المسار القانوني والسياسي للدعوى ضدّ شارون في المحاكم البلجيكية (2001-2004)

المجازر لا تدخل التاريخ والوقائع السياسية عبر استحضار أهوالها وفظائعها فحسب، بل عبر ارتفاع صوت الضحية ومعاقبة المجرم أولاً. ومن هنا بادر المحاميان البلجيكيان Luc Walleyn و Michael Verhaege والمحامي اللبناني شبلي الملاط إلى رفع دعوى ضد شارون ومن يطاله التحقيق أمام المحاكم البلجيكية (18/6/2001) بموجب القانون البلجيكي لعام (1933) وتعديلاته لعام ( 1999). ويتمتع هذا القانون بما يسمى ” مبدأ  الإختصاص العالمي” أو “مبدأ الصلاحيات الشاملة” Universal Jurisdiction، ما يعني امكانية ملاحقة ومحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة وجنسية الضحية والمتهم.

وبهدف الإسهام في دعم المسار السياسي والإعلامي للدعوى المكمل للمسار القانوني أنشئت لجنة أهلية فلسطينية لبنانية ” اللجنة التأسيسية لمساندة الدعوى ضد شارون في المحاكم البلجيكية” وتشكلت من نخبة من الشخصيات القانونية والسياسية الفلسطينية واللبنانية. وقد تشرفت بأن أكون منسقاً لنشاطات هذه اللجنة طوال ثلاث سنوات.

مرّت الدعوى بمسار قانوني وسياسي متعرج بين صعود وهبوط، لكنا في هذه المداخلة القصيرة سنتوقف عند ثلاث محطات حرجة مرّ بها هذا المسار:

I- القرار التاريخي (12/2/2003):

  • قررت المحكمة العليا (محكمة التمييز البلجيكية) إبطال قرار محكمة الإستئناف (26/6/2002) الذي يقول ” أن مجرد عدم وجود المدعى عليه على الأراضي البلجيكية يكفي قانونياً لمنع اتخاذ أي إجراء قضائي بحقه أمام المحاكم البلجيكية”. وبهذا سمحت المحكمة بالمضي قدماً في التحقيق والمحاكمة، لكنها ميّزت بين أرئيل شارون وبقية المشتبه بهم (عاموس يارون وغيره)، ما دام شارون يتمتع بحصانة وفق القانون العرفي الدولي International Customary، كونه رئيساً للوزراء حينها.
  • أثار قرار المحكمة العليا عاصفة سياسية في إسرايل دفعت الرئيس الإسرائيلي حينها، موشيه كاتساف إلى إرسال رسالة وقحة إلى ملك بلجيكا ألبير الثاني جاء فيها: ” أنه لا يجوز لأي شخص في العالم التشكيك في الضمير الإسرائيلي…إن بلجيكا لا تملك الصلاحية الضميرية لتقديم زعماء إسرائيل وضباطها إلى المحكمة”. وكان بهذا بشير إلى ماضي بلجيكا الإستعماري في الكونغو.
  • وفي السياق ذاته أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية مقاطعة الدعوى، وذلك قبيل تحديد تاريخ جلسة الإستماع أمام المحكمة في (10/6/2003). وبهذا انسحب شارون ويارون من المعركة القضائية وتراجعوا كلياً إلى الميدان السياسي والدبلوماسي.

II- النكسة الكبرى: قرار الحكومة البلجيكية (12/7/2003)

  • أقرت الحكومة البلجيكية الجديدة وبعد ساعات قليلة من أدائها اليمين أمام الملك ألبير الثاني مشروع قانون جديد يبطل مبدا ” الصلاحيات الشاملة”. وبدوره أقرّ البرلمان البلجيكي بمجلسيه مشروع القانون الجديد في (30/7/2003).

III- المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان & والدعوى

  • إزاء ذلك، رفع محامو أهالي الضحايا دعوى ضد الحكومة البلجيكية أمام محكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، باعتبار ما حصل من إلغاء للقانون يعدّ تدخلاً سياسياً في مجرى العدالة البلجيكية. وقد رفضت الدعوى من قبل المحكمة الأوروبية، وعليه، جمدّت الدعوى.
  • وهكذا توقف سير العدالة البلجيكية نتيجة للضغط السياسي الإسرائيلي والأمريكي على بلجيكا الذي وصل إلى حدّ التهديد بنقل مقر حلف الناتو من بروكسل، إن لم يبطل قانون الصلاحيات الشاملة، أضف إلى ذلك التواطؤ الأوروبي مع الحكومة البلجيكبة.

IV- خلاصة

فقد أهالي ضحايا صبرا وشاتيلا الأمل، ولو مؤقتاً، في إحقاق العدالة، ولكن يمكن الجزم بأن هذه القضية لم تفقد زخمها المعنوي وقوتها الأخلاقية. وندوتنا هذه وغيرها تقدم دليلا ساطعاً على ذلك. تكاد تكون هذه الدعوى أمام المحاكم البلجيكية الدعوى الوحيدة التي رفعت ضد مجرمي الحرب الصهاينة واتخذت مساراً قانونياً وقضائياً صاعدا وأزعجت إسرائيل والولايات المتحدة. ولولا التدخل السياسي، كان يمكن لها أن تصل إلى نتائج ملموسة على صعيد محاكمة هؤلاء المجرمين وعدم ” الإفلات من العقاب”. وهذا ما يبرز ويعزز أهمية النضال القانوني على المستويين الرسمي والشعبي في مواجهة نظام الأبارتايد الكولنيالي الصهيوني وصفقة القرن وتداعياتها، وخاصة في هذه المرحلة الخطرة التي تمر بها الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي ظل إنضمام دولة فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية وتوقيعها لبعض المعاهدات الدولية ذات الصلة.

 

مداخلة في الندوة الرقمية التي نظمها البرنامج الأكاديمي لدراسات الجاليات العربية والمسلمة في المهجر (AMED) الإتحاد العام لطلبة فلسطين في جامعة سان فرانسيسكو، في الذكرى 38 لمجزرة صبرا وشاتيلا ، 16/92/2020.

 

 

 

Author: جابر سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *