المال السياسي في التجربة الفلسطينية

سمير الزبن- العربي الجديد
إذا كنتَ فلسطينيًا، وتعمل في الشأن العام، وعندك اهتمامات بالسياسة، غالبًا ما تتعرّض إلى سؤالٍ يعتبر السائل جوابه البديهي، الإيجاب: من أي جهة فلسطينية تقبض راتبك؟ أو ما الجهة التي اعتمدتك على قوائم الذين يقبضون رواتبهم من الصندوق القومي؟ وإذا أجبت بالنفي، تعلو علامات الاستغراب وجه السائل، إما غير مصدّقٍ نفيك، لأن كثيرين ممن يتقاضون هذه الرواتب، والمنتشرين في كل مكان، يُنكرون أنهم يتقاضون هذه الرواتب، لكن، لأسباب مختلفة. شخصيًا، كنت مضطرًا عشرات المرّات لنفي تسلمي أي راتب من أي جهة فلسطينية. وهناك من لم يصدّق، وهم على قناعةٍ لا يمكن زحزحتها ويحلفون الأيمان أنهم متأكّدون، أنني أستلم راتبي منذ سنوات طويلة من الصندوق القومي.
من أين تأتي قناعةٌ كهذه؟ إذا تركنا الموضوع الشخصي جانبًا، والذي استخدمته للدلالة على طريقة تفكيرٍ سائدةٍ في الوسط السياسي الفلسطيني، وهو جزئيةٌ من ظاهرةٍ فلسطينيةٍ عامةٍ تخترق الأوساط السياسية الفلسطينية بكل طيفها، فنحن نجد أن هذه الظاهرة كرّست أوضاعا ومظاهر باتت بديهية، فقد استمر آلاف من الأشخاص (المناضلين!) الموجودين على القوائم المالية لمنظمة التحرير الفلسطينية يتسلمون راتبًا على مدى عقود، وليس لديهم أي عمل، سوى التسكع في الشوارع، بوصفهم مناضلين صنعوا الثورة الفلسطينية بنضالاتهم. على الرغم من أن نضالاتهم مقتصرة على التسكع على أرصفة الشوارع. لا يُعرف لأحدهم عمل يقوم به، غير ولائهم السياسي لمن اعتمدهم. أعرف أشخاصا يتقاضون رواتبهم منذ ثمانينيات القرن الماضي، من دون أن يقوموا بأي مهمة، حتى الخروج في مظاهرة أو اعتصام شكلي من أجل فلسطين. لا أعرف إذا كان هناك تجربة أخرى غير التجربة الفلسطينية أعطت رواتب لأناس بلا عمل عقودا، لأناس ليس لديهم مهمة غير الثرثرة والتسكع.
ليست هذه الظاهرة جزئية أو سطحية في التجربة الفلسطينية، فهي تضرب عميقًا في آلية القبض على القرار السياسي الفلسطيني، من خلال توظيف المال السياسي لإدارة الحقل السياسي من خلال التحكّم بالعاملين فيه. واعتمدت هذه السياسة، عندما لم تكن منظمة التحرير تسيطر على أرض، واستمرت حتى بعد بناء السلطة الوطنية. ساعدت التدفقات المالية الكبيرة على منظمة التحرير في السبعينيات على اعتماد سياسة شراء الذمم عبر “السياسات الريعية”، وأنتجت بنيةً سلطويةً لتوزيع الموارد والمنافع، من خلال شبكة علاقات اجتماعية عنقودية تراتبية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الساحة الفلسطينية قد تمت إدارتها بسياسات “ريعية”، أو ما يمكن تسميتها “سياسات الشيك” على نموذج “الدولة الريعية” في إعادة إنتاج علاقات السيطرة على النخبة الفلسطينية، والتي بدأت سياسةً اعتبرت ميزة للراحل ياسر عرفات، بأن الرجل لا يحارب المناضلين بلقمة عيشهم، فكان يمكن للقيادي الفلسطيني أو حتى الكادر الذي يختلف مع عرفات أن يعتكف في بيته، ويبقى راتبه ساري المفعول، مهما طالتإقامته في المنزل.

