المعركة مستمرة على ذاكرة النكبة وحق العودة

فجر الخميس ، لم يكن مخيم قلنديا مجرد هدف لعملية عسكرية إسرائيلية جديدة . فمع الساعات الأولى من الصباح ، تقدمت آليات الاحتلال العسكرية والجرافات ، وانتشر قناصة جيش الاحتلال الاسرائيلي فوق أسطح المباني ، وأُغلقت مداخل المخيم بالكامل ، وفُرض حظر التجول ، وأُبلغ السكان عبر رسائل نصية بأن منطقتهم أصبحت “منطقة عسكرية مغلقة” . بدا المشهد ، بكل تفاصيله ، وكأنه نسخة جديدة من مشاهد سبق أن عرفتها مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ، وكأنه إعلان عن فصل جديد من حرب لا تستهدف مخيما بعينه ، بل تستهدف المخيم الفلسطيني بوصفه فكرة ورمزا وهوية .

قد تصف دولة الاحتلال الإسرائيلي ما يجري بأنه عملية أمنية تستهدف مجموعات مسلحة ، لكن تكرار المشهد في المخيمات الفلسطينية ، واتساع نطاقه من الضفة الغربية إلى قطاع غزة ، ثم امتداد نيرانه إلى مخيمات الفلسطينيين في الشتات ، يدفع إلى طرح سؤال يتجاوز الرواية العسكرية الإسرائيلية المباشرة : هل أصبحت المخيمات نفسها هدفا في الاستراتيجية الإسرائيلية ؟

فالمخيم ، في الوعي الفلسطيني ، ليس مجرد تجمع سكاني مكتظ ، بل هو الشاهد الأخير على النكبة ، والوثيقة الحية التي تقول إن ملايين الفلسطينيين لم يغادروا وطنهم بإرادتهم ، وإن اللجوء لم يُنهِ حقهم ، بل حفظه في الذاكرة والجغرافيا معاً . ولهذا ، فإن استهداف المخيمات لا يمكن قراءته  فلسطينيا باعتباره مجرد استهداف لمكان ، بل باعتباره مساسا بأحد أهم الرموز السياسية لقضية اللاجئين الفلسطينيين .

من هنا ، يبدو مخيم قلنديا أكثر من مجرد عنوان خبري . إنه حلقة جديدة في سلسلة طويلة بدأت قبل سنوات ، حين تحولت مخيمات الضفة الغربية إلى مسرح لعمليات عسكرية متكررة ، ثم بلغت ذروتها في قطاع غزة ، حيث تعرضت مخيمات جباليا والشاطئ والنصيرات والبريج وخان يونس لدمار واسع وابادة ، أدت إلى نزوح مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين للمرة الثانية أو الثالثة في حياتهم .

أما في الشتات ، فإن مأساة مخيم اليرموك تظل المثال الأكثر قسوة على هشاشة الوجود الفلسطيني خارج وطنه . فرغم أن تدمير اليرموك جرى في سياق احداث سنوات الثورة  السورية وعلى أيدي أطراف متعددة ، فإن المخيم الفلسطيني في سوريا لم يسلم لاحقا من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع وشخصيات مرتبطة بفصائل فلسطينية داخل الأراضي السورية . كما امتدت الغارات الإسرائيلية في لبنان إلى مناطق تضم وجودا فلسطينياً ، في ظل اتساع رقعة المواجهة الإقليمية .

وقد تختلف هذه الساحات في ظروفها وأطرافها ، لكن ما يجمعها هو أن المخيم الفلسطيني فيها لم يعد مجرد مكان يقيم فيه اللاجئون ، بل أصبح حاضرا باستمرار في خرائط الصراع . وهذا ما يفسر تصاعد المخاوف من أن تكون الحرب قد انتقلت من استهداف الأفراد والتنظيمات إلى استهداف البيئة التي حافظت ، على مدى أكثر من سبعة عقود ، على ذاكرة اللجوء وقضية العودة .

المخيم الفلسطيني: الجغرافيا الشاهدة على النكبة وحق العودة :

إن استهداف المخيمات الفلسطينية لا يقتصر على ما يخلفه من دمار بشري وعمراني ، بل يمتد إلى محاولة المساس برمزيتها السياسية والتاريخية بوصفها الشاهد الحي على نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين . فالمخيم لم يكن مجرد تجمع سكني مؤقت ، وإنما تحول عبر العقود إلى وعاء للذاكرة الوطنية ، حفظ أسماء القرى والمدن المهجرة ، ونقل رواية النكبة من جيل إلى آخر ، وظل عنوانا ماديا وسياسيا لحق العودة . ويبرز مخيم اليرموك بوصفه نموذجا دالا على ذلك  إذ لم يكن أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في الشتات فحسب ، بل مثل أيضا مركزا اجتماعيا وثقافيا ووطنيا حافظ على هوية اللاجئين وارتباطهم بوطنهم الأصلي . ومن هنا ، فإن مواجهة محاولات طمس المخيمات أو تغيير وظيفتها التاريخية لا تكون بالتمسك بالحجارة وحدها ، وإنما بضمان حق سكانها في العودة إليها والمشاركة في إعادة إعمارها ، وبالتوثيق المنهجي لذاكرتها العمرانية والإنسانية ، والحفاظ على أسمائها ومؤسساتها ورموزها ، والتأكيد على أن إعادة الإعمار وتحسين ظروف الحياة لا يمكن أن تكون بديلا  عن الحقوق الوطنية ، وفي مقدمتها حق العودة . فالمطلوب هو أن تبقى المخيمات ، مهما تغيرت أشكالها العمرانية ، شاهدة على جذور القضية الفلسطينية ، لا أن تتحول إلى فضاءات منزوعة الذاكرة أو منفصلة عن سياقها التاريخي .

من قلنديا ، إذن ، لا تبدأ عملية عسكرية جديدة فحسب ، بل يعود السؤال القديم بثوب أكثر إلحاحا: هل ما يجري هو سلسلة عمليات أمنية منفصلة ، أم أننا أمام سياسة أوسع تعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية ، وتضع المخيم ، بكل ما يمثله من ذاكرة وحق ورمز ، في قلب المواجهة ؟

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *