المقاومة المسلحة والخروج عن نص النظام العربي


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

بعد هزيمة عام 1967 التي تكبدتها ثلاثة جيوش عربية، المصري والسوري والأردني، في وقت شبه قياسي، أصيب الكيان الصهيوني بنوع من الغرور وأطلق على جيشه صفة الجيش الذي لا يقهر، وهرعت الولايات المتحدة لتزاحم الدولتين الاستعماريتين القديمتين، فرنسا وبريطانيا، في تبني الكيان ودعمه بشكل مطلق. بلغ الصلف برئيسة وزراء الكيان غولدا مائير، أن قالت «أنا بجانب الهاتف بانتظار أول مكالمة من زعيم عربي».. وكانت تقصد الاستسلام.
حصل تطوران كبيران بعد الهزيمة، قرارات قمة اللاءات الثلاث في الخرطوم في أغسطس 1967: لا صلح لا مفاوضات، لا اعتراف. وهو قرار مصري بامتياز، يعني الصمود وإعادة بناء الجيش ومتابعة الصراع. والتطور الثاني يتعلق بانتشار ظاهرة المقاومة الفلسطينية على كل الجبهات.
بدأت مصر بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر بإعادة بناء القوات المسلحة بمساعدة الاتحاد السوفييتي، وشرعت في تركيب شبكة الصواريخ المصممة لاصطياد الطائرات المقاتلة، التي أثبتت فاعليها في حرب أكتوبر 1973. كان الكيان الصهيوني مصمما على منع مصر من إعادة بناء قواتها المسلحة، فبدأت ما سمي تاريخيا «حرب الاستنزاف» التي استمرت نحو سنتين ونصف السنة. وهي من أعظم حروب المواجهات، سقط فيها شهداء عظام مثل عبد المنعم رياض قائد الأركان. في تلك الفترة تعاظم دور المقاومة من الجبهة الأردنية وجنوب لبنان. بينما كانت الجبهة السورية مقرا للتدريب والتجمع والتسليح والتجنيد. كانت الهزيمة الكبرى نقطة نهوض شعبي عظيم في دول الطوق الأساسية، ثم حدثت المواجهة الكبرى في معركة الكرامة بتاريخ 21 مارس 1968. تلك المعركة التي خاضتها حركة فتح ووحدات من الجيش الأردني استمرت 16 ساعة تكبد العدو الصهيوني هزيمة مذلة وترك معداته في أرض المعركة. فتح ذلك الانتصار الباب على مصراعيه لانضمام آلاف الفلسطينيين لحركات المقاومة وكثير من المتطوعين العرب. حاول الجيش اللبناني عام 1969 أن يسيطر على قوات المقاومة في جنوب لبنان، إلا أنه لم يتمكن نتيجة المد الثوري آنذاك، وتدخل الرئيس جمال عبدالناصر الذي قال يومها «إن ظاهرة المقاومة الشعبية وجدت لتبقى فهي أنبل ظاهرة أفرزتها هزيمة يونيو» وضغط باتجاه توقيع اتفاقية القاهرة بتاريخ 3 نوفمبر 1969 لتنظيم العمل الفلسطيني المسلح من جنوب لبنان. كانت سنوات 1968 ولغاية منتصف 1970 سنوات المواجهة من الحدود العربية كافة، مصر والأردن وسوريا ولبنان. كان لا بد إذن عند المخططين الصهاينة من إغلاق الحدود جميعها لأن هزيمة المشروع الصهيوني برمته أصبحت واردة بسبب اتساع رقعة المقاومة الشعبية التي لا يستطيع الكيان أن ينتصر عليها لعدة أسباب. أولا لأنها حرب طويلة الأمد والكيان تعود أن يخوض حروبا سريعة. وثانيا لأنها حرب تعتمد على الإنسان الواعي المؤمن بقضيته العادلة. وثالثا لأنها تباغت العدو من كل مكان من الداخل والخارج، في الشارع والمعسكر. إنها تعتمد على إبقاء العدو متوترا مشغولا على كل الجبهات، لا يعرف من أين ستأتي الضربة المقبلة.

ما يجري الآن من حرب الإبادة على غزة، يهدف لإغلاق آخر ساحة مواجهة داخل فلسطين، ومن هنا نفهم وقوف الحركات التي لا تخضع لأي نظام عربي، سواء في لبنان أو اليمن مع مقاومة غزة

كان إذن لا بد من إغلاق الحدود أمام المقاومة، أغلقت حدود الأردن أولا عامي 1970-1971 بعد المواجهات بين الجيش الأردني والمقاومة، ورحلت المقاومة إلى لبنان. في سوريا حدث انقلاب حافظ الأسد في نوفمبر 1970 أطاح بقيادة نور الدين الأتاسي، الذي كان يدعم المقاومة، وأغلقت جبهة الجولان بعدها بشكل دائم. ثم أغلقت حدود مصر بعد أن أعلن الرئيس المؤمن أن حرب 6 أكتوبر آخر الحروب وأن 99 في المئة من أوراق اللعبة في يد أمريكا. كل ذلك كان مقدمة لاتفاقية كامب ديفيد والاعتراف المتبادل عام 1979. بقيت حدود لبنان مفتوحة. وبما أن الدولة ضعيفة ليست مثل سوريا أو الأردن أو مصر، قام الكيان نفسه بغزو لبنان في يونيو 1982 وصولا إلى بيروت، بتواطؤ مع فئات لبنانية، وأجبروا المقاومة على الرحيل إلى المنافي. وقّع الانعزاليون اتفاق 17 مايو 1983 مع الكيان لوقف أي مظهر من مظاهر النزاع، إلا أن القوى الوطنية أسقطت الاتفاق قبل أن يعتمد في البرلمان. مع حلول عام 1983 كانت حدود دول الطوق العربية مغلقة تماما أمام المقاومة الفلسطينية، وتم ترحيل المقاتلين إلى دول الشتات، ومن بقي منهم في البقاع اللبناني وسوريا أصبح خاضعا لمشيئة النظام السوري.
أغلقت الحدود العربية من كل الجهات وشعر الكيان بأنه في مأمن، خاصة بعد خروج مصر من ساحة الصراع، تفرغ لتثبيت المشروع الصهيوني القائم على التوسع والتهويد والاستيلاء على الأرض، فأعلن عن ضم الجولان السوري المحتل، وأصدر القانون الأساسي المتعلق باعتبار القدس عاصمة أبدية موحدة، وتوسع في بناء المستوطنات، وضرب المجمع العراقي لتطوير الطاقة النووية عام 1981 ومقر منظمة التحرير في تونس عام 1985، عاش الكيان أفضل سنوات الاستقرار بين عامي 1983-1987، وظن أن السلام يأتي من الأنظمة العربية فقط. فبدل المقاومة الفلسطينية في لبنان، نشأت حركات المقاومة اللبنانية الأكثر صلابة وانضباطا وأهمها حزب الله الذي كسر عنفوان الكيان بطرده مهزوما من جنوب لبنان بطريقة مذلة، وتشتيت ما سمي بجيش لبنان الحر، وفي الداخل الفلسطيني، وبعدما وصلت حالة اليأس مرحلة عالية عند القيادات المعزولة في تونس، انفجرت الانتفاضة الأولى يوم 9 ديسمبر 1987 بقيادات من الداخل شكلت ما سمي بالقيادة الوطنية الموحدة. ثم انطلقت يومها حركة المقاومة الإسلامية «حماس». وقد سطرت الانتفاضة الأولى أجمل صور التضحيات والبطولات وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز اهتمام الكون. وأصبح التنافس بين الفصائل على من يوقع خسائر أكبر في صفوف قوات الاحتلال. حاول الكيان بكل الوسائل القضاء على الانتفاضة، ولكنه عجز تماما واضطر أن يعترف بعجزه. وبدأ التفكير الصهيوني يتجه إلى احتواء الانتفاضة وإغلاق جبهة الداخل التي لم يكن يتوقعها بعد إغلاق الحدود العربية الأربعة. لقد أدت ضغوط الأنظمة العربية والإغراءات الأمريكية وتراجع تأثير المقاومة الفلسطينية بعيدا عن الحدود، إلى جرّ منظمة التحرير الفلسطينية إلى توقيع اتفاقيات أوسلو الكارثية عام 1993 التي في جوهرها تمكنت من إغلاق الجبهة الجديدة التي فتحت في الداخل. أوسلو حولت الاحتلال إلى صانع سلام وشجعت دولا أخرى على السير في الطريق نفسه، فوقع الأردن اتفاقية وادي عربة عام 1994 وقامت عدة دول عربية بفتح مكاتب تمثيل للكيان في عواصمها، وهرعت دول عديدة، لم تكن تعترف بالكيان، بتغيير سياستها والاعتراف مثل الهند واليونان وإسبانيا ودول افريقية عديدة. لقد حولت اتفاقية أوسلو الثورة الفلسطينية المعاصرة إلى حارس على أمن الاحتلال، وأعفت الكيان من مسؤولياته كقوة احتلال ليصبح شريكا في «سلام الشجعان». بتوقيع اتفاق أوسلو، تم إغلاق الجبهة الجديدة التي فتحت ضد العدو وفشل في قمعها، وأحست إسرائيل يومها بأنها ربحت المعركة الأخيرة، وتفرغت لتوسيع الاستيطان ووأد أي محاولة للمقاومة. حاول إيهود باراك بمساعدة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، فرض الاستسلام النهائي على الفلسطينيين في كامب ديفيد في يوليو 2000 إلا أن الشروط المجحفة، خاصة ما يتعلق بالقدس كانت أخطر من أن يتقبلها الرئيس الفلسطيني عرفات. انفجرت بعدها الانتفاضة الثانية، التي أدت في النهاية إلى فتح جبهتين في الضفة وغزة استخدمت فيها القوة المفرطة وإعادة احتلال المدن وارتكاب مجازر كبرى، خاصة في مخيم جنين عام 2002. وانتهى الأمر إلى التخلص من ياسر عرفات وقيام انتخابات رئاسية في يناير 2005 أوصلت محمود عباس إلى الرئاسة وانتخابات تشريعية في يناير 2006 فازت فيها حركة حماس. رفضت نتائج الانتخابات عربيا وإسرائيليا وأوروبيا وأمريكيا. بقيت الضفة الغربية تحت سيطرة القيادة الرسمية وأوكلت مهمة إشاعة الفوضى في غزة لبعض العناصر المشبوهة وطنيا، إلى أن حدث الانشقاق عام 2007. ومن تلك اللحظة فرض الحصار على قطاع غزة ووجدت حركة حماس وفصائل المقاومة نفسها محاصرة من كل الجهات، ولم يكن أمامها إلا تطوير قدراتها الذاتية وإلا سيتم جرفها نهائيا وبدعم من سلطة أوسلو.
من هنا نفهم ما يجري الآن من حرب الإبادة على غزة، بهدف إغلاق آخر ساحة مواجهة داخل فلسطين، ومن هنا نفهم وقوف الحركات التي لا تخضع لأي نظام عربي سواء في لبنان أو اليمن مع مقاومة غزة. الدول العربية جبهاتها جميعا صامتة وكثير منها ينتظر نهاية المقاومة، بل يشجع عليها ويدخل في مساومات مع الكيان الصهيوني لاستعجال النهاية. ولكم أن تتخيلوا لو أن غزة دخلت بيت الطاعة منذ عام 2007 وتحكم فيها جماعات الأمن الذين تدربوا على أيدي دايتون.
على نتائج هذه المواجهة ستترتب أشياء كثيرة، فإما السير بثبات نحو الحرية وإنهاء الاحتلال وقيام الدولة المستقلة، وإلا فستنتقل المعركة إلى تفريغ الضفة أيضا وإعلان انتصار المشروع الصهيوني ليس على فلسطين فحسب، بل على الأمة العربية جميعها من المحيط إلى الخليج.

عن القدس العربي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عبد الحميد صيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *