المخيّمات الفلسطينية والمنظّمات المسلّحة والمخارج من الجحيم


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

ماذا يريد الفلسطينيون من لبنان؟ سؤال يتردّد بين الفينة والأخرى في بعض الأوساط السياسية اللبنانية بصورة ارتيابية. وسيكون عليّ المجازفة بالجواب، فأقول إن الفلسطينيين في لبنان، في أغلبيتهم الساحقة، ما عادوا يريدون أي شيء من الدولة اللبنانية المتهالكة والعاجزة، وجُلّ ما يتطلّعون إليه هو العيش بأمان وكرامة.

في لبنان جزء من الشعب الفلسطيني (240 ألفاً)، وقضية هذا الشعب ما برحت بلا حلّ، وهو لا يطلب من هذا البلد إلا العيش بطمأنينة في انتظار حلّ مشكلة اللاجئين في يومٍ ما. أما السلاح الموجود في داخل المخيمات أو خارجها، فيخضع لما يتّفق عليه اللبنانيون، أو ما تراه الدولة اللبنانية ملائماً لسيادة هذه الدولة من دون المساس بأمنها الوطني.

الملف الفلسطيني في لبنان، كما يعلم الجميع، متشعّب جداً، غير أنّ التركيز الإعلامي والسياسي، ما برح ينصبّ على مسألة السلاح وحدها. حسناً، ماذا عن باقي الموضوعات المترابطة، مثل حقوق العمل والتملك وتأسيس الجمعيات، أي باختصار الحقوق الإنسانية والاجتماعية؟ أما ذريعة التوطين وحجّة منافسة اليد العاملة اللبنانية، فهما واهيتان جداً، ولا يليق بالباحثين والدارسين المنصفين أن يعيدوا الكلام الجاري على ألسنة سياسيين وإعلاميين يعادون قضية فلسطين في الأساس لأسبابٍ طائفيةٍ أو عنصرية. وعلى سبيل المثال خرافة التوطين، فلو كان التوطين يهدّد أسس المجتمع اللبناني، فلماذا إذاً جنّس أرباب الدولة اللبنانية الأغلبية الساحقة من المسيحيين الفلسطينيين، علاوة على أعداد وافرة من رجال الأعمال والمتموّلين الفلسطينيين المسلمين؟

لا تفتقر أيّ جهة في عين الحلوة إلى مَن يتواطأ معها في إدخال السلاح إلى أزقة المخيم وزواريب أحيائه

بعد اتفاق الطائف في سنة 1989، بادرت المنظمّات الفلسطينية إلى تسليم سلاحها للجيش اللبناني، نزولاً عند بنود ذلك الاتفاق، أي نزع سلاح المليشيات، علماً أنّ السلاح الفلسطيني لا يُعد سلاح مليشيات بحسب اتفاق القاهرة لسنة 1969 الذي كان قد أُلغي، لكن مفاعيله تبقى شرعية، كالرجل والمرأة اللذين أنجبا ابناً، فإن انفصلا بالطلاق يبقى الابن شرعياً. وكانت المنظمات الفلسطينية تستعد آنذاك لتسليمه للدولة اللبنانية. لكن السلطات المعنيّة تسلمت الأسلحة الثقيلة والمتوسّطة، وطلبت من المنظمات الاحتفاظ بأسلحتها الخفيفة أسوة بالمليشيات اللبنانية الأخرى، والغاية منح الفلسطينيين نوعاً من الشعور بالأمان والحماية، خصوصاً بعد مجزرة صبرا وشاتيلا في سنة 1982، وبعد الحرب على المخيّمات التي امتدت نحو ثلاث سنوات (1985-1987) وتركت آثاراً سلبية جداً في الحياة السياسية اللبنانية.

للتذكير فحسب، لم يسلّم سلاح الحزب التقدّمي الاشتراكي للدولة، بل أُعيد بعضُه إلى سورية وأُخفي بعضه الآخر، فيما باعت القوات اللبنانية أسلحتها لجهاتٍ أفريقية متصارعة، ولأطراف الحرب الأهلية في يوغوسلافيا، وسُلّم قليل منها لإسرائيل في ميناء أسدود (راجع: الياس الهراوي، عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة، تحرير كميل منسى، دار النهار، 2002، الطبعة الثانية، بيروت، ص 240). وقد جَنَتْ القوات اللبنانية 900 مليون دولار من بيع السلاح في البوسنة والهرسك وحدها، وتولّى تلك العمليات مايك نصار، ابن أخت أنطوان لحد، وقد اغتيل في ساو باولو مع زوجته في سنة 2002، واستفاد بيار رزق (أكرم) من ملايين الدولارات، ما اضطرّه، بعد انكشاف أمره، إلى الهرب إلى تونس، حيث لجأ إلى حماية الاستخبارات الفلسطينية بعدما كان أقام صلة بها في أثناء الحرب على المخيّمات، بحكم وظيفته مشرفاً على ميناء بيروت الذي دخلت منه أعداد من المقاتلين الفلسطينيين لنجدة المخيّمات المحاصرة.

والمعروف أنّ لجنة رسمية لبنانية – فلسطينية تألفت في أغسطس/ آب 1991 من الوزيرين شوقي فاخوري وعبد الله الأمين، ومن الجانب الفلسطيني صلاح صلاح وفضل شرورو، وكانت الغاية بحث موضوع السلاح الفلسطيني، فضلاً عن المطالب الاجتماعية الفلسطينية كحقّ العمل مثلاً. وفي تلك الأثناء، جرت نقاشات عاصفة في الوسط السياسي الفلسطيني عن جدوى السلاح في المخيمات. وكان هناك رأي قوي يقول بضرورة تسليم السلاح، وعلى الدولة اللبنانية أن تحمي الوجود المدني الفلسطيني، لأن هذا الأمر هو من وظائفها بصفتها دولة ذات سيادة. وبهذا المعنى، وبحسب هذا الرأي، سيكون على الفلسطينيين نزع أسلحتهم وتسليمها للدولة. لكن ذلك كان من المُحال لدى السلطة اللبنانية التي لم ترغب يوماً في تسلُّم هذه المهمة، وكانت سياستها المضمرة ترك الأمور على ما هي عليه. وتكرّر الأمر نفسه بعد صدور قرار مجلس الأمن 1559 (2/9/2004) الذي نصّ على تجريد المليشيات من سلاحها، وكذلك بعد صدور قرار مجلس الأمن 1701 (11/8/ 2006). وفي الحالتين، لم تسعَ الدولة اللبنانية لتطبيق مضمون هذين القرارين على المخيمات الفلسطينية.

لو كان التوطين يهدّد أسس المجتمع اللبناني، فلماذا إذاً جنّس أرباب الدولة اللبنانية الأغلبية الساحقة من المسيحيين الفلسطينيين، علاوة على أعداد وافرة من رجال الأعمال والمتموّلين الفلسطينيين المسلمين؟

توضح صورة المخيمات الفلسطينية حالياً بالعدسة المقرّبة ما يأتي: هناك ثلاثة مخيمات من دون أي سلاح، نهر البارد وضبية والجليل في بعلبك، ويمكن إضافة مخيم المية ومية إلى هذا النطاق. وهناك مخيم مار الياس الذي لا سلاح فيه غير حراسات الشخصيات السياسية ومكاتب المنظمات، وهو سلاح متفق عليه مع الجهات الأمنية اللبنانية. أي إنّ خمسة مخيمات من أصل 12 مخيماً هي بلا سلاح. لنتذكّر أنّه كان في لبنان 15 مخيماً، دُمّر ثلاثة منها، النبطية وتل الزعتر وجسر الباشا، علاوة على نهر البارد وجزءٍ من ضبية وتجمّع الداعوق. وتتوزّع على هذه المخيمات منظمات يمكن تصنيفها في أربعة اتجاهات فكرية – سياسية: الفصائل المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، مثل فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة النضال الشعبي وجبهة التحرير الفلسطينية والجبهة العربية وحزب الشعب، وهذه المنظمات ذات اتجاهات وطنية وشبه علمانية، وتمثل الأكثرية الشعبية. ثم الفصائل الإسلامية مثل حماس والجهاد الاسلامي والحركة الإسلامية المجاهدة، وهي ذات علاقات وطيدة بحزب الله، وحضورها الشعبي والعسكري متفاوت الفاعلية. ومن بعدها الفصائل الإسلامية المتطرّفة، مثل عصبة الأنصار وجند الشام والشباب المسلم وفلول فتح الإسلام وكتائب عبد الله عزام وبقايا أنصار أحمد الأسير، وهي منظمات قاعدية تمتلك القدرة على القيام بعمليات إرهابية واغتيالات. تكتل من ثلاث منظّمات، هي الصاعقة والجبهة الشعبية – القيادة العامة وفتح الانتفاضة. وهي منظمات ضعيفة جداً في مخيمات الجنوب اللبناني.

السؤال الرئيس اليوم في الأوساط الفلسطينية واللبنانية المعنية: مَن يُغدق الأموال على تلك الجماعات الإرهابية؟ ومَن يُدخل السلاح إلى أحياء المخيم؟ مَن يُرسل الأموال معروف؛ إنهم أمراء داعش والقاعدة (هيئة تحرير الشام أو جبهة النصرة سابقاً). وكانت الأموال تأتي من الموصل ومن الرقة بوسائل شتى، والآن تأتي من إدلب. أما السلاح، فهو السرّ الأكبر المكشوف. ومهما يكن الأمر، فإنّ من يمتلك المال يستطيع أن يشتري السلاح والذخيرة من محيطه بسهولة، ولا تفتقر أي جهة في عين الحلوة إلى مَن يتواطأ معها في إدخال السلاح إلى أزقة المخيم وزواريب أحيائه، مثل الطوارئ والتعمير والبركسات وحطين والصفصاف والراس الأحمر.

قصارى الكلام في وصف حالة مخيم عين الحلوة ومآلاتها القريبة أنّ الجماعات المسلحة المتطرّفة لن تُسلّم المطلوبين للقضاء اللبناني، كما اتفقت عليه جميع المنظمات الفلسطينية، بما في ذلك المنظمات الإسلامية، كحركتي حماس والجهاد الإسلامي. وبهذا المعنى، تكاد الخيارات المقبلة تنحصر في ثلاثة: إما أن تقوم حركة فتح بالهجوم على حيّ الطوارئ وحيّ التعمير لإجبار الجماعات المسلحة على تسليم المطلوبين الثمانية، وهو ما يعني تدمير الحيّين، فضلاً عن أحياء أخرى، وهو ما لا تريده “فتح” إطلاقاً، أو الانصراف إلى الحلّ الأمني (كمائن لإلقاء القبض على المطلوبين)، أو تهريب المطلوبين إلى خارج المخيم بتواطؤ القوى الأساسية، فيرتاح المخيم من هذه المحنة القاسية والدامية.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: صقر أبو فخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *