المقاوم والتقني: بين التحرر الوطني والبناء الوطني

 

بعكس ما يتداول لم تكن الثورة الفلسطينية حالة مقاومة، ثم انتقلت منها إلى حالة تكنوقراطية مع نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية عام ١٩٩٣. بل على العكس من ذلك كان التكنوقراط عنصرا صميمياً في الثورة طيلة تاريخها، وفي إطار ذلك امتزج العمل بتكامل أحيانا وبتناقض أحيانا أخرى بين مهمات التحرر الوطني وبين مهمات البناء الوطني التي تغيرت مضامينها في الازمان والاماكن المختلفة لفعل الثورة الفلسطينية.

وبدءا من تجربة الثورة الفلسطينية في لبنان، فقد جمعت تلك التجربة بين الفدائي المقاوم، وبين التكنوقراط الذي عملوا في مؤسسات م. ت. ف المدنية كالهلال الاحمر ومؤسسة صامد والمدارس التي أنشأتها المنظمة وهكذا. لا يتسع هذا المجال القصير لتقييم تلك التجربة بسلبياتها وايجابياتها، ولكن الامر الذي كان واضحا أنها كانت تمزج بين هدف المقاومة والتحرير، وبين هدف البناء الوطني مفهوما في حينه على أنه يعني بناء الانسان، وبناء اسس الحياة الكريمة اقتصاديا ومعيشياً وتعليمياً للاجئين الفلسطينيين من أجل تمكينهم على مواصلة الكفاح الوطني، وفي هذا الاطار كان من السهل أن يجد المرء فدائيا يعمل في الوقت ذاته في مؤسسة صامد أو غيرها من المؤسسات المدنية للثورة. أي أن الفدائي والتكنوقراطي لم ينفصلا حتى في شخوص مختلفة في بعض الاحيان، وإن كان هنالك أشخاص خصصوا لأعمال تكنوقراطية بحتة أيضا.

ما عرفته تجربة الثورة الفلسطينية في لبنان عرفه أيضا الداخل الفلسطيني المحتل عام ١٩٦٧، حيث جرى منذ بداية الاحتلال المزج بين المقاومة وبين العمل النقابي وبناء المنظمات الطلابية والنسوية وغيرها، وإطلاق مشاريع التنمية كمقاومة وهو ما تعزز خلال الانتفاضة الاولى بشكل خاص مما شكل حائلا أمام الفصل الميكانيكي بين المقاومة وبين البناء الوطني معرفا في حينه كبناء للثقافة والانتماء الوطني والمؤسسات الوطنية وممارسة التنمية كمقاومة. وتتوجت هذه التجربة بالانتفاضة الفلسطينية الاولى التي جعلت فعل البناء الوطني من تنمية وبناء مؤسسات فعلا مقاوما أيضا مرتبطا بمقاطعة منتوجات الاحتلال واستهلاك البدائل الوطنية لها.

ومثل فلسطينيو الداخل ( فلسطين ١٩٤٨) نموذجا ثالثا للجمع بين مسؤوليات التحرر الوطني من خلال تشكيل لجنة المتابعة لبناء الاطر الكفاحية لتحقيق الحقوق الوطنية ، ومسؤوليات البناء الوطني من خلال المؤسسات التي تم خلقها لبناء الهوية والثقافة وحفظ التراث، كما تمت عمليات لبناء اقتصاد معتمد على ذاته نسبيا ويزيد بأضعاف عن اقتصاد الضفة وغزة كما تشير الدراسات الاقتصادية المختصة ، وبذ فلسطينيو الداخل نظراءهم اليهود في مجالات مختلفة كالطب والصيدلة وغيرها وشاركوا كأنداد في الحقل الاكاديمي وهكذا في تجربة انتقد بعض شوائبها اكاديميون عديدون من الداخل سيما لجهة مدى نجاعة العمل البرلماني ولكن لها بعض الانجازات اللافتة التي يمكن للكل الفلسطيني التعلم منها كتجربة القائمة المشتركة المستندة إلى إدارة الخلافات في إطار الوحدة بديلا للانقسام بسببها.

ورابعا هنالك تجربة بعض الجاليات الفلسطينية في العالم والتي تمزج بين العمل في حركات التضامن والمقاطعة وسحب الاستثمارات كمقاومة، ولكنها في الوقت ذاته تبني الهوية والثقافة كعمليات بناء وطني دون أن يحول أمام ذلك حصولهم على جنسيات البلدان التي يعيشون فيها.

حصل انشطار بدون شك بين المقاومة وبين العمل التكنوقراطي، وبين التحرر الوطني والبناء الوطني بعد انتقال قيادة الثورة من الخارج إلى الداخل بعد اتفاق أوسلو حيث تراجع عنصر المقاومة، ومعه تراجع الاهتمام بتوفير الحياة الكريمة للاجئين الفلسطينيين في الخارج، وتمت تصفية مؤسسة صامد التي كانت تعنى بشؤونهم المعيشية، وأصبحوا عرضة للمهانة وانتهاك الحقوق جعلت قسما منهم يتجه للبحث عن حلول فردية تتمثل بالهجرة وانهاء حياة اللجوء.

انفجر هذا الانفصام بين مهمتي التحرر الوطني والبناء الوطني خلال انتفاضة النفق عام ١٩٩٦ حيث اشتبكت قوات الامن الفلسطينية مع القوات الاسرائيلية في صدام دام بعد فتح إسرائيل لنفق تحت المسجد الاقصى. كما انفجر مرة أخرى في الانتفاضة الثانية على مدى خمس سنوات بين عام ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٥. وتلى ذلك مرحلة ساد فيها التوجه التكنوقراطي على حساب المقاومة، وأطلقت شعارات بناء المؤسسات فقط مع تهميش المقاومة وحصرها في مظاهرات موسمية استعراضية ضمن وهم أن مجرد بنائها سيحفز المجتمع الدولي لمنح الشعب الفلسطيني دولة ، وفي عام ٢٠١١ أصدر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي شهادتي جدارة بأن فلسطين أصبحت جاهزة مؤسساتيا لإقامة الدولة، ويعرف الجميع ماذا حصل بعد ذلك حيث استمر الإمعان في تعزيز البيروقراطية والاعتماد على الدعم الخارجي والمقاصة من إسرائيل من أجل تمويل استمراريتها مع ما رافق ذلك من نشوء امتيازات وألقاب خلقت مصالح يدافع حاملوها باستماته للحفاظ عليها. ويعرف الجميع أن المقاومة قزمت ضمن هذا الواقع لتصبح مجرد مقاومة تقنية لتحسين طرق إدارة النزاع مع الاحتلال في إطار استمراره.

يقتضي الواقع الحالي لنقل دولة فلسطين من مستوى الوجود القانوني العالمي ممثلا باعتراف ١٤١ دولة من العالم بها وعضويتها المراقبة في الامم المتحدة، إلى الوجود الفعلي على الارض العودة إلى الصيغة السابقة للمزج بين مهمات التحرر الوطني ومهمات البناء الوطني بحيث يكون كلاهما في إطار المقاومة والصراع مع الاحتلال وبناء الدولة كخطوة أولى على طريق تفكيك المشروع الاستيطاني الاستعماري في كل فلسطين. لا أن يصبح البناء الوطني هو مجرد عمل ضمن المتاح الذي يسمح به الاحتلال.

ما هدفت له هذه المداخلة القصيرة أمران: الاول هو أن البيروقراطية لإدارة شؤون حياة ذلك القسم من الشعب الفلسطيني الذي يعيش في الضفة والقطاع وكذلك في مخيمات الشتات وبين فلسطينيي الداخل ليست أمرًا سيئا بحد ذاتها . السيء هو فصلها عن المقاومة الوطنية التحررية، وكذلك المظاهر التي رافقتها بعد نشوء السلطة كالفساد وتقزيم المقاومة وتحويلها إلى مجرد أداه لإدارة النزاع مع الاحتلال بدلا من إنهائه.

من جهة أخرى أدى غياب البيروقراطية إلى تدهور في كرامة اللاجئين الفلسطينيين سيما في لبنان الذين فقدوا خدمات بيروقراطية الثورة الماضية وأصبحوا عرضة لامتهان الكرامة.

هدفت هذه المداخلة ثانيا للقول أن أجندة العمل للتحرر الوطني والعمل للبناء الوطني معا هما أمران موحدان للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده كما تبين أعلاه ، وهما عنصران يكمل أحدهما الاخير وليسا متضادين ثنائيين، إما هذا أو ذاك، وهذا يتطلب العمل عليهما معا لا في الضفة والقطاع فقط، بل في مخيمات اللاجئين والجاليات في الخارج، وبين فلسطينيي الداخل ضمن أطر برامج متنوعة ولكن يجمعها كلها معا في ذات الوقت العمل على اجندة التحرر الوطني معا مع أجندة البناء الوطني السياسي والاقتصادي والتنموي والثقافي المرافقة والمساندة للتحرر الوطني وذلك في إطار امتزاج حق العودة مع حق تقرير المصير كبرنامج موحد للشعب الفلسطيني كله، لا حلول الثاني محل الاول أو تقزيمه.

لربما من المناسب الانطلاق من هنا إلى أمرين من قبل ملتقى فلسطين: الأول هو إجراء تقييم معمق لتجارب الجمع بين المقاومة وبين البناء الوطني كما تمت حتى الان في مختلف مواقع تواجد الشعب الفلسطيني. والثاني: هو مناقشة آليات تحقيق برنامج العودة وتقرير المصير. وفي إطار هذا السؤال يمكن أن تناقش مسائل كثيرة منها ما يتعلق بالخصوصيات والتي يمكن أن يترتب عليها أسئلة معقدة على شاكلة:

أولا، فيما يتعلق بفلسطينيي الداخل: هل يطلب منهم التنازل عن الجنسية الاسرائيلية مثلا؟ أم الاحتفاظ بها على العكس كمدخل لاستمرارهم في المقاومة والبناء الوطني؟ هل من الملائم أن يطالب فلسطينيو الداخل اشقاءهم في الضفة والقطاع والقدس للانضمام إليهم مطالبين بدورهم بالحصول على الجنسية الاسرائيلية ثم توحيد النضال معا من أجل دولة واحدة ما بعد ابارتهايدية؟.

ثانيا: فيما يتعلق بفلسطينيي الضفة والقطاع والقدس الشرقية: هل يكتفى بالطلب من هؤلاء العودة إلى برنامج المقاومة وحمل عبئه لوحدهم حيث كانوا حطب الثورة بعد انتقال مركزها إلى أكنافهم منذ ثمانينيات القرن الماضي؟ أم يتم الاعتراف إلى جانب ذلك بأن لهم حقوقا معيشية وتنموية وإنسانية كبشر؟ هل يمكن تطوير رؤية وممارسة لإعادة بناء غزة مثلا بعد ما فعلته بها ثلاث حروب تدميرية بين ٢٠٠٨ و٢٠١٤ لا زالت آثارها قائمة حتى الان؟ وهل يجب أن ننكر حق هذا التجمع الهام من الشعب الفلسطيني في الكفاح من أجل دولة مستقلة على حدود عام ١٩٦٧ اعترفت بها ١٤١ دولة من العالم ولا تشكل بديلا لحق العودة بل خطوة باتجاهها يعززها ويراكم لها فلسطينيو الداخل من الان عبر الكفاح لإعادة أهاليهم اللاجئين في الخارج وذلك في نوع من تقسيم العمل وتقاسم عبء الكفاح وتحقيق التكامل بحيث يكافح فلسطينيو الضفة والقدس وغزة من أجل حق العودة وتقرير المصير كما دأبوا دائما، ويعطي فلسطينيو الداخل الاولوية للكفاح من أجل حق العودة إلى الداخل. الا يهيئ هكذا تكامل تراكما كفاحيا لاستمرار النضال من أجل دولة واحدة في كل فلسطين تقوم على أساس انهاء المشروع الاستيطاني الاستعماري بها؟ وهكذا من الاسئلة التي تتطلب نقل النقاش من مستوى الشعار السياسي فقط ليصبح نقاشا حول تجمعات الشعب الفلسطيني المختلفة وظروف كفاحها، وكيفية تطبيقها ضمن خصوصياتها وبشكل متكامل لأهداف العودة وتقرير المصير والمقاومة والبناء الوطني كأهداف مشتركة للكل الفلسطيني.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *