقي ضد حقوق الفلسطينيين وضد العدالة.

ليس هناك مصالح للعالم “المتحضّر” مع الفلسطينيين. لذلك لا تلاقي الدعم الذي لاقته القضية الأوكرانية

 جاء هذا الظلم التاريخي الاستثنائي للفلسطينيين في صراعهم مع دولة الاحتلال ليتفاقم، مع موقف هذا العالم “المتحضّر” من الاحتلال الروسي أوكرانيا، إذ يقدّم هذا العالم مساعدات هائلة لأوكرانيا من أجل طرد هذا الاحتلال، لأنه لا يجوز احتلال أراضي الغير بالقوة، وهو ما استدعى هذا الوقوف القوي مع أوكرانيا. وحتى لو كان للعالم “المتحضّر” أهداف أبعد في محاصرة روسيا في هذه الحرب، إلا أن الخطاب الذي بنت عليه هذه الدول خطابها، هو رفضها الاحتلال الروسي، بوصفه مناقضاً للقانون الدولي، وهو ما استدعى من هذه الدول فرض عقوباتٍ قاسيةً على روسيا الاتحادية من أجل إجبارها على الانسحاب من أوكرانيا. هنا تفعل شرعة الأمم المتحدة فعلها، ويهب العالم “المتحضّر” للوقوف والتضامن مع الضحية في مواجهة الجلاد. ولأن الدول ليست جمعياتٍ خيرية، لا يمكن فصل موقف هذه الدول عن مصالحها، وهي التي تفسّر مواقفها. لأنه حتى بالنسبة لأوكرانيا ذاتها، لم يكن موقف هذا العالم “المتحضّر” ذاته عندما احتلت روسيا نفسها شبه جزيرة القرم الأوكرانية. كان رد الفعل باهتاً ومتجاهلاً، إلى حدّ كبير، لهذا الاحتلال، فلم تكن مصالح هذه الدول مهدّدة بهذا الاحتلال، على العكس من محاولة روسيا احتلال أوكرانيا بالحرب التي بدأت في فبراير/ شباط الماضي، والتي تُنهي عامها الأول هذا الشهر. وعندما رأت هذه الدول في احتلال أوكرانيا تهديداً لها، دعمتها بكل قوتها، بوصفها الجدار الحامي لأوروبا من الخطر الروسي، والمدافع عن العالم الديمقراطي، من دون أن يتورّط حلف الناتو في هذه الحرب.
بالعودة إلى القضية الفلسطينية، ليس هناك مصالح للعالم “المتحضّر” مع الفلسطينيين. لذلك لا تلاقي الدعم الذي لاقته القضية الأوكرانية، ولن تلاقي هذه المساعدات، فإسرائيل المعتدية هي التي تحقّق مصالح الدول “المتحضّرة”، لذلك، هي دولة محمية منها، وليس من الغريب تسويف كل القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، منذ قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 الذي منح الفلسطينيين حوالي 44% من مساحة فلسطين، مع تدويل منطقة القدس، والقرار 191 لعام 1949 والقاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي خرجوا منها، مروراً بالقرار 242 لعام 1967 القاضي بمنع احتلال أراضي الغير بالقوة، والقرار 338 لعام 1973 والذي يكرّر السابق وغيرها من قرارات مجلس الأمن والهيئة العامة للأمم المتحدة. الحصة من التقسيم التي بقيت مع العرب بعد حرب 1948 لا تزيد عن 20% من مساحة فلسطين، أي أنّ إسرائيل احتلت ما تجاوز حصّتها.

منذ قرار التقسيم المجحف بحقّ الفلسطينيين، والذي يسلبهم أكثر من نصف وطنهم، ما زال العمل على مصادرة هذه الحقوق وقضمها مستمرّاً

وبعد حرب 1967، أصبح الحق الفلسطيني محصوراً بالضفة الغربية وقطاع غزة، أي في الـ 20% التي لم تستطع إسرائيل احتلالها في 1948. وبعد سنوات من الاحتلال، ومع عملية مدريد للسلام 1991، والاستيطان الذي اخترق كل الأراضي الفلسطينية، باتت كل العملية تقوم على المفاوضات المباشرة بين الجلاد الذي سرق كل شيء والضحية التي تكاد تخسر كل شيء، ويصبح المطلوب من الضحية تقديم التنازلات، من أجل إرضاء الجلاد وطمأنته. وتتحوّل القضية من احتلال لأراضي الغير بالقوة إلى “أراضٍ متنازع عليها”، ويُطلب من الطرفين ألا يفرضا وقائع على الأرض تُعقّد الحل، وكأن للطرفين القدرة نفسها على إحداث الوقائع على الأرض، وليس طرفاً واحداً هو الذي يملك هذه القدرة، وهو الطرف الإسرائيلي المحتل والمدجّج بالسلاح، والذي لم يتوقف يوماً عن فرض هذه الوقائع على الأرض، من خلال الاستيطان الذي زرع مئات آلاف المستوطنين في الأراضي الفلسطينية.
منذ قرار التقسيم المجحف بحقّ الفلسطينيين، والذي يسلبهم أكثر من نصف وطنهم، ما زال العمل على مصادرة هذه الحقوق وقضمها مستمرّاً، ومطلوبٌ من الفلسطينيين أن يقدّموا في كلّ مرة مزيداً من التنازلات، حتى لم يبقَ ما يمكّنهم التنازل عنه، في أطول عملية تسويفٍ تاريخيٍّ وقضم حقوقٍ لشعب، عانى من الظلم التاريخي ما يقارب من قرن، ومطلوب منه التنازل عما تبقّى ليس من حقوقه فحسب، بل ووجوده، فليس من المفهوم أن يُطالب الشعب المحتل بالتهدئة مع جيش الاحتلال الذي يستبيح المدن الفلسطينية ويقتل الفلسطينيين ويهدم بيوتهم، ويطلب التهدئة من الفلسطينيين، ليس هناك أوقح من مطالبة الضحية أن تُطمئن الجلاد الذي لن يطمئن قبل أن يختفي الشعب الفلسطيني من الوجود، وهو ما حاوله ولم ينجح، ويريد من الفلسطينيين إلغاء أنفسهم بأنفسهم.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سمير الزبن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *