المحجوب أو المسكوت عنه في التاريخ الفتحاوي…حادثة يوسف عرابي ودلالاتها السياسية

في حين انصب اهتمام جمال عبد الناصر على إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، معتمداً أحمد الشقيري في ذلك، فإن السعودية (ودول الخليج) وجدت في “فتح”، المؤلفة من مجموعة من الفلسطينيين النشطاء، وأغلبهم يعملون في دول الخليج، مجالاً لها لمنافسة عبد الناصر على المجال الفلسطيني.

أسئلة كثيرة يمكن طرحها في مسألة صعود حركة فتح، والكفاح المسلح الفلسطيني، في أواسط الستينات (1965)، إذ حصل ذلك بسرعة فائقة، في غضون ثلاثة أعوام، برغم أن ذلك لم يحدث في بيئة شعبية فلسطينية (في الداخل) وإنما حدث في ظل أنظمة عربية (في الخارج)، وهي أنظمة تسلطية غالباً، أي أنه حدث في بيئة تفتقد للحراكات الشعبية، ولحرية الرأي والتعبير والعمل الحزبي، بكل معنى الكلمة (باستثناء لبنان)، فكيف حصل ذلك؟ أو ما هي الظروف التي دفعت إلى ذلك؟

في هذا الإطار، يمكن تحديد عوامل عدة، لكن أهمها في رأيي يتمثل باثنين: الأول، حال التنافس أو التنازع أو الصراع بين مصر بقيادة جمال عبد الناصر، الذي كان يخاطب المجتمعات العربية من موقع مصر، ومن فكرته عن القومية والوحدة العربية، لا سيما في المشرق العربي، وبين المحور الخليجي- السوري بزعامة المملكة السعودية، التي كانت تتزعم القطب المقابل في العالم العربي، ومعها النظام السوري/ البعثي، الذي كان في ذلك الحين في منافسة مع عبد الناصر على القومية العربية وقضية فلسطين. أما الثاني، فقد تمثل في هزيمة حزيران/ يونيو (1967)، إذ بات بعدها الكفاح المسلح الفلسطيني حاجة ملحة للأنظمة العربية (سوريا ومصر والأردن)، للتغطية على النكبة/ الهزيمة، وتبرير شرعية الأنظمة، وهذا ما شهدناه في سماح بعض الأنظمة لحركة “فتح”، ولفصائل المقاومة، بفتح مكاتب ومعسكرات وقواعد في أراضيها. (راجع مقالنا: “عن الكفاح الفلسطيني المسلح في سوريا ولبنان والأردن”، “درج” 19/1/22).

هكذا، تمكن ملاحظة أنه في حين انصب اهتمام جمال عبد الناصر على إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية (صيف 1964)، معتمداً أحمد الشقيري في ذلك، فإن السعودية (ودول الخليج) وجدت في “فتح”، المؤلفة من مجموعة من الفلسطينيين النشطاء، وأغلبهم يعملون في دول الخليج، مجالاً لها لمنافسة عبد الناصر على المجال الفلسطيني، ما يفسر أن عبد الناصر، والمسؤولين المصريين، ظلوا ينأون بأنفسهم عن “فتح”، إلى ما بعد حرب حزيران/ يونيو (1967). وبعد معركة الكرامة استقبل الرئيس جمال عبد الناصر عرفات ورفاقه (أواخر 1968)، ثم اصطحبه في وفد مصري إلى موسكو لتقديمه للقيادة السوفييتية، وبعدها استقال الشقيري، وآلت قيادة المنظمة لفتح برئاسة ياسر عرفات (1969).

في أي حال، ما يهمنا هنا هو الحيز السوري من القصة، فتاريخ “فتح”، أو تاريخ مبادرتها للكفاح المسلح، لم يكتب على النحو المطابق، الواقعي، وإنما كتب وفقاً لاعتبارات تعزيز صورة تلك الحركة، وتنزيه مسيرتها، بما يوافق تصورات قيادتها، لذا لا يوجد كتاب، أو وثيقة، تؤرخ، أو توضح، كيف نشأت هذه الحركة، وكيف تأمن لها الدعم المالي، والتسليحي، وكيف تم تمكينها من إنشاء مكاتب ومعسكرات وقواعد، فذلك لم يأت على لسان أي من قادتها، لا أبو عمار ولا أبو جهاد ولا أبو إياد، ولا أبو مازن، لا في كتاب ولا في تصريحات صحافية،  وما هو موجود في أدبيات الحركة مجرد شهادات ذات طابع دعائي.

على ذلك فإن أي محاولة لإعادة قراءة ذلك التاريخ ستواجه صعوبات، ومداخلات متضاربة، لذا، ومع توخي الحذر، فإنني سأتعامل مع كتابين صدرا في الفترة الأخيرة، هما عبارة عن شهادتين، الأول، وهو كتاب عن انتصار الوزير (زوجة القائد الفلسطيني خليل الوزير أبو جهاد) وعنوانه: “رفقة عمر…مذكرات انتصار الوزير أم جهاد”)، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، قطر 2022، والكتاب الثاني لعبد الله الدنان وعنوانه: “المناضل الكبير عادل عبد الكريم ياسين…حياته ونضالاته” (دار البيروني، عمان، 2021)، والاثنان قياديان من الخلية القيادية المؤسسة لحركة فتح، لكنهما انسحبا منها مع اخرين في صيف العام :1966، وهذا أمر معروف، وأكدته أم جهاد في كتابها المذكور أيضاً.

إبان مطالعتي هذين الكتابين، مع كتب أخرى ذات مصداقية، لاحظت أن ثمة قطبة مخفية في تاريخ تلك الحركة، وهي تتعلق بطبيعة العلاقة التي ربطت القيادة السورية مع حركة “فتح”، وتفسير قبول تلك القيادة فتح المجال أمام تلك الحركة للعمل في ذلك الحين.

في هذا التاريخ يلفت الانتباه حادثة مصرع الضابط يوسف عرابي، كما يلفت الانتباه ورود اسم أحمد جبريل في المراحل الأولى لتشكل حركة فتح، وكعضو في قيادة الطوارئ، التي تدير قوات العاصفة (صيف 1966)، وبينما كتب عن الأولى كثيرا، إلا أن الثانية (قصة جبريل) ظلت مكتومة، لكن كلا الحادثتين لم يتم ذكر الدلالات السياسية لهما.

بخصوص يوسف عربي فإن كل المصادر، بما فيها الكتابان المذكوران، تتحدث عن مصرع النقيب عرابي، الضابط في الجيش السوري، وأنه كان عضواً في قيادة حركة “فتح”، أو في ما سمي “لجنة الطوارئ”، وأن الأمر تطور لدى بعض قيادة “فتح” (آنذاك) إلى حد تسميته قائداً عاماً لـ”قوات العاصفة” بدلاً من ياسر عرفات، في حين عارض ذلك آخرون.

تقول أم جهاد في كتابها: “جاءت رسالة من الأخوة أعضاء اللجنة المركزية في الكويت…. موقعة من عادل عبد الكريم، وعدد من أعضاء اللجنة المركزية، بعد اجتماع تغيّب عنه كل من خليل الوزير وياسر عرفات ومحمود عباس وأبو يوسف النجار، حملت الرسالة قرارات بعزل ياسر عرفات عن العمل قائداً عاماً لقوات العاصفة وتكليف النقيب يوسف عرابي ليحل محله… أبو عمار وأبو جهاد حاولا بعد وصول القرار، التوجه إلى الأخوة في القيادة السورية لوقف تنفيذه إلى حين عقد اجتماعه لجنة مركزية بكامل أعضائها، إلا أن النقيب يوسف عرابي، ومعه مجموعة… حاولوا تنفيذ القرار، بالقوة من خلال الاستيلاء على مكتب الحركة في الشعلان، والاستيلاء على معسكر الهامة، ومواقع أخرى”، (ص 118 و119).

وهذه الفقرة توضح أنه كان ثمة نوع من تداخل بين ضباط سوريين انتدبتهم القيادة السورية للعمل في إطار “فتح”، مباشرة أو مداورة، كما تفيد بأن المشكلة الداخلية التي نشبت في “فتح”، كما هو مفترض، حاول حلها كل من أبو عمار وأبو جهاد بالتفاهم مع القيادة السورية. لكن هذين الأمرين أيضاً يفيدان بأن ثمة مقايضة تم عقدها بين فتح والقيادة السورية، مفادها السماح لفتح بالنشاط في سوريا، للتوظيفات السياسية التي ذكرناها في مواجهة عبد الناصر، وأيضاً للتساوق مع المسعى السعودي، وذلك في مقابل، أو بضمانة وجود ضباط سوريين في هيكل فتح، ولا سيما في قوات العاصفة، بدلالة وضع يوسف عرابي وأحمد جبريل (وغيرهما) في قيادة الطوارئ، ثم محاولة وضع عرابي قائداً عاماً لقوات العاصفة، مع تنحية ياسر عرفات.

وكما بات معلوماً فإن تلك المحاولة لم تنجح بسبب مصرع يوسف عرابي في مكتب “فتح” في الشعلان، مع مصرع ضابط فتحاوي اسمه يوسف حشمة، وكان ملازماً سابقاً في الجيش السوري لكنه انتمى لــ”فتح”، وكان معارضاً لتولي عرابي قيادة قوات العاصفة، وكانت الرصاصة التي قيل إنها قتلت يوسف عرابي صدرت من بندقية كلاشنيكوف لعبد المجيد زغموت الذي كان مرافقاً لحشمة (بقي زغموت في السجن حتى وفاته عام 2000).

وكما بات معلوماً، فإن القيادة السورية اعتقلت كل قيادة “فتح” في سوريا (ضمنهم أبو عمار وأبو جهاد)، وكل الموجودين في المكتب إبان الحادثة، ولم يتم الإفراج عنهم إلا بعد أكثر من ثلاثة أشهر وبواسطة مداخلات عربية، وكان المقرر في الاعتقال وفي الإفراج، أي في الحالين هو حافظ الأسد (وزير الدفاع آنذاك والمتحكم الفعلي بالشؤون العسكرية). وعن ذلك تقول أم جهاد: “لم تنجح مداخلات قادة فتح بالإفراج عن المعتقلين، لا مع صلاح جديد ولا مع حافظ الأسد”. (ص 127) في تأكيد على دور المداخلات العربية (السعودية والجزائرية) التي أثمرت في ذلك، بعد ثلاثة أشهر ونصف من الاعتقال (ص 132، 133).

وفي أي حال، فإن ياسر عرفات كان أكد في حينه الدلالات السياسية لتلك الحادثة، فبحسب أم جهاد، في شهادتها عن زيارتها لأبو عمار وأبو جهاد في السجن، أن ياسر عرفات قال لها: “أم جهاد، المؤامرة على فتح كبيرة، حزب البعث يريد الاستيلاء على الحركة، وهو الذي دفع يوسف عرابي إلى هذا التصرف” (ص 123). وفي هذا السياق، يمكن تفسير صك ياسر عرفات شعار/ القرار الفلسطيني المستقل، والذي كان الغرض منه وضع حد للتدخلات السورية في الشأن الفلسطيني، ولعل هذا هو سر النفور المتبادل بين عرفات والأسد، وسر العداء الشخصي الذي ظل حافظ الأسد يكنه لياسر عرفات، في مقابل حذر الأخير من التعامل مع النظام السوري.

أما بخصوص أحمد جبريل، فإن أم جهاد تتحدث عنه في كتابها مرتين، ففي الحاشية رقم 13، في الصفحة 151، تتحدث عن كونه عضواً في القيادة العامة لقوات العاصفة، التي كانت تضم أبو عمار، وأبو جهاد، وأبو ماهر غنيم، وممدوح صيدم، وأبو على إياد، وأبو يوسف النجار.

في كتابه فإن عبد الله الدنان، يشير إلى أن عادل عبد الكريم ياسين هو الذي قابل “الفريق حافظ الأسد (كان قائداً للقوى الجوية حينها)… وكان الذي أمن المقابلة العميد الطيار محمود عزام (فلسطيني سوري) الذي كان طياراً حربياً… شرح عادل ياسين… فكرة الثورة للفريق حافظ الأسد، وكان يستمع بهدوء، وفي النهاية أبدى تشجيعاً واستعداداً للدعم مع التمني بالتوفيق، وقد انعكست نتائج هذه المقابلة بشكل إيجابي على تحركات “فتح” داخل سوريا وخارجها… وقد اتفقت الحركة مع سوريا على ألا تنزل أي مجموعات فدائية للضرب في الأرض المحتلة من الحدود السورية، وذلك لكي تبقى سوريا رئة الثورة”، (ص 110)، في مقابل ذلك يذكر ياسين أن عبد الناصر لم يتجاوب مع مطالبات قيادة “فتح” بلقائه، وإن ذلك تم بعد هزيمة حزيران (1967).

 أما بخصوص أحمد جبريل فيذكر أنه تم ضمه وعلي بشناق كعضوين في مجلس الطوارئ، في القيادة العام لقوات العاصفة في أواخر أيار 1965، ما يؤكد كلام أم جهاد. فوق ذلك فهو يقول إن عادل ياسين اتصل بمجموعة من الضباط الفلسطينيين العاملين في الجيش السوري وهم فهمي هوين ويوسف عرابي ومجاهد سمعان، شهر يونيو 1965، كل منهم برتبة نقيب” (ص 116- 117)، وذلك لإقامة صلة معهم.

يقول الدنان في كتابه: “قررت الحركة أن يتألف مجلس الطوارئ لقيادة العمليات العسكرية من: ياسر عرفات، وخليل الوزير ومحمود الخالدي وحسام الخطيب ومختار البعباع وأحمد جبريل وعلي بشناق، وكل من يوجد في دمشق من أعضاء اللجنة المركزية العليا للحركة” (ص 129).

وفيما يخص يوسف عرابي يقول الدنان، “كان يوسف عرابي نقيباً في الجيش العربي السوري، وكان يتعاون مع الحركة بصفته الشخصية، دون أن يكون منظماً في حركة “فتح”، وذلك لكونه عضواً في حزب البعث العربي الاشتراكي… وكانت صلته بالحركة تتم عن طريق عادل ياسين…”، (ص 129).

بيد أن ذلك الكلام لا يفسر كيف تم طرح يوسف عرابي في قيادة الطوارئ طالما أنه ليس في “فتح”، أو كيف تم طرحه كبديل لياسر عرفات في القيادة العامة لقوات العاصفة!

عموماً يتابع الدنان، توضيح الظروف التي أدت إلى مصرع عربي: “تم عقد جلسة خاصة لقيادة فتح في دمشق عقدت في بيت عادل ياسين، وحضر الجلسة كل من عادل ياسين وياسر عرفات وعبد الله الدنان ومحمود عابس وخليل الوزير وفهمي هوين ومختار البعباع وأحمد جبريل وعلي بشناق، بحضور يوسف عرابي” (ص 130). “بدأت الجلسة وعرض يوسف عرابي شكواه بان هناك أموراً يقوم بها ياسر عرفات تتعلق بالعمليات العسكرية ولا يطلعه عليها، أو يستشيره بها… أما ياسر عرفات فقد اتهم يوسف عرابي بأنه على الرغم من انضمامه إلى حركة فتح فمازال ينطلق من كونه حزبياً منتمياً إلى حزب البعث العربي الاشتراكي”، (ص 130). بعد ذلك يذكر الدنان أن ثمة جملة تصرفات لياسر عرفات “دفعت اللجنة المركزية لحركة فتح للاجتماع يوم 29/4/1966 في بيت خالد الحسن في الكويت… عادل ياسين، عبد الله الدنان، فاروق القدومي، خالد الحسن، سليم الزعنون، محمود فلاحة، منير سويد. كان الموضوع الوحيد الذي بحثته اللجنة هو ياسر عرفات وتصرفاته وخروجه الصريح الواضح على رأي الجماعة. كانت نتيجة البحث إجماعاً كاملاً على سحب الثقة من ياسر عرفات والطلب من جميع قيادات وأعضاء حركة “فتح” عدم التعامل معه. وبناء عليه أرسلت اللجنة المركزية إلى قيادة الطوارئ في دمشق رسالة تتضمن شرحاً كاملاً لما حدث… والأسباب التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار… وقد حمل الرسائل فضل شرورو (صهر أحمد جبريل وفي ما بعد كان عضو في المكتب السياسي للجبهة الشعبية القيادة العامة) (ص 141). بعد ذلك يقول الدنان: “وقد صرح خليل الوزير ومحمود الخالدي ومختار البعباع وفهمي هوين وعلي بشناق وأحمد جبريل ومحمد زهدي النشاشيبي وحسام الخطيب أنهم نصحوه (لياسر عرفات) بأن يغادر دمشق (ص 161- 162). وصدر بيان في دمشق جاء فيه أنه بناء على قرار اللجنة المركزية العليا للحركة الصادر بتاريخ 29/4/1966، والقرار الصادر بتاريخ 1/5/1066، تم سحب الثقة من عضو الحركة السابق ياسر محمد عرفات الحسيني وإحالته للتحقيق… (ص 162).

في الأسبوع الأول من شهر آب/ أغسطس 1966، قطع كل من عادل عبد الكريم ياسين وعبد الله الدنان ومحمود فلاحة ومنير سويد أي صلة لهم بحركة “فتح”. أي أن الذين أرادوا تنحية ياسر عرفات، تنحوا، وذلك وفقاً للتداعيات التي نجمت عن مصرع يوسف عرابي، وقد ساهم ذلك في وأد أول محاولة للنظام السوري للسيطرة على حركة “فتح”، وهي الحادثة التي تكشف بعضاً من سيرة العلاقة المكتومة التي ربطت النظام بـ”فتح”.

عن موقع درج

Author: ماجد كيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.