ولم تقتصر هذه السياسة على الكوادر الذين لهم خلافات مع القيادة الفلسطينية، بل سياسة اعتماد ولاءات عبر المال، وولاءاتٍ من فصائل أخرى، فلم يتم ربط الفصائل من خلال الكوتا المالية التي تتسلمها من الصندوق القومي فقط، بل تم تسجيل آخرين من هذه الفصائل على قوائم الصندوق القومي، يتقاضون رواتبهم من خارج كوتا الفصيل. هو في نهاية الأمر فساد مالي وشراء ذمم. وهذا ما كان يستثمر في سياق الصراع السياسي الفلسطيني الداخلي. على سبيل المثال، لم يكن هناك فرصة للحياة لانشقاق ياسر عبد ربه عن الجبهة الديمقراطية لأسباب مالية، من دون قرار ياسر عرفات بقسم الكوتا المالية للجبهة الديمقراطية من الصندوق القومي مناصفة بين الجبهة والمنشقين عليها. من دون ذلك الدعم المالي، لم يكن للانشقاق أن يعيش شهرا واحد.
كل الفصائل الفلسطينية مارست وما زالت تمارس سياساتها “الريعية”، بحسب قدراتها المالية المتراجعة. وهذا ما جعل السياسة المالية تتراوح بين التقتير والبذخ، حسب الاقتراب والافتراق السياسي. وحسب الوضع المالي في المرحلة المحدّدة، ولكنها في جميع الأحوال كانت سياسة بذخٍ بالنسبة إلى أناس معينين في وسط القيادة والكادر الفلسطيني. وقد تم ربط العلاقات “الريعية” من خلال العلاقات الأبوية مع الرجل الأول في القيادة الفلسطينية، وقد أدار ياسر عرفات هذه العلاقات بكفاءةٍ عاليةٍ. وكان المال بالنسبة له وسيلة فعالة في إدارة “قبيلة العمل السياسي” الفلسطيني المترحلة في المنافي والقبض عليها.
لم يختلف الوضع مع إقامة السلطة الفلسطينية، فقد اعتمدت السلطة سياسة التوظيف الشامل لشراء الولاء السياسي. وقدّر عدد العاملين في الأجهزة المدنية للسلطة الفلسطينية عشية الانتفاضة الثانية بأربعين ألفًا. وقدّر عدد عناصر الأجهزة الأمنية في ذلك الوقت بأربعين ألفًا أيضًا، أي رجل أمن لكل 65 مواطناً، في الوقت الذي بلغت نسبة عدد أفراد الشرطة إلى عدد السكان في لندن واحدًا لكل 3200 شخص. ليس للآلاف من هؤلاء أي مكان عمل، وهو ما يطلق عليه فلسطينيًا “تعيين مالي” أو “رتبة مالية”، أي هو يقبض راتبه باعتباره ضابطا، ولكن لا مهمات له، وليس له علاقة بالحياة العسكرية أصلًا.
نجح ياسر عرفات بإدارة الوضع الفلسطيني عبر أدواتٍ متعددة، كان المال إحداها، وقد أداره بكفاءة عالية، حيث باتت الأغلبية تعمل عنده بشكل أو بآخر. بدت طريقته في إدارة الوضع الفلسطيني ناجحة لشراء الولاءات والذمم، وأكثر احترامًا. وفي ظل إدارة الرئيس محمود عباس، أصبح شراء الولاءات والذمم أقرب إلى كاريكاتير بائس عن ممارسات عرفات، فهناك آلاف ممن يتقاضون رواتبهم اليوم على كشوف الصندوق القومي ومن الفصائل الفلسطينية، لا يصلحون حتى بوقًا لسلطة رام الله، وهؤلاء ليسوا مضرّين بالوضع المالي لمناضلين كثيرين فعلًا، بل هم مضرّون بالقضية الوطنية.
كلما زادت الأوضاع صعوبة، بات استخدام المال السياسي أكثر ضرراً، والذي يشكل في هذه الظروف جريمة وطنية، لا يفكّر أحد في إعادة النظر فيها، أو أن يتساءل عن جدوى هذا المال الذي بات يصرف في حالاتٍ كثيرة لأشخاص ميتين، ميتين بالمعنى الحقيقي.

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *