المؤسسة الرسمية المصرية تحتضن بدفء قاتل الجنود في نيتسانا

في صيف 2018، صادقت الكنيست على قانون يقضي باقتطاع أموال “الإرهاب” من موازنة السلطة الفلسطينية. يعاقب القانون السلطة على دعمها لذوي القتلى وأسرى الفصائل في السجون الإسرائيلية. كل واحد من هؤلاء يحصل على مخصصات شهرية، وفي المجمل تصل أموال الدعم هذه إلى مليار شيكل في السنة. ينص القانون على أن إسرائيل ستخصم من أموال الضرائب التي تحولها إلى السلطة مبلغًا يساوي المخصصات المالية التي تدفعها لعائلات الضحايا الفلسطينيين. وقد بادر لسن القانون عضوا الكنيست آفي ديختر وإليعازر شتيرن، ودخل حيز التنفيذ بعد بعضا من الوقت. لم يساعد احتجاج السلطة، خزينتها الفارغة والتي تتراجع شيئا فشيئا، ولا حتى تدخل الأصدقاء في الغرب لصالحها. فالقانون هو قانون، وأصرّت إسرائيل على تنفيذه حتى النهاية. ورأت في هذه المخصصات ترسًا مهمًا في المنظومة الفلسطينية التي تشجع وتحرض على القتل.

منذ ذلك الحين، لم تتوقف الحكومات الإسرائيلية عن اتهام السلطة الفلسطينية بالتحريض. تجندت جمعيات، صحفيون وباحثون على اختلاف أنواعهم للجهود التي تتهم السلطة بالتحريض. قاموا بتتبع والتفتيش في تصريحات كبار مسؤولي السلطة وكتبها المدرسية لإيجاد محتوى يحرض على المساس الإسرائيليين وعندما وصلوا إلى مبتغاهم، رقصوا طربا وكأنهم وجدوا الكثير من الغنائم. فلا شيء محق أكثر من كشف وجوه أعداءنا ممن يريد إلحاق الاذى بنا.

تذكرت ذلك في الأسبوعين الماضيين، في ضوء رقصة الكراهية تجاه إسرائيل في القاهرة بعد الهجوم الدامي في نيتسانا. التي أطلت برأسها من كل زاوية، في قمة المجتمع المصري، في وسطه وعلى هوامشه، وفي واقع الأمر تبين أنه جزء لا يتجزأ من الكود الجيني في نظرتهم لإسرائيل. حتى لو حاول شخص في بعض الأحيان إبداء رأي مختلف، في ذلك الوقت لم يكن هناك صوت أعلى من صوت الكراهية. عبارات التأييد للجندي محمد صلاح وعبارات الكراهية في مصر تجاه إسرائيل كثيرة وأقوى من تلك المستخدمة بين الفلسطينيين. صحيح أن الفلسطينيون غاضبون من إسرائيل، ويتعرضون للإذلال والضرب، وبعضهم يشعر بالاشمئزاز تجاهنا، لكن الكثير منهم يريدون العيش إلى جانبنا بسلام ولا يتعاطفون مع هذا المستوى من الشتائم. العداء الذي ستجدونه في مصر هو من النوع الأعمى الذي يمكن رؤيته عند حزب الله وأحياناً في أوساط حماس.

 لافتات عليها صورة صلاح تم تعليقها في مختلف أنحاء القاهرة وفي المتاجر وعلى جوانب الطرق. رسم الفنانون صورته على الجدران. كما حضرت الفنانة إلهام شاهين، إحدى أبرز نجمات الشاشة، جنازته. وتمنى علاء نجل الرئيس الأسبق مبارك أن يرحمه الله. وصرح النائب مصطفى بكري بأن صلاح سقط دفاعا عن الوطن. وفي مقال نشر في صحيفة الأهرام أشاد الكاتب بـ “التوأمين”. محمد صلاح لاعب كرة القدم الذي سجل 300 هدف ومحمد صلاح الجندي الذي “سجل” ثلاثة أهداف. المؤسسة الرسمية احتضنته، وفي مصر اليوم يعتبر قتل الجنود الإسرائيليين قيمة كبرى.

 ولم يطالب أي سياسي إسرائيلي بفحص التحريض ضد إسرائيل في الكتب المدرسية المصرية، ولم يقترح أي عضو كنيست قانونًا من شأنه الإضرار بالعلاقات مع مصر أو اقتصادها. هذه هي مصر التي تمتدح الجهات الأمنية والدبلوماسية العلاقات معها ويقولون انها تحسنت في السنوات الاخيرة. في المرة القادمة عندما نرى دبلوماسيا إسرائيليا يتحدث بتملق لمصر وعظمتها علينا ان نتذكر مرتضى منصور هذا اسم لشخصية مصرية سياسية معروفة. مهنته محامٍ، يشغل منصب رئيس نادي الزمالك لكرة القدم، بالإضافة إلى نشاطاته العامة، فإن منصور شعاراتي محترف، يرى الكثيرون فيه أنه يمثل صوت الجمهور. وبعد أيام قليلة من الهجوم، عقد منصور مؤتمر صحفي وسئل عن رأيه في الجندي المصري محمد صلاح.

” الشهيد محمد صلاح ” أجاب وأضاف: سأفعل له شيئاً مميزاً. سأطلق اسمه على إحدى المنشآت في نادي الزمالك. وهناك شيء اخر. وقال لو كان الأمر بيدي، أقسم أنني كنت سأقتل نتنياهو “.

مر يومان، وبالفعل، تم وضع لافتة في مجمع النادي الفاخر. وسميت حديقة عامة باسم القاتل. منصور، في نفس المؤتمر الصحفي لم يهدأ..” أطفال فلسطينيون يقتلون كل يوم والوزير المجنون يأتي ويقتحم الأقصى.. وتابع غاضبا “هذا تحدي للمسلمين جميعا. ثم يتحدثون عن السلام. هل هذا سلام بين دول، أو بين دولة وعصابة. حينها قُتل ثلاثة من جنودهم. دعهم يموتون”.

لا يمكن لشخصية حيوية مثله أن تعمل من دون دعم متواصل من أعلى. فقط من يحصل على التأييد من السلطات يسمح له بالإدلاء بتصريحات تتعلق بالشؤون الخارجية والأمن. على الرغم من كونه شخصية غير رسمية الا انه يعتبر مبعوث المؤسسة في بعض الأمور السياسية وسقف التصريحات. من الناحية الشكلية يعمل منصور على تشكيل الرأي العام لحسابه لكنه فعليا هو يتحدث باسم المستويات العليا. لو أنه اتخذ موقفا مستقلا أو تحدى السلطات لكلفوا أنفسهم عناء اسكاته. لا داعي للقول إن أحدا لم يحتج في القاهرة على مواقفه أو يحاول تصحيحها. لا سيما فيما يخص الجملة الأخيرة المتعلقة بقتلى الجيش الإسرائيلي الثلاثة. ولا حتى الجيش الذي يعرف كل واردة وشاردة. هذا هو نفس الجيش الذي قيل إن علاقاته مع الجيش الإسرائيلي قد توثقت في السنوات الأخيرة، إلى درجة أن إسرائيل تفرض حظرا للنشر حول مستوى التعاون معه. وهنا يقتل ثلاثة جنود من الجيش الصديق يقتلون على يد جندي من حرس الحدود، وفي القاهرة، بدلاً من أن يخجلوا، يحتفلون بإراقة الدماء وليس مجرد احتفال ولكنه احتفال ضخم.

الوجه الآخر

لكن هذه العملة لها وجه آخر أيضًا. كلام مرتضى منصور ليس مجرد هجوم كراهية على إسرائيل. لقد تضمن في داخله رسائل سياسية مهمة يحاول المصريون التعبير عنها في اتصالاتهم مع الإسرائيليين ولكنهم لا يجدون آذانا صاغية. على سبيل المثال، دعم الشارع المصري للفلسطينيين. هذا دعم حقيقي وعميق مبني على قيم وعلاقة قومية وقواسم مشتركة كثيرة. يضاف إلى ذلك مقتل المتظاهرين الفلسطينيين والمهاجمين بنيران الجيش الإسرائيلي والتوترات في القدس الشرقية.

يعتقد المصريون بأن إصبع إسرائيل خفيف على الزناد، وأنها ليست مضطرة أن تقتل كل من يحاول القيام بعملية دهس أو طعن، فهي تستطيع تحييده وابقاءه على قيد الحياة. ومن وجهة نظرهم، فإن القوة المبالغ فيها التي تستخدمها إسرائيل منذ عدة سنوات في الضفة الغربية، هي التي أدت إلى بروز المنظمات المسلحة. يرى الشبان الفلسطينيون القبضة الحديدية للجيش الإسرائيلي في نابلس وجنين، والبعض منهم، بدلاً من البقاء في المنزل، يقرر الخروج والانتقام. كل هذا جاء بعد عقد أو أكثر من إضعاف إسرائيل للسلطة الفلسطينية، وبالتالي أضعفت قبضة الشرطي والشريك الأول في أهميته في الصراع من أجل القانون والنظام. دور إسرائيل الجزئي في تدهور الأوضاع في المناطق، والسؤال من هو بالضبط رجل الإطفاء ومن هو مشعل الحرائق في هذه القصة، هي مسألة من العيار الثقيل وتستحق النقاش والبحث. يزعم المصريون أننا نتسرع في استخدام القوة، وأننا لا تهمنا حياة الآخرين. هذا النقاش لا يحدث في إسرائيل 2023. لا في الجمهور ولا في قمة الهرم الحاكم. ستصل إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى اليوم التالي لأبو مازن ضعيفتان ومختلفتان، على العكس من خصميهما حماس والجهاد الإسلامي، الأكثر إصرارًا واللتان تحصلان على التأييد من قبل جمهور متعاطف. في القاهرة والعواصم العربية يعتقدون أن إسرائيل تستفز العالم الإسلامي بشكل متواصل وباستمرار. مسيرة الأعلام، زيارات ايتمار بن غفير إلى الحرم القدسي، زيارات جماعية للمصلين اليهود بشكل يومي؛ كل هذا يُنظر إليه على أنه خطوات صدامية وازدراء القوي ومساس متعمد بمشاعر الآخرين. هذا الأمر مشابه لقيام المسلمين بالتجمع أو إقامة الاحتفالات الدينية في ساحة الحائط الغربي.

 أكثر من مرة، في السنوات الأخيرة، أعرب كبار المسؤولين المصريين عن رأيهم بشأن هذه القضايا أمام نظرائهم الإسرائيليين ولوحوا ببطاقات التحذير. قبل وقت طويل من بدء حسن نصر الله في استفزاز إسرائيل في العام الماضي، حذر المصريون من أن الجبهات الأخرى قد تنضم إلى عمليات إلهاب المشاعر. كل هذا حشره مرتضى منصور في كلماته باستخدام تلميحات ورموز موجزة. من المخجل أن يتم تغليفهم بعبارات الازدراء لمقتل جنود إسرائيليين. ليس هكذا يتصرف الأصدقاء. من ناحية أخرى، سئم المصريون أيضًا من تقديم النصيحة والتحذير، وبعد ذلك شاهدوا كيف يتحقق السيناريو الذي حذروا منه. بالنسبة لهم، فلسطين ليست مشكلة إسرائيل وحدها. يمكن أن يؤدي انفجار الاوضاع في الحرم القدسي إلى أن يتسع ويصل إلى مصر، ومع قطاع غزة لديهم حدود مشتركة.

عن أطلس للدراسات والبحوث ( المصدر: معاريف)

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *