المخيم الذي تحول لمدينة

كم كان ذلك جميل وممتع، أنا ابن قرية نوى، قرية وادعة بالجنوب السوري، هناك رضعت الدفء والحب والفروسية، والدي رحمه الله بسيط طيب ولكنه فارس. أخلاق الفروسية تسيطر عليه، تمازجت روحه بهذا الخلق العربي، يتخيل نفسه أمير مسؤول عن كل ما يحيط به، والد إذا عزم قرر ونفذ ولو كلفه ذلك التضحية بالمال والروح. والدي كلمة نافذة قاطعة، يصنع قهوته ويفتح مضافته ويرتاده الناس. متحدث لبق، وذواقة لكل الأشياء الجميلة، متصيد للنوادر والأدب، وأم هي القداسة والنبل. لوالدي وأمي حكايا ونوادر لا مجال لذكرها هنا، القصة أن والدي لايقر على ضيم ولا يستكين على ضنك، من يتم الطفولة والصراع مع الحياة الذي شكل ديدنه، وغالبا ما قهرها بالصبر والتعب والمغامرة، وآخر مغامراته ترك تجارته ومحله الذي كان يعد من أكبر المحال في القرية والنزول للمدينة، لدمشق تلك المغناج الطاغية. دمشق مدينة السبعة أبواب والسبعة أنهر وكأنها بداية الخلق التي أخذت الرقم سبعة لتقدس الخالق الذي استوى العرش في اليوم السابع وراح يفتن بما خلق. دمشق مدينة العشق والصلب. دمشق اللغز الذي لا يحل دون الؤضوء بعينيها والصلاة على جسدها الذي ركل آلاف الغزاة وهو نائم تجلله الطمأنينة والترف. انا القروي الصغير الذي لم يتجاوز السابعة يطلق في أزقة وحواري دمشق، ليقرأ أسم الله ويرسم الياسمين بكل المساجد والتكايا والقصور التي تحيط بهذه المدينة الفاتنة دمشق .

كان سكننا الأول بمنطقة القدم، هذه المنطقة المأخوذ أسمها من قدوم النبي ووصوله لهذا البستان وعكوفه راجعا فسميت القدم، درست بمدرستها الإبتدائية التي حملت اسم شكري القوتلي نسبة للزعيم السوري الذي قدم مفاتيح البلد لعبد الناصر لتعلن الوحدة، الحلم المغدور ، المصادفة انني حللت بدمشق عام الوحدة. عام ذي قار بالنسبة للصغير الذي حمل زوج حمام ليقدمهم للزعيم العربي وهو يمر بمنطقة القدم بدمشق، كيف شردت الروح لذي قار يوم كان العرب كما درسنا يتصدون لأقوى أمبراطورية بذاك التاريخ.

لم يطل بنا السكن بالقدم فوالدتي الفلاحة التي تعتبر البيت والأرض عنوان أساسي للحياة، أنسان دون بيت يملكه أو ارض يزرعها هو يتيم أبتر، لهذا لم تطب لها سكنة الأجرة وراحت تحث الوالد على شراء أرض بأي منطقة وتعمير بيت كيفما اتفق، اربعة جدران وسقف، المهم بيتنا ومأوانا وملاذنا.

كان اليرموك يومها منطقة صغيرة حدودها لا تمسح ثلث المخيم الحالي، كان هناك وعلى حدود قرية جميلة تسمى يلدا اراض معروضة للبيع، بعدت يومها عن المخيم ما يعادل ألفي متر، الأرض تباع بالقصبة *1 وهي تساوي بذاك الزمن مائة ليرة وما أدراك ما المائة ليرة إلا أن البيع كان سهلا حيث يمكن دفع مبلغ وأخذ الأرض والباقي يدفع عند الطابو *2 ويمكن تسجيل الملكية لدى كاتب العدل، دفع الوالد مبلغ يعادل نصف ستة قصبات وأصبح لنا أرض. كنا أربعة أخوة وصبية هي اختي الجميلة والحنونة، ولم تكن اختي الصغيرة الأخرى قد ولدت بعد، انا بهذه الحسبة أو التشكيلة أحسب الرابع، كل ساهم حسب قدرته ببناء هذا البيت حتى أصدقاء والدي الفلسطينيين ساهموا. صديق والدي الجميل أبو سمير عبد الفتاح الذي كان يعمل على سيارة لنقل حجارة البناء والرمل، جلب هذه المواد ونحن مع الأصدقاء حفرنا الأساسات ورحنا نبني بيتنا الذي انتقلنا اليه دون طينة *3 أي توريقه. اذكر الشتاء الأول والدلف *4 وفقدان الصوبا أي ألمدفأة ، يومها اشعل والدي بوابير الكاز، التي تستعمل للطبخ، يا ألهي كم كان قاسيا برد تلك الفترة، إلا أن حنان أبي وأمي عوض بعضاً من ذلك الصقيع. أمتلكا حرارة الإرادة وهذه اعانتنا بلا شك. يومها وجدت مبلغ عشر ليرات بطريقي في السوق، أعطيتها لأمي، وبدأ أبي التحيقق معي، كيف وأين وجدتها، مع إياك وحذاري من الحرام ومال الحرام. لكنه لما تحقق من نظافة المبلغ (وحلاله النسبي مقارنة بالفقر)، صار هذا يوما مشهودا لنا كعائلة فقد اشترينا مدفأة وجلب لنا الوالد لحما للشواء الذي افتقدناه من أيام القرية.

وحدنا بآخر المخيم. هناك أستوت الحياة ووجد الوالد العمل، وأعاد فتح المضافة، ودارت القهوة وعمرت الدار بالزوار من الجوار البعيد ومن القرية التي لم تقطعنا خيراتها من القمح والبرغل والعدس والحمص واللبن والجبن. كان الزيتون مادة اساسية لنا تذكرنا بفلسطين وخيراتها كنا نشتريه من ادلب ومن المعظمية *5 وتكبسه الوالدة بأشكال متنوعة ومذاقات شهية. الوالدة بنت بيت له باع طويل بالمؤونة واعدادها، خاصة الزيتون، العطون منه والمجرح، كما المفقش والمكلس، ألوان جميلة للزيتون تخرج من تحت يديها وكأنها فنان يدب على لوحته فيعصر قلبه معها.

انتقلت الى مدرسة أُبي ابن كعب الأنصاري بأول المخيم، وصار لي اصدقاء وشلة، وفجأة دب بمنطقتنا حياة وضجيج. جموع من الفلسطينيين جاءت تحفر وتقسم بالأرض لدرجة لم يبقى شوارع، هذا يصرخ وذاك يشاغب، قيل يومها أن وكالة غوث اللاجئين استأجرت الأرض لإسكان عدد من اللاجئين. لهذا ، الكثير منهم طب على قطعة من الأرض وراح يسيج بها تمهيدا للبناء، ولكن غاب هنا التنظيم للشوارع والمنافع العامة الى أن تدخلت البلدية ونظمت الأمر. أصبح لنا جيران من الجاعونة، والطيرة وصفد وترشيحا ولوبية، والحولة. لا أعرف متى وكيف لكني أصبحت فلسطينيا بالحياة والتعايش، أمتزجت فلسطين بي وجدانياً و شكلت لي نمط حياة وتفكير، شلتي وأصدقائي كلهم من فلسطين، لكن لم انس مع ذلك جذوري العائلية الممتدة الى قلب العاصمة في حي الميدان، الحي الدمشقي الكبير والذي لعب دورا مهما بتاريخ دمشق، بلد الشيخ الأشمر المناضل من أجل التحرر وتحرير فلسطين، العلامة حسن حبنكة الميداني استاذ والدي ورجل الدين الشهير، والعائلة التي تمتلك حارة بالميدان كان يسكنها فارس زرزور كاتب الرواية السورية الشهير، لكن هذه الجذور لم تشدني يوماً بنفس القوة التي شدني اليها المخيم وناسه وفلسطين، قد يتقول أحد ما حيث لم أذكر أنني مولود بقرية من أب دمشقي من آل السقال، وأم قروية من عائلة الشرع المعروفة، لهذا كانت أخلاق القرية وجو المخيم الذي تحول لقرية تحفها الطيبة والبساطة والعفوية والعلم يشدني أكثر، لم اتعرف على عائلتي فقد كانت تأتي زياراتي لهم بمناسبات العيد ورمضان، وكان الوالد يزورهم مصطحبا أحدنا لم أطلب مرافقته قط، واذا طلب اعتذرت، كان المخيم حلقة علم وكان طلابه الأوائل على سوريا. الفلسطيني بذاك الوقت لم يكن يملك سوى ان يتعلم ويعلم، فرد الفلسطيني علمه على مساحة الوطن وساهم ببناء الكثير من البلاد العربية وخاصة دول الخليج، لم تنطلق الثورة بعد لهذا كان الجهد هو العلم والدفع بالمشروع التحرري الذي كان بيرقه عبد الناصر، وأنا غارق بهذا الجو ومحلقا هناك وراء النهر حيث فلسطين عنوان حياتنا وامتحان رجولتنا ، كبرنا قبل وقتنا ورحنا نتعلم ونحلم. احبني المخيم كما أحببته، أذكر جارنا الأستاذ حسين الشهابي والمدير محمد عطية قالوا لي لماذا لا تنتقل لمدارس الأنروا وهكذا انتقلت لإعدادية المالكية وأصبحت اتعمد فلسطينيا وانا فرح ومقبل على هذه الهوية بجد وصبر وكأنني امام امتحان عززته انطلاقة الثورة، والتحامنا بها وتماهينا بسلاحها، المعسكرات والشبيبة، والتدريب وعمان والأردن ولبنان، ماهي النقطة الفاصلة بين التفرغ للنضال والإستشهاد وإكمال التعليم، قد يكون الفضل لأستاذي الذي اقدره أحمد منصور وأخوته الذين خضنا معهم معركة النقاء بالثورة وتجسيد المثل والقيم، كان الأخوة منصور من طيرة حيفا نموذجا للتضحية والوفاء عززوا نقائنا وأخلاقنا أمام كل الأغراءات والفساد الذي بدى يتجلى بالصفوف. لم نرتزق من الثورة ولم نتفرغ بها، على العكس دفعنا من جيوبنا واندفعنا بمواجهة كل الأخطار التي احاقت بالثورة وجاء أيلول ليكمل الخامس من حزيران عام 1967 وخرجت المقاومة من عمان وجرش والأغوار وابتدأت رحلة التيه في لبنان. كان المخيم، كان اليرموك مازال محافظا على نقاءه وعفويته وحالما بالتحرير، قله هم المفرغون الذين يعتاشون من العمل بمؤسسات الثورة في اليرموك، لهذا ابتدأ الجدل حول المقاومة وسلاح المقاومة، والبرنامج الذي تحمله المقاومة، ساهم المفكرين السوريين وبعض المفكرين العرب بفتح زاوية النقد وتسليط الضوء على المشروع. الياس مرقص وياسين الحافظ وجلال صادق العظم والعفيف الأخضر، لينقلب المخيم الى ساحة جدل كبيرة فاتحا أبوابه لكل الأفكار الثورية. دخلت الماركسية من أوسع الأبواب وتفتحت حركات اللجان والبؤر وانطلق الحوار، الذي ساهم به المناضلون السوريون، حيث بدأ جناح رياض الترك بالحزب الشيوعي السوري يوسع نشاطه بالمخيم وظهرت الحلقات الماركسية ، ترافق هذا مع حرب تشرين وظهور التسوية التي انتفضنا لمحاربتها، وانشقت الفصائل بين الرفض والقبول وتعززت مساحات الحوار، بينما المخيم بدأ ينزع جلده ويفكك جدرانه لتظهر انماط جديدة من التجارة والبناء والعمران الذي بدأ يجرف معه منطق المخيم وراح يزحف منطق المدينة وراحت تتقلص مساحة الحوار أمام القمع الذي بدأ يتسرب من كل الجهات ودخل لبنان وكر العفاريت بحرب أهلية توسمنا أن نحقق بها لبنان اللاطائفي كما توهمنا ولكننا دخلنا النفق وساد الظلام واصبح الصراع عربيا فلسطينيا وفلسطينيا فلسطينيا وتدفقت أموال كثيرة ملوثة بالنفط والسردين واشياء كثيرة لنصبح في الفراغ، شيطان ما دخل على مخيمنا وعفريت ركب قضيتنا، ورحنا ندب على غير هدى، عندما ينقلب القارب يصبح منطق النجاة فوضوي ولامنطقي. الرجال هم الذين ينتظرون على حافة القارب المتأرحج كي ينجوا الأخرون، ولكن هل نجوا وهل نجونا؟ المأساة اننا خسرنا المخيم وما عاد فضاء صراخنا وحلمنا، وأنا مازلت الضحية التي مازالت تدب بين وطن مفقود ووطن ينتظر على حلم ، حلم مازل يحيط بالعينين ولكنه مرمد.

1 ـ القصبة مساحة من الأرض تساوي 24 متر مربع

2 ـ الطابو : هي دائرة ملكية الأرض العقارية ، بينما اتسجيل لدى كاتب العدل هو سند بيع لا يعني تسجيل الملكية دون حضور الشهود وتسديد قيمة العقد كاملا .

3 ـ التوريق هو تلبيس الحيطان بالطين وتمليسه حتى يصبح ناعما .

4 ـ الدلف هو تسرب المطر من سطح المنزل وهذا يعني ان البيت غير مورق ومدلس .

5 ـ المعظمية قرية بريف دمشق تشتهر بزراعة الزيتون .

 

 

Author: زكريا السقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *