المال والانتقام – ماذا يقف وراء مطالبة أبو شحادة بالاعتذار؟

ادرك شخصيا الحرج الذي أصاب بعض مؤيدي سامي أبو شحادة، على خلفية تصريحاته في مقابلة تلفزيونية لدى اييلا حاسون، وهذا الحرج برأيي ليس في مكانه.

فقد اثار التصريح، الذي قد يكون في جزئية معينة وشكلية غير موفق، الا انه أصاب جوهريا في التطرق الى قضية أساسية لها علاقة بإمكانيات او فرص إعادة تشكيل الحركة الوطنية، وتمتين أسسها، على رأسها ليس فقط الامتناع عن قبول دعم مالي موجه لتشكيل اجندات سياسية تابعة، بل كذلك اهميته في بعث الروح مجددا في العمل الأهلي والشعبي التطوعي، والعودة الى فكرة بناء صندوق وطني يعتمد بالأساس على تبرعات، ولو ضئيلة، من عموم الناس، وربما اكبر من متمولين فلسطينيين وعرب، نعم عرب من العالم العربي، ولأجل بناء مجتمع وطني ومؤسسات وطنية قوية تقوينا، لا تضعفنا، وتستطيع ان تساهم جديا في تماسكنا كجماعة وطنية، ويجد بعض شبابنا مبتغاهم في العمل من خلالها، من غير التفريط بمواقف وطنية بل تقويهم..

 لقد حصل هذا سابقا وكان نافعا، وبأموال عربية، في مسيرة شعبنا الفلسطيني في الضفة والقدس وغزة حتى الانتفاضة الاولى، وساهم جديا في اندلاعها، كما لدينا في بعض مؤسسات المجتمع المدني، التي وان تحول بعضها الى ما يشبه المصالح الشخصية، فان جزءا من نشاطها ساهم ويساهم في تعضيد قوتنا كمجتمع وكشعب قادر على الصمود والتطور. وحتى أكون واضحا.. فان الأموال للتصويت تختلف جذريا عن تمويل جمعيه مهتمة بتغيير السياسات او بإدارة سليمة للسلطات المحلية.. المساهمة المالية في تسيير تصرفاتنا وخياراتنا السياسية مختلفة عن مسألة تنموية، هنا او هناك.

من السخافة الاعتقاد بان بعضنا، وخصوصا قيادات ونخب في مجتمعنا، تستطيع قول أمر او موقف في راديو او تلفزيون او اجتماع او أي منصة تواصل ناطقة باللغة العربية، وان تقول عكس ذلك او موقف مختلف جذريا في منصة عبرية او اجنبية… والعكس صحيح. ومن التفاهة المقولة بان أبو شحادة يشي للسلطة، لأنه فعلا يقول بموقف سياسي محض.. وهل القول صراحة وعلنا عن فساد الجمعيات والسلطات المحلية والأحزاب وفضح محاولات رشوتنا كأفراد او كشعب، ليست من صلب أي مشروع وطني حقيقي.. أصلا هل يستوي مثل هذا المشروع بغير هذا.. حتى لو استفادت السلطة، التي تسهل مثل هذه الأفعال، من مثل هذه التصريحات..

 مع تأكيدي بأنني لا أنسى سكوت التجمع وكل قياداته عن نفس الأموال في الانتخابات السابقة، والتي سبقتها.. وللحديث بقية. لكن هنا وباختصار فان من يهاجم أبو شحادة وينتقده على ما قاله لدى حاسون، يريد عمليا ان يدفن نقاش يجب ان يوضع على الطاولة.. وهو امر تتجنبه بعض النخب والقيادات اما مراءاة لأحزاب او انها مستفيدة مباشرة او غير مباشرة من الأموال التي تجمع عينيا لرشوتنا، وليس لزيادة منسوب الديمقراطية في إسرائيل، ولا لزيادة دورنا ووعينا كمواطنين.

أعني انه يجب ان نحاول ان نفهم ما يقف وراء هذا الهجوم الديماغوغي والمراوغ ضد تصريحات وموقف أبو شحادة الجوهرية، وان كانت في جزئية عينية لم تكن موفقة. والامر ليس بحاجة الى كثير من الجهد: اما انتقام سياسي من نجاح التجمع وأبو شحادة في مجابهتهم الانتخابية، رغم اخراجهم مما تبقى من المشتركة، او ان الدوافع هي شخصية، قد نعرفها اذا تم نشر تقرير عن صرف أموال اليسار اليهودي الأمريكي والإسرائيلي من خلال جمعيات معروفة، في دعم حملة التصويت، وهي حملة عامة ولم تؤثر البتة على مزاج التصويت بشكل عام، الذي ازداد بسبب أبو شحادة ونشطاء التجمع، لكنها قد تكون قد افادت قائمة الجبهة-الطيبي في بعض الاف من الأصوات، جندها عينيا جيش من حولي 600 شخص عملوا عينيا قبل يوم الانتخابات واثنائه لجلب ناس للتصويت، بل جلبهم بالتحديد للتصويت لحزب معين وليس كما يدعي البعض، للتصويت!

وعودة الى الفكرة الرئيسية التي اثارها بشجاعة سامي أبو شحادة، وهي قضية محاولة، وربما نجاح جزئي، لمحاولة رشوتنا، وهنا اعني رشوة بعضنا من خلال أموال تقدر بملايين الدولارات، وهنالك تقارير اجمالية منشورة ومعروفة، لكنها لا تذكر التفاصيل بالأساس خشية من فضح الطريقة عموما، وأسماء بعض المستفيدين من الأموال خصوصا، وجلهم ينتقدون بشدة جملة قالها أبو شحادة، لكنهم يتغافلون عن الاثار السياسية من وراء هذا الدعم.

وقبل ان ندخل في تفاصيل أموال الدعم الأخيرة يجب التأكيد ان المسألة لا تتعلق ابدا بان هنالك نشطاء عرب ويهود أرادوا اخراج العرب للتصويت، فهذا لا احد ينتقده، ومن الناحية الثانية، لا يوجد أي وجه من التماثل بين أموال جمعية الأهالي لدعم التصويت عام 1999، وبين ما يحصل الان. آنذاك، كان ثمة موقف وطني واضح ضد نتنياهو، وكان ثمة اجماع وطني داخلي وفلسطيني عاما حول ضرورة التخلص من نتنياهو، بما في ذلك من زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية، ياسر عرفات. طبعا آنذاك فهمنا لاحقا فداحة الخطأ وحجم ثمن المراهنة على مرشح اليسار – ايهود باراك- بعد انتخابه..

 لكن تلك التجربة يجب ان تعلمنا ان إعادة الكرة وإخراج العرب للتصويت بهدف منع نتنياهو، أي نجاح الائتلاف المناوئ بقيادة لابيد، هي مقدمة لفظائع ضد شعبنا، وخصوصا اننا أدركنا من تجربة حكومة اليمين -بينيت لابيد- المنتهية ولايتها، بأنها ليست اقل عنفا وجرائما وتجاهلا من حكومات يمين نتنياهو، وانها استعملتنا لتجميل وجه إسرائيل، ولم تقم بأي فعل سياسي يبرر هذا التجند لصالحها. وحتى يكون ذلك واضحا بجلاء فان الأموال التي استثمرت عينيا في جولات الانتخابات الأخيرة، من خلال جمعيات عربية، أتت بالأساس لأجل ذلك، وليس لتحفيز العمل السياسي كما يدعي بعض المستفيدين، او من يحاولون الانتقام من أبو شحادة، على خلفية نجاحه، وليس بسبب تصريحاته لدى حاسون. 

وعودة الى الأموال التي جندت ودفعت لأجل رشوتنا: هل من الممكن ان نفكر مثلا ان فض الشراكة مع التجمع اتت بطلب مباشر او غير مباشر، من جزء من الممولين او اتباعهم في اليسار الصهيوني، على اعتبار ان التجمع يمثل عائقا امام التوصية على مرشح مناوئ لنتنياهو؟

هل الموقف من توصية ممكنة لم يتأثر بهذا الدعم؟ هل هذه الأموال أتت فعلا بسبب الاهتمام في الديمقراطية وتفعيل المواطنة والمساواة، الخ.. ؟

نستطيع الحصول على أسماء كل الممولين، التي يجب ان تنشر أصلا من قبل الجمعيات القابضة، وممكن ان نفحص ونتطلع على مواقفهم من الاحتلال او الإجراءات في القدس او قانون القومية، او الاعتراف بالقرى البدوية في النقب، الخ من القضايا الجوهرية. وبسهولة ممكن ان نعرف ان كل هذا لا يعني غالبيتهم الساحقة.. ما يعنيهم فقط هو تسويق صورة إسرائيل كدولة غربية، ديمقراطية، ليبرالية، مع الاحتفاظ بكونها دولة يهودية .. وقد وجهوا امكانياتهم على اعتبار ان قوة العرب ستمنع نتنياهو وبهذا تستمر الدولة اليهودية في سياسات التفوق العرقي والابرتهايد من جهة وتستمر في تسويق نفسها “كديمقراطية يهودية” وليست دولة تفوق عرقي، من خلال بث وجه لابيد وغانتس ومنصور عباس، وربما الطيبي وعودة، وليس وجه نتنياهو وبن غفير ودرعي، الخ…

 باختصار فان الموضوع بالأساس لا يتعلق بجوهر التغيير بل بكيفية تسويقه، ومؤيدو إسرائيل من يسار يهودي ليبرالي يعيشون -وبحق- حالة ذعر، مما قد تسببه سياسات بربرية وعنصرية مفضوحة عالميا امام الكاميرات وقد يسوّقها بعض أعضاء حكومة نتنياهو بفظاظة كانتصارات لهم، بينما قد تؤدي الى تغيير جدي في الرأي العام الدولي، وقد تسبب حرجا من ناحية، وممكن ان تؤدي الى إجراءات عينية ضد إسرائيل وسياساتها ضد الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر.

لا اريد الاسترسال اكثر، وادرك تماما ان كل مراقب موضوعي قد ينتقد جمله هنا او هناك، لسامي أبو شحادة، او لغيره، لكن موقف أبو شحادة الصحيح في القضية العينية من فضح محاولة رشوتنا – الناجحة جدا، والتي من خلال دعم بضع ملايين اثرت على خياراتنا السياسية وجعلتنا جوهريا اسرى معسكر “لا لنتنياهو”، وبالأساس شكلت جيش من المدافعين عن فكرة التمويل والقبض السياسي، الذي برره بعضهم بمقولة “كل عمل سياسي بده مصارى”!

نعم صحيح  “بده مصاري” ولكن من شعبنا او من أهلنا او من أي مصدر، لا يهدف الى رشوتنا، واما ما حصل فهو عار، والعار الاكبر هو الدفاع عنه، بدل يجب المطالبة بكشف أوراقه، وأسماء المستفيدين ودوافعه ودوره في تشتيت عملنا السياسي وفي رشوة خيرة شبابنا الذين تحولوا الى قطاريز ينتظرون العطاءات قبل كل انتخابات، وخلالها وبعدها.. بدل ان يكونوا قيادات ومبشرين في اخراجنا من مأزقنا…  طبعا بالنسبة لمحاولي الانتقام لأسباب قبلية-حزبية، فالأمر لا يحتاج الى علاج – فالج لا تعالج…

Author: أسعد غانم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *