قائمة المحتويات: 

مقدمة

أولاً: المشهد الأمني – العسكري الإسرائيلي 2020-2025

أ) العقيدة الأمنية الإسرائيلية؛ إلى أين؟

1. الاستراتيجيا العسكرية الإسرائيلية

2. التفوق التكنولوجي العسكري النوعي

3. الذكاء الاصطناعي في المواجهة العسكرية

4. استراتيجيا دفاع حدودية جديدة

5. المنع الاستباقي كأولوية في العقيدة الأمنية

6. الردع

ب) التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة

ج) المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل

د) الصناعات والصادرات العسكرية الإسرائيلية

هـ) التحولات البنيوية في الجيش (2020-2025)

1. التجنيد في إسرائيل (2020-2025)

2. التسليح في إسرائيل (2020-2025)

3. الموارد في إسرائيل (2020-2025)

ثانياً: المشهد الفلسطيني في ظل الحرب على غزة

أ) هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر والحرب على غزة سنة 2023

ب) أهداف الحرب المعلنة وغير المعلنة

ج) مؤشرات الإخفاق والتحديات

1. عنصر الإنذار المبكر

2. عنصر الردع

3. عنصر الدفاع

4. عنصر الحسم

د) المشهد الأمني والعسكري في قطاع غزة والضفة الغربية سنة 2024

1. الحرب على غزة سنة 2024

2. المشهد الأمني والعسكري في الضفة الغربية قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر

3. المشهد الأمني والعسكري في الضفة الغربية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر

ثالثاً: المشهد الإقليمي العام في ظل الحرب على غزة

أ) التطبيع كهدف استراتيجي في اتفاقات أبراهام 2021

ب) المشهد الإقليمي العام في ظل الحرب على غزة

1. المشهد الأمني الإقليمي سنة 2024 – ملامح عامة

2. الجبهة الشمالية: تحليل المواجهة بين إسرائيل وحزب الله

3. إسرائيل أمام المشهد السوري الجديد

4. التصعيد الأمني في البحر الأحمر

5. إسرائيل وإيران سنة 2025: مفترق طرق استراتيجي؟

خاتمة

المراجع

مقدمة

يأتي هذا الفصل في سياق تحوُلات جذرية شهدها الواقع الأمني والعسكري الإسرائيلي خلال الفترة 2020-2025، وخصوصاً عقب أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي شكلت نقطة تحوُل استراتيجية غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل منذ تأسيسها، والتي وُصفت بالزلزال الاستراتيجي في التقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية. ويهدف هذا الفصل من الدليل إلى تقديم قراءة تحليلية معمَّقة للتحولات الاستراتيجية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وطبيعة علاقاتها مع القوى الإقليمية، ومستقبل الصراع في المنطقة.

ويكتسب هذا الفصل أهمية استثنائية كونه يرصد فترة زمنية شهدت تغيرات دراماتيكية في المفاهيم الأمنية الإسرائيلية: من إدارة الصراع إلى محاولة حسْمه، ومن الردع إلى المنع الاستباقي، ومن الاعتماد على التكنولوجيا إلى إعادة اكتشاف أهمية العنصر البشري في المواجهات العسكرية. كما يلقي الفصل الضوء على تداعيات هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر الذي كشف عن إخفاقات غير مسبوقة في أركان العقيدة الأمنية الإسرائيلية: الإنذار المبكر، والردع، والدفاع.

ويتكون الفصل من 3 فصول رئيسية مترابطة:

الفصل الأول: يتناول المشهد الأمني-العسكري الإسرائيلي في الفترة 2020-2025 بتحليل معمَق للعقيدة الأمنية الإسرائيلية وتحوُلاتها، والتعاوُن الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والمساعدات العسكرية الأميركية، وتطوُر الصناعات والصادرات العسكرية الإسرائيلية.

الفصل الثاني: يركز على المشهد الإقليمي في الفترة 2020-2025، متناوِلاً حدثَين مفصليَين: التطبيع كهدف استراتيجي إسرائيلي، والبيئة الاستراتيجية الإسرائيلية في ظل الحرب على غزة.

الفصل الثالث: يستعرض المشهد الفلسطيني في ظل الحرب على غزة، محلِلاً هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر وتداعياته، والمشهد الأمني والعسكري في قطاع غزة والضفة الغربية سنة 2024.

وما يضيفه هذا الفصل هو قراءته للتحولات الاستراتيجية في المنطقة ضمن سياق تأثير الدومينو الذي أحدثتْه الحرب على غزة في علاقات إسرائيل بمحيطها الإقليمي، وتأثير ذلك في مبادرات التطبيع والمواجهة مع إيران ومحور المقاومة، وتحديداً بعد سقوط نظام الأسد في سورية، وإضعاف حزب الله في لبنان.

هذا ويقدّم الفصل خلاصة استقراءات لمستقبل المشهد الأمني والعسكري في المنطقة على ضوء المتغيرات الحالية، ويطرح سيناريوهات ممكنة لمسار الصراع في ظل استراتيجيا الحد الأقصى التي تتبناها إسرائيل، والتي تهدف إلى تغيير جذري في الواقع الديموغرافي والجيوسياسي للمنطقة. بالإضافة إلى التوقف عند التحديات الاستراتيجية التي يمكن أن تواجهها إسرائيل في المراحل المقبلة من المواجهة، إذ إن استمرار الحرب من دون استراتيجيا سياسية واضحة يمكن أن يدفع نحو الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد من دون تحقيق الأهداف المرجوة.

أولاً: المشهد الأمني – العسكري الإسرائيلي 2020-2025

أ) العقيدة الأمنية الإسرائيلية؛ إلى أين؟

يعرَّف الأمن القومي لأي دولة في العالم بأنه قدرة الدولة على الحفاظ على مصالحها والدفاع عنها. لكنّ تعريف الأمن القومي الإسرائيلي يكاد يكون شاذاً عن كل تلك المفاهيم؛ إذ يعرّف دافيد بن-غوريون الأمن القومي الإسرائيلي بقوله إنه “الدفاع عن الوجود”، مرهوناً بالهاجس الأمني الذي يقوم على الفرضية القائلة إن إسرائيل موجودة في حالة خطر كياني دائم، لذلك، فإن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي يمتد ليشمل محاولة التأثير في خط التفاعلات الإقليمية، التي تضمن منْع أي تحديد لقدرات إسرائيل السياسية والجيوسياسية، الأمر الذي يفرض احتكاكاً دائماً بمحيطها الإقليمي، وفرْض التعامل معها على أساس واقع لا يمكن تغييره، وهو ما يضع إسرائيل أمام معضلات استراتيجية تتطلب استراتيجيا عسكرية فاعلة، كالملف النووي الإيراني.[1]

ولا يوجد نموذج محدد لنظرية الأمن القومي الإسرائيلي التي تتجاوب مع متطلبات الواقع الإسرائيلي، إنما هناك تراكُم متدرج للمبادئ والأسس الخاصة بالاستراتيجيا الأمنية المبنية على التجربة العسكرية منذ الاستيطان اليهودي في فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، والتجربة التي اكتسبتها المنظمات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية والنكبة، بالإضافة إلى المعطيات الجيوسياسية. وفضلاً عن ذلك، فإنه لا يوجد نص مكتوب وواضح ومتكامل لنظرية الأمن الإسرائيلي؛ فقسم منها تم تداوُله شفهياً، والقسم الآخَر تمت كتابته على شكل قوانين سنّها البرلمان الإسرائيلي وقرارات صادرة عن حكومات إسرائيل المتعاقبة، وكذلك على شكل تعليمات من قيادات عسكرية بارزة في الجيش وأوامر هيئة الأركان العليا، بالإضافة إلى كتب وكتيبات إرشاد صادرة عن أذرع الجيش الإسرائيلي.

وما زال المفهوم الأمني يؤسَس على جعْل الدول العربية تقبل بوجود الدولة اليهودية. أساساً، كانت إسرائيل التي تصوَّرها بن غوريون دولة تسعى لفترات طويلة من الهدوء، ولتجنُّب المواجهات العسكرية قدر الإمكان، لكن يتوجّب عليها، إذا دعت الحاجة، أن تحقق نصراً سريعاً بسبب صغر حجمها ومحدودية مواردها البشرية. وعلى هذا الأساس وُضعت مرتكزات العقيدة الأمنية، وأهمها:[2]

– أولاً: تعزيز قوة الردع.

– ثانياً: نقْل المعركة في أقرب وقت ممكن إلى أرض العدو، وإنهاؤها بسرعة.

– ثالثاً: تدمير قوات العدو العسكرية ومعداته.

– رابعاً: هجوم استباقي أو حرب خاطفة وقائية في حال التأكد من خطر وشيك.

– خامساً: سلاح نووي كخيار أخير.

1. الاستراتيجيا العسكرية الإسرائيلية

تقوم العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة على فرضية أساسية فحواها أن إسرائيل تعيش في بيئة معادية تُهدد وجودها بصورة دائمة، الأمر الذي يتطلب صوغ استراتيجيا عسكرية شاملة تتجاوز حدود الدفاع التقليدي إلى الردع والهجوم الاستباقي. ومع مرور العقود، لم تُصَغ هذه العقيدة في وثيقة رسمية مكتوبة وموحَّدة، إنما تبلورت ضِمْنَ الحروب والتجارب الأمنية، بحيث شكّلت كل مواجهة مع العرب أو الفلسطينيين فرصة لإعادة صوغ مرتكزات العقيدة. وفي هذا الإطار، برزت محطات رئيسية حاولت أن تعكس طبيعة التحديات الجديدة، بدءاً من الخطة الخمسية سنة 2012، مروراً بالوثيقة العسكرية سنة 2018، وصولاً إلى خطة أفيف كوخافي سنة 2020؛ جيش صغير وقاتل.

ومع الزمن، ظهرت الحاجة إلى إعادة تعريف الاستراتيجيات العسكرية الإسرائيلية في ضوء التحولات الإقليمية، فجاءت الخطة الخمسية سنة 2012 لتؤكد استراتيجيا الردع كركيزة، لكن مع تعديلات جوهرية تتعلق بترشيد الموارد وتقليص حجم الجيش النظامي، في مقابل تعزيز قدراته النوعية، وخصوصاً في مجالات التكنولوجيا العسكرية والاستخبارات.[3] وفي المقابل، ركزت الوثيقة العسكرية على 3 وظائف استراتيجية للجيش: الردع، والدفاع، والحسم السريع، وهو ما عَكَسَ استمرار الرهان في استراتيجيا الحروب القصيرة، بمعنى نقْلِ المعركة سريعاً إلى أرض العدو وإنهائها خلال أيام معدودة لتجنُّب الاستنزاف، وهذه الخطط جسّدت تحولاً من نموذج الجيش الكبير المتعدد الجبهات إلى نموذج أكثر تخصُّصاً يعتمد على القوة الجوية والاستخبارات.[4]

غير أن التحولات الميدانية أفرزت مفهوماً جديداً عُرف بالمعركة بين الحروب، الذي مثّل أداة أساسية لإدارة الصراع من دون الانجرار إلى حرب شاملة، وتقوم هذه الاستراتيجيا على تنفيذ ضربات وقائية مركَّزة لإضعاف الخصوم ومنْع تراكم قوتهم، سواء في سورية أو لبنان أو غزة، وقد صيغت باعتبارها استراتيجيا احتواء متطورة تسمح لإسرائيل بالحفاظ على مستوى منخفض من التوتر، من دون دفْع ثمن الحرب الكبرى. ومع مرور الوقت، تحول مفهوم المعركة بين الحروب إلى عنصر بنيوي في العقيدة الأمنية، حتى إن نجاحها النسبي في إبطاء تعاظم قدرات حزب الله وإيران عُدّ دليلاً على فاعلية الرؤية الإسرائيلية الجديدة.

ثم جاءت سنة 2020 ليطرح رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي خطته الطموحة التي كان عنوانها “جيش صغير وقاتل”، التي كانت تتويجاً لمسار سابق من التقليص، لكنها حملت بعداً أكثر وضوحاً على صعيد تبنّي استراتيجيا الجيش الصغير الذي يعوض حجمه المحدود بقدرات نارية وتكنولوجية فائقة. أراد كوخافي أن يجمع بين استراتيجيا الحسم السريع والتفوق التكنولوجي، معتمداً على الدمج بين الوسائل الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، والطائرات المسيّرة. وقد أكدت الخطة أن الجيش، على الرغم من صغر حجمه، فهو يستطيع تحقيق ضربات مميتة إذا نُظمت عملياته شبكياً حيث يكون الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية اللحظية.[5]

غير أن النقاش داخل المؤسسة الأمنية كشف عن مفارقة استراتيجية؛ فبينما أكدت الخطة المناورة البرية السريعة، فقد كان يتم في الواقع تقليص الوحدات البرية والاعتماد أكثر فأكثر على سلاح الجو والتكنولوجيا، ويعكس هذا التناقض المعضلة الإسرائيلية الأعمق: كيف يمكن لجيش صغير أن يدير صراعات متعددة الجبهات (غزة، ولبنان، وإيران) في وقت واحد؟ هنا برزت إشكالية الجمع بين استراتيجيا الردع واستراتيجيا الجيش الصغير؛ إذ إن الأولى تحتاج إلى إظهار قدرة واسعة النطاق، بينما الثانية تفترض الاكتفاء بضربات نوعية.

حتى قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تعتقد أن هذه المنظومة –المتمثلة في الجيش الصغير المتطور تكنولوجياً، والمدعومة باستراتيجيا المعركة بين الحروب– قادرة على ضمان الأمن وتأجيل الحرب الكبرى. وقد بدت جولات القتال المحدودة في غزة (2021 و2022) وكأنها تثبت صحة هذه الفرضيات، إذ ظهر أن الفصائل الفلسطينية مردوعة نسبياً، وأن الردع التكنولوجي قادر على التحكم بالمشهد، غير أن هذه الرؤية انطلقت من افتراضات خاطئة بشأن سلوك الخصم، واعتمدت على ثقة مفرطة بالتكنولوجيا على حساب الاستخبارات البشرية والقدرة على المناورة الميدانية.

وقد مثّلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر مزيجاً من 4 استراتيجيات عسكرية:

– استراتيجيا الردع: ترتكز على إظهار القوة العسكرية النوعية لمنع الخصم من التفكير في المواجهة. والهدف ليس استخدام القوة فحسب، بل أيضاً إنشاء قناعة لدى العدو بأن كلفة أي هجوم ستكون أكبر كثيراً من مكاسبه.

– استراتيجيا الحروب القصيرة: تعتمد على نقل المعركة بسرعة إلى أرض العدو وإنهائها خلال أيام معدودة. وهذه الاستراتيجيا تستند إلى محدودية الموارد البشرية والجغرافية لإسرائيل، الأمر الذي يجعل الحسم السريع شرطاً لبقائها في حالة حرب.

– استراتيجيا الاحتواء والمعركة بين الحروب: تهدف إلى إدارة الصراع من دون حسمه، وذلك عبر ضربات وقائية مستمرة تقلص قدرات الخصوم، وتمنع تراكم القوة لديهم، وهي أداة استنزاف محسوب؛ تبقي التوتر تحت السيطرة، وتؤجل اندلاع الحرب الكبرى.

– استراتيجيا الجيش الصغير والذكي: صاغها كوخافي سنة 2020 تحت شعار “جيش صغير وقاتل”، وترتكز على بناء قوة محدودة الحجم، لكن عالية الفاعلية، وذلك عبر دمج القدرات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية. وهدفها هو تحقيق قتالية عالية بأقل تكلفة بشرية.

هذا الخليط من الاستراتيجيات بدا متماسكاً على الورق، لكنه حمل داخله تناقضات عميقة انكشفت بوضوح عند اختبارها في 7 تشرين الأول/أكتوبر، حين اصطدمت الرؤية التكنولوجية بمفاجآت الميدان، وانهارت فرضية الردع التي شكّلت أساس العقيدة لعقود.

ومنذ الحرب على لبنان سنة 2006 حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تقع الرؤية الأمنية (Conception)، التي تُعتبر الموجه العام لسياسات الحكومة، والتي بحسبها تصوغ سياستها الأمنية واستراتيجيتها العسكرية على المدى البعيد، في صلب الإخفاق العسكري الاسرائيلي في 7 تشرين الأول/أكتوبر؛ فهذه الرؤية افترضت لأعوام عديدة أن “حماس” مردوعة وغير معنية بحرب مع إسرائيل، إذ نضجت بالتدريج عقب انسحاب إسرائيل من قطاع غزة (2005)، ثم الانقسام الفلسطيني وتفرد “حماس” بحكم القطاع (2007)، ثم الحروب الإسرائيلية عليه (2008، و2014، و2021)، ثم ترسخت بعد جولة القتال سنة 2022 التي لم تشارك فيها “حماس”، وبقيت محصورة مع الجهاد الإسلامي.

وقد شكّل فك الارتباط الإسرائيلي عن قطاع غزة سنة 2005 نقطةَ تحوُّل بنيوية في مسار الصراع؛ إذ لم يكن خطوة في اتجاه إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، إنما كان سياسة أحادية الجانب هدفت إلى تقليص العبء الديموغرافي، وتعميق الفصل بين غزة والضفة الغربية بما يعيق إمكان بلورة كيان فلسطيني موحد. ومنذ ذلك الحين، انتقلت إسرائيل من نموذج السيطرة الميدانية المباشرة إلى نموذج الحصار والتحكم عن بعد، وذلك عبر فرض سيطرة شاملة على المعابر والمجالين الجوي والبحري، والإبقاء على الهيمنة الاقتصادية.[6]

على الصعيد الأمني، ساهم هذا التحول في ترسيخ قناعة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن أدوات الردع التكنولوجية والاستخباراتية الاصطناعية –كالطائرات المسيّرة، وأنظمة المراقبة، والقبة الحديدية– قادرة على ضمان الأمن من دون الحاجة إلى وجود بشري واسع على الأرض، غير أن هذه الرؤية التي تبلورت في سياق العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ حرب لبنان 2006 ولدت اعتماداً مفرطاً على التكنولوجيا على حساب الاستخبارات البشرية والمناورة الميدانية، وقد تراكم هذا الوهم الأمني وصولاً إلى 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث انهارت منظومة الإنذار المبكر أمام هجوم منظم وواسع النطاق.[7] وفي الوقت ذاته، أتاح غياب الاحتلال المباشر للفصائل الفلسطينية حرية أكبر لتطوير قدرات عسكرية متقدمة، كمنظومات الصواريخ العابرة للمدن وشبكات الأنفاق تحت الأرض.

أمّا سياسياً واجتماعياً، فقد أدى الانسحاب وما تلاه من سيطرة حركة “حماس” على القطاع سنة 2007 إلى ترسيخ الانقسام الفلسطيني الداخلي، وتحويل غزة إلى فضاء محاصر ومعزول يعيش تحت ضغط العقوبات الجماعية، وقد غذى هذا الواقع المركب بيئةً من التذمر واليأس، وكرس ثقافة المقاومة المسلحة، الأمر الذي جعل المواجهة الواسعة مع إسرائيل مسألة وقت.[8] وقد اعتمدت إسرائيل في هذه المرحلة على استراتيجيات كالاحتواء، وجز العشب، أي إدارة الصراع عبر جولات تصعيد محدودة تهدف إلى تأجيل الحرب الشاملة بدلاً من حسمها.

وبناءً على ذلك، لا يمكن اختزال هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر كنتيجة مباشرة لفك الارتباط، غير أن الانسحاب مهد للشروط البنيوية التي أفضت إليه: تفكك الجغرافيا والسياسة الفلسطينية، والاعتماد الإسرائيلي المفرط على السيطرة عن بعد والردع التكنولوجي، وتحويل القطاع إلى سجن مفتوح قابل للانفجار. وهكذا، انتهت الخطوة التي صُممت في الأصل لتقليص المخاطر الأمنية وتثبيت الردع –بعد 18 عاماً– إلى الكشف عن حدود هذا النموذج ونتائجه العكسية.[9] وقد افترضت الرؤية الأمنية أن الصراع بين الجانب الإسرائيلي والجانب العربي، وخصوصاً الفلسطيني، سوف تتم إدارته في نهاية المطاف عن طريق التحركات الدبلوماسية والاتفاقيات السياسية المبنية على موقف إسرائيلي حازم (“الجدار الحديدي”)، التي يكمن في جوهرها التنسيق والتعاون الأمني – العسكري.[10]

ولهذا، فقد تم اختيار استراتيجيا الأمن الدفاعي، واعتُمدت استراتيجيا الاحتواء، واستراتيجيا جز العشب، اللتان تمثلتا في مواجهة القضايا الأمنية اليومية، ومحاولة تأجيل الحروب عن طريق الردع بأنواعه، والاعتماد على جيش نوعي صغير، والحفاظ على جيش احتياط كبير يتم تجنيده بناءً على تحذير استخباراتي، الأمر الذي استوجب استراتيجيا عسكرية مبنية على مفهوم الحروب القصيرة، ومبدأ المعركة بين الحروب.

وبعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، يتفق معظم مراكز الأبحاث المعنية بالدراسات الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية على أن أحد استخلاصات هذا الهجوم والحرب على قطاع غزة هي أن عقيدة الأمن القومي التي كانت سائدة قبل الهجوم لا بد من تعديلها وإعادة صوغ مفاهيمها وركائزها؛ إذ كشفت الحرب عن نقاط ضعفها وعدم وملاءمتها مع البيئة الإقليمية. ويتم تسليط الضوء، سنة 2024 بصورة خاصة، على ضرورة اعتماد إسرائيل استراتيجيا مكتوبة تعالج مختلف التهديدات التي تواجهها في المنطقة. وهناك إجماع على أن أحد أسباب الفشل السياسي في 7 تشرين الأول/أكتوبر هو عدم وجود استراتيجيا أمنية رسمية، وهو ما يستوجب كتابتها كوثيقة رسمية تراجَع وتحدَّث دورياً لتساهم في تنجيع عملية صنع القرار في مجال الأمن القومي في منطقة معقدة ومتغيرة،[11] وهو ما تم فعلاً اقتراحه كمشروع قانون جديد في نهاية سنة 2024.

لقد أدى هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى التركيز مجدداً على مختلف مكونات العقيدة الأمنية: كالنظرية الأمنية، والاستراتيجيا العسكرية، والمفهوم العملاني، وتحديداً عدم التوافق بين الاستراتيجيا العسكرية والجانب العملاني.[12] لكن الحرب نفسها أنشأت شعوراً بأن هذه الرؤية فشلت، وأنه يجب على إسرائيل تبنّي رؤية جديدة تفترض حسم الصراع بدلاً من إدارته؛ أي هزيمة العدو بصورة حاسمة كي لا يشكّل تهديداً مستقبلياً، وهو ما يتطلب تغييراً جذرياً في المعتقدات والمفاهيم في الوعي الإسرائيلي: كالتضامن المطلق، والتضحية بالمحتجَزين (Necropolitics)، والتضحية الوطنية (Patriotic Sacrifice)، وذلك باعتبار أن الحرب التي تديرها إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر تختلف جوهرياً عن الحروب السابقة، إذ شكّلت زلزالاً استراتيجياً لإسرائيل بمفاهيم سياسية وعسكرية، وتحديداً الهجوم ذاته.

وقد حدد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو استراتيجيا الحد الأقصى للحرب على غزة بهدف تحقيق النصر التام، والتي تشمل تدمير “حماس” وبناها التحتية، وإنشاء واقع جديد لا دور لـ “حماس” فيه. وبهذه المقاربة، دمج نتنياهو البعدين السياسي والعسكري، متجاوزاً قول كارل كلاوزفيتز: “الحرب هي السياسة بوسائل أُخرى”، والتي تعني القتال حتى الرمق الأخير، بحيث يصبح التدمير والسحق هدفاً بحد ذاته. وتتجسد هذه الاستراتيجيا في تفكيك النظام الصحي، وإنشاء كارثة ذاتية التغذية عبر تدمير البنى التحتية، كشبكة المجاري والمراكز الصحية التي تحولت إلى مراكز نزوح للمدنيين. بمعنى آخر، إنها تسعى لتحويل غزة إلى منطقة غير صالحة للسكن، محققةً بذلك مشروع التهجير تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، بحسب وصْف بنيامين نتنياهو، وهو مجرد تبييض لغوي للتهجير الإجباري.

أيضاً، تعتمد إسرائيل في حربها على غزة استراتيجيا عسكرية وضعها رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي سنة 2023، تُسمى “الصعود” (Ascent)، وتركز على القتال الهجين (Hybrid Warfare) الذي يدمج بين القتال التقليدي وغير المتماثل (Asymmetric Warfare). وقد شدد هاليفي على العنصر البشري وتشجيع المناورة البرية، كما ركز على القتال المختلط بين الأسلحة، كالمشاة والمدرعات والقوات الخاصة وسلاح الهندسة، بالإضافة إلى الدعم الجوي والمدفعي.

ومن الجدير ذكره أن إسرائيل لا تزال دولة لا تملك رؤية سياسية واستراتيجية لحل سلمي ودائم للصراع الإسرائيلي – العربي، إنما تجذرت فيها الذهنية العسكرية، التي تنسجم مع مفهوم الأمن القومي الكلاسيكي الذي يرتكز على البعد الأمني – العسكري، والتي تعتمد نظرية الأمننة (Securitization) التي تزعم أن التهديدات ليست بالضرورة حقيقية، إنما يجب التعاطي معها على أنها حقيقية، ولا بد من مواجهتها عسكرياً. كما أن هناك تفشياً لظاهرة “العسكريتارية”؛ أي تعزيز دور الجيش وحضوره في المجالات المتعددة، ويتصاعد هذا الدور بناءً على الإنجازات العسكرية والمكاسب والامتيازات الممنوحة إلى المؤسسة العسكرية التي برزت بوضوح في الحرب على غزة.

ومن أبرز عناصر العقيدة الأمنية والاستراتيجية العسكرية التي تتم مراجعتها:

2. التفوق التكنولوجي العسكري النوعي

في العقد الأخير، استمرت إسرائيل في عملية تراكم قدراتها التكنولوجية العسكرية عبر الاعتماد على الصناعات العسكرية الإسرائيلية، والتعاون العسكري مع الولايات المتحدة، وبرز اهتمامها في أدوات الحرب التكنولوجية، منها تطوير عقيدة القتال السيبراني في المعركة التقليدية، والتي تناسب الرؤية الاستراتيجية المعتمدة في إسرائيل؛ فالهجمات السيبرانية يمكن أن تكون مفيدة كسلاح يُستخدم في الضربة الأولى، لأنها تتمتع بميزة المفاجأة، وهي مجهولة المصدر. في المقابل، فإنه في المواجهات التي تتدخل فيها قوة عسكرية، يمكن أن يُجرى استخدام الهجمات السيبرانية مرات معدودة من أجل تحقيق الهدف العسكري، سواء كعامل مساعد أو من أجل التمويه، وفي أغلب الحالات، تكون الهجمات المادية أسلوب العمل المفضل، وذلك كونها تشكل خياراً ذا صدقية، وأكثر نجاعة.[13]

بعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، ظهر أن الإنسان، فرداً ومجتمعاً، لا يزال أكثر تعقيداً وقوة من قدرة هذه الآلات على السيطرة التامة؛ إذ كشف الهجوم عن هشاشة الاستراتيجيا الإسرائيلية القائمة على الردع التكنولوجي، فتمكّن المقاتلون، باستخدام تكتيكات بسيطة نسبياً، من اختراق السياج الإلكتروني، وتعطيل نظام الإنذار المبكر، الأمر الذي اعتبرته التقديرات العسكرية فشلاً للاستخبارات البشرية (Human Intelligence)، واعتماداً مفرطاً على التكنولوجيا، إذ فشلت أجهزة التجسس والرصد المتطورة في توفير معلومات جدية عن التخطيط للعملية التي كانت قيد التطوير فترةً طويلة، وعجزت الوحدة 8200 عن توقع هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، فلم تفهم أجهزة التجسس والرصد المتطورة نظرياً الرسائل بسبب عدم دقة الخوارزميات في معرفة اللغة العربية، ولم تتوقع الجهات المراقبة قدرة “حماس” على التخطيط والتجهيز وتنظيم عملية عسكرية واسعة النطاق من دون استخدام الإشارات الإلكترونية على مدار عامين (Electronic signals).[14]

وفي المقابل، تُعتبر الحرب الإسرائيلية على غزة حرب تكنولوجيا عسكرية شعواء بلا قيود على شعب محاصَر، حيث تؤدي التكنولوجيا العسكرية دوراً حاسماً في الحرب، وتشكّل الموجه الأساسي لاستراتيجيا الحد الأقصى، التي في صلبها فكرة القتل الجماعي وجعل غزة غير قابلة للحياة.

وفي سياق النقاش والطروحات بشأن تعديل العقيدة الأمنية مستقبلاً، يُشار إلى التشابه بين مرحلة ما بعد حرب 1973، والمرحلة الراهنة، حيث تعززت الذهنية العسكرية بأن مجابهة التهديد الوجودي لإسرائيل يشترط حتمية التفوق العسكري التكنولوجي (النوعي) في ظل تراكم الفاعلية والقدرة العسكرية للقوى الإقليمية المعادية، الأمر الذي يتطلب تعميق التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

وتتجه إسرائيل نحو توسيع الفجوة العسكرية بينها وبين الدول الإقليمية عبر التركيز على تثبيت تفوقها النوعي العسكري، وخصوصاً في مجال التكنولوجيا العسكرية: كالرادار، والأنظمة المضادة للصواريخ (القبة الحديدية، ومقلاع داود، وحيتس)، والطائرات من دون طيار (Drones)، وتكنولوجيا المعلومات العسكرية، وتطبيق الذكاء، وصناعة البرمجيات العسكرية، وغيرها. وهذا الأمر يتطلب التنسيق والتعاون العسكري مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وهناك اهتمام واضح بتطوير المجال الإلكترومغناطيسي كعنصر حاسم في التفوق العسكري النوعي، وكرادع استراتيجي أمام المحيط الإقليمي لإسرائيل؛ إذ يؤدي دوراً محورياً في الصناعات والتطبيقات العسكرية بطرق متعددة ومتطورة، منها: أنظمة الرادار والاستشعار والتشويش المتقدمة، والحرب الإلكترونية (Electronic Warfare)، والاتصالات والقيادة العسكرية عبر الأقمار الصناعية، وغيرها. وتمثل هذه التطبيقات جزءاً من استراتيجيا عسكرية أوسع تُعرف بـ “السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي”، والتي أصبحت عنصراً حاسماً في الصراعات العسكرية الحديثة.

3. الذكاء الاصطناعي في المواجهة العسكرية

يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً رئيسياً في إدارة المعركة، إذ يساعد في التعامل مع كميات هائلة من المعلومات واتخاذ قرارات سريعة بناءً على أولويات متغيرة، وهذا يتطلب ضرب الأهداف بدقة وبسرعة مع التعامل مع الأعداد الكبيرة من الخصوم، ودمج الاستخبارات مع تنفيذ الضربات.

وقد اعتمدت إسرائيل الذكاء الاصطناعي في الحرب على غزة بهدف تقصير ما يُسمى بسلسلة القتل، أي المسافة الفاصلة بين إعلان هدف أو التفكير في هدف معين من أجل القضاء عليه، وبين القضاء عليه فعلياً؛ إذ يستغرقون نحو 20 ثانية فقط في تفحُص كل هدف قبل إعطاء الإذن بتنفيذ عملية قصف. ووفقاً لصحيفة “ذا غارديان”، فقد تم تحديد 15,000 هدف خلال الحرب الحالية على غزة عن طريق برنامج، وهو ما يزيد على ضِعف عدد الأهداف التي تم قصفها في حرب 2014، التي استمرت 51 يوماً. وكان هناك أفراد في جهاز الاستخبارات قادرون على استهداف 50 موقعاً في غزة كل عام، بينما حالياً يقوم برنامج غوسبيل (The Gospel) بتحديد 100 هدف في اليوم الواحد، إلى جانب قدرته على تقديم توصيات بشأن الوقت المناسب للاستهداف.[15]

كذلك الأمر، فقد تم استخدام برنامج يعتمد على الذكاء الاصطناعي يُدعى “لافندر” بصورة مكثفة خلال حرب غزة، ويقوم هذا البرنامج بتحليل كميات ضخمة من البيانات لتوقع هويات المقاومين وأماكن تواجدهم بناءً على احتمالات إحصائية.[16] وتشير التقارير إلى أن أغلب هذه الاستهدافات كان يتم في منازل المقاومين وهم بين عائلاتهم، والحجة كانت أنها محاولة لتسريع اتخاذ القرارات العسكرية، وكذلك الأمر كان لتبرير عمليات تهجير العائلات وتدمير المنازل والمربعات السكنية على رؤوس قاطنيها. وبالتالي، فقد كان هذا البرنامج أداة تعطي تبريراً عملياتياً للهدف الحقيقي لكل هذا القتل، الذي هو التطهير العرقي أو الإبادة الجماعية للفلسطينيين.

أمّا الجانب الآخر من استخدام الذكاء الاصطناعي في المواجهات العسكرية، فهو يرتبط بالأسلحة الروبوتية والطائرات المسيَّرة، والتي بدأ الاحتلال في استخدامها بكثافة في المواجهات في الضفة الغربية، وليس فقط في غزة.

ويساهم الذكاء الاصطناعي في كشف ساحة معركة مستقبلية تحددها الخوارزميات والروبوتات، وكذلك في القتال بالأسلحة النارية والضربات الجوية. وفي هذا الأمر، تتنقل طائرات “Firefly” الانتحارية المصغرة بصورة مستقلة في شوارع غزة، وتجتاز ناقلات الجنود المدرعة نمر وإيتان الأنقاض، وتنشر أنظمة الذكاء الاصطناعي “Edge 360” للكشف عن التهديدات الخوارزمية، وتطلق دبابات الميركافا الإسرائيلية المجهزة بنظام “تروفي”، وهو أول نظام حماية نشيط في العالم، مقذوفات آلية تعترض صواريخ “حماس” والقذائف الصاروخية.

ويعتمد الجيل الحالي من هذه الأنظمة على الذكاء الاصطناعي بصورة محدودة، تُدار فيها الطائرات من دون طيار والمركبات الروبوتية المسيَّرة “IRIS” و”Vision 60″ غالباً عن بعد بواسطة مشغل لكل وحدة، لكن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن التحدي القادم في هذا المجال سيتمثل في استخدام الأسراب الروبوتية، وهي مجموعات ضخمة من الطائرات أو المركبات التي يتحكم بها الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة، بحيث تتمكن هذه الأسراب من اتخاذ قرارات ذاتية، كمسح مناطق معينة، وفرض حظر التجول، والبحث عن مسلحين.

4. استراتيجيا دفاع حدودية جديدة

اعتمدت إسرائيل منذ قيامها على استراتيجيا دفاعية مركَّبة تجمع بين الردع والهجوم الاستباقي والتحصينات الحدودية، فعلى الرغم من خطابها العسكري القائم على الهجوم والمبادرة، فقد أدركت المؤسسة الأمنية أن طبيعة الجغرافيا الإسرائيلية الهشة وصغر مساحتها يفرضان بناء منظومات دفاعية متطورة لحماية العمق السكاني والاقتصادي. ومنذ حرب 1973، برزت أهمية خطوط الدفاع الحدودية، بدءاً من التحصينات على الجبهة المصرية، مروراً بالانتشار العسكري في الجولان، وصولاً إلى مشاريع بناء الجدران الفاصلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومع مطلع الألفية الثالثة، اكتسبت الاستراتيجيا الدفاعية الحدودية أبعاداً جديدة، إذ جرى التركيز على دمج الوسائل التكنولوجية في التحصينات الميدانية: كأنظمة مراقبة متقدمة، وكاميرات حرارية، وأجهزة استشعار إلكترونية، بالإضافة إلى المنظومات الصاروخية الاعتراضية كالقبة الحديدية ومقلاع داود. وقد شكّلت هذه المنظومات، إلى جانب الجدران الأمنية، ما يشبه مظلة وقائية، هدفها منع التسلل، وتقليص الخسائر البشرية في العمق الإسرائيلي.

غير أن هذه الاستراتيجيا بقيت أسيرة فرضية مركزية فحواها أن الردع سيمنع الخصوم من اختبارها بجدية، وأن أي خرق ممكن سيظل محدود النطاق، ويمكن السيطرة عليه، لكن أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر أثبتت عدم صحة الأمر، حين كشفت فاعلية الطبقات الدفاعية المتعددة أمام هجوم واسع ومنسق ثغرات عميقة في الرؤية الدفاعية المعتمدة.

ومن الواضح أن الدفاع وحده لا يمكن أن يمنع عمليات المقاومة تماماً. وخصوصاً في الحرب على غزة، سعت إسرائيل لمتابعة الحرب بوسائل متعددة، وعلى الساحات جميعها، تطبيقاً لاستراتيجيا دفاع حدودية جديدة، ولفحص فاعليتها وإمكان استدامتها.

وفي ظل الحرب على غزة وتداعياتها الإقليمية، طرح قادة عسكريون فكرة استراتيجيا دفاع حدودية جديدة وفق عقيدة الطبقات (أنظمة حماية) الثلاث،[17] وتشمل:

الطبقة الأولى: الدفاع داخل الأراضي الإسرائيلية عبر تكثيف إنشاء حواجز أرضية وأنظمة مراقبة وقوات احتياط داخل الحدود الإسرائيلية.

الطبقة الثانية: تمثل خط الدفاع الأمامي الذي تخطط إسرائيل لإنشائه داخل أراضي الدول المجاورة، وتشمل منطقة عازلة في قطاع غزة، ومنطقة في جنوب نهر الليطاني انطلاقاً من 5 نقاط حدودية في لبنان، ومنطقة تغطي الجنوب السوري بالكامل. وعلى الرغم من الفاعلية التي أظهرتها أنظمة الدفاع الإسرائيلية، كالقبة الحديدية ومقلاع داود وحيتس، في اعتراض آلاف المقذوفات والحد من الإصابات الكبيرة، فقد أدركت إسرائيل أن أنظمة الدفاع الجوي وحدها غير كافية. لذلك، بدأت اتباع استراتيجيا جديدة تعتمد على إنشاء حزام أمني في المناطق المجاورة لحدودها لتعزيز دفاعاتها الأرضية.

الطبقة الثالثة: نزع السلاح من المناطق المهددة، إذ تسعى إسرائيل لتجريد المناطق التي تعتبرها مصدر تهديد من جميع الأسلحة الثقيلة، وإبعاد المجموعات المسلحة كحزب الله و”حماس” منها بالكامل. والهدف الأساسي من هذه الخطوة هو إنشاء مناطق عازلة خالية من التهديدات العسكرية المباشرة لضمان الأمن الإسرائيلي.[18]

5. المنع الاستباقي كأولوية في العقيدة الأمنية

يختلف المنع الاستباقي عن الضربة الاستباقية في حالة المعركة بين الحروب، فهو بلا أسقف، ويفترض القضاء على التهديد قبل أن يصبح خطراً حقيقياً. ولا يؤسَّس المنع الاستباقي على ضربات عسكرية موقتة فقط، بل أيضاً ضمن حالة حرب مستمرة تهدف إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع على الأرض، بما يخدم رؤية استراتيجية طويلة الأمد.

ولعل المشهد السوري الجديد شكّل محفزاً أساسياً في مبنى هرمية عقيدة الأمن القومي، وكذلك التحول في العقيدة الأمنية لإسرائيل، ووضع مفهوم المنع الاستباقي بدلاً من الردع، ومفهوم الضربة الاستباقية ضمن استراتيجيا المعركة بين الحروب ضد الخصم خارج إطار الحرب؛ إذ إن احتلال مئات الكيلومترات، والتهديدات الصريحة لوحدة سورية، ضمنت لإسرائيل ترتيبات أمنية وفق استراتيجيا دفاع جديدة ومفهوم المنع الاستباقي، وذلك بهدف تجريد المحافظات الثلاث (القنيطرة، ودرعا، والسويداء) من السلاح، ومنع وجود تنظيمات مسلحة أو قوات عسكرية فيها.

أمّا في المشهد الفلسطيني، فينسجم مفهوم المنع الاستباقي مع أيديولوجيا اليمين الصهيوني الذي لا يؤمن بالوصول إلى تسوية مع الفلسطينيين، ولا يرغب في دولة ثنائية القومية. ووفقاً لمفهوم وزير المالية سموتريتش، فإنه يجب أن تشمل العقيدة الأمنية الإسرائيلية مبدأ الامتناع من التسوية، بمعنى اختيار الحرب اللانهائية، أي حرب مستمرة ضد الفلسطينيين.

6. الردع

تلقت استراتيجيا الردع الإسرائيلية في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر ضربة مست فرضياتها الأساسية، حين فشلت في فهم سلوك خصومها وعقليتهم وتقديرهما من جهة، وفي إقامة منظومة ردع فاعلة قادرة على أن تدفع الجانب الآخر إلى القبول بالوضع القائم من جهة أُخرى. وبالتالي، فقد أخفق الردع الإسرائيلي في إنشاء تصوُر لدى العدو (أي “حماس”) فحواه أنه إذا قام بهجوم، فإن الضرر الذي سيرتد عليه سيكون أكبر من الربح الذي يمكن أن يحققه.

وفي السياق العسكري، فإن إسرائيل لم تستطع، طوال المواجهات المتعددة السابقة، استعادة الردع الذي تآكل خلال المواجهات المتكررة، وخصوصاً مع احتفاظ الفصائل الفلسطينية بقدرتها على استهداف العمق الإسرائيلي. لقد فشل الردع بواسطة الأدوات السياسية والاقتصادية والعقاب عبر جولات التصعيد والمواجهة المحدودة إذا لزم الأمر (وهو ما يُعرف بأسلوبجزّ العشب).[19] ومما يشير إلى أن منظومة الردع الاستراتيجي الإسرائيلية كانت موهومة هو اعتقاد إسرائيل أنها، بقوة الردع، استطاعت أن تحيد “حماس” عن الانضمام إلى مواجهة عسكرية (كما حدث في المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي سنة 2022)، وهو ما عكس فشل الردع التراكمي – الاستراتيجي الذي يؤسَّس على مفهوم الاحتواء وإبقاء الصراع مع “حماس” وفصائل المقاومة الفلسطينية في مستوى التوتر المنخفض. ولعل المفارقة أن استراتيجيا الاحتواء الإسرائيلية لم تخفق في وقف تحسن قدرات المقاومة فحسب، بل أيضاً كانت مبنية على استخلاصات خاطئة نتيجة التصور الذي يتمحور بشأن “حماس” قبل 6 أيام فقط من الهجوم، والذي يقول إن الأخيرة مردوعة لـ 15 عاماً على الأقل، بحسب ما أشار إليه رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي.

وفي سياق متصل، برز أيضاً تآكل الردع الاستراتيجي في التعاطي مع البيئة الاستراتيجية المعادية المتمثلة في إيران وحلفائها، والذي تجسد في استمرار التهديدات من الجماعات الحليفة لإيران في لبنان والعراق واليمن، والتي وصلت إلى ذروتها في الهجوم الإيراني ليلة 13-14 نيسان/أبريل 2024 رداً على استهداف إسرائيل مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق.

وفي الحرب على غزة، بدأ يتآكل الأساس المعرفي الذي بُني عليه الردع، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الأمنية. وتشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن الردع الكلاسيكي لم يعد مجدياً، وخصوصاً مع تنظيمات ذات عقيدة راديكالية؛ فقبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، أضاف رئيس هيئة الأركان السابق، هرتسي هاليفي، إلى النظرية الأمنية مفهوم الردع النسبي بدلاً من الردع الكامل، ضارباً مثال حزب الله و”حماس”، اللذين ادعى أن كليهما مردوع نسبياً، أي مردوع عن خوض معركة شاملة مع إسرائيل، لكنه غير مردوع عن خوض مواجهة لن تؤدي إلى حرب شاملة.

ووفقاً للمفهوم الجديد، أي الردع الكامل، فإنه لا توجد فائدة من حرب قصيرة لا تقضي تماماً على العدو، وإذا كان هدف الحرب هو النصر التام، فيجب بناء القوة لدعم جهد كهذا، واستخدام التهديد بالعقاب المفرط لمنع القيام بمغامرة عسكرية ضدها، استناداً إلى استراتيجيا الحد الأقصى التي لم تتورع في ممارستها خلال الحرب على غزة.

لا يقوم الردع الكامل على مبدأ استباقي، إذ لا يفترض ممارسة القوة عبر تشكيل سلوك العدو ودفعه إلى رسم توقعات مفترضة بشأن مصيره في حال قرر مهاجمة إسرائيل. ومن هذا المنظور، تصبو إسرائيل من مبدأ الردع إلى تحويل منطق الطاعة إلى عادة متجذرة في نفس العدو.[20]

ب. التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة

منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب على غزة، ثبت أن استثمار العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة هو الإنجاز الحقيقي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية في الحرب على غزة، إذ غير التدخل الأميركي، غير المسبوق بكل المقاييس، المعادلة إلى حد كبير، وهو ما يدل على متانة العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين وعمقها، وقد انعكس ذلك في حجم المساعدات العسكرية غير المسبوقة إلى إسرائيل وماهيتها: منها مساعدات عسكرية مباشرة، إذ زودت الولايات المتحدة إسرائيل بـ 230 قافلة عسكرية جوية، فيها قنابل دقيقة التوجيه تبلغ قيمتها 320 مليون دولار،[21] و20 سفينة محملة بالأسلحة الأميركية.[22] وبعد وقت قصير من بدء الحرب على قطاع غزة، أقر الكونغرس زيادة المساعدات العسكرية إلى إسرائيل بمبلغ إجمالي غير مسبوق؛ 14.25 مليار دولار، أي أقل قليلاً من المبلغ الذي كان من المقرر أن تتلقاه إسرائيل في 4 أعوام من المساعدات وفقاً للمخطط المعتمد. هذا فضلاً عن مساعدات عسكرية غير مباشرة تنعكس في الدعم الاستراتيجي عبر نشر وجود عسكري في المنطقة لردع إيران وحزب الله، والمشاركة الفعلية في الدفاع عن إسرائيل خلال الهجوم الذي نفذته إيران.

وقد أعلنت الولايات المتحدة أنها ستوفر كل ما تحتاج إليه إسرائيل في حربها، وقد كشف تجند الولايات المتحدة غير المسبوق منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، ودورها في قيادة التحالف لصد هجوم إيران ليلة 13-14 نيسان/أبريل 2024، عن أن قدرة إسرائيل على مواجهة المخاطر تعتمد بصورة كبيرة على الدعم الأميركي، وهو ما يجعلها في وضع استراتيجي هش ويثير عدة أسئلة: أولاً بشأن قدرتها على القيام بالحرب بصورة مستقلة من دون دعم الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يتم التشكيك فيه إسرائيلياً، ولا سيما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر و14 نيسان/أبريل، وثانياً ما يثيره الاعتماد على الدعم الأميركي من أسئلة بشأن التداعيات السياسية للارتهان لهذا الدعم على قدرتها على التصرف سياسياً بما يتنافى مع المواقف والخطط الأميركية، وخصوصاً فيما يتعلق بشكل اليوم التالي، وقد عززت هذه التغيرات العميقة في صفوف الحزب الديمقراطي وتصاعد الانتقادات لإسرائيل، وما ينطوي عليه ذلك مستقبلاً من إمكانات، تآكل الدعم الأميركي، وأثر ذلك في قدرة إسرائيل على الاستمرار في خوض الحروب في ظل عدم وجود قوة كبرى بديلة، بالإضافة إلى ثمن التبعية.

لكن استمرار الحرب على غزة وتداعياتها الإقليمية أثبت أن التعاون الاستراتيجي هو أمر ضروري للجانب الوجودي لإسرائيل، وقد تراجع النقاش الداخلي في إسرائيل بشأن أولوية الاعتماد على مبدأ الاتكال على الذات في مقابل عمق التبعية وأثمانها.

وخلال فترة رئاسة ترامب الثانية، كان متوقَعاً أن تتعزز العلاقات الأميركية الإسرائيلية، وهو ما ينعكس في دعم الإدارة الواسع لحاجات إسرائيل الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية والحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، إلى جانب فرص تعزيز التعاون التكنولوجي والدفاعي، بالتزامن تجديد مذكرة التفاهم بشأن المساعدات الأمنية المقرر أن تبدأ سنة 2025.[23] ومن الجدير ذكره أن إسرائيل تحاول تجنب خلافات ممكنة بشأن قضايا رئيسية، ولا سيما فيما يتعلق بالسياسة تجاه إيران، كما لم نشهد تطوراً في العلاقات الثنائية بين إسرائيل والصين، إذ تسعى إسرائيل لفهم كيفية اندماجها في المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة الصين.[24]

جدول رقم 1: تدخلات الولايات المتحدة العسكرية خلال الحرب على غزة

مشاركة بايدن وبلينكن ووزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في جلسات عديدة لمجلس الحرب. 
 زودت الولايات المتحدة إسرائيل في اليوم التالي للحرب بـ 230 قافلة عسكرية جوية، تضمنت قنابل دقيقة التوجيه بقيمة 320 مليون دولار و20 سفينة محملة بالأسلحة الأميركية. 
أرسلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات “فورد” لردع إيران وحلفائها، ومنع نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق. 
 نشرت الولايات المتحدة أسراباً عديدة من الطائرات المقاتلة من طراز “F-15” وطائرات للتزود بالوقود في بعض دول الخليج، بالإضافة إلى نشر المنظومة الدفاعية “THAAD” وبطاريات باتريوت المضادة للصواريخ. كما هبطت العشرات من طائرات النقل الأميركية في العراق، وقطر، والبحرين، والأردن.
نظمت الولايات المتحدة جولات عديدة من المحادثات مع الأطراف المعنية للترويج لتسوية تبعد مقاتلي حزب الله عن الحدود مع إسرائيل، مؤكدة رفضها الحازم لأي تصعيد إسرائيلي في الجبهة الشمالية. 
 اعترضت السفن الأميركية صواريخ الحوثيين الموجهة ضد أهداف إسرائيلية، وشكلت تحالفاً دولياً لحماية الممرات الملاحية في البحر الأحمر، كما تم تنفيذ غارات جوية أيضاً ضد الحوثيين في اليمن والميليشيات التابعة لإيران في العراق وسورية.
بلغ الدعم الفعلي والتعاون الاستراتيجي ذروته عند الهجوم الإيراني على إسرائيل، إذ تولت القيادة المركزية للولايات المتحدة (CENTCOM) تنسيق جهود صد الهجوم بالتعاون الجوي مع بريطانيا وفرنسا والأردن، والاستخباراتي مع السعودية والإمارات. بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة أدت دوراً مهماً في منع تحول الهجمات المتبادلة إلى صراع عسكري مفتوح في منطقة الشرق الأوسط. 

ج) المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل

يظل حجم المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل غامضاً، ومحتواها ليس واضحاً أو دقيقاً أمام الرأي العام. وقد نشرت مؤخراً دراسة جديدة في جامعة براون في الولايات المتحدة، كجزء من مشروع أُطلق عليه عنوان “تكلفة الحرب”، تقديرات أولية لحجم المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل – على الرغم من أن الباحثين يعترفون بأنهم لا يستطيعون معرفة الحجم الدقيق للمساعدات – تفيد بأنه في الفترة 1951-2024، وصلت إلى 317 مليار دولار، منها 251 مليار دولار على شكل مساعدات عسكرية مباشرة.[25]

وتُعتبر المساعدات الأميركية لإسرائيل أول نموذج لـ “المساعدات التدخلية (Interventionist Aid) في سياق العلاقات الدولية.”[26] وركزت الأبحاث بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل منذ فترة طويلة على نموذجين: أولاً: المساعدات الأميركية كشكل من أشكال المصلحة الجيوسياسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ثانياً، المساعدات كنتاج لتأثير الدوائر المؤيدة لإسرائيل في السياسة الداخلية الأميركية التي دفعت دائماً نحو مخططات كهذه للمساعدات.[27]

إن المساعدات الأميركية لا تقدَم لأسباب تتعلق بالشفقة أو اعتبارات قصيرة المدى تتعلق بـ “الأخذ والعطاء”، إنما في إطار شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على حاجة القوة العظمى إلى تعزيز قوة حليفتها، وعلى تماهي المواطنين والقادة الأميركيين في الولايات المتحدة مع دولة إسرائيل، والذي يتجلى أيضاً في الدعم الذي تتلقاه إسرائيل في الكونغرس، وعلى التعامل مع التهديدات المشتركة، كـ “الإرهاب” والأسلحة غير التقليدية والإنترنت وإيران وغيرها.

وإن المساعدات العسكرية هي المصدر الرئيسي لتمويل تعزيز الجيش الإسرائيلي، ويتم تقديمها في إطارين: المساعدات الخارجية عن طريق برنامج أميركي لتمويل المشتريات العسكرية ((FMF، ومشاركة وزارة الدفاع الأميركية في تمويل المشاريع المشتركة، وخصوصاً في مجالات الدفاع الصاروخي. كما تستفيد إسرائيل من مساعدات إضافية كمنح عسكرية عينية عند الضرورة.[28]

وتتيح الولايات المتحدة لإسرائيل أيضاً استخدام مخزونات الأسلحة الأميركية الموجودة في إسرائيل في أثناء المواجهات القتالية، الأمر الذي يؤدي إلى توسيع المخزونات المتاحة لإسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يتم دمج الصناعات المحلية الإسرائيلية في إنتاج الأسلحة الأميركية المخصصة لإسرائيل، وتقوم الشركات الأميركية بعمليات شراء من الصناعات الإسرائيلية؛ كجزء من اتفاقيات شراء طائرات “أدير” (F-35)، على سبيل المثال، إذ وافق الأميركيون على شراء المعدات من الشركات الإسرائيلية التي تشارك في إنتاج الطائرة.[29]

وتشكّل سنة 1971 مرحلة مفصلية في المساعدات العسكرية، إذ مُنحت إسرائيل قرضاً عسكرياً بلغ أكثر من نصف مليار دولار (للتعويض عن المخاطر العالية التي أعقبت انتهاكات مصر لوقف إطلاق النار سنة 1970، وتداعياته سنة 1974)، ثم وصل مجموع المساعدات إلى أكثر من مليارَي دولار ونصف المليار (بعد حرب 1973).[30]

ومن الجدير ذكره أن هذه المساعدات تسمح للجيش الإسرائيلي بالوصول المنتظم إلى أسلحة أميركية فائقة الجودة، والقدرة على تنفيذ التخطيط الطويل الأمد في مجال التعزيزات وتحسين أوضاع الشراء، ومن منظور صناعات الأسلحة الأميركية.[31]

وفي سياق إيجابيات المساعدات العسكرية، تعبّر المساعدات الأمنية المقدمة إلى إسرائيل عن الالتزام الراسخ من جانب الأميركيين تجاه دولة إسرائيل، وقد بلغ مجموعها أكثر من 142 مليار دولار حتى الآن، وينعكس هذا أيضاً في الدعم غير المشروط تقريباً في تصويت الأمم المتحدة لمصلحة إسرائيل. هذه المساعدات تتماهى مع القول الأميركي المأثور: “ضع مالك حيث يوجد فمك” (put your money where your mouth is).

كذلك، تلتزم الولايات المتحدة إبقاء إسرائيل في طليعة التكنولوجيا مقارنةً بجيرانها، وهذا ينعكس في القانون الأميركي، الذي بموجبه لا يمكن لمبيعات الأسلحة للولايات المتحدة أن تؤثر سلباً في “التفوق النوعي العسكري” (QME- Qualitative Military Edge) لإسرائيل على الدول الأُخرى في المنطقة.

وقد أصبحت الميزة الاقتصادية، كما ذكرنا، أقل أهمية، أمّا الميزة التكنولوجية في اتفاق المساعدات التي تمكّن إسرائيل من شراء الأسلحة والتكنولوجيا المتقدمة بحجم أوسع وأكبر يمكّنها من الحصول على التكنولوجيا المتقدمة جداً، عبر قنوات العمل المباشرة مع وزارة الدفاع الأميركية ووحداتها المسؤولة عن تنفيذ المساعدات العسكرية، فتعزز العلاقات والتعاون غير المباشر، كتطوير منظومة الدفاع الصاروخي كالقبة الحديدية، وتبرز في المشتريات المتبادَلة (Offset) المتفَق عليها في الصفقات والإنتاج المشترَك الجزئي لأجهزة ومعدات يتم بيعها إلى العالم مع الحفاظ على التعديلات العديدة التي تلائم حاجات إسرائيل. وهذا يساهم في جلب التكنولوجيا والمعرفة إلى الصناعات المحلية، ويسمح لها بتوفير قدرات الصيانة المستقلة لمعدات الجيش الإسرائيلي.

وفي سياق متصل، فإن اتفاقية المساعدات العسكرية تشكّل إحدى التحديات المستقبلية التي تواجه استراتيجيا إسرائيل للصناعة العسكرية، وستتطلب من شركات الدفاع الإسرائيلية تخصيص موارد أكبر لدخول أسواق جديدة وتوسيع نشاطاتها التسويقية، من أجل زيادة تصدير أنظمة الأسلحة الإسرائيلية للعملاء الحاليين والجدد.

ومن أجل تحقيق الفائدة القصوى من اتفاقية المساعدات الأميركية الجديدة لإسرائيل، سيتعين على شركات الدفاع الإسرائيلية ترسيخ التعاون مع شركات الدفاع الأميركية وتثبيتها، وفتح خطوط إنتاج جديدة في الولايات المتحدة، أو تحويل خطوط إنتاج قائمة من إسرائيل إلى الولايات المتحدة.[32]

ومنذ سنة 2020 حتى الحرب على غزة سنة 2023، ارتفعت أصوات كثيرة في إسرائيل تدعو إلى إعادة النظر في الحاجة المستمرة إلى المساعدات الأمنية بسبب الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، وما يلحقه ذلك من ضرر في العلاقة المتينة بالولايات المتحدة.

كذلك، فإن القوة الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها دولة إسرائيل في المرحلة الراهنة، مع النمو المرتفع نسبياً مقارنةً بالعالم الغربي، والناتج المحلي الإجمالي للفرد الذي يقترب من 40,000 دولار من ناحية، وأهمية المساعدات المتناقصة للاقتصاد الإسرائيلي من ناحية أُخرى تثير تساؤلات بشأن الحاجة الاقتصادية الفعلية إلى هذه المساعدات ومقدارها مقارنةً بالثمن الذي يمكن أن تولده.

وفي 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، رفض مجلس الشيوخ الأميركي، بأغلبية ساحقة، 3 مشاريع قوانين لتقييد تصدير الأسلحة الهجومية إلى إسرائيل على أساس ادعاءات عدم استيفائها للمتطلبات القانونية الدولية في حربه على قطاع غزة. لكن مجرد مناقشة المقترحات في زمن الحرب، والاستعداد لدعمها داخل صفوف الحزب الديمقراطي، وانهيار الوحدة داخل المعسكر اليهودي المؤيد لإسرائيل، يعبّر عن الانقسام المتزايد في الساحة السياسية الأميركية المحلية فيما يتصل بإسرائيل وسياساتها. وإذا كان الدعم لإسرائيل في الماضي ساحقاً وثنائي الحزبية، فإن هذا الواقع بدأ يتغير، ومن المتوقَع أن يشكّل هذا الاتجاه تحدياً لإسرائيل على المدى المتوسط والبعيد، مع التركيز على مذكرة التفاهم بشأن المساعدات الخارجية لإسرائيل، والتي ستتم مناقشتها في الكونغرس في الأعوام المقبلة.[33]

في المجمل، حتى بالنسبة إلى الحرب على غزة سنة 2023، اعتقد خبراء ومسؤولون عسكريون أنه على الرغم من مساهمة المساعدات الأميركية، فإنها لا تشكل أهمية بالمفهوم الوجودي لإسرائيل. وفي المقابل، فإذا قررت الولايات المتحدة إلغاءها لأي سبب، فإن إسرائيل سوف تكون قادرة على الوجود من دونها، لأن تغطية ميزانية الدفاع بالكامل من الموارد المحلية أمر ممكن اقتصادياً، وذلك عن طريق تقليصات في مجالات أُخرى.

إلاّ إن الحرب حسمت النقاش بشأن ضرورة المساعدات الأميركية، وأثبتت أن التعاون الاستراتيجي، وفي صلبه المساعدات العسكرية، هو أمر ضروري لبقاء إسرائيل، ويبقى النقاش الداخلي في إسرائيل بشأن مدى الاستعداد للتمسك بمبدأ الاعتماد على الذات في مقابل عمق التبعية وأثمانها نقاشاً سياسياً وأكاديمياً على المستوى النظري فقط، عدا عن التعاطي مع اتفاقية المساعدات العسكرية كإحدى التحديات المستقبلية التي تواجه استراتيجيا إسرائيل للصناعة العسكرية.[34]

وفي المقابل، تعود المساعدات العسكرية بالفائدة على الصناعة الأميركية، التي تزيد من قدرتها على بيع منتوجاتها إلى دول أُخرى، وخصوصاً أنها ترى في الجيش الإسرائيلي مستخدماً متطوراً يشكّل عنصراً مهماً في تعزيز المبيعات. وأيضاً تستفيد المؤسسة الأمنية الأميركية بتلقي معلومات استخباراتية وخبرة عملانية قيِّمة من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

أضف إلى ذلك أن لهذه المساعدات أبعاداً إيجابية كبيرة في نظر الأميركيين، لا تقل أهميتها عما تخدم إسرائيل؛ أبرزها تعزيز المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، بحيث يمكن لإسرائيل، الحليف الإقليمي الأساسي، أن يردع ويدافع عن نفسه أمام مجموعة واسعة من التهديدات العسكرية الإقليمية، وعن الجنود والمصالح الأميركيَين وحلفاء آخرين. وتتعزز هذه الميزة الاستراتيجية بصورة فاعلة حين تسعى الولايات المتحدة لتقليص وجودها في المنطقة.[35]

وعلاوة على ذلك، فإن العلاقة الناتجة من هذه المساعدة تشكل جزءاً من شراكة أمنية أوسع نطاقاً، في إطارها، تتمتع الولايات المتحدة بإمكان الوصول إلى الاستخبارات الإسرائيلية، التي تُعَد بين الأفضل في العالم، والتدريبات المشتركة مع الجيش الإسرائيلي، والوصول إلى تقنيات رائدة كتروفي (Trophy) والقبة الحديدية، والتعلم المباشر من الخبرة العملانية في تشغيل أنظمة أسلحتهم والتحسينات التي تجريها إسرائيل عليها، والتي تنتج معرفة ذات قيمة كبيرة.

أمّا بشأن نواقص المساعدات العسكرية وسلبياتها، فيمكن الإشارة إلى عدد من النواقص، أبرزها أن الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة لها ثمن لا ينبع فقط من المساعدات الأمنية، بل أيضاً من حقيقة أن إسرائيل شريك استراتيجي للولايات المتحدة، وبالتالي يتعين على إسرائيل أن تستمر في إظهار حساسيتها تجاه الأمن والمصالح السياسية الأميركية، الأمر الذي برز بوضوح عبر تفعيل الضغوط الأميركية على العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين إسرائيل والصين، إذ أُلغيت صفقة بيع طائرات فالكون إلى الصين (سنة 2000) بعد ضغوط أميركية، وتلتها المطالبة الأميركية بوضع آلية لمراقبة الصادرات العسكرية الإسرائيلية، وتمخض عنها إنشاء قسم الرقابة على الصادرات (EPD) في وزارة الدفاع الإسرائيلية.[36]

للمساعدات الأميركية تأثير مقيَّد في الصناعات الدفاعية في إسرائيل، لأن معظم حاجات الجيش الإسرائيلي يتم توفيرها من جانب الصناعات الأميركية وفقاً لشروط المساعدات، ومن المتوقَع أن يزداد التأثير الناجم عن حاجة الجيش الإسرائيلي إلى شراء الأسلحة من الولايات المتحدة مع التوقف المتدرج المتوقَع لخيار التحويل من الدولار إلى الشيكل.

د) الصناعات والصادرات العسكرية الإسرائيلية

تُعتبر الصناعة العسكرية من أقدم فروع الصناعة في إسرائيل، وقد تطورت باستمرار حتى أصبحت الآن تضم أكثر من 50% من مجمل العاملين في الصناعة الإسرائيلية، وغدت إسرائيل من أهم الدول في العالم في مجال إنتاج الأسلحة وتصديرها، وتصل قدرتها في هذا المجال إلى مستويات تفوق الكثير من الدول الغربية.

بعد حرب 1973، حدث تغيير نوعي في صناعة الأسلحة، إذ أصبحت بعد الحرب صناعة رئيسية تساهم مساهمة أساسية في حجم الصادرات الإسرائيلية، وتم ذلك بواسطة المساعدات الأميركية الهائلة التي مكنتها من تخصيص موارد اقتصادية كبيرة للإنتاج الحربي، ومن الحصول على آخر تطورات التكنولوجيا الأميركية، فضلاً عن سماح الولايات المتحدة الأميركية للصناعة العسكرية الإسرائيلية ببيع السلاح إلى الجيش الأميركي، وإلى أسواق دول حلف الناتو، وأكثر من 60 دولة في العالم بعد ذلك. وقد تم إبرام صفقات بيع السلاح إلى دول كثيرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية بصورة غير مباشرة، وبواسطة شركات خاصة تبلغ نحو 220 شركة في محاولة لإعفاء ذاتها من مسؤولية استخدام هذا السلاح في جرائم ضد البشرية في حال وقوعها.

لقد حولت إسرائيل إنفاقها العسكري إلى رصيد اقتصادي وتكنولوجي، وأدت سياسة الدولة التدخلية إلى إنشاء مجمع صناعي عسكري واسع النطاق تهيمن عليه 3 شركات عامة كبيرة، هي: الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وصناعات الطيران الإسرائيلية، ورافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة، مع العلم أن الحجم الكبير للميزانية العسكرية (15% من الإنفاق العام، مقارنة بـ 3% في فرنسا و8% في الولايات المتحدة) ساهم “في توسيع مكانة التكنولوجيا العالية في الاقتصاد الإسرائيلي، إذ مثّل هذا القطاع، سنة 2020 10% من إجمالي العمالة، و15% من الناتج المحلي الإجمالي، و40% من صادرات السلع والخدمات”، وأن الأبحاث العسكرية أدت إلى “تطبيقات مدنية في مجالات متعددة كالطيران والإلكترونيات والفضاء”، مع تقدير أن “النموذج الإسرائيلي لاقتصاد الحرب لم يكن ليتطور لولا الدعم المالي من الولايات المتحدة”. وفي هذا السياق، يُشار إلى أن شركة رافائيل وحدها تنفق ما يصل إلى 5 مليارات شيكل سنوياً على الأبحاث.[37]

أهم أهداف الصناعات العسكرية الإسرائيلية

أولاً: اعتبرت إسرائيل أن بناء صناعة عسكرية محلية هو خيار استراتيجي يمكّنها من تحقيق اكتفاء ذاتي يسد حاجات جيشها من المعدات والذخائر وقطع الغيار، ويجنبها في كثير من الأحيان السقوط في فخ التبعية للمصادر الخارجية والضغوط الناجمة عن ذلك، كما حدث سنة 1967 عندما رفضت فرنسا تزويد الجيش الإسرائيلي بقطع غيار مقاتلات ميراج، فاضطر الأخير إلى سرقة تصميمات المقاتلة ميراج وبنائها في المصانع الإسرائيلية تحت اسم “كفير”.[38] وقد دخلت الطائرة كفير الخدمة في سلاح الجو الإسرائيلي سنة 1975، غير أنها سرعان ما طُغي عليها بفعل تفوق الطائرات الأميركية من طراز “F-15″ و”F-16”.

ثانياً: إن الصناعة العسكرية هي رأس حربة الاقتصاد الإسرائيلي، وفي هذا السياق، لم تملك إسرائيل القدرة على تلبية جزء كبير من حاجاتها العسكرية فحسب، بل أيضاً أصبحت بين أوائل الدول المصدرة للأسلحة، وبالتالي، غدت الصناعة العسكرية، التي تصدّر نحو ثلاثة أرباع إنتاجها، رأس حربة الاقتصاد الإسرائيلي.

ثالثاً: تستغل إسرائيل صناعاتها العسكرية في العلاقات الدبلوماسية مع دول العالم وبعض دول المنطقة، بينما يشكّل تصدير الأسلحة جزءاً من العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل وحلفائها، وخصوصاً الولايات المتحدة، التي تُعتبر المستورد الأكبر للأسلحة والتكنولوجيا الإسرائيلية. كما أن هذه الصناعات تعزز العلاقات الاقتصادية مع دول آسيا وأوروبا، وما يتبع ذلك من النفوذ السياسي لإسرائيل على الصعيد الدولي.

لقد استطاعت إسرائيل على مدار العقود الماضية أن تحجز لنفسها مكاناً متقدماً في ركب الدول المصنعة للأسلحة والتقنيات العسكرية-الأمنية الحديثة والمتطورة، ويُعزى ذلك، بصورة كبيرة، إلى الاحتلال الذي يوفر لها ساحة مفتوحة لاختبار هذه التقنيات والمنظومات، وهو ما يسميه البعض “النمط التجريبي للحرب” (experimental way of warfare). ويُعرَّف النمط التجريبي للحرب كنظام حربي يعتمد على التجريب المستمر، بحيث يتم دمْج التقنيات الناشئة مباشرةً في العمليات العسكرية، ويرتكز على تبنّي عدم اليقين والفشل كقوى منتجة مطلوبة لتحفيز الابتكار والتطوير العسكري، الأمر الذي يعيد تشكيل الحرب كمساحة دائمة للاختبار والتعلم والتكيف الاستراتيجي.

وتُعد الصناعات الحربية الإسرائيلية إحدى دعائم الاقتصاد الإسرائيلي، إذ تشكّل صادرات الأسلحة الإسرائيلية نسبة عالية منها، تصل إلى أكثر من 25% من مجموع صادراتها، البالغة قيمتها نحو 85 مليار دولار. وطبقاً لبيانات معهد “سيبري” لبحوث السلام في السويد، فإن إسرائيل تحتل المرتبة الثامنة بين الدول المصدرة للسلاح في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والصين والبرازيل.[39]

تطور مبيعات الأسلحة الإسرائيلية 2020-2025

تُعد الصناعات العسكرية من أقدم قطاعات الصناعة في إسرائيل، وقد تطورت لتشغّل أكثر من 50% من العاملين في القطاع الصناعي، وتساهم بما يزيد على 25% من مجمل الصادرات الإسرائيلية التي بلغت نحو 85 مليار دولار سنوياً.[40] وبعد حرب 1973، تحول دورها من تلبية حاجات الجيش إلى ركيزة رئيسية للاقتصاد والتصدير، مدعومة بالمساعدات الأميركية الضخمة التي وفرت أحدث التكنولوجيا، وفتحت أسواق حلف الناتو والسوق الأميركية أمام المنتوجات الإسرائيلية.[41]

ومنذ نهاية التسعينيات، بدأت صناعة الأسلحة تحتل مركزاً رئيسياً في تركيبة الاقتصاد الإسرائيلي، وتؤدي دوراً محورياً في رسم السياسات الإسرائيلية، سواء على صعيد التوجهات العسكرية أو التوجهات الاقتصادية والعلاقات الدولية.

وتتوزع صادرات السلاح وفق 3 محددات رئيسية:

1. عسكرية-أمنية: توريد السلاح إلى حركات وانقلابات في مناطق نزاع، كالأكراد وفاعلين في سورية والعراق.[42]

2. سياسية: تعزيز النفوذ في المجال الحيوي الممتد من باكستان وإيران شرقاً إلى المغرب غرباً، ومن آسيا الوسطى شمالاً إلى باب المندب جنوباً.[43]

3. اقتصادية: اعتماد متزايد على عوائد التصدير كمورد رئيسي.

ومنذ التسعينيات، غدت الصناعات الدفاعية عنصراً محورياً في السياسات الاقتصادية والعسكرية. ووقّعت إسرائيل اتفاقية تعاون استراتيجي مع الولايات المتحدة سنة 1979، جُددت دورياً، وقد مكنتها من موقع شبيه بدول الناتو في نقل التكنولوجيا، وخصوصاً في الحرب الإلكترونية والصواريخ الموجهة.[44]

وقد تميزت إسرائيل عالمياً بالطائرات من دون طيار، ومنظومات كالقبة الحديدية، بالإضافة إلى تطوير الصواريخ الباليستية “أريحا-2” (ذات مدى 1450 كيلومتراً).[45] وقد شملت صادراتها أنظمة دفاع جوي (31%)، وطائرات مسيَّرة (15%)، ورادارات وتقنيات إلكترونية (17%)، وذخائر متطورة.[46]

ووفق معهد “سيبري”، فقد حازت إسرائيل 3.1% من مبيعات السلاح العالمية في الفترة 2014–2018، واحتلت المرتبة الثامنة عالمياً، إذ بلغت صادراتها سنة 2018 نحو 7.5 مليارات دولار، وتوزعت جغرافياً بين آسيا والمحيط الهادئ (46%)، وأوروبا (26%)، وأميركا الشمالية (20%)، وأميركا اللاتينية (6%)، وأفريقيا (2%). ومن أبرز الزبائن: الهند (صفقة باراك 2017 بقيمة مليارَي دولار ونصف المليار)، وأذربيجان، وفيتنام.[47]

وقد صنف معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، سنة 2021، إسرائيل في المرتبة التاسعة بين المصدّرين العالميين في قطاع بيع الأسلحة. وتشير التقديرات إلى أنها انتقلت سنة 2022 إلى المرتبة الخامسة أو السادسة، واستحوذت صادرات الأسلحة الإسرائيلية على حصة 2.3% من المبيعات العالمية في الفترة 2019-2023.

ويعود هذا التطور الكبير في مبيعات الأسلحة الإسرائيلية في الأعوام الأخيرة إلى عاملين رئيسيَين: الحرب في أوكرانيا وتطوير القدرات الباليستية لإيران وصناعة الطائرات من دون طيار التي تنتجها من جهة، واتفاقيات التطبيع بين إسرائيل و4 دول عربية من جهة ثانية. كما سمح الصدام بين أرمينيا وأذربيجان، سنة 2020، والنصر الخاطف الذي حققته باكو، لإسرائيل بتصدُّر عناوين الأخبار، إذ أظهرت طائراتها من دون طيار التي بيعت إلى أذربيجان فاعليتها الكبيرة خلال ذلك الصدام. وكانت أوروبا أكبر مشترٍ للمنتوجات الدفاعية الإسرائيلية، إذ أبدت عدة دول أوروبية، بعد قيام ألمانيا بشراء نظام حيتس 3، اهتمامها بهذا النظام، وتسارعت مشتريات الدول الأوروبية من الأسلحة الإسرائيلية فجأة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، بحيث باتت أكبر مشترٍ لها، إذ اشترت في العام الأخير 41% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية؛ فقد أبرمت إسرائيل صفقة بيع مقلاع داود (نظام دفاع ضد الصواريخ متوسطة المدى) إلى فنلندا في مقابل 316 مليون يورو، بعد يوم من انضمام هذه الأخيرة إلى حلف شمال الأطلسي في نيسان/أبريل 2023، وباعت شركة رفائيل الإسرائيلية إلى جمهورية التشيك أنظمة صواريخ مضادة للطائرات من طراز سبايدر بلغت قيمتها 627 مليون دولار، كما باعت إسرائيل قاذفات صواريخ إلى هولندا والدنمارك، ومدافع هاوتزر إلى الدنمارك، وحالياً تُجري مناقشات متقدمة مع دول أوروبية لبيع دبابة ميركافا، التي تُعتبر من أكثر الدبابات كفاءة في العالم. وتلي أوروبا في شراء الأسلحة الإسرائيلية منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والتي تضم السوق الهندية الكبيرة بنسبة 34%، وأميركا الشمالية بنسبة 12%، وأفريقيا بنسبة 3 %، وأميركا اللاتينية بنسبة 3%. وفي سنة 2021، بلغت قيمة صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى كلٍ من الإمارات والبحرين والمغرب 789 مليون يورو، أي 9 % من إجمالي قيمة الصادرات العسكرية الإسرائيلية، ثم بلغت قيمتها، سنة 2022، 2.7 مليار يورو، أو 24% من الإجمالي.[48]

وفي سنة 2022، بلغت قيمة صادرات الأسلحة الإسرائيلية 12.556 مليار دولار، 24% منها إلى الدول الموقعة لاتفاقيات أبراهام التطبيعية، أي أن ربع الصادرات الإسرائيلية تقريباً توجهت إلى دول عربية.[49]

وفي سنة 2023، ارتفعت صادرات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية إلى مستوى غير مسبوق عند 13.1 مليار دولار سنة 2023، ضمن مئات من العقود وقّعتها عدة شركات.

اتجاهات التصدير العسكري الإسرائيلي

تعمل إسرائيل بوضوح على تصدير المعدّات التكنولوجية المتقدمة، وأغلبها ذات أصل أميركي، وتركز على مناطق النزاع والتوتر التي تخدم مصالحها.

وفي سنة 2023، أصبحت صادرات الصناعات الدفاعية أولوية رئيسية في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز العلاقات الأمنية الاستراتيجية في شتى أنحاء العالم، ودخول أسواق جديدة، وإزالة الحواجز البيروقراطية والحد من العوائق التنظيمية.[50] وقد شكّلت أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي نحو 36% من صادرات الدفاع الإسرائيلية، تليها أنظمة الرادار والحرب الإلكترونية بنسبة 11%، ومعدّات إطلاق النار بنسبة 11%، والطائرات من دون طيار والإلكترونيات بنسبة 9%.

وعلى الرغم من أن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر المفاجئ الذي شنّته حركة “حماس” تسبّب بانتكاسة لإسرائيل وقدراتها العسكرية والاستخباراتية، فإن المعطيات المتعلقة بالصناعات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية على مدار أشهر الحرب تشير إلى أن إسرائيل استطاعت تحويل غزة وجنوب لبنان إلى حقل تجارب حي لتطوير تقنياتها وأسلحتها والترويج لها، وصولاً إلى عقد صفقات رابحة وتصدير جزء كبير منها.

وقد شهدت الصناعات العسكرية-الأمنية انتعاشاً ملحوظاً خلال الحرب على غزة ولبنان، الأمر الذي انعكس بالضرورة في حجم الصادرات الأمنية الإسرائيلية، وقدرتها على الترويج لهذه الصناعات مستقبلاً، مستفيدةً من ميزة النمط التجريبي للحرب، الأمر الذي يساهم في تحسين مكانتها وتثبيتها بين الدول في هذا المجال، وذلك على الرغم من الضربة الكبيرة التي تعرضت لها في هذا المجال بسبب هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر.

وبعد عام على الحرب والدعوات إلى عزل إسرائيل عن الساحة العالمية، اتجهت إسرائيل إلى بيع مزيد من الأسلحة مقارنةً بأي وقت مضى في تاريخها، وذلك على خلفية الإنفاق الحكومي الكبير الذي يهدف إلى تمويل الحملات العسكرية الإسرائيلية المستمرة.

وتُعد الصادرات العسكرية الإسرائيلية أداة مركزية في كسر العزلة السياسية التي تواجهها إسرائيل، إذ تُوظَّف صفقات السلاح ليس فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية، بل أيضاً لبناء شبكات من المصالح الاستراتيجية مع دول متعددة، وتُظهر عدة تجارب هذا الاستخدام الوظيفي؛ فالهند، على سبيل المثال، على الرغم من تاريخها في دعم حركة عدم الانحياز ومساندة القضية الفلسطينية، فقد باتت منذ التسعينيات أكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي، وهو ما عزز من مستوى الشراكة الاستراتيجية الثنائية، وأضعف الضغوط الداخلية ضد التطبيع. كما أن العلاقات مع دول أفريقية كأوغندا وإثيوبيا ورواندا مثلت مجالاً لتجاوز دعوات المقاطعة العربية، إذ ضمنت إسرائيل دعماً سياسياً في مؤسسات دولية كالأمم المتحدة في مقابل تزويد هذه الدول بالسلاح والمعدّات العسكرية. أمّا حالة أذربيجان، فتوضح بصورة جلية كيف تُستثمر الصادرات العسكرية –وخصوصاً الطائرات المسيَّرة– لتأمين تحالفات استراتيجية في مناطق شديدة الحساسية، كالحدود مع إيران، بما يوفر لإسرائيل عمقاً جيوسياسياً إضافياً.

ومن هذا المنطلق، يصبح تصدير السلاح وسيلة لتقويض حملات المقاطعة (BDS)؛ إذ تجد الدول الموقعة لعقود تسليح بمليارات الدولارات صعوبة في الانخراط في مقاطعة شاملة، بينما تنتج هذه العلاقات شبكات من الاعتماد المتبادَل تجعل إسرائيل شريكاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه. ووفق المنظور الواقعي في العلاقات الدولية، فإن القوة الصلبة (Hard Power) المتمثلة في الصناعات العسكرية تحوَّل إلى قوة ناعمة غير مباشرة (Soft Power) عبر توظيفها في بناء التحالفات وتخفيف الضغوط السياسية، وهو ما يفسر كيف أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية باتت أداة لإعادة تشكيل موقعها الدولي على الرغم من استمرار الدعوات إلى العزل والمقاطعة.

لكن على الرغم من الحظر الواسع النطاق على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، حتى من جانب بعض حلفائها، فقد ألقى تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” الضوء على الزيادة في مبيعات الأسلحة لأكبر 3 شركات دفاعية في إسرائيل بين أكبر 10 شركات مصدرة للأسلحة في العالم.

وبحسب وزارة الأمن الإسرائيلية، فإن شركات الدفاع الكبرى في إسرائيل، كإلبت سيستمز، ورافائيل أدفانسد ديفنس سيستمز، وإسرائيل أيروسبيس إندستريز، تحتلُّ نحو 70% من صادرات الدفاع الأجنبية للبلد. بينما اجتذب نجاح تكنولوجيا الدفاع الجوي الإسرائيلية، كالقبة الحديدية، أو أنظمتها الدفاعية للدبابات، على مدى أكثر من 15 شهراً من الحرب، المشترين الأجانب الذين نجحت إسرائيل في لفت نظرهم عبر الترويج لأسلحتها في ساحة المعركة.

وفي الأعوام الخمسة المنصرمة (2020-2025)، تُعتبر الهند من أكبر المستوردين للصناعات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما الصناعات الجوية، كالصواريخ والمقاتلات والطائرات من دون طيار، والمنظومات التكنولوجية المتطورة التي تصنعها شركتا ألفيت ورفائيل، وقد أبرمت معها سنة 2018 أكبر صفقة لـبيع الأسلحة إلى الهند بقيمة مليارَي دولار.

واللافت أن توجُه زيادة التصنيع والتصدير بالاستفادة من ميزة النمط التجريبي للحرب يعترضه بعض المعيقات المرتبطة بالتورط الأخلاقي والمحاكمات الدولية، لكن من الواضح أن الحرب أنعشت الصناعات العسكرية الإسرائيلية لتجاوز الحظر الدولي والتمكن من بيع الأسلحة من دون أي ضوابط.

هـ) التحولات البنيوية في الجيش (2020-2025)

في الفترة 2020-2025، شهدت إسرائيل تحولات عميقة في 3 مجالات مترابطة: التجنيد، والتسليح، والموارد. وهذه التحولات لم تكن معزولة، إنما جاءت نتيجة ضغوط مركَّبة: الجائحة العالمية، والتهديدات الأمنية المتصاعدة في كل من جبهة غزة ولبنان والضفة الغربية، ثم حرب غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي مثلت نقطة انعطاف استراتيجية.

1. التجنيد في إسرائيل (2020-2025)

في الفترة 2020-2023، حافظ نموذج جيش الشعب على ركائزه الأساسية، لكن مزيج الجائحة والتهديدات المتصاعدة، ثم صدمة 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كلها كشفت عن فجوات بنيوية في وفرة القوى البشرية وتوزيعها. وبعد التعبئة الواسعة في خريف 2023، اتجهت السياسة إلى تثبيت الاحتياط لفترة أطول، عبر تمديد سن الإعفاء الموقت من خدمة الاحتياط سنة إضافية (للجنود النظاميين حتى سن الـ 41 عاماً، وللضباط حتى سن الـ 46 عاماً)، وهي خطوة ثُبتت بتشريعات تمديدية خلال سنة 2024.[51] وبالتوازي، فقد طُرح تعديل لزيادة الخدمة الإلزامية للرجال من 32 شهراً إلى 36 شهراً، مع إبقائها 24 شهراً للنساء، بصفته رافعة لتخفيف العبء عن الاحتياط وتوسيع قاعدة القوى العاملة المقاتلة.[52] أمّا في المسار الاجتماعي–القانوني، فقد شكّل قرار المحكمة العليا في حزيران/يونيو 2024 نقطة انعطاف حين ألزمت الدولة بالشروع في تجنيد طلبة الييشيفوت الحريديم ووقف تمويل المعاهد لمن يمتنعون من الخدمة، وهو ما أعاد ملف المساواة في تقاسم الأعباء إلى مركز السجال السياسي والاجتماعي.[53] أمّا مهنياً، فقد اتسعت الأولويات المهنية للتجنيد لتشمل مشغلي مسيَّرات، واختصاصيي استخبارات سيبرانية و”OSINT”، ومهندسي أنظمة، مع تركيز متزايد على الاحتفاظ بالكفاءات التقنية الحرجة. وكانت النتيجة أن سياسة التجنيد تحولت من افتراض الاكتفاء بالحصص التقليدية إلى مقاربة هجينة: تمديد خدمة الإلزام والاحتياط، ورفع جودة التدريب التقنية، وتوسيع قاعدة الانخراط الاجتماعي، مع ما يرافق ذلك من توترات سياسية واقتصادية لازمة.[54]

2. التسليح في إسرائيل (2020-2025)

اعتمدت إسرائيل تاريخياً على مبدأ التفوق النوعي في التسليح لضمان تفوقها العسكري على محيطها الإقليمي. وفي الفترة 2020-2023، واصلت المؤسسة الأمنية تكريس هذه السياسة عبر الاستثمار في سلاح الجو والدفاع الجوي؛ إذ استوعبت أسراباً جديدة من مقاتلات “F-35| أدير”، وأبرمت صفقة ثالثة بقيمة 3 مليارات دولار لشراء 25 مقاتلة إضافية، وهو ما رفع إجمالي الطائرات المطلوبة إلى 75 طائرة، لتصبح إسرائيل أول دولة خارج الولايات المتحدة تملك سرباً كاملاً من هذا الطراز.[55] وفي موازاة ذلك، واصلت إسرائيل تعزيز شبكات الدفاع الجوي، بما في ذلك القبة الحديدية والأنظمة المتعددة الطبقات، كمقلاع داود وحيتس 3، بِدَعْمٍ أميركي مضمون من مذكرة تفاهم بلغت قيمتها 38 مليار دولار للفترة 2019–2028.[56] كما أدخلت مشاريع ليزرية واعدة كـ “Iron Beam”، وخُصص نحو ثلث الموازنة الدفاعية (التي تراوحت بين 20 و23 مليار دولار سنوياً) للمشتريات والتطوير، وبرزت الشركات الكبرى، كرافائيل وإلبت، في تصدير الذخائر الجوالة والمسيّرات وتطويرها، الأمر الذي حافظ على صورة إسرائيل كقوة تكنولوجية متقدمة.

غير أن حرب غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 شكّلت نقطة تحول كبرى؛ إذ كشفت استنزافاً سريعاً للمخزونات، وخصوصاً في قذائف المدفعية-155 مليمتراً، وصواريخ الاعتراض، وهو ما أقرت به مصادر عسكرية إسرائيلية، واضطرت إسرائيل بسببه إلى طلب إمدادات عاجلة من الولايات المتحدة.[57] ودفع هذا الواقع وزارة الدفاع إلى إعادة صوغ سياسة التسليح نحو الجمع بين النوعية والكم؛ توسيع خطوط الإنتاج المحلي داخل شركات كإلبت ورافائيل، وتوقيع عقود موسعة وطويلة الأجل مع واشنطن لضمان الإمداد المستمر. وفي خطوة لتعزيز الاعتماد الذاتي، وقّعت إسرائيل اتفاقات بقيمة 275 مليون دولار مع شركة إلبت لبناء مصنع لإنتاج القنابل والمواد الخام محلياً،[58] كما واجهت منظومات الاعتراض –من القبة الحديدية إلى مقلاع داود ومنظومة حيتس- نقصاً ملحوظاً في الصواريخ، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى التدخل العاجل ونشر بطارية “THAAD” لدعم الدفاع الجوي الإسرائيلي.[59]

كملخص؛ انتقلت سياسة التسليح من التركيز على النوعية المتقدمة خلال الفترة 2020–2023 إلى مشروع أكثر استدامة ومرونة بعد حرب 2023، يقوم على الدمج بين الذخائر الذكية المتقدمة والوفرة المحلية في الإنتاج، بما يضمن قدرة إسرائيل على مواجهة حروب مطولة من دون فقدان التأثير العسكري.

3. الموارد في إسرائيل (2020-2025)

شهدت الموارد قفزة استثنائية بعد حرب غزة 2023، إذ عُدل مشروع موازنة 2024 لإضافة عشرات المليارات من الشواكل إلى الإنفاق العام، مع تحويل جزء كبير مباشرةً إلى الأمن، بينما قدرت جهات رسمية تكلفة الحرب بمئات المليارات حتى سنة 2025، وهو ما انعكس في ارتفاع العجز والدين العام.[60] وعلى صعيد التدفقات الخارجية، فقد أقر الكونغرس الأميركي في ربيع 2024 قانون تمويل طارئ تضمّن نحو 26 مليار دولار مخصصة لإسرائيل (عسكرية وإنسانية)، إلى جانب تسهيلات عملية في السحب من مخزون الأسلحة الأميركي المسبق التموضع في إسرائيل (WRSA-I)، الذي يشكّل قناة سريعة لتوريد الذخائر.[61] أمّا صناعياً، فتبدل الميزان من الاعتماد على المشتريات الخارجية إلى الجمع بينها وبين توسيع القاعدة المحلية، وذلك عبر عقود ذخائر مدفعية كبيرة مع شركة إلبت قبل الحرب ثم تضخمت بعدها، وخطط لإنتاج ذخائر جوية ثقيلة محلياً، إلى جانب توسيع إنتاج صواريخ تامير عبر مصنع مشترك لرافائيل ورايثيون في أركنساس لضمان وفرة الاعتراض.[62] وقد انعكس ذلك في نتائج الشركات الحكومية والخاصة بارتفاع الإيرادات والطلبات المتراكمة. وفي المجمل، قفز إنفاق إسرائيل العسكري –بحسب تقديرات دولية– بنحو لافت سنة 2024، وبلغ نسبة مرتفعة من الناتج المحلي.[63] وبذلك، غدت إدارة الموارد قائمة على الاستدامة القتالية؛ تمويل طارئ ومتكرر، وعقود توريد طويلة الأجل، وقاعدة تصنيع موسَعة، وآليات جسر جوي–بحري مع الحلفاء، بما يمكّن إسرائيل من خوض حرب طويلة مع تقليص أخطار الانقطاع اللوجستي.

ثانياً: المشهد الفلسطيني في ظل الحرب على غزة

يواجه الفلسطينيون وحدهم، منذ التحولات الإقليمية بعد سنة 2011 حتى الحرب على غزة، تبعات السياسة الإسرائيلية إقليمياً ودولياً، ولا سيما بعد تعثُّر الشارع العربي في استعادة دوره السياسي في دعم قضية فلسطين، والذي لا يزال خارج القرار الفاعل، ولا يوجد أفق واضح بشأن التحولات العربية وما يتمخض عنها، إذا كانت ستستطيع، ولو نظرياً، دعم القضية الفلسطينية، بحيث تكون هذه القضية مدخلاً لتجديد المشروع العربي الوطني أو القومي.

ومن هنا، لم تفوت حكومة إسرائيل أي فرصة لتجاهل أي محاولة أو مبادرة للتسوية مع الفلسطينيين أو إجهاضها، متمسكةً بسياسة الانتظار وعدم الحسم أو المبادرة والسعي للتأثير في محيطها الاستراتيجي. كذلك، نجحت الحكومة الاسرائيلية في تكييف الولايات المتحدة مع السياسات الاستيطانية الإسرائيلية.

وقد راوح المشهد الأمني في الفترة 2020-2023 بين التصعيد المنضبط والتهدئة الموقتة، وبقاء الأمور على ما هي عليه في قطاع غزة منذ الحرب على غزة سنة 2014. وقد بدت إمكانات تصعيد المواجهة القائمة على حدود قطاع غزة إلى حرب فعلية ضعيفة، وعلى الرغم من تحديد “حماس” كالعنوان المسؤول في القطاع، إلى جانب ممارسة الجهد المستمر لإضعافها، فإن إسرائيل لم تضع لنفسها هدف تدمير “حماس” في القطاع. وفي المقابل، فإن غاية “حماس” بعد أي عدوان هي إعادة مكانتها بصفتها اللاعب المركزي، ذا القوة وقدرة التحكم بالقطاع، لإحداث أي تغيير في موقف إسرائيل (ومصر) منها. وإلى جانب ذلك، فقد سعت “حماس” لكسر الحصار على القطاع بتوسيع الحركة في المعابر الإسرائيلية وفتح متواصل لمعبر رفح إلى مصر، وتحويل الأموال إلى القطاع، فضلاً عن تسهيلات في مجال الصيد، والتجارة، والزراعة، وغيرها.

ولعل المعيار الأساسي لعملية الردع في مقابل “حماس” اعتمد على سرعة عودة الهدوء إلى قطاع غزة بواسطة الهجمات الوقائية أو الاستباقية وفق البيئة الاستراتيجية الممكنة، والمبادرة من فترة إلى أُخرى إلى استهداف كوادر من صفوف فصائل المقاومة الفلسطينية بهدف ردعها وإبقائها في حالة من الدفاع.

أ) هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر والحرب على غزة سنة 2023

شكّل هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حدثاً أمنياً وعسكرياً مفصلياً ونوعياً غير مسبوق، له تداعيات مباشرة وبعيدة المدى على المشهد الأمني والعسكري، وجاء مناقضاً للتقييمات المهنية التي وضعتها الجهات الاستخباراتية ذات الصلة، ومعاكساً للتصورات والمفاهيم والفرضيات التي بُنيت على أساسها السياسات الإسرائيلية تجاه المسألة الفلسطينية بصورة عامة، وحركة “حماس” وحكمها في غزة بصورة خاصة. وقد شكّل الهجوم بنتائجه المباشرة أكبر إخفاق في تاريخ إسرائيل منذ إقامتها، وذلك لأسباب عديدة، منها:

1- غياب الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية خلال ساعات الهجوم الأولى، ثم إخفاقها الميداني في حماية مواطنيها والتصدي للهجوم، وهذا لا يمس غياب الدولة في الالتزام الاجتماعي بين الدولة والمواطن في الدولة فقط، بل أيضاً يمس صميم الفكرة الصهيونية المؤسسة، المرتكزة على أن اليهود يمكن أن يكونوا آمنين فقط في دولة يهودية خاصة بهم. وبالتالي، فإن للإخفاق تداعيات على مسائل عينية كالهجرة من إسرائيل وإليها.

2- ما ترتب على الإخفاق من مس نوعي بصورة إسرائيل التي بنتها إقليمياً ودولياً بشأن قدراتها التكنولوجية والعسكرية والاستخباراتية وحصانتها، وزعزعته أسس العقيدة الأمنية.

3- كونها أول معركة تم خوضها داخل إسرائيل وليس خارجها.

4- ما تمخض عن الهجوم من كشف لهشاشة إسرائيل العسكرية من دون الدعم الأميركي.

5- استمرار فشل إسرائيل في تحقيق أهداف الحرب العسكرية العينية التي وُضعت مع بداية الحرب على غزة: مِن تحرير الأسرى، والقضاء على “حماس”، وإنهاء حكمها في القطاع، والتورط بدلاً من ذلك -بسبب شكل الهجوم ونوعيته التدميرية- بقضايا قانونية دولية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، الأمر الذي يهدد مستقبلاً قدرتها على استيراد السلاح وتصديره (على الرغم من انتعاش سوق تصدير الأسلحة خلال الحرب)،[64] ويدفعها نحو عزلة دولية (للمزيد بشأن النقطة الأخيرة، انظر: مشهد العلاقات الخارجية).

ب) أهداف الحرب المعلنة وغير المعلنة

عقب هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن بنيامين نتنياهو ظهر يوم السبت رسمياً أن إسرائيل ابتداءً من 7 تشرين الأول/أكتوبر هي في حالة حرب، وكانت هذه المرة الأولى التي يتم فيها إعلان حالة حرب رسمياً منذ سنة 1973. وقد عكس هذا الإعلان أن إسرائيل ذاهبة في اتجاه مواجهة مختلفة، وبدا هذا كجزء من تحضير المجتمع للتغيرات التي سيفرضها ذلك. وفي 11 تشرين الأول/أكتوبر، تم تشكيل حكومة طوارئ قومية لتولي مهام إدارة الحرب (انظر: فصل المشهد السياسي الحزبي).

وقد عكست اللغة المستخدَمة لتوصيف هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر ومفهمة “حماس” وقطاع غزة أن إسرائيل تتجه إلى حرب طاحنة، إذ أطرت الهجوم بأنه تجسيد للشر ومعاداة اليهود ومناهضة السامية، وربطته بفظائع المحرقة، واعتبرت أن “حماس” هي “داعش”، واستخدمت توصيفات تنزع إنسانية سكان غزة، وتعتبر أنه لا يوجد أبرياء فيها.

كانت النقطة المحورية في تأطير الحرب هي اعتبارها حرباً وجودية، وهو ما ينطوي على معانٍ عديدة من حيث تحضير الرأي العام العالمي إلى أن إسرائيل في صدد اتخاذ خطوات غير مسبوقة، وتحضير الرأي العام الإسرائيلي لفكرة أن الحرب تتطلب أثماناً وتضحيات كبيرة، والأهم أنها لن تكون قصيرة، وستستمر أشهراً طويلة، أو ربما أعواماً.[65] وخرجت إسرائيل إلى الحرب وهي تتمتع بالدعم الداخلي من كل أطياف المجتمع الإسرائيلي، والدول الغربية المركزية (للمزيد، انظر: فصل إسرائيل ومشهد العلاقات الخارجية). وتبنت إدارة بايدن بلا تدقيق رواية إسرائيل بالكامل، ووصف أنتوني بلينكن في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ممارسات “حماس” بأنها تستحضر أسوأ ما في “داعش”.[66]

الأهداف المعلنة للحرب

حدد مجلس الحرب الأهداف العينية للحرب على غزة بالتالي:

1. القضاء على حركة “حماس” في قطاع غزة، وتصفية جناحها العسكري وقيادتها في غزة. بالإضافة إلى تدمير سلطة الحركة، وتفكيك البنية التحتية والقدرات العسكرية والحكومية لها وتدميرها. فضلاً عن التشديد على عدم التراجع عن هذا الهدف مهما تطُل الحرب، ونزْع سلاح قطاع غزة.

2. استعادة الأسرى والمحتجَزين الإسرائيليين، الأمر الذي يشكل عنصراً مهماً في ترميم المناعة الوطنية باعتبار أن الإسرائيليين لن يعيشوا في دولة تضحي بحياة مواطنيها لأغراض سياسية.

الأهداف غير المعلَنة للحرب: مشروع التهجير وتحويل غزة إلى مكان غير صالح للسكن

كانت النيات الإسرائيلية في بداية الحرب تتجه نحو تنفيذ مخطط لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى الأراضي المصرية (صحراء سيناء) ومنها إلى دول أُخرى، وعبّر عدد من السياسيين عن هذه النيات بصورة صريحة، وكشفت وثيقة مسربة من وزارة الاستخبارات الإسرائيلية في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أن التهجير سيتم عبر نقل السكان من غزة إلى مدن خيام في شمال سيناء، ثم بناء مدن دائمة، وإنشاء ممر إنساني غير محدد، بالإضافة إلى منطقة أمنية لمنع النازحين من العودة إلى غزة. كما حدد المخطط وجهات أُخرى للنازحين كتركيا، وقطر، والسعودية، والإمارات. ورفضت الوثيقة خيار إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة أو دعم بناء إدارة محلية. وقلل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي من أهمية الوثيقة باعتبارها ورقة مفاهيمية يتم إعدادها على جميع مستويات الحكومة وأجهزتها الأمنية.

واصطدم حديث إسرائيل عن التهجير برفض دولي وأميركي، ومعارضة شديدة من مصر، الأمر الذي وتّر العلاقات معها، ووضع اتفاقيات كامب ديفيد للسلام على المحك، بالإضافة إلى الرفض الكامل من جانب الأردن. وكل ذلك أدى إلى تراجع الخطاب الإسرائيلي الرسمي للتهجير، ومع ذلك، فقد أكدت تقارير غربية أن إسرائيل سعت سراً لحشد الدعم الدولي لإعادة توطين مئات الآلاف من سكان غزة في بعض الوجهات المذكورة في الوثيقة. وتشير الكيفية التي تم فيها تدمير البنية التحتية والمؤسساتية والبيوت إلى أن إسرائيل تسعى لتحويل غزة إلى منطقة غير صالحة للسكن، محققة بذلك مشروع التهجير تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، بحسب وصف بنيامين نتنياهو، وهو مجرد تبييض لغوي للتهجير الإجباري.

تحقيق أهداف الحرب المعلنة

يتضمن تحقيق الأهداف الأمنية للحرب تحويل قطاع غزة إلى منطقة غير مهددة لإسرائيل، وهو ما يستدعي الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية على القطاع بعد الحرب، والحفاظ على حرية العمل العسكري. ويتجلى ذلك في اتخاذ خطوات عديدة:

1) إنشاء مناطق عازلة: ستقوم إسرائيل بإنشاء مناطق عازلة واسعة على طول الحدود الشمالية والجنوبية لقطاع غزة، موازية للجدار الأمني الذي ستتم إعادة بنائه، وستمتد هذه المنطقة لتغطي 16% من قطاع غزة على شكل حزام أمني بالقرب من السياج الحدودي، مع تدمير منهجي للمباني داخلها على امتداد نحو 200 متر لمنع وصول الفلسطينيين إليها. وسيتم التحكم بالمنطقة العازلة عبر النيران والمراقبة من داخل الأراضي الإسرائيلية، بالإضافة إلى حواجز ترابية وقوات عسكرية، من دون إقامة مواقع عسكرية ثابتة.[67]

2) تقسيم القطاع: سيقسم ممر نتساريم، الذي يقع جنوبي مدينة غزة، ويمتد نحو 9 كيلومترات من الحدود الشرقية لغزة حتى البحر، القطاع بين الشمال والجنوب. ووفقاً للتصريحات، فإن الممر يهدف إلى تسهيل حركة الجنود وحرية العمل اللوجستية، لكنه فعلياً سيعمل كحاجز يفصل القطاع، ويمنع عودة الفلسطينيين من الجنوب إلى الشمال، وسيعيد هذا التقسيم تشكيل قطاع غزة أمنياً ومعنوياً، ويعزز السيطرة العسكرية الإسرائيلية على القطاع، وهو ما يزيد إمكان بقاء الجيش الإسرائيلي فترة طويلة في المنطقة.

وهنا في هذا السياق، هناك أهمية لذكر نموذج الضفة، واعتبار فك الارتباط والانسحاب من قطاع غزة أحد أسباب 7 تشرين الأول/أكتوبر. وهذا يمكن أن يشير إلى تحول مهم في التعامل مع الفلسطينيين واستغلال 7 تشرين الأول/أكتوبر لتأبيد فكرة السيطرة من الداخل على الفلسطينيين؛ الحكم العسكري المباشر.

ج) مؤشرات الإخفاق والتحديات

تعتبر التقديرات الإسرائيلية أن عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر لم تكن وليدة الصدفة أو فكرة طارئة، وتراها عملية معقدة، وهو ما يعني أنها خضعت للنقاش والدراسة والتخطيط قبل التنفيذ لمدة أشهر طويلة، وربما لأعوام، وهو ما يجعل من عدم الكشف المبكر عنها بمثابة إخفاق استخباراتي غير مسبوق. ولا يزال كثير من مجريات الهجوم الميدانية وتفاصيله غامضاً لأسباب ترتبط بالبعد الأمني الإسرائيلي والسياسي من جهة، وذاك المرتبط بـ “حماس” واعتباراتها الميدانية والسياسية من جهة أُخرى، ومع ذلك، فإن ما تمخض عنه الهجوم من نتائج دفع إسرائيل نحو أزمة حقيقية بسبب ما تسبب به من مس لصميم العقيدة العسكرية الإسرائيلية، يمكن تشبيهه بزلزال استراتيجي زعزع المشهد الإسرائيلي بكل مستوياته التي تبدأ من أعلى الهرم القيادي في الجهاز الاستخباراتي والعملياتي، كما وُصف هذا الإخفاق بأنه بمثابة انهيار التصور الإسرائيلي للوضع.

وقد انعكس الإخفاق الأمني في الفشل في تحقيق ثلاثة من أركان العقيدة الأمنية الإسرائيلية الأربعة، ولا يزال الرابع متعثراً. وهذه الأركان تشمل: أولاً الإنذار المبكر، وثانياً الردع، وأخيراً الدفاع. أمّا فيما يتعلق بالرابع، فهو ركن النصر (بدلاً من الحسم) الذي لا يزال متعثراً ومرهوناً حتى اللحظة بنتائج الحرب المستمرة.

1. عنصر الإنذار المبكر

يرتبط إخفاق نظام الإنذار المبكر في تقديم تحذيرات مسبقة بعوامل عديدة متشعبة، منها ضعف الاستخبارات البشرية، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا، ونقص التنسيق بين الوحدات المتعددة، وتقديرات الاستخبارات المتضاربة.

فشل التقديرات الاستخباراتية: تبنت أجهزة الاستخبارات تقديرات استراتيجية لأعوام، فحواها أن “حماس” مردوعة، وقد ساهم هذا التقدير في عدم الجهوزية العسكرية في محيط قطاع غزة. ولم يتم طرح سيناريوهات ممكنة لهجوم بري مفاجئ وكثيف من وحدات النخبة لـ “حماس”، على الرغم من انشغال هيئة الأركان العامة بحماية الحدود لعقود. وكان قد نشر رئيس هيئة الأركان المستقيل هرتسي هاليفي مقالاً سنة 2020 بعنوان “الدفاع المتعدد الأبعاد” يحاكي في تفاصيله هجوم تشرين الأول/أكتوبر، إلاّ إنه ركز مخاوفه، على الأرجح، على تصريحات قادة حزب الله بشأن “احتلال الجليل”.[68] أمّا “حماس”، فقد استغلت التقديرات الإسرائيلية، وأدركت مدى ضعف إسرائيل باعتبارها قوة راضية (satisfied power)،[69] إذ لم تتغير التقديرات الاستخباراتية على الرغم من المؤشرات الضئيلة التي وصلت قبل الهجوم في ساعات الفجر.[70]

فشل الاستخبارات البشرية (Human Intelligence) والاعتماد المفرط على التكنولوجيا: فشلت أجهزة التجسس والرصد المتطورة في توفير معلومات جدية بشأن التخطيط للعملية التي كانت قيد التطوير فترةً طويلة. وعوضاً عن ذلك، فقد اعتمدت الأجهزة الأمنية على تقارير وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي كوسيلة إنذار مع بدء الهجوم. وكشفت التحقيقات الصحافية تلقّي المستويات الأمنية والعسكرية مؤشرات عديدة لهجوم وشيك في ساعات الليل قبل الهجوم، لكنها لم تأخذها على محمل الجد، ولم ترفع الجهوزية بسبب الغرق في مصيدة التصور.[71] ولم تستطع الاستخبارات البشرية تتبُّع اتصالات قيادات “حماس” العسكرية، وفشلت في التواجد في الأماكن التي تعطي صورة لما يحدث. وكان هناك إيمان مفرط بإمكانات الذكاء الاصطناعي واستخفاف بـ “حماس”، وكل هذا كان في صميم الفشل؛ إذ عجزت الوحدة 8200 عن توقع هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، فلم يفهم النظام المتطور نظرياً الرسائل بسبب عدم دقة الخوارزميات في معرفة اللغة العربية، ولم تتوقع الجهات المراقبة قدرة “حماس” على التخطيط والتجهيز وتنظيم عملية عسكرية واسعة النطاق من دون استخدام الإشارات الإلكترونية على مدار عامين (Electronic signals).[72]

ضعف آلية التنسيق مع الوحدات العسكرية، وفشل قراءة الإشارات ذات الصلة: لم تلقَ معلومات وحدات الاستخبارات التكتيكية اهتماماً بالتقييمات الاستخباراتية العامة، وهو ما يشير إلى نقص أساسي في الثقافة والأداء التنظيمي وضعف آلية التنسيق مع الوحدات العملياتية.[73] وأصدرت أجهزة الاستخبارات وثائق تحذيرية تشير إلى الخطر المتصاعد من جهة “حماس”، لكن لم تُعطَ هذه الوثائق أي أهمية تستوجب الاستعداد، وتكرر ذلك ليلة الهجوم مع وصول إشارات لم تؤخَذ بجدية، باستثناء إرسال رئيس الشاباك طاقماً عملياتياً لفحص المنطقة تحسباً لعملية خطف.

وكشف الهجوم هشاشة الاستراتيجيا الإسرائيلية القائمة على الردع التكنولوجي، فقد تمكَّن المقاتلون باستخدام تكتيكات بسيطة نسبياً، من اختراق السياج الإلكتروني، وتعطيل أنظمة الإنذار والتصويب عن بعد. وقد اعتمدت “حماس” على معلومات استخباراتية من مصادر مدنية وعسكرية مكشوفة للجمهور، الأمر الذي مكّنها من تحقيق أهدافها داخل المستوطنات باستخدام خرائط متاحة للجمهور.[74] وبالتالي، فقد نجحت الحركة في خداع الأجهزة الإسرائيلية، ودفْع القيادة العسكرية والسياسية إلى اعتقاد أنها غير معنية بالمواجهة، مستغلة الأنفاق قرب السياج الحدودي، فضلاً عن تعطيل أنظمة الكشف وإطلاق النار الآلي والاتصالات بمساعدة طائرات بلا طيار، وأبقت تحركاتها وتحضيراتها سرية وغير ملفتة للانتباه، وهو ما منع أنظمة المراقبة من التنبيه إلى تحركات مشبوهة في عمق أراضي غزة.

2. عنصر الردع

تلقت استراتيجيا الردع الإسرائيلي ضربة مست فرضياتها الأساسية، إذ فشلت في فهم سلوك خصومها وعقليتهم من جهة، وفي إقامة منظومة ردع فاعلة قادرة على أن تدفع الجانب الآخر إلى القبول بالوضع القائم من جهة أُخرى. وبالتالي، فقد أخفق الردع الإسرائيلي في إنشاء تصور لدى العدو (أي “حماس”) فحواه أنه إذا قام بهجوم، فإن الضرر الذي سيرتد إليه سيكون أكبر من الربح الذي يمكن أن يحققه.

وفي السياق العسكري، لم تستطع إسرائيل طوال المواجهات المتعددة السابقة استعادة الردع الذي تآكل خلال المواجهات المتكررة، وخصوصاً مع احتفاظ الفصائل الفلسطينية بقدرتها على استهداف العمق الإسرائيلي، كما فشل الردع بواسطة الأدوات السياسية والاقتصادية والعقاب عبر جولات التصعيد والمواجهة المحدودة إذا لزم الأمر (وهو ما يُعرف بأسلوب جز العشب).[75] ومما يشير إلى أن منظومة الردع الاستراتيجي الإسرائيلية كانت موهومة هو اعتقاد إسرائيل أنها بقوة الردع استطاعت أن تحيد “حماس” عن الانضمام إلى مواجهة عسكرية (كما حدث في المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي سنة 2022)، وهو ما عكس فشل الردع التراكمي–الاستراتيجي، الذي يؤسَّس على مفهوم الاحتواء وإبقاء الصراع مع “حماس” وفصائل المقاومة الفلسطينية في مستوى التوتر المنخفض. ولعل المفارقة أن استراتيجيا الاحتواء الإسرائيلية لم تخفق في وقف تحسن قدرات المقاومة فحسب، بل أيضاً كانت مبنية على استخلاصات خاطئة نتيجة أن التصور بشأن “حماس” قبل 6 أيام فقط من الهجوم كان أن الأخيرة مردوعة 15 عاماً على الأقل، كما أشار إلى ذلك رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي.

وفي سياق متصل، برز أيضاً تآكل الردع الاستراتيجي في التعاطي مع البيئة الاستراتيجية المعادية المتمثلة في إيران وحلفائها، والذي تجسد في استمرار التهديدات من الجماعات الحليفة لإيران في لبنان والعراق واليمن، والذي وصل إلى ذروته في الهجوم الإيراني ليلة 13-14 نيسان 2024 رداً على استهداف إسرائيل لمبنى القنصلية الإيرانية في دمشق.

3. عنصر الدفاع

تشير عدة قراءات إسرائيلية إلى أن التركيز المتزايد على الدفاع، وخصوصاً بعد نجاح الجوانب الدفاعية قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، أدى إلى تقليل الروح القتالية في القوات المسلحة الإسرائيلية، وهذا التركيز أيضاً حوّل الأنظار عن إيجاد حلول حقيقية للتهديد المستمر من غزة، وهو ما يتطلب تدابير واستعدادات أكثر تطوراً بدلاً من الاعتماد على نظام القبة الحديدية فقط.[76]

ويعتمد الدفاع عن حدود غزة على مزيج من الجدران والحواجز المادية وأجهزة الإنذار والاتصالات المرتبطة بمراكز القيادة والقوات داخل إسرائيل، وقد صُممت هذه الحواجز لصد الهجمات المحدودة، أمّا في حالة الهجوم الجماعي، فإن الرد يتطلب تعزيز الحدود بقوات عسكرية، شرط وجود تحذير مسبق كافٍ.

عملياً، لم يكن الجيش مستعداً لمواجهة هجوم جماعي، ولم تتضمن أي خطة دفاعية خطوطاً دفاعية ثانية لدعم المواقع الأمامية أو قوة احتياط لتعزيز الجهود الدفاعية أو الهجوم المضاد. وقد سمح هذا النقص باختراق الخطوط الأمامية وتحرك الفلسطينيين نحو عمق إسرائيل من دون عوائق تقريباً. وأدى استهداف حركة “حماس” فرقة غزة والقضاء عليها إلى انقطاع الاتصالات والتنسيق، الأمر الذي انعكس في حالة التخبط وغياب التصور بشأن حقيقة ما يحدث لساعات عديدة، وربما لأيام حتى.

وكان التوزيع الفعلي للقوات النظامية، التي تم تسريح جزء كبير منها قبل الهجوم للاحتفال بعيد نزول التوراة عاملاً مهماً في الإخفاق؛ إذ أبقت إسرائيل فقط على قرابة 400 جندي وضابط و12 دبابة ميركافا طراز 4، كما أن عدم توزيعهم في الميدان كما يجب ساهم في الإخفاق.[77] فضلاً عن أن نشر قوات الاحتياط فور حدوث الهجوم لم يتناسب مع سيناريو الهجوم، على الرغم من قطع الطريق في ياد مردخاي، الذي ساعد في منع وصول مقاتلي “حماس” إلى عمق إسرائيل.

وقد كشف هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر عن أزمة في جهوزية الجيش الإسرائيلي؛ إذ أكدت التقارير افتقار الجيش إلى الهيكل التنظيمي المناسب لبناء القوة، وغياب المعطيات الأساسية والقرارات لدى المستوى السياسي، كما أدى كل من ضعف وزارة الدفاع في توفير المعلومات والتحليلات الأساسية، والتخطيط والميزانية، وترك توجيهات رئاسة هيئة الأركان تتأثر بوجهات نظر متفاوتة، إلى عدم وضع خطط طويلة المدى وتفعيلها. هذا بالإضافة إلى أن الجهوزية البرية المرتبطة بالعقيدة والاستراتيجيا العسكرية لم تكتمل بعد، ولم يُحسم النقاش بشأن العلاقة بين الأذرع والقيادات ورئاسة هيئة الأركان، وكذلك التدريب المتخصص لم يتم بانتظام (كما تجري الأمور في “RADOC” الأميركية على سبيل المثال).[78]

وفي الأعوام الأخيرة، ظهرت أزمة في الثقافة التنظيمية والإدارية والقيادية للجيش الإسرائيلي، تتجلى في عدم استخلاص العبر، وغياب الرقابة، والانغماس في الروتين، والفشل في معالجة النتائج الخطِرة. هذا بالإضافة إلى فقدان المهنية والانضباط والالتزام بالمواعيد، وخصوصاً في وحدات الاحتياط وتجهيز مستودعات الطوارئ.[79]

لقد أدت عقلية الجيش الإسرائيلي بعد حرب لبنان الثانية، والإحساس بالسيطرة المفرطة على الواقع، وعدم التواضع لدى القيادات، إلى تعثُّر الجهوزية وحالة التراخي، وخصوصاً لدى القوات البرية. وهذه القوات تحتاج إلى مهنية وتخطيط وجهوزية للتحول من حالة الاستعداد اليومي إلى الحرب المباشرة.[80]

وتؤكد عناصر الضعف الجزئية أعلاه أن الجيش الإسرائيلي في 7 تشرين الأول/أكتوبر لم تكن لديه الخطة ولا الجهوزية لمواجهة هجوم واسع النطاق، ومن الأمثلة على ذلك تركيز الوحدات العسكرية، كالفرقة 91، ولواء غزة، على المهام الدفاعية بدلاً من القتال الهجومي،[81] وعدم جاهزية وحدات الطوارئ (التأهب) في المستوطنات المحيطة لمواجهة أي هجوم منذ عامين، بالإضافة إلى نقل كتيبتين من وحدة النخبة دوفدوفان (نحو 100 جندي) الداعمة للواء غزة في 5 تشرين الأول/أكتوبر من غلاف غزة إلى منطقة حوارة، كجزء من قوات الاحتياط التابعة لرئاسة هيئة الأركان بناءً على قرار عسكري لهيئة الأركان وليس القيادة الوسطى،[82] فضلاً عن اعتماد الجيش على تقارير من شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.[83]

ومن مؤشرات الإخفاق الميداني الانهيار التام للواء غزة، الذي انعكس في فشل منظومة القيادة، إلى حد أن تعليمات إطلاق النار تحولت إلى نوع من النسخة المتجددة من توجيه هانيبال، واضطرار الضباط إلى دخول مجموعات الـ “واتساب” الخاصة بمستوطنات غلاف غزة للحصول على أهداف من المواطنين المحاصَرين، وإرسال وحدة مخازن الطوارئ إلى المعركة بلا سترات خزفية، وإرسال أوامر قديمة وغير معدلة إلى الميدان. واللافت في الأمر أن سلاح الجو، الذي يُعتبر الأكثر تنظيماً وترتيباً في الجيش الإسرائيلي، تفاجأ أيضاً، وكان رده جزئياً وغير منتظم، إذ لم يزوَّد الطيارون بمعطيات، الأمر الذي اضطرهم إلى اتباع خطة طوارئ لمهاجمة أهداف في عمق غزة، واختاروا الأهداف عبر التقارير الإخبارية و”التلغرام”. أضف إلى ذلك قلة طائرات الهليكوبتر القتالية بسبب تمركزها على الحدود اللبنانية.

4. عنصر الحسم

لا يزال الحسم من المركّبات الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، على الرغم من أن إسرائيل تخلت عن استراتيجيا الحسم، وفضلت اللجوء إلى استراتيجيا الردع بعد الحرب على لبنان سنة 2006. وفي الحرب على غزة بصورة عامة، وفي المرحلة الثالثة بصورة خاصة، تجنب المستويان السياسي والعسكري الحديث عن الحسم الاستراتيجي الذي يعني عدم نجاح “حماس” في ترميم قدراتها العسكرية وقدرتها على العمل، وبدلاً من ذلك، فقد تمركز الحديث بشأن الحسم العسكري بمفهوم حالة حسم ميدانية، أي القضاء على “حماس” في الحرب. أيضاً، برز في الخطاب الإسرائيلي الخلط بين مصطلحَي “النصر” و”الحسم” بهدف تحسين صورة العقيدة الأمنية، أي النصر بمفهوم التغلب على “حماس” وتشكيل انطباع فحواه أن إسرائيل حققت أهدافها العسكرية العينية والعلنية، لكن النصر الحقيقي يعتمد على ترتيبات اليوم التالي للحرب، وليس بالضرورة أن الحسم العسكري كفيل بالنصر. ومن ناحية أُخرى، فإن هناك مَن يرى أن الحرب الحالية هي حرب جديدة، ويجب ألاّ تحكمها المفاهيم القديمة، نظراً إلى بدايتها ومجرياتها وطبيعتها، الأمر الذي يتطلب من إسرائيل تغييراً في المفاهيم والتفريق بين مفهومَي “النصر” (الداخلي والخارجي) ومفهوم “صورة النصر”.[84]

خلاصة القول: إن التنبؤات القائمة على تحليل معلومات استخباراتية جدية تشكّل جزءاً مهماً في الأدبيات العسكرية، لكن لا جدوى من التنبؤات إذا لم تُترجَم إلى تقديرات استخباراتية وجهوزية عسكرية قادرة على مواجهة هذه العمليات. وفي هذا السياق، فإن إسرائيل تجتهد في إرجاع الإخفاق في 7 تشرين الأول/أكتوبر إلى عوامل بشرية، كالتراخي والإهمال وعدم الاكتراث، بدلاً من اعتباره فشلاً ناتجاً من عوامل بنيوية في عمق الأداء والمنظومة الاستخباراتية التي كانت أسيرة التصورات.

د) المشهد الأمني والعسكري في قطاع غزة والضفة الغربية سنة 2024

تشكّلت العلاقة الأمنية-العسكرية الإسرائيلية مع الفلسطينيين خلال سنة 2024 استناداً إلى استراتيجيا حسم الصراع، وقد انعكس الأمر في تمسُّك إسرائيل بالقضاء على “حماس” وتدمير بنيتها العسكرية، بينما تتمسك برفضها أي دور للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة بالتزامن مع محاولاتها تقويضها في الضفة الغربية، وعرقلة محاولات إصلاحها لتمكينها من إدارة القطاع وحكمه. كما اعتمدت إسرائيل استراتيجيا الحد الأقصى في الحرب على غزة، والعمليات العسكرية المستمرة وغير المسبوقة في الضفة الغربية، بهدف إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية.

1. الحرب على غزة سنة 2024

حددت إسرائيل أهدافها في الحرب على غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، وهي: القضاء الكامل على “حماس”، وتفكيك سلطتها، واستعادة الأسرى والمحتجَزين، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية. وقد عكست هذه الأهداف رؤية بنيامين نتنياهو، الذي جسدها بشعار “النصر المطلق”، واستمرت إسرائيل خلال سنة 2024 في توجيه الضربات العسكرية من دون التمكن من تحقيق هذه الأهداف.[85] وإلى جانب ذلك، فقد سعت لتدمير قطاع غزة بصورة تحول القضايا المدنية (المتعلقة بإعادة التهجير، والإعمار، والمساعدات الإنسانية، والحكم المستقبلي لقطاع غزة) إلى جزء من الرؤية الأمنية-العسكرية تجاه القطاع.

وفي هذا السياق، شكّل كانون الثاني/يناير 2025 منعطفاً في الحرب الإسرائيلية التي استمرت بلا توقف طوال سنة 2024، وذلك بدخول اتفاق وقف إطلاق النار المرحلي مع “حماس” حيز التنفيذ في 19 كانون الثاني/يناير 2025. ومع انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق، بعد 42 يوماً، لم تكن إسرائيل قد انتقلت بعد إلى المرحلة الثانية (والتي تشمل المفاوضات على نهاية الحرب)، لكنها لم تجدد القتال بصورة فورية، إنما جددته بعد عدة أسابيع.

واحتفظت خلال المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار بسيطرة عملياتية كبيرة على حدود قطاع غزة، وهو ما عكس حساباتها الاستراتيجية، والتي تقول إن التخفيض الموقت للعمليات العسكرية المباشرة يُعتبر وقفة تكتيكية -وليس انسحاباً استراتيجياً- تخدم هدفها الفوري المتمثل في استعادة الرهائن مع الحفاظ على النفوذ الأمني على المدى الطويل. ومن الأمور الرئيسية في هذا النهج الأمني إصرار إسرائيل على الحفاظ على سيطرتها على محور صلاح الدين (فيلادلفي)، على الرغم من أن اتفاق المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار نص على الانسحاب من هذه المنطقة، الأمر الذي ربما يشير إلى عدم نية إسرائيل العودة إلى التموضع العسكري السائد قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر.

وفي 18 آذار/مارس 2025، استأنفت إسرائيل حربها على قطاع غزة، ملوحة بإمكان توسيع العمليات العسكرية، وبينها البرية (على الرغم من سيطرة الجيش الإسرائيلي عملياتياً على نحو 90% من جغرافيا القطاع)، وذلك لتحقيق أهداف الحرب التي لم تحققها طوال 15 شهراً، مستندة إلى الدعم الأميركي شبه المطلق.

ووفق تقارير استراتيجية، تواجه إسرائيل تحدياً استراتيجياً في المراحل المقبلة من المواجهة، فاستمرارها في الحرب بالطريقة السابقة نفسها، من دون استراتيجيا سياسية موازية، يمكن ألاّ يؤدي إلى تحقيق هدف القضاء على “حماس”، ويمكن أن يدفع نحو دخول حرب استنزاف في انتظار النتائج السياسية لملفات ما بعد الحرب، وربما يدفع إسرائيل مرة أُخرى إلى الانسحاب من القطاع من دون تحقيق أهدافها، وخصوصاً أن المؤسسة العسكرية تتحفظ بشأن فكرة فرْض الحكم العسكري التي تنعكس في الضم الجزئي أو الكامل لقطاع غزة.[86]

وفي المقابل، فإنه على الرغم من معارضة دولية متزايدة وتحديات قانونية وأخلاقية، فضلاً عن عدم وجود ضمانات حقيقية بقبول أي دولة استقبال أعداد كبيرة من سكان غزة، فإن المؤشرات التي تشير إلى أن فكرة التهجير تتحول فعلاً إلى استراتيجيا موازية لحرب الاستنزاف في غزة تتزايد، إذ تعتمد الرؤية الإسرائيلية الحالية على مفهوم “الكماشة المزدوجة” التي تجمع بين استمرار الضغط العسكري المكثَّف من جهة، وإنشاء أوضاع معيشية قاسية تدفع نحو “هجرة طوعية” من جهة أُخرى. وهذه المقاربة يتم عرضها في بعض التقارير الاستراتيجية الإسرائيلية كطريق لتحقيق حسم غير تقليدي للصراع في غزة.

ويعكس هذا التوجه اعتماد إسرائيل، منذ بداية الحرب على غزة، استراتيجيا الحد الأقصى، التي تسعى للحسم عن طريق تغيير جذري في الواقع الديموغرافي، وإعادة تشكيل الواقع في غزة بصورة تضمن السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة على المنطقة، وتقلّص من التهديدات المستقبلية.

2. المشهد الأمني والعسكري في الضفة الغربية قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر

قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت الضفة الغربية ساحة مركزية في الاستراتيجيا الأمنية الإسرائيلية، إذ اعتُبرت المنطقة الأكثر قابلية للاشتعال بعد قطاع غزة. وتعود جذور هذه المقاربة إلى عملية السور الواقي سنة 2002 التي شكّلت محطة مفصلية في إعادة صوغ معادلة السيطرة الإسرائيلية، وقد أدت تلك الحملة إلى تدمير البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية، وإعادة احتلال مراكز المدن ومخيمات اللاجئين، وعلى رأسها مخيم جنين، الذي تحول آنذاك إلى رمز للمقاومة المسلحة. ومنذ ذلك الحين، تبنت إسرائيل عقيدة عسكرية قائمة على منع تشكُّل أي فضاء آمن أو ملجأ يمكن أن يعيد إنتاج تجربة جنين، معتبرة أن هذا يشكّل شرطاً للحفاظ على مكتسبات عملية السور الواقي.

انطلاقاً من هذه الرؤية، اعتمدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على سياسة الضربات الاستباقية والتوغلات الدورية داخل مدن الضفة ومخيماتها، بالتوازي مع تكثيف التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية. غير أن الأعوام الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً في قدرة السلطة على ضبط الميدان، وهو ما أفسح المجال لظهور تشكيلات شبابية مسلحة مستقلة كعرين الأسود في نابلس، ومجموعات أُخرى في جنين وطولكرم. وقد اعتبرت إسرائيل هذه الظاهرة تهديداً استراتيجياً متنامياً، فبادرت إلى إطلاق حملات أمنية جديدة.

ففي سنة 2022، دشنت إسرائيل عملية كاسر الأمواج كردٍّ مباشر على سلسلة عمليات مسلحة داخل الخط الأخضر نفذها فلسطينيون من شمال الضفة. وركزت الحملة على الاغتيالات المركزة والمداهمات شبه اليومية في جنين ونابلس، وأدخلت الطائرات المسيَّرة كسلاح مراقبة وهجوم تكتيكي. وعلى الرغم من نجاحها في تفكيك بعض الخلايا، فإن العملية ساهمت في تعزيز مناخ المواجهة، وأدت إلى مزيد من فقدان السلطة الفلسطينية لهيبتها.

في صيف 2023، جاءت عملية البيت والبستان لتجسد التصعيد الأكبر منذ أعوام؛ إذ استهدفت العملية مخيم جنين تحديداً، ونُفذت بوسائل عسكرية غير مسبوقة، تضمنت استخدام جرافات مدرعة لتدمير الشوارع والبنية التحتية، بالإضافة إلى قصف جوي محدود بطائرات مسيَّرة هجومية. وبررت إسرائيل العملية باعتبارها استمراراً لعملية كاسر الأمواج، وخطوة ضرورية لمنع المخيم من التحول مجدداً إلى ملجأ للمسلحين، على غرار ما شهدته سنة 2002.

وقد أظهرت هذه الحملات المتعاقبة اتجاهاً بنيوياً في العقيدة الإسرائيلية يقوم على مبدأ الإدارة العنيفة للصراع، بدلاً من البحث عن حلول سياسية، فالهدف لم يكن القضاء النهائي على البنى المسلحة، إنما كان إبقاءها تحت مستوى التهديد الاستراتيجي عبر الضربات المتقطعة، وهو ما سمح لإسرائيل بالتحكم بوتيرة التصعيد، لكن الواقع على الأرض أظهر حدود هذه السياسة؛ فالمجموعات المحلية سرعان ما أعادت تنظيم صفوفها، وازدادت شرعيتها الشعبية في ظل غياب أفق سياسي.

وبالتوازي، شهدت الضفة تصاعداً غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، بدعم ضمني من الجيش، الأمر الذي عمّق الاحتقان الشعبي، ووسع نطاق المواجهة لتشمل مساحات جديدة خارج جنين ونابلس. وهذه الديناميات، مقرونةً بتراجع دور السلطة الفلسطينية وتآكل قدرتها على الوساطة، جعلت الضفة عشية 7 تشرين الأول/أكتوبر تقف على حافة انفجار شامل. وهكذا، فإن الحملات الإسرائيلية، ككاسر الأمواج والبيت والبستان، لم تنجح في تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في منع تشكُّل ملاجئ مقاومة، إنما ساهمت في تسريع تراكم عوامل الانفجار الذي تجلى لاحقاً في الهجوم المفصلي.

وعليه، فإنه يمكن قول إن الضفة الغربية شكّلت الخلفية البنيوية لهجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ فالفشل الإسرائيلي في القضاء على الملاجئ المقاوِمة ضمن كاسر الأمواج والبيت والبستان، وتنامي قوة المجموعات المحلية المسلحة، بالإضافة إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين وتراجع السلطة الفلسطينية، كلها عوامل ساهمت في إنشاء بيئة مشحونة دفعت إلى لحظة الانفجار. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر كحدث معزول في غزة فقط، إنما كذروة لمسار تراكمي من التصدع الأمني والعسكري في الضفة الغربية، كشف عن محدودية الاستراتيجيا الإسرائيلية في إدارة الصراع، وأعاد ترتيب معادلات القوة في المشهد الفلسطيني.

3. المشهد الأمني والعسكري في الضفة الغربية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر

شهدت سنة 2024 استمرار العمليات الحربية في الضفة الغربية، والتي وصلت إلى أوجها في 21 كانون الثاني/يناير 2025، عندما فتح الجيش عملية عسكرية واسعة شملت تدمير مخيمات جنين وطولكرم بصورة أساسية، وتموضعات عسكرية في قلب المخيمات ستستمر طوال سنة 2025، وتهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين منها، ضمن عملية حربية مستمرة.

وتستمر العملية العسكرية الإسرائيلية وسط مجموعة من المتغيرات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، وتحديداً في التوافق بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية بشأن تدمير قطاع غزة وجعله غير صالح للسكن، وضم إسرائيل، كحد أدنى، المناطق المصنفة “ج” في الضفة الغربية إلى سيادتها.

وفي هذا السياق، تتقاطع العملية العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية مع الأهداف الإسرائيلية بين الضفة الغربية وقطاع غزة في محاولات إسرائيل إنشاء واقع ديموغرافي وميداني وجغرافي جديد فيهما، أي إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، بحيث يبقى قطاع غزة معزولاً عن الضفة ومنهَكاً، بينما تواجه السلطة الفلسطينية تحديات مصيرية في فرض سلطتها على الضفة الغربية، وتجميد الدعم المقدَّم من جانب الولايات المتحدة.

ويكمن في صلب تشابه الإجراءات وتقاطع الأهداف بين القطاع والضفة استنساخ منظومة عمل إسرائيل من قطاع غزة في الضفة الغربية، وهو ما يعبّر عن نفسه بهدم أعداد كبيرة من المنازل والبنى التحتية الحيوية كشبكات الصرف الصحي وأنابيب المياه في جنين، واستهداف المخيمات المتكرر، وبينها مخيم جنين وطولكرم ونور شمس. كما أعلن الجيش الإسرائيلي مخططات لشق طرق واستحداث مسارات عسكرية في جنين وطولكرم لتحسين قدرة القوات العملياتية في الميدان، وضمان وصول المركبات العسكرية الثقيلة، كالدبابات، داخل المخيمات في شمال الضفة الغربية، وإتاحة الوصول السريع إلى أي نقطة فيها.

ويمكن تلخيص الاستراتيجيا العسكرية وفهم عمق الاستباحة غير المسبوقة لشمال شرق الضفة الغربية عبر تصريح وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، حين قال: “يجب التعامل مع مخيم جنين كما يتم التعامل مع غزة. وهناك خطط جاهزة لتطبيق ما جرى في مخيم جنين في باقي المخيمات إذا سلكت المقاومة طريق جنين، وهذا يعني أن الهدف مقابلة أي مقاومة عسكرية في المرحلة القريبة بالتدمير الشامل للمخيم.”[87]

وخلال سنة 2024، ومع بداية سنة 2025، تتعامل إسرائيل أمنياً وعسكرياً مع الضفة الغربية بـ 3 مستويات تعكس نهج الاستمرار في ضبط الأمور بالقوة، من دون توضيح الرؤية السياسية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية بعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر وما يترتب عليه ذلك، بحسب إسرائيل، أمنياً وسياسياً. وهذه المستويات هي:

1) انخراط واسع للجيش الإسرائيلي في السيطرة على الضفة الغربية عبر تموضعات غير قتالية تشمل في الدرجة الأولى الإشراف على نحو 790-800 حاجز عسكري.[88] ويتطلب تحويل محافظات الضفة الغربية إلى جزر منفصلة وشبه معزولة انخراطَ وحدات كاملة من الجيش الإسرائيلي، وهي حالة تتطلب من المنظومة الأمنية جهوداً إضافية تتعلق بالبعد الإداري والعملياتي لا يبدو أن لها سقفاً زمنياً، مع استعداد المنظومة الأمنية للاستمرار في هذه الحالة خلال الفترة 2025-2026.

2) منذ بداية سنة 2025، بدأ الجيش الإسرائيلي تبنّي نهج جديد في شمال الضفة الغربية؛ إذ لم تعد العمليات العسكرية محدودة زمنياً (آخِر عملية عسكرية محدودة زمنياً استمرت 35 يوماً ابتداءً من 28 آب/أعسطس 2024)، إنما تطورت إلى تموضع مستمر داخل المدن والمخيمات، الأمر الذي ينسجم مع تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي بشأن إمكان استمرار هذا الاحتلال حتى نهاية سنة 2025 حتى تحقيق الأهداف العسكرية. ويمثل هذا التموضع تعليقاً فعلياً وغير معلَن لتفاهمات أوسلو بشأن إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي إلى خارج المناطق المصنفة “أ”، وإلى حد ما، يعود الجيش إلى مرحلة السيطرة الميدانية المباشرة كما كان قبل اتفاقات أوسلو. وهكذا، من جهة، يُمنح الجيش حرية عملياتية أوسع، لكن هذا الأمر يزيد الاحتكاك اليومي بالسكان، بما يشمل تهجير سكان وإجراءات عسكرية تحول دون عودتهم خلال سنة 2025، وهو ما يجعل مصير الحملة العسكرية مرتبطاً أكثر بالمستوى السياسي ورؤيته تجاه شمال الضفة الغربية، وليس فقط بالمخرجات العملياتية التي تتعلق بمحاربة العمل الفلسطيني العسكري.

3) يتعلق المركَّب الثالث في تعامل المنظومة الأمنية-العسكرية بعمل الإدارة المدنية ووحدة المنسق، وقنوات التنسيق الأمني والمدني التي شهدت تحولاً جذرياً في نهجها تجاه سكان الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية على حد سواء، ويتجسد هذا التغيير في التخلي عن سياسة التسهيلات لضرورات أمنية التي كانت تعتمدها إسرائيل، والانتقال إلى نهج أمني-عسكري يعتمد بصورة أساسية على القوة المفرطة والتضييق المستمر. ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، تم إيقاف دخول العمال باستمرار، كما جرى تصعيد استهداف السلطة الفلسطينية مالياً عبر زيادة العقوبات عليها. وفي الماضي، كانت الإدارة المدنية تتبع سياسة الضغط المتقطع، مع الحرص على المحافظة على توازن بين فرض الأمن بالقوة وتسهيل التنقل والحياة الاقتصادية، وذلك لتجنُّب تفاقم الاعتراضات الفلسطينية، والتي كانت تُعتبر في عقيدتها مؤشراً على خطر تصاعُد الانتفاضات وردات الفعل. لكن منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، تبنّت المنظومة الأمنية نهجاً جديداً يعتمد على التصعيد المستمر في العنف، متخلية عن مركّبات “الجزرة” التي كانت جزءاً من استراتيجيتها في الماضي.[89] ويعكس هذا التغيير تحولاً استراتيجياً في طريقة التعامل مع الفلسطينيين، إذ أصبح الاعتماد الأساسي على الضغط العسكري والأمني الذي يتزايد بالتدريج، في إطار رؤية تهدف إلى فرْض السيطرة المطلقة. وفي صلب هذا التحول، ينتصب أمام المنظومة الأمنية-العسكرية تحدٍّ يتعلق بمشروع فرض السيادة الذي يعتزم سموتريتش واليمين الجديد في إسرائيل تنفيذه، وخصوصاً أن سموتريتش كان قد صرح في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أمام ضباط الإدارة المدنية بشأن مساعٍ عملية لتفكيك الإدارة المدنية، وإحداث تحولات مصيرية في مستقبل أراضي الضفة الغربية، وهي تحولات لم تتضح بعد استعدادية المنظومة الأمنية للتعامل معها.[90]

ولا بد من رؤية هذه المستويات الثلاثة التي تشير إلى تحول في الرؤية الأمنية-الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية في ضوء موقف سموتريش والمستوطنين الذي أعلن سابقاً أن “سنة 2025 هي سنة فرض السيادة على الضفة”، الأمر الذي يضع السلطة الفلسطينية واتفاق أوسلو في حالة مصيرية ضبابية.

لكن هذا القسم ينقصه بعض من الخلفية التاريخية لتعامُل إسرائيل مع الضفة الغربية، وتحديداً من مرحلة ما بعد السور الواقي، حيث لا تسمح ببناء ما يسمى ملجأً (مناطق يهرب إليها المقاومون الفلسطينيون ولا تدخلها إسرائيل). وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى الحملة التي أطلقتها إسرائيل قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر تحت عنوان كاسر الأمواج سنة 2022، وأيضاً حملة البيت والبستان، قبل دخول المرحلة الجديدة التي يشير إليها الفصل بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر.

ثالثاً: المشهد الإقليمي العام في ظل الحرب على غزة

يركز هذا الفصل على المشهد الإقليمي في الفترة 2020-2025 متناولاً حدثين مفصليَين، هما: التطبيع كهدف استراتيجي إسرائيلي، والبيئة الاستراتيجية الإسرائيلية في ظل الحرب على غزة.

أ) التطبيع كهدف استراتيجي في اتفاقات أبراهام 2021

تمت اتفاقات أبراهام بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب سنة 2020، وقد افتُتحت أولاً باتفاق الإمارات وإسرائيل في 15 أيلول/سبتمبر 2020 في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض الأميركي، لتتبعها الاتفاقيات الثلاث في فترة وجيزة خلال السنة ذاتها. وقد تمت هذه الاتفاقات بدعم وجهود أميركية متواصلة من إدارة الرئيس ترامب، وذلك لتحقيق أهداف أمنية واستراتيجية مشتركة.

ويُنظر إلى التطبيع من أكثر من مستوى وصعيد كهدف إسرائيلي استراتيجي، ونرصد من هذه المستويات:

– المستوى السياسي الاستراتيجي العام: من شأنه أن يغير التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط لأعوام طويلة قادمة. فمن شأن التطبيع أن يفتح العديد من الفرص أمام إسرائيل، بينها تعزيز مكانتها وشرعنة حضورها الإقليمي، وكذلك تعزيز تعاونها الاقتصادي والأمني مع دول عديدة، وتعميق التحالف الاستراتيجي مع الدول العربية، بقيادة الولايات المتحدة، ضد المحور الإيراني. وهذا أمر ذو أهمية كبيرة في صوغ استراتيجيا شاملة من جانب إسرائيل ضد التهديد الإيراني، وعلى رأسه المشروع النووي العسكري، فهو يمثل مدخلاً لتكوين تحالف إقليمي بأبعاد أمنية واقتصادية عالمية، ترتبط بصراعات وتنافسات القوى الكبرى، وخصوصاً الأولويات الأميركية وصراعاتها.[91]

وتؤكَّد أهمية الاتفاق من زاوية تعزيزه الأمن القومي الإسرائيلي، وتحويل إسرائيل إلى جزء من النسيج الإقليمي في المنطقة، بما يحسّن من وضع تحالفها مع أميركا.[92] ويمكن أن يُقرأ الاتفاق من منظور أنه تحالف إقليمي أميركي-إسرائيلي-عربي لمواجهة التحدي الإيراني، ولفتح آفاق جديدة للاقتصاد الإسرائيلي، وشطب الفيتو عن التطبيع من دون حل القضية الفلسطينية، وهذا يسهل فرض السلام الاقتصادي مع الفلسطينيين.[93]

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن التهديد الإقليمي المشترك الذي تشكّله إيران كان، ولا يزال، الدافع المركزي لهذه الاتفاقيات. إذ تشكل اتفاقات أبراهام إنجازاً سياسياً إسرائيلياً كبيراً، لكنها لم تستنفذ حتى الآن إمكان تحسين الوضع الاستراتيجي لإسرائيل، والاستجابة للتحديات التي تتطور فيها.

كذلك الأمر، فإن هناك تحديات أُخرى للاتفاق وتوسيعه، كالقدرة على جلب السعودية إلى مشروع التطبيع، لما لها من ثقل عربي وإسلامي، والمطامع السعودية في الوصول إلى الطاقة النووية السلمية في مقابل التطبيع، وقدرة الاتفاق على إظهار ثمار السلام لحث الدول الأُخرى على اللحاق بالركب.[94] وهذا يأتي في ظل عودة العلاقات الإيرانية السعودية التي يشار إليها بتخوف وحذر، الأمر الذي يلقي بتحديات أُخرى أمام الاتفاق ومستقبله.[95]

– المستوى الأمني والعسكري: يتيح التطبيع لإسرائيل تعميق التعاون الاستخباراتي والأمني مع دول المنطقة، إذ سيشكل بعض الدول المطبّعة “مركزاً متقدماً للتجسس على إيران” في إطار التنسيق الأمني المشترك. وستعمل إسرائيل على استقدام الاستثمارات العربية في العديد من المجالات الأمنية الحساسة. كما أن التطبيع يفتح السوق أمام الصناعات الإسرائيلية، وخصوصاً في مجال الأمن السيبراني، وخدمات التجسس، والهايتك، والمعدّات العسكرية.[96] كما سيكون متاحاً لإسرائيل في هذه الحالة إنشاء تحالفات دفاعية، وتعاون أمني في مواجهة تهديدات إيران المتزايدة، وذلك ضمن ما ينشئ تعاوناً أمنياً وعسكرياً مشتركاً يربط المصائر ببعضها.[97]

– المستوى الأمني غير الرسمي: والمقصود به هنا الشركات الإسرائيلية الخاصة التي تعمل في مجال الأمن والاستخبارات وتصنيع المعدّات العسكرية والبحث والتطوير، فعلى سبيل المثال؛ في 19 نيسان/أبريل 2021، وقَّعت شركة أبو ظبي “G42” اتفاقاً مع شركة رفائيل للصناعات العسكرية الإسرائيلية لإقامة مشروع مشترك لتسويق تكنولوجيات المعلومات.( AI and big data technologies)، وفي 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وقَّعت شركة أنظمة إلبت (Elbit systems) للمقاولات العسكرية في إسرائيل اتفاقاً مع الإمارات لإقامة تعاون طويل المدى. [98] وبعد أيام، وقَّعت شركة إيدج للتكنولوجيا، التابعة لوزارة الدفاع الإماراتية، مذكرة تفاهم مع الصناعات الجوية الإسرائيلية لتطوير سفن روبوتية.

– المستوى الاقتصادي والتكنولوجي: سيتيح التطبيع لإسرائيل تكثيف العلاقات الاقتصادية مع الدول المطبِّعة في العديد من المجالات: كالتجارة، والنقل، والسياحة، والأمن، والاتصالات، والتكنولوجيا، والطاقة، والتمويل، والصحة، والدفاع، والبيئة (بما فيها تغيرات المناخ والزراعة).[99] كما أنهم يأملون أن تصبح إسرائيل لاعباً محورياً في حقل الطاقة، وذلك كنقطة وصل للنفط الخليجي إلى الغرب عبر خط أنابيب إيلات–عسقلان، عدا عن توفر مصادر نفط جديدة لإسرائيل، وكذلك فتح طريق بري بين الهند وأوروبا عبر السعودية-إسرائيل.[100]

– المستوى الاقتصادي: والمقصود هنا تبادل رؤوس الأموال بحيث يشارك رأس المال العربي المطبِّع في شراء أسهم وأصول في البنية الاقتصادية الإسرائيلية، والعكس صحيح. وهذا النوع المعولم من المشاركة الاقتصادية من شأنه أن يعمل على تشبيك المصالح الاقتصادية بصورة يصعب الانفكاك عنها، بل أيضاً ينشئ بيئة تدفع رأس المال العربي المطبِّع إلى الاهتمام بأمن إسرائيل خوفاً على مصالحه، والعكس صحيح. على سبيل المثال؛ في 2 أيلول/سبتمبر 2021، باعت شركة ديلك الإسرائيلية للتنقيب 22% من أسهمها في بئر الغاز الطبيعي تمار إلى شركة مبادلة الإماراتية للبترول. وفي 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وقَّعت شركة “SolconIGEL” الإسرائيلية اتفاقاً مع شركة “CMETS-Engineering Solutions” الإماراتية بموجبه تقوم الأخيرة ببيع أسهم ومنتوجات وخدمات الأولى في أبو ظبي. وفي 12 آذار/مارس 2021، أعلنت الإمارات تخصيص صندوق بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في إسرائيل في قطاعات متعددة، منها: الطاقة، والمياه، والفضاء، والصحة، والزراعة العالية التقنية.

وهناك تعاون على مستوى البنى التحتية، وتشمل اتفاقيات بين سلطات المياه والكهرباء ومد أنابيب الغاز وغيرها، ولعل أهمها اتفاق تم في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 بين إسرائيل والأردن والإمارات، وهو الأضخم بين إسرائيل ودول المنطقة، تورد بموجبه الإمارات الطاقة لإسرائيل، التي ستقيم محطة تحلية مياه لتزويد الأردن بالماء. لكن لا يمكن الاستهانة أيضاً بالاتفاقيات بين سلطتَي المياه الإسرائيلية والبحرينية. وفي 21 كانون الثاني/يناير 2021، وقَّعت شركة المياه الإسرائيلية مكوروت اتفاقاً مع سلطة المياه والكهرباء البحرينية لتزويد البحرين بتقنيات تحلية المياه.

كذلك الأمر، تأمل إسرائيل أن يؤدي التطبيع إلى تدفُّق الاستثمارات الإماراتية والخليجية إليها، وفي المقابل تسعى إسرائيل لزيادة صادراتها إلى الدول المطبِّعة، وبتركيز خاص على الوسائل الأمنية والعسكرية، وتسعى كذلك لزيادة نشاط الشركات الإسرائيلية وتأسيس فروع لها في المنطقة، بما يفتح آفاقاً كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي وإنشاء اعتمادية متبادلة بين إسرائيل والدول المطبِّعة.

ومن الجدير ذكره أن أحد أهم مخرجات هذه الاتفاقية كان إرسال ضابط بحريَّة إسرائيلي للتموضع في البحرين بصورة دائمة، ليشكّل رجل اتصال بين إسرائيل والأسطول الخامس الأميركي والقوات البحرينية.[101] وفي مجال آخَر، تم توقيع مذكرة تفاهم في 30 نيسان/أبريل 2021 بين الأرشيف الوطني الإماراتي والمكتبة الوطنية في إسرائيل لتعزيز التعاون الثقافي المتعلق بالإرث المعرفي.[102] وفي حقل مختلف كلياً، في 20 كانون الثاني/يناير 2022، أقامت الجامعة العبرية في القدس وجامعة بوليتكنيك محمد السادس في المغرب اتفاق تعاون أكاديمي للبحث المشترك وتبادُل الطواقم التدريسية والطلبة.[103] هذه الأمثلة هي غيض من فيض، فالاتفاقيات التي تم توقيعها خلال سنة 2021 وبداية سنة 2022 تصل إلى أكثر من 160 اتفاقية تغطي كل مجالات الحياة الاجتماعية، وتنخرط فيها فئات وطبقات وشرائح متنوعة من كل الدول المطبِّعة بالإضافة إلى إسرائيل. وتلقي هذه المقالة الضوء على طبيعة السلام الذي قامت به إسرائيل مع الإمارات والبحرين أساساً، ومع المغرب جزئياً، وخلال فترة قصيرة جداً. وتسعى المقالة إلى استشراف مستقبل اتفاقيات أبراهام، التي لا تشبه بتاتاً اتفاقيات السلام التي أبرمتها إسرائيل مع كل من مصر والأردن قبل أكثر من عقدين.

وفي السياق الفلسطيني، فإن التطبيع من المنظور الإسرائيلي يصب في فهم الجدار الحديدي لإقامة السلام مع العرب، والقائم على القوة والإخضاع؛ فالتطبيع هو فرصة مركَّبة الأبعاد والمستويات، تفتح لإسرائيل باباً لإعادة رسم التوازن في المنطقة وتحقيق مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية، فهي رأس لتحالف إقليمي تقوده أميركا، وتعزز مكانتها الأمنية والعسكرية، وبالتالي قدراتها الدفاعية والرادعة. وعليه، يكون التطبيع في هذا المنظور وسيلة واستراتيجيا لتعزيز الأمن القومي الإسرائيلي.

ب) المشهد الإقليمي العام في ظل الحرب على غزة

يمكن قول إن أبرز ما في الرؤية الاستخباراتية الإسرائيلية حتى سنة 2023 هو عدم قدرة الاستخبارات العسكرية على ادعاء الوضوح في استشراف مجريات الأمور، والسبب في ذلك التغييرات المتسارعة في خريطة التهديدات في المنطقة التي من شأنها أن تؤدي إلى أخطاء في التقديرات الاستخباراتية، فلا رؤية بعيدة المدى والحسابات رهن التطورات. ولعل أبرز مستجدات التقديرات الاستراتيجية عدم التكهن وعرض الفرص الممكنة في الساحات الإقليمية والدولية، اعتباراً من أن الاستخبارات تتمحور بصورة عامة حول التهديدات ووضعها أمام صناع القرار كأساس لوضع استراتيجيا مضادة على مختلف المستويات، منها الأمني والسياسي والاقتصادي. ونلاحظ أيضاً أن الاستخبارات العسكرية تعتبر أنه في هذه المرحلة، من غير الممكن، ومن المبالغ فيه، عرض تقديرات لمدى بعيد.

وقد تم تحديد المأزق الاستراتيجي لإسرائيل في العقد الأخير في محورين أساسيَين: الأول: المأزق الاستراتيجي المعلَن، وهو كيفية التعاطي مع البرنامج النووي الإيراني بعد انسحاب إيران من اتفاقية جنيف، وخصوصاً بعد تصميم إيران على تجديد نشاطها النووي الكامل في ظل إعادة فرض العقوبات عليها. فوفق التقديرات الإسرائيلية، عاد النقاش الفعال داخل أروقة صناع القرار في إسرائيل بشأن إمكان القيام بمغامرة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية ضمن خطة عسكرية عملانية منسقة مع الولايات المتحدة، أو جدوى ذلك. الثاني: المأزق الاستراتيجي العيني لإسرائيل في المرحلة الراهنة، وهو حصول حزب الله على أنظمة الصواريخ الدقيقة، ومدى قدراتها الدفاعية العسكرية (حيتس، والقبة الحديدية، ومقلاع داود) والمدنية في مواجهتها. ويستدعي هذا المأزق تساؤلاً بشأن مدى صدقية القيام بعملية استباقية واسعة داخل الأراضي اللبنانية بهدف ضرب البنية التحتية.

1. المشهد الأمني الإقليمي سنة 2024 – ملامح عامة

شكلت سنة 2024 نموذجاً جديداً يعكس واقع الشرق الأوسط المتقلب، والترابط العميق بين قضاياه المتعددة، وما نتج منها من آثار وتداعيات امتدت لتشمل مختلف دول المنطقة؛ إذ أدت الحرب في غزة إلى تبعات إقليمية ودولية مستمرة، ممتدة إلى سنة 2025 وربما إلى ما بعدها، وخصوصاً حين مثلت هذه الحرب التطبيق الأول والأكثر شمولاً لمفهوم وحدة الساحات، بعد أن شاركت أطراف متعددة في الصراع، بما فيها حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق. هذا فضلاً عن سقوط نظام الأسد، ووقوع الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، وكلها أمور أدت إلى تزايد إمكانات اندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقاً.

ولهذا، أصبح التحدي الرئيسي أمام صناع القرار والخبراء هو قراءة ديناميات دقيقة، وطرح سيناريوهات مستقبلية في ظل بيئة تتميز بسرعة التغير والتشابك والتحولات الإقليمية العميقة المترتبة على الحرب في غزة.

وفي سنة 2024، تعزَزَ الواقع بأن الحرب على قطاع غزة امتد تأثيرها إلى المعادلات القائمة في المنطقة عربياً وإقليمياً، حيث امتدت حدود ساحات المواجهة في قطاع غزة والضفة الغربية إلى ساحات أُخرى.

ومن أبرز ملامح المشهد الإقليمي وتداعياته:

– تأثير الدومينو والتداعيات الإقليمية:

كان الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني تاريخياً بمثابة بؤرة مشتعلة في الشرق الأوسط، وكانت له آثار بعيدة المدى، تمتد إلى ما هو أبعد من حدود إسرائيل وفلسطين، ومع بدء الحرب على غزة، وتحديداً سنة 2024، تجسد تأثير الدومينو في تفاقم التوترات الإقليمية.

وفي السياق السياسي، فإن وقوع إسرائيل في أزمة حقيقية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، ودلالات اعتراف 3 دول أوروبية بفلسطين كدولة مستقلة، يترتب عليهما تخوف إسرائيلي من أن يتدحرج الأمر على طريقة تأثير الدومينو.

– مستقبل محادثات التطبيع السعودي – الإسرائيلي:

تنظر إسرائيل إلى اتفاقيات التطبيع عموماً، ومشروع التطبيع السعودي – الإسرائيلي بصورة خاصة، كإحدى الأدوات الاستراتيجية لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن التوتر والتصعيد الحالي في المنطقة يعوق محادثات التطبيع التي تتم بوساطة أميركية بين السعودية والإسرائيل.[104]

– تقويض وحدة الساحات:

إن تقويض وحدة الساحات ينعكس في فشل محور المقاومة في تحقيق هدفه الأساسي في وقف الحرب في قطاع غزة؛ فمن جهة، لم تستطع حركة “حماس” تغيير معادلة المواجهة مع إسرائيل لمصلحتها، كما تكبّد حزب الله خسائر طالت هيكله القيادي وسلاحه الاستراتيجي نتيجة مشاركته كجبهة إسناد، بينما وجدت إيران نفسها وسط معادلة معقدة يمكن أن تجرها إلى حرب مباشرة تشارك فيها الولايات المتحدة.

ويشكّل تقويض وحدة الساحات عاملاً أساسياً في التحرك العسكري للجيش الإسرائيلي في 9 تشرين الأول/أكتوبر داخل الأراضي السورية بهدف إنشاء حزام أمني حدودي، والضربات الجوية الإسرائيلية للمواقع والمنشآت العسكرية في مناطق عديدة، بينها الاستهداف المتكرر لمطارَي دمشق وحلب بهدف تصفية التموضع العسكري الإيراني في سورية.

ومن الجدير ذكره أن الاستراتيجيا الإسرائيلية لا تركز على حسم الجبهة ضد أحد أطراف وحدة الساحات بقدر ما تسعى لتعقيد حسابات تلك الساحات، بدءاً من قطاع غزة إلى لبنان، ثم سورية. وقد جاءت الضربة الإسرائيلية ضد إيران في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2024 لتخدم ذلك الهدف، فهي لم تستهدف إيران كنظام سياسي، إنما كمشروع توسعي، ولذلك، فقد ركزت على بعض منشآت تصنيع الصواريخ والطائرات المسيَّرة ذات الصلة بعمليات إيران لإمداد أذرعها التابعة بتلك الأسلحة.

– حسم الصراع بدلاً من إدارته:

إن فكرة حسم الصراع حاضرة ومؤثرة في صناعة القرار لدى الحكومة الإسرائيلية اليمينية منذ تشكيلها، الأمر الذي انعكس في تمسُكها بالقضاء على “حماس” وتدمير بنيتها العسكرية، بينما تتمسك برفضها أي دور للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، بالتزامن مع محاولاتها تقويض السلطة في الضفة الغربية، وعرقلة محاولات إصلاحها لتمكينها من إدارة القطاع وحكمه. كما اعتمدت استراتيجيا الحد الأقصى في الحرب على غزة، والعمليات العسكرية المستمرة وغير المسبوقة في الضفة الغربية، وكل هذا بهدف إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية.

2. الجبهة الشمالية: تحليل المواجهة بين إسرائيل وحزب الله

منذ الحرب على لبنان سنة 2006، تُجمِع التقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية على أن سلاح حزب الله حاضر ومؤثر لدى صناع القرار السياسي والعسكري في إسرائيل، وتصنفه المؤسسة العسكرية كتهديد استراتيجي حقيقي على إسرائيل بسبب سعي حزب الله الدؤوب لزيادة قدرته النارية البعيدة المدى، ومواصلة تنمية قدراته العسكرية الهجومية للحصول على أسلحة هجومية متقدمة، تزيد من قدرته على استهداف إسرائيل في صراعات مستقبلية.

وقد تبنت المؤسسة العسكرية تجاه حزب الله استراتيجيا المعركة بين حربين، وذلك نتيجة واقع الردع المتبادَل، وفرض التهدئة القسرية بين الطرفين.[105] وتمسّك الطرفان بقواعد الاشتباك غير المعلنة على أن تقتصر المواجهة العسكرية مع حزب الله على الضربات الجوية في العمق السوري لمنع وصول قوافل الصواريخ إلى حزب الله عبر الأراضي السورية، أو لتدمير مخازن السلاح الإيرانية القريبة من الحدود اللبنانية. ولدى إسرائيل العديد من التفاهمات مع الحكومة السورية لمنع اقتراب حزب الله من الحدود الشمالية لإسرائيل مع سورية.

وكانت قد أشارت التقديرات إلى أن نسبة اندلاع الحرب لا تزال ضعيفة، لكنها واردة نتيجة عدم تقدير ردة فعل الطرف الآخَر نتيجة عملية موضعية. وهناك إجماع دولي على ضرورة استقرار لبنان في المرحلة الراهنة، لأن حالة الردع المتبادَل لا تزال مهيمنة، وعلى الأرجح ستكون هذه الحرب أكثر عنفاً ودماراً من الحروب السابقة.

إلاّ إن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، والحرب الشعواء على غزة، غيّرا قواعد اللعبة بين الطرفين، وباشر حزب الله فتْح ما يسمى “جبهة إسناد” ضد إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى هجوم عسكري إسرائيلي غير مسبوق على لبنان في 23 أيلول/سبتمبر 2024، عندما شنت إسرائيل، عبر سلاح الجو، بعد السادسة صباحاً مئات الغارات الجوية التي قالت إنها تستهدف مواقع لحزب الله في لبنان، وأطلقت على هذه العملية اسم “سهام الشمال”.

وتُجمِع المراكز البحثية ذات صلة بوضع السياسات الإسرائيلية تجاه الساحة اللبنانية على إنجاز الأهداف العسكرية العينية في الحرب، وتحديداً تطهير الحدود من وجود حزب الله بالقرب منها، والعمل على إزالة مواقعه على طول الحدود الشمالية لإسرائيل، وتأمين مستوطنات الشمال، وعودة عشرات الآلاف من سكان القرى التي تعرضت منذ أواخر سنة 2023 لقصف متواصل من جانب حزب الله، وأصبحت غير قابلة للسكن أو الحياة. هذا فضلاً عن منع ما يسميه نتنياهو “تكرار هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر”، وإنشاء الأوضاع الملائمة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي يدفع قوات حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، تماشياً مع قرار الأمم المتحدة 1701.[106]

دلالات المواجهة العسكرية

أدى استهداف قيادات الحزب وكوادره والضربات العسكرية التي وُجهت إليه إلى إضعافه بصورة كبيرة، وقد انعكس ذلك في محور المقاومة ككل.

وكانت إسرائيل قد افتتحت هجومها على حزب الله في 17 أيلول/سبتمبر 2024 بعملية واسعة فجرت خلالها آلاف أجهزة الاستدعاء المحمولة التي يستخدمها عناصر حزب الله وكوادره في أثناء تحركهم خارج مواقعهم، وتُعد هذه أكبر هجمة غير تقليدية الطابع يتعرض لها حزب الله. ثم في 20 أيلول/سبتمبر، استهدفت هيئةَ قيادة قوات الرضوان وقوات نخبة الحزب في اجتماع لها في ضاحية بيروت الجنوبية، وهو ما أدى إلى مقتل العشرات منهم، ثم اغتيال أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، واغتيال رئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين.

وبلغت الضربات التي وُجهت إلى حزب الله ذروتها في اغتيال حسن نصر الله، الذي شكّل ضربة معنوية واستراتيجية لمحور المقاومة الذي تقوده إيران.[107] وباغتياله، أدرك الحزب أنه أصبح أكثر انكشافاً مما تصور.

اتفاق وقف إطلاق النار: دلالاته وتحدياته

حققت إسرائيل، من وجهة نظرها، معظم أهدافها العينية المرتبطة بالحرب على الجبهة اللبنانية؛ إذ تم إبعاد حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، وتكليف الحكومة اللبنانية ببسط سيادتها حتى الحدود الدولية تماشياً مع قرار مجلس الأمن 1701، مع وجود جهاز مراقبة للولايات المتحدة الأميركية لتطبيق القرار. وكان من أهم آثار الهجوم الفصل بين الحرب على غزة وجبهة الإسناد اللبنانية.

ويرى كلا الطرفين، حزب الله وحكومة نتنياهو، أن الاتفاق هو مجرد اتفاق إجرائي لوقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 1701، وليس معاهدة لإنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل. ولأن الاتفاق نص على فترة انتقالية من 60 يوماً قبل أن يستقر وقف إطلاق النار، وتنسحب القوات الإسرائيلية بالتدريج إلى جنوب الخط الأزرق، وتعمل الولايات المتحدة على تسهيل التفاوض غير المباشر بين إسرائيل ولبنان للتوصل إلى حدود برية معترَف بها، فستظل أسباب اندلاع المواجهة قائمة بعد تمسُك إسرائيل بعدم الانسحاب من النقاط الحدودية الخمس التي لا تزال عالقة بين لبنان وإسرائيل (تضاف إلى التواجد الإسرائيلي في الشطر الشمالي لبلدة الغجر والمنطقة المحاذية لها شمالاً). ويبدو أن إسرائيل تسعى لإنشاء حزام أمني حتى نهر الليطاني، ورفع مستوى الضغوط على حزب الله بما يحد من قدرته على التعافي وإعادة تنظيم صفوفه، والحفاظ على حرية عملياتية عسكرية في جنوب لبنان، مع توقع بقاء بعثة اليونيفيل بعد إدخال تعديلات على آليات عملها.

وتتجه الاستراتيجيا العسكرية الإسرائيلية تجاه الجبهة اللبنانية نحو تطبيق مبدأ المنع الاستباقي، وهو ما يعني إمكان التطور إلى حرب استنزاف على الحدود، وهو أمر مرهون بردِّ المقاومة اللبنانية على ذلك.[108] وفي المقابل، يسعى أصحاب القرار ومخططو السياسات في الحكومة الإسرائيلية لوضع خريطة سياسية تحت عنوان “تغيير العلاقات الإسرائيلية – اللبنانية”، وذلك عبر العمل في لبنان من دون تدخُّل علني، وتعزيز القيادة اللبنانية الجديدة في ظل انتخاب رئيس جمهورية جديد. لكن يبقى السؤال المطروح لدى إسرائيل: “هل أصبحت المؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية قادرة على إعادة تأسيس نفسها كقوة دولة يمكن لجميع اللبنانيين أن يثقوا بها، بما في ذلك المكون الشيعي؟”

أمّا من جهة حزب الله، فبعد المواجهة العسكرية وتوقيع اتفاق الهدنة بين الطرفين، فقد فشل في الحفاظ على استراتيجيا الردع مع إسرائيل، ونجحت الأخيرة في تحويله من جيش إقليمي مدعوم إيرانياً إلى منظمة محلية غير رادعة، بعد أن أوقعت به الحرب خسائر فادحة في البنية القيادية ومواقع تخزين وتصنيع عسكرية والقوات المقاتلة.

وفي السياق نفسه، كشفت الحرب أن تحالف محور المقاومة لم يكن مبنياً على قواعد استراتيجية متينة، وأن هناك تضخيماً وتهويلاً في تصوير قوة هذا المحور وقدراته منذ تأسيسه؛ فعندما فُرضت الحرب الشاملة على حزب الله، لم يتحرك حلفاؤه في إيران والعراق واليمن وسورية جدياً لمساندته، ناهيك بالضغوط التي تعرض لها الحزب من جانب إيران بصورة خاصة للموافقة على وقف إطلاق النار، ولم يكن خافياً أن الأخيرة تبنت سياسة عدم التصعيد لوقف النزيف الجيواستراتيجي، فاستمرار الحرب في لبنان يفتح الباب لكل أنواع المخاطر على وضعها الإقليمي، وعلى الأرض الإيرانية ذاتها.

وبالمجمل، كان لهجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر والحرب التي أعقبته على غزة تأثير الدومينو؛ إذ أدت الحرب على حزب الله إلى إضعافه، وأجبرته على تقليص قواته في سورية، إلى جانب تحويل تركيز الجيش الروسي نحو الصراع في أوكرانيا، وهو ما ساهم -ولو بصورة غير مباشرة- في سقوط نظام بشار الأسد،[109] بعد 13 يوماً فقط من إعلان وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، ومع سقوط نظام الأسد، تفكك محور المقاومة، أو على الأقل ضعف بصورة غير مسبوقة.

3. إسرائيل أمام المشهد السوري الجديد

ارتكزت الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه سورية بعد سنة 2011 على ركيزتَين: الأولى أن نظام الأسد باقٍ في صيغته الحالية في المرحلة الراهنة، أي ضعيف لكن مستقر يمارس سيطرة كاملة على قواته المسلحة. والثانية هي قدرة إسرائيل على ردع النظام السوري عن الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل في هضبة الجولان.

ومنذ سنة 2018، أشارت التقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية إلى أن الوضع السوري أدى إلى اختلال موازين القوى الإقليمية لمصلحة إيران وحلفائها، وعزز من الحضور الاستراتيجي الفعلي لروسيا لأمد بعيد.[110] وقد انسجمت هذه التقديرات مع تصريحات نتنياهو بأنه “لا مشكلة لدى إسرائيل مع نظام عائلة الأسد، وإسرائيل لن تتدخل في سورية في حال تم الحفاظ على اتفاقيات وقف إطلاق النار في هضبة الجولان.”[111]

ومن هنا، تمحورت التقديرات منذ سنة 2018 حول المشهد الأمني العسكري في سورية تحت مؤشر أساسي، وهو مواجهة التواجد العسكري الإيراني وتداعياته من دون محاولات الاستشراف السابقة بشأن مصير النظام السوري وبشار الأسد.

وحتى سنة 2023، اعتمدت إسرائيل استراتيجيا الحرب بين الحربين، والمحافظة على الخطوط الحمراء، وعدم الإخلال بقواعد الاشتباك. فتبنّي إسرائيل استراتيجيا الضربة الاستباقية يهدف إلى تدخُّل إسرائيلي غير مصحوب بخطر تصعيد غير مقصود.

لكن سقوط نظام الأسد شكّل تحولاً استراتيجياً مهماً بالنسبة إلى إسرائيل، إذ أدى إلى توجيه ضربة قوية إلى محور المقاومة الإيراني، وتحديداً إضعاف القدرة الإيرانية على دعم حزب الله وتسليحه، كما أفقد إيران ممراً استراتيجياً مهماً للوصول إلى البحر المتوسط. وترافق ذلك مع تراجُع النفوذ الروسي في المنطقة، إذ خسرت موسكو حليفاً رئيسياً، وتقلصت قدرتها العسكرية في سورية.

وحتى اللحظة، يتسم الموقف الإسرائيلي من الإدارة الجديدة في سورية بالتعقيد والحذر على الرغم من الخطاب البراغماتي للقيادة السورية الجديدة، وتعهُّد أحمد الشرع باحترام اتفاقية فض الاشتباك لسنة 1974، وتأكيده عدم رغبة سورية في الصراع مع إسرائيل، ومنْع استخدام الأراضي السورية لشن هجمات ضد إسرائيل.[112]

وتتلخص أسباب القلق الإسرائيلي فيما يلي:

1- الخلفية الجهادية لأحمد الشرع وتنظيمه؛ فالخبرة التاريخية للشرع في تنظيم القاعدة، وتصنيفه كـ “إرهابي” مطلوب من جانب الولايات المتحدة، تجعل إسرائيل متحفظة بشأن تقييم نياته الحقيقية.[113]

2- يشكّل الخوف من تصاعد النفوذ التركي في سورية تحدياً آخر لإسرائيل، مع إمكان تشكيل محور تركي-قطري-إخواني يمكن أن يكون معادياً لإسرائيل.[114]

3- تفجُّر حرب أهلية في سورية، أو تحول سورية إلى دولة فاشلة، وهذا يعني تحولها إلى تربة خصبة لظهور تنظيمات معادية لإسرائيل.

المنع الاستباقي في مواجهة الوضع المستجد في سورية

لقد اعتمدت إسرائيل مبدأ المنع الاستباقي كركيزة لاستراتيجيتها العسكرية في مواجهة الواقع السوري الجديد، وذلك عبر شن عمليات عسكرية كثيفة ومستمرة ضمن فرضية حالة الصراع والحرب القائمة مع سورية، وذلك بهدف محاولة إعادة تشكيل الواقع على الأرض بما يخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية. وتعتمد هذه الاستراتيجيا على فرض ضمانات وترتيبات أمنية تقوم على تحويل المناطق المتاخمة للحدود الإسرائيلية حتى دمشق، وتحديداً منطقة جبل الشيخ، والمحافظات الثلاث، القنيطرة ودرعا والسويداء، إلى مناطق منزوعة السلاح، ومنع وجود تنظيمات تراها معادية.

وفي سياق توصيات السياسة الإسرائيلية لتطوير استراتيجيا دفاعية جديدة على الحدود الشمالية، مع تجنُّب التورط المباشر في الصراع السوري، الأمر الذي يتم بالتنسيق مع الإدارة الأميركية،[115] عززت إسرائيل سيطرتها على المنطقة العازلة في الجولان، وبذلت جهوداً مضادة لإنشاء منطقة منزوعة السلاح، وبالتوازي مع ذلك، السعي لتقوية علاقاتها مع جماعات من الأقليات في سورية، وخصوصاً الدروز. والأبرز بين كل هذا أنه انطلقت الهجمات غير المسبوقة على المواقع والمنشآت العسكرية في سورية بناءً على عدة دوافع رئيسية: أولاً: تدمير أسلحة استراتيجية للجيش السوري تحت ذريعة منع وقوعها إلى أيدي تنظيمات إسلامية “راديكالية”. ثانياً: استهداف القوات والمنشآت الإيرانية في سورية. ثالثاً: اختبار تكتيكات وقدرات عسكرية جديدة وتطويرها، وخصوصاً طائرات “F-35” الجديدة، وتطوير أساليب مواجهة منظومات الدفاع الجوي الروسية المتطورة، والحفاظ على التفوق العسكري والردع الاستراتيجي في المنطقة عبر إثبات القدرة على اختراق الدفاعات الجوية السورية المدعومة روسياً والحفاظ على حرية العمل العسكري في المجال الجوي السوري.[116]

4. التصعيد الأمني في البحر الأحمر

جاء انضمام اليمن إلى وحدة الساحات تزامناً مع تصعيد من جانب حزب الله في الشمال ومع سلسلة من الهجمات على القوات الأميركية في العراق وسورية. واللافت أن التموضع العسكري الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وعسكرة البحر الأحمر والتدخل العسكري، كاعتراض السفن الأميركية صواريخ الحوثيين التي كانت موجهة ضد أهداف إسرائيلية، بالإضافة إلى تشكيل الإدارة الأميركية تحالفاً دولياً لحماية الممرات الملاحية في البحر الأحمر، وتنفيذ غارات جوية ضد الحوثيين في اليمن، وضد الميليشيات التابعة لإيران في العراق وسورية، كلها لم تكن رادعاً كافياً لتهديدات الحوثيين على النحو الذي يحد من فاعلية تصعيدهم كورقة ضاغطة على إسرائيل في معادلة وحدة الساحات، وخصوصاً أنه لم يتضح بعد مدى فاعلية العملية المشتركة ضد الحوثيين، لكن التصعيد الأمني للحوثيين في البحر الأحمر ما زال يشكّل تحدياً محدوداً للردع الاستراتيجي للولايات المتحدة وإسرائيل.

ومن المرجح أن يستمر الحوثيون في تبنّي استراتيجيا الاستنزاف غير المتماثل، وذلك عبر استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما الخليجيين، فالحوثيون يدركون أن استهداف الممرات الملاحية في البحر الأحمر وباب المندب يشكّل ورقة استراتيجية قادرة على تهديد الاقتصاد العالمي، ورفع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما يمنحهم نفوذاً يتجاوز حجمهم العسكري التقليدي. ومن المتوقع أن يسعى الحوثيون لتطوير قدراتهم البحرية، سواء عبر زوارق مسيَّرة مفخخة، أو عبر تعزيز شبكة الاستطلاع الساحلي.

وفي المقابل، يُتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في سياسة الاحتواء النشيط، وذلك عبر الضربات الجوية والبحرية الوقائية، وتعزيز التحالفات البحرية المتعددة الأطراف لحماية الملاحة. كما يمكن أن تلجأ واشنطن إلى الجمع بين الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية، إلى جانب قنوات التفاوض غير المباشرة عبر وسطاء إقليميين، كعمان. أمّا إسرائيل، فستواصل استهداف البنية التحتية الحوثية ضمن إطار وحدة الساحات، معتبرة أن أي تهديد صادر عن اليمن يمس مباشرةً أمنها القومي.

وإقليمياً، من المرجح أن تدعم السعودية والإمارات أي جهود لتقليص نفوذ الحوثيين، سواء عبر التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة أو عبر تعزيز الدفاعات البحرية. لكن في المقابل، يمكن أن يشكّل استمرار الضربات على اليمن ضغطاً إنسانياً ودبلوماسياً، وهو ما يفتح الباب أمام مقترحات لتسوية سياسية أوسع.

وبذلك، يبدو أن سياسة الحوثيين ستبقى قائمة على التصعيد المحسوب، بينما سيرتكز الرد الأميركي–الإسرائيلي على مزيج من الردع العسكري والتحالفات البحرية، من دون أن تُستبعد في المدى المتوسط العودة إلى مسار تسوية سياسية جزئية تربط ملف اليمن بالأمن الإقليمي الأشمل.

5. إسرائيل وإيران سنة 2025: مفترق طرق استراتيجي؟

حدد رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، إيال زمير، أولويات الاستراتيجيا العسكرية لسنة 2025 بقوله: “سنة 2025 ستكون سنة الحرب” في سياق التركيز على استمرار الحرب على قطاع غزة، مشيراً إلى أهمية قيمة النصر في المعركة، ومواجهة إيران في ظل تآكُل قدرة محور المقاومة على تهديد إسرائيل، مع الحفاظ على الإنجازات العسكرية وتعميقها في ساحات أُخرى.[117]

وقد شهدت سنة 2024 خروج المواجهات بين إسرائيل وإيران عن شكلها التقليدي إلى ضربات مباشرة ومعلَنة شكّلت مرحلة جديدة وخطِرة كانت كلتا الدولتين تسعى لتجنبها. وعلى الرغم من نجاح إسرائيل في اعتراض معظم الصواريخ في الهجومين على إسرائيل في تلك السنة، فإنهما [أي الهجومان] أثارا حالة قلق في إسرائيل، إذ تطلَّب صدُّهما إقامة تحالف ضخم يشمل عدة دول، على رأسها الولايات المتحدة، الأمر الذي يكشف عن هشاشة استراتيجية تبقي الأمن الإسرائيلي مرتبطاً بعوامل خارجية. وقد أثار الهجوم الثاني بصورة خاصة تساؤلاً لدى الإسرائيليين بشأن قدرة إيران على تهديد الأمن الإسرائيلي بسبب المسيّرات والصواريخ الدقيقة. وفي المقابل، فإن الهجوم الإسرائيلي في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، الذي استهدف منشآت الدفاع الجوي ومنظومة تصنيع الصواريخ الإيرانية، زاد الشكوك داخل القيادة الإيرانية بشأن قدرتها على تقديم ردع فعال ضد إسرائيل، وشكّل الهجوم الإسرائيلي على المنشآت الإيرانية صباح 26 تشرين الأول/أكتوبر 2024، والذي جاء رداً على الهجمات الصاروخية الإيرانية في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، ضربة مهمة أدت، بحسب إسرائيل، إلى إضعاف منظومة الدفاع الصاروخي والطائرات المسيّرة الإيرانية، كما ساهمت في ردع إيران عن اتخاذ إجراءات تصعيدية، إذ أظهرت أن إسرائيل تملك القدرة وإمكان إلحاق أضرار جسيمة بالعمق الإيراني.

وعلى الرغم مما أصاب محور المقاومة، المدعوم إيرانياً، من ضعف شديد وتفكُّك، فإن التقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية تشير إلى أن إيران ما زالت تتشبث ببقاء محور المقاومة، وخصوصاً حزب الله، وأنها تعتبر وجود حركات مقاومة تتفق معها كاستراتيجيا فاعلة لبناء عمق استراتيجي خارج حدودها يسمح لها بإدارة مواجهات مع إسرائيل أو غيرها من خارج حدودها.

العقوبات الاقتصادية

على مدار الأعوام المنصرمة، توافقت إسرائيل مع توجهات إدارة الرئيس ترامب منذ سنة 2018 على إعادة تطبيق سياسة الضغوط القصوى تجاه إيران، لكن مع تعديلات تأخذ بعين الاعتبار التطورات الأخيرة في المنطقة. ومع ذلك، تبقى الإدارة الأميركية منفتحة على إمكان التفاوض مع إيران إذا أظهرت استعداداً للتجاوب مع المطالب الأميركية الأساسية.[118]

ويتضمن الموقف الأميركي تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران، مع التركيز على قطاع النفط والتجارة الدولية، وتقليص قدرة إيران على تصدير نفطها، وتقييد وصولها إلى النظام المالي العالمي، ومنْع الشركات الدولية من التعامل مع إيران عبر التهديد بالعقوبات الثانوية. وكانت إيران قد طورت خلال الأعوام الماضية آليات للتكيف مع العقوبات وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول كالصين وروسيا.

ومن الجدير ذكره أنه على الرغم من أن التحالف مع روسيا والصين يمثل خياراً استراتيجياً لإيران لمواجهة الضغوط الأميركية، فهو محفوف بالتحديات؛ فمع روسيا، هناك تعاون عسكري متزايد وتبادل أسلحة وتكنولوجيا، مع اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة قيد التوقيع، لكن هناك مخاوف من استخدام روسيا هذه العلاقة كورقة مساومة مع ترامب في حل الأزمة الأوكرانية. أمّا الصين، فعلى الرغم من اعتماد إيران المتزايد عليها في تصدير النفط واتفاقية التعاون لمدة 25 عاماً، فإن عاصمتها بكين تتردد في المخاطرة بعلاقاتها مع واشنطن.

عملية الدرع الحديدي ضد إيران 2025

شهدت المنطقة في مطلع سنة 2025 اندلاع حرب واسعة النطاق بين إسرائيل وإيران، أطلقت عليها إسرائيل اسم “عملية الدرع الحديدي”، وقد جاءت تتويجاً لأعوام من التوترات المتراكمة وحرب الظل الممتدة، لكنها تميزت هذه المرة بانخراط أميركي مباشر إلى جانب إسرائيل، وهو ما منحها طابعاً مختلفاً عن جولات المواجهة السابقة.

وشكّلت سنة 2025 نقطة انعطاف حاسمة في مسار الصراع بين إسرائيل وإيران. فبعد أكثر من عقدين من حرب الظل التي تميزت باغتيالات العلماء النوويين، وهجمات سيبرانية متبادلة، وضربات محدودة في ساحات إقليمية كسورية والعراق، دخلت المواجهة طوراً جديداً مع التدخل الأميركي المباشر إلى جانب إسرائيل؛ ففي ربيع تلك السنة، شنت القوات الأميركية والإسرائيلية عملية عسكرية منسقة استهدفت المفاعلات النووية الإيرانية ومنشآت حساسة مرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم، أبرزها مواقع نطنز وفوردو وأصفهان.

وهذا التدخل لم يكن مجرد دعم لوجستي أو استخباراتي كما في السابق، بل أيضاً كان مشاركة عملياتية فعلية، وظفت فيها الولايات المتحدة قدراتها الجوية والبحرية لتعطيل الدفاعات الإيرانية، وهو ما أتاح لإسرائيل تنفيذ ضربات دقيقة بالطائرات والصواريخ البعيدة المدى. وبذلك، تحققت أول عملية مشتركة علنية على هذا المستوى بين الطرفين، الأمر الذي غير قواعد اللعبة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

بالنسبة إلى إيران، كانت الضربة بمثابة نكسة كبرى لمشروعها النووي؛ إذ أدت إلى تدمير قسم كبير من أجهزة الطرد المركزي، وتأخير البرنامج لأعوام. كما أظهرت الضربات هشاشة منظومة الدفاع الجوي الإيرانية أمام التفوق التكنولوجي الأميركي–الإسرائيلي. وردّت طهران بإطلاق صواريخ باليستية وهجمات بطائرات مسيَّرة على قواعد أميركية وإسرائيلية في المنطقة، إلاّ إن الردع المضاد كان فورياً وحاسماً، وهو ما قلص من فاعلية الرد الإيراني، وأكد اختلال ميزان القوى.

أمّا على الصعيد الإسرائيلي، فقد عززت العملية صورة الدولة كقوة إقليمية قادرة على إزالة تهديدات وجودية بدعم القوة العظمى الأولى في العالم، واستثمرت القيادة الإسرائيلية هذا الإنجاز لتعميق علاقاتها مع دول الخليج التي أبدت دعماً غير معلَن للضربات، معتبرة أنها تضعف النفوذ الإيراني. وفي المقابل، عبّرت دول أُخرى، كتركيا وقطر، عن قلقها من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.

أمّا دولياً، فقد أثارت العملية انتقادات واسعة من روسيا والصين اللتين اعتبرتا الضربات تهديداً للاستقرار العالمي وخرقاً للقانون الدولي، بينما جاء الموقف الأوروبي منقسماً بين دول دعمت الضربات ضمنياً، وأُخرى عبّرت عن خشيتها من انهيار ما تبقّى من الاتفاق النووي الإيراني.

لقد رسخ التدخل الأميركي المباشر سنة 2025 قناعة جديدة فحواها أن المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية لم تعد شأناً إقليمياً محدوداً، إنما باتت ساحة اختبار لإعادة تشكيل النظام الدولي، يتداخل فيها الصراع بشأن النووي الإيراني مع تنافس القوى الكبرى، وأمن الطاقة، ومستقبل التوازنات الإقليمية. ومن المرجح أن يقود هذا الوضع إلى سباق تسلُّح متسارع، سواء عبر تطوير قدرات صاروخية لدى إيران وحلفائها، أو عبر تعزيز أنظمة الدفاع والهجوم لدى إسرائيل ودول الخليج.

وعليه، يمكن قول إن عملية الدرع الحديدي شكّلت منعطفاً استراتيجياً فارقاً؛ إذ تحول الصراع من حرب ظل إلى مواجهة علنية، ودخلت الولايات المتحدة كطرف مباشر في النزاع، الأمر الذي ستبقى له تأثيرات بعيدة المدى في استقرار الشرق الأوسط ومعادلات الأمن الدولي.

خاتمة:

يقدم هذا المبحث تحليلاً شاملاً للمشهد الأمني-العسكري الإسرائيلي خلال الفترة 2020-2025، مع التركيز على التحولات الاستراتيجية بعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ويستعرض العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وكيف أدى هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر إلى إعادة صوغها، إذ كشف عن فشل ذريع في 3 أركان أساسية: الإنذار المبكر، والردع، والدفاع.

ويتناول الفصل تحول إسرائيل من إدارة الصراع إلى استراتيجيا الحسم والسعي للنصر الكامل، مع اعتماد نهج الحد الأقصى في الحرب على غزة ولبنان. ويُظهر أن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر شكّل زلزالاً استراتيجياً لإسرائيل، إذ كشف عن هشاشة الاستراتيجيا الإسرائيلية القائمة على الردع التكنولوجي، وفشل الاستخبارات البشرية والاعتماد المفرط على التكنولوجيا.

ويبرز الفصل أهمية التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي كعناصر حاسمة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة، مع إشارة خاصة إلى برامج، كلافندر وغوسبيل، استُخدمت بكثافة في الحرب على غزة لتحديد الأهداف وتقصير ما يسمى “سلسلة القتل”.

ويناقش الفصل أيضاً العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن حجم المساعدات العسكرية الأميركية ارتفع بصورة غير مسبوقة خلال الحرب (14.25 مليار دولار)، الأمر الذي يعكس عمق العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين. كما أثبتت الحرب أن هذه المساعدات ضرورية لبقاء إسرائيل، وخصوصاً بعد أن كشف الهجوم الإيراني في نيسان/أبريل 2024 هشاشة إسرائيل العسكرية من دون الدعم الأميركي.

كما أنه يستعرض الصناعات والصادرات العسكرية الإسرائيلية التي شهدت انتعاشاً ملحوظاً خلال الحرب، إذ بلغت قيمة صادرات الأسلحة الإسرائيلية 13.1 مليار دولار سنة 2023، مع تركيز خاص على أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي، كما تحولت غزة وجنوب لبنان إلى حقل تجارب حي لتطوير التقنيات العسكرية والترويج لها.

وعلى المستوى الفلسطيني، شهدت سنة 2024 حرباً مستمرة على غزة، واستباحة غير مسبوقة للضفة الغربية، مع تطبيق إسرائيل استراتيجيا المنع الاستباقي كبديل للردع. وتضمنت السياسة الإسرائيلية تجاه غزة تدمير البنية التحتية وتحويلها إلى منطقة غير صالحة للسكن، مع محاولة تهجير السكان تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، والسعي لإنشاء مناطق عازلة وتقسيم القطاع. ويُظهِر هذا المسار أن الحرب لم تقتصر على المواجهة العسكرية، بل أيضاً اتخذت أبعاداً سياسية وديموغرافية خطِرة.

أمّا على المستوى الإقليمي، فيحلل الفصل تأثير وحدة الساحات، والمواجهات مع حزب الله وإيران، وأثر سقوط نظام الأسد في سورية في المشهد الإقليمي. وفي هذا السياق، برزت عملية الدرع الحديدي سنة 2025 كمنعطف استراتيجي فارق؛ إذ نفذت إسرائيل، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، ضربات واسعة استهدفت المفاعلات النووية الإيرانية ومنشآت حساسة، وهو ما غير ميزان القوى، ورسخ انخراط واشنطن كطرف مباشر في المواجهة. وقد عززت العملية مكانة إسرائيل لدى بعض دول الخليج التي رأت فيها تقويضاً للنفوذ الإيراني، بينما أثارت قلق دول أُخرى خشيت من تداعيات الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

كما يتناول الفصل تأثير اتفاقيات أبراهام للتطبيع كهدف استراتيجي إسرائيلي يسعى لتعزيز الأمن القومي وتشكيل تحالف إقليمي ضد إيران، مع إبراز التباينات بين الدول العربية في مواقفها من الحرب ومن التدخل الأميركي المباشر.

ويختتم بالإشارة إلى أن إسرائيل تواجه تحدياً استراتيجياً في المراحل المقبلة من المواجهة، إذ إن استمرار الحرب بالطريقة نفسها من دون استراتيجيا سياسية موازية يمكن ألاّ يؤدي إلى تحقيق هدف القضاء على “حماس”، وأيضاً يمكن أن يدفع نحو دخول حرب استنزاف طويلة الأمد.

المراجع:

باللغة العربية:

– بدوي، عبد القادر. “عن انتعاش سوق تطوير وبيع الأسلحة والتقنيات الإسرائيلية في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة!”. المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 1/4/2024:

https://tinyurl.com/y3snh6d7

سلوم، ملاك. “المطبّعون ينعشون صناعة الأسلحة في ‘إسرائيل‘”. جريدة “الأخبار”، 8/8/2023:

https://tinyurl.com/yn9jwam9

– “صادرات الأسلحة الإسرائيلية ترتفع لمستوى 13.1 مليار دولار عام 2023”. “الجزيرة”، 17/6/2024:

https://tinyurl.com/267m2u95

– “من إسرائيل.. بلينكن يتحدث عن هويته اليهودية ويُشبّه ممارسات ‘حماس‘ بـ ‘داعش‘”. “سي أن أن بالعربية”، 12/10/2023:

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2023/10/12/blinken-talks-about-jewish-identity-hamas-isi

– نحاس، فادي. “المؤسسة الأمنية والعسكرية”. “دليل إسرائيل 2020”. رام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2020.

باللغة العبرية:

– إرتس، عيدن. “المهندسة من طاقم تطوير القبة الحديدية تشرح – لماذا يجب أن تفرح عندما تسمع دوياً كبيراً” (بالعبرية). “غلوبس”، 26/10/2023:

https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001460985

– أزولاي، موران. “قال نتنياهو لبوتين: لن نهدد نظام الأسد. وينفي مكتبه ذلك” (بالعبرية). “واي نت”، 11/7/2018:

https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5308465,00.html

– “أين كان الجيش الإسرائيلي يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر؟” (بالعبرية). موقع “ماكو”، 30/12/2023:

https://www.mako.co.il/news-world/2023_q4/Article-68b29643579bc81027.htm

– براسكي، آنا. “في الطريق لإخلاء مدينة جنين؟ اقتراح إسرائيل كاتس يثير جنون العالم العربي” (بالعبري). “معاريف”، 11/8/2025:

https://www.maariv.co.il/news/politics/article-1123981

بريك، يتسحاق. “القوات البرية أُهملت: أصبحنا جيش سلاح الجو” (بالعبرية). “قناة 12″، 10/5/2022.

– بن كيمون، إليشا. “خلال زيارة للإدارة المدنية، قال سموتريتش إنه يعمل على إغلاقها: ‘تحدثت مع نتنياهو‘” (بالعبرية). “واي نت”، 5/12/2024:

– بن يشاي، رون. “دروس 7/1ذ0: لإسرائيل استراتيجية دفاع حدودية جديدة من ثلاث طبقات” (بالعبرية). “يديعوت أحرونوت”، 25/2/2025:

https://www.ynet.co.il/news/article/b1btcz5q1g

– شخنوبر، ياعيل. “المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: تم نقل قوة الاحتياط قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر” (بالعبرية). “واي نت”، 5/12/2023:

https://www.ynet.co.il/news/article/s1aygsobp

“تحقيق: أين كان الجيش الإسرائيلي يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر؟” (بالعبرية). “القناة 12″، 30/12/2023:

https://www.mako.co.il/news-world/2023_q4/Article-68b29643579bc81027.htm

– “تحقيق بن كاسبيت الصادم: أكبر فشل أمني منذ قيام الدولة” (بالعبرية). “معاريف”، 25/2/2024:

https://www.maariv.co.il/news/military/Article-1079057

– جت، عازار. “زيادة عدد القوات البرية أم منح الأفضلية للتكنولوجيا” (بالعبرية). معهد أبحاث الأمن القومي، 14/3/2024:

– جلبوع، إيتان. “الولايات المتحدة الأميركية وقضية ‘اليوم التالي‘ للحرب في غزة”. “راديو غالي”، 9/1/2024:

https://jiss.org.il/he/media-gilboa-galey-israel-090124

– جلوب، أفنير. “الردع مقابل حماس: أفكار متجددة” (بالعبرية). معهد أبحاث الأمن القومي:

https://short-link.me/GmrY

– روبين، عوزي. “هل أفرط المفهوم الأمني لجيش الدفاع الإسرائيلي وإسرائيل في الاعتماد على الابتكار والتكنولوجيا على حساب المبادئ العسكرية الأساسية؟”. مركز القدس للاستراتيجيا والأمن، 2/11/2023:

https://jiss.org.il/he/rubin-did-idf-rely-excessively-on-innovation-and-technology

– زيتون، يوآف. “تكشفت خطط زامير – وكذلك التعيينات” (بالعبرية). “واي نت”، 5/3/2025:

https://www.ynet.co.il/news/article/sjhekmliyg

– شيلح، عوفر. “بناء القوة على ‘سيوف حديدية‘ – عدم تكرار أخطاء الماضي” (بالعبرية). معهد دادو، 28/4/2024:

https://tinyurl.com/26af5t6k

– شيلح، عوفر وعنات شابيرا، وعيديت جيتلمان. “حتى النصر، السيوف الحديدية” (بالعبرية). معهد أبحاث الأمن القومي، 31/1/2024:

https://www.inss.org.il/he/publication/victory

– “العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر: إخفاق التصورات القديمة” ورقة تقدير موقف. معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، كانون الأول/ديسمبر 2023.

– فرانكل، مئير. “الإحساس بالسيطرة على الواقع كعنصر من عناصر الثقافة التنظيمية للجيش الإسرائيلي” (بالعبرية). مركز دادو، 22/2/2022:

https://tinyurl.com/mrxuju5p

– “غانتس لسكان الجنوب: الحرب قد تستمر لجيل كامل” (بالعبرية). “القناة 7″، 29/1/2024:

https://www.inn.co.il/news/627605

فيتمان، أرييل. “رئيس الشاباك السابق يكشف: لقد حذرنا المستوى السياسي طوال الوقت” (بالعبرية). “غلوبس”، 27/10/2023:

https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001460912

– فينكل، مئير. “القوات البرية – قيادة ذراع البر ومقرات قيادات الألوية” (بالعبرية). موشاف بن شيمين: دار مودان للنشر، 2023.

– كورن، أوره. “طائرة الفالكون كنقطة تحول: الضغط الأميركي بدأ في عام 2003” (بالعبرية). “هآرتس”، 2/1/2008:

https://www.haaretz.co.il/misc/2008-01-02/ty-article/0000017f-e8b8-df5f-a17f-fbfeb1d60000

– ليبسكيند، كلمن. “برعاية القبة الحديدية دولة إسرائيل فقدت إرادة الانتصار” (بالعبرية). “معاريف”، 20/5/2023:

https://www.maariv.co.il/journalists/Article-1008044

– “من إدارة الصراع إلى الحسم: مراجعة للسياسة الإسرائيلية تجاه غزة” تقرير استراتيجي. معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، 2024.

– هاليفي، هرتسي. “الدفاع متعدد الأبعاد بين القطبين” (بالعبرية). مجلة “جيش الدفاع الإسرائيلي” لفن المعركة، (تشرين الأول/أكتوبر 2020):

https://short-link.me/EnJo

هرئيل، عاموس. “كيف تحوّل فك الارتباط 2005 إلى عبء أمني؟” (بالعبرية). “هآرتس”، 12/11/2023.

– ويتمان، أرييل. “رئيس الشاباك السابق يكشف: ‘لقد حذرنا المستوى السياسي طوال الوقت‘” (بالعبرية). “غلوبس”، 27/10/2023:

https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001460912

– ياردين ميخائيل وأفي شرف، “الحزام الأمني وممر السيطرة: هكذا يبدو ترسيخ الجيش الإسرائيلي في غزة” (بالعبرية). “هآرتس”، 28/3/2024:

https://www.haaretz.co.il/news/security/2024-03-28/ty-article-magazine/.premium/0000018d-9cc9-df62-a3fd-9ecdb8420000

باللغة الإنكليزية:

– Abraham, Yuval. “‘A mass assassination factory’: Inside Israel’s calculated bombing of Gaza”. +972 Magazine, 30/11/2023:

https://www.972mag.com/mass-assassination-factory-israel-calculated-bombing-gaza

– Abraham, Yuval. “‘Lavender’: The AI machine directing Israel’s bombing spree in Gaza”. +972 Magazine, 3/4/2024:

https://www.972mag.com/lavender-ai-israeli-army-gaza

– AFP. “Record d’exportations d’armes israéliennes, dont un quart vers des pays arabes”. The Times of Israel, 14/6/2023:

https://fr.timesofisrael.com/record-dexportations-darmes-israeliennes-dont-un-quart-vers-des-pays-arabes

“AG orders daycare funding cut for ultra-Orthodox students who defy draft orders”. The Times of Israel, 11/8/2024::

https://www.timesofisrael.com/ag-orders-daycare-funding-cut-for-ultra-orthodox-students-who-defy-draft-orders

Arad, Shimon. “Israel’s National Security Concept: Functional Incoherence and the October 7 Disaster” Policy Analysis. Strategic Assessment, April 2025.

“Arming Israel to Defeat Iranian Aggression: Frontloading Weapons Delivery, JINSA’s Gemunder Center U.S.-Israel Security Policy Project”. JINSA, November 2019:

https://jinsa.org/wp-content/uploads/2019/11/Arming-Israel-to-Defeat-Iranian-Aggression_web-1.pdf

– Asmar, Ahmed. “Israel receives 230 planes, 20 ships loaded with US arms amid Gaza war”. Anadolu Agency, 25/12/2023:

https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israel-receives-230-planes-20-ships-loaded-with-us-arms-amid-gazawar/3092301

– Azis, Aswin Ariyanto & Hemalia Kusumadewi. “Aidization of Weapon, Weaponization of Aid: The US-Israel Interventionist Aid in Israeli-Palestinian War”. European Journal of Law and Political Science, vol. 3, no. 2 (April 2024):

https://www.ej-politics.org/index.php/politics/article/view/134

– Ben, Avishay Sasson-Gordis & Chuck Freilich. “Theodore Sasson. Implications of the US Senate Vote on Limiting Arms Sales to Israel”. INSS, Insight no. 1926 (December 18, 2024).

– Beit-Hallahmi, Benjamin. Original sins: Reflections on the history of Zionism and Israel. London: Pluto Press, 1992.

– Bendelac, Jacques. “Le modèle israélien d’économie de guerre a conduit à la création d’une société ‘à deux étages’”. Le Monde, 7/10/2022:

https://www.lemonde.fr/idees/article/2022/10/07/le-modele-israelien-d-economie-de-guerre-a-conduit-a-la-creation-d-une-societe-a-deux-etages_6144841_3232.html

– Bilmes, Linda J., William D. Hartung & Stephen Semler. “United States Spending on Israel’s Military Operations and Related U.S. Operations in the Region, October 7, 2023 – September 30, 2024”. Watson Institute for International & Public Affairs: Brown University, 7/10/2024:

https://watson.brown.edu/costsofwar/files/cow/imce/papers/2023/2024/Costs%20of%20War_US%20Support%20Since%20Oct%207%20FINAL%20v2.pdf

Breuer, Eliav. “Government extends age cutoff for IDF reserve duty amid heavy criticism”. Jerusalem Post, 16/6/2024:

https://www.jpost.com/israel-news/defense-news/article-806478?utm_source=chatgpt.com

– Cordesman, Anthony H. & Aram Nerguizian. “The Arab-Israeli military balance”. CSIS, 29/6/2010:

https://www.csis.org/analysis/arab-israeli-military-balance-2010

– Dekel, Tomer. “Hamas and the New Great Game”. Strategic Assessment, vol. 27, no. 1 (March 2024).

– Dekel, Udi, Assaf Orion, Anat Ben Haim & Zvi Magen. “The Potential for a War on the Northern Front that None of the Parties Want: Insights from a war Game”. INSS, Insight no. 1049 (May 3, 2018).

– Dekel, Udi. “The Long-Awaited Victory Over Hamas Was Not Achieved—What Now?”. INSS, Insight no. 1950 (February 2025).

– Ella, Doron. “A Regulatory Mechanism to Oversee Foreign Investment in Israel: Security Ramifications”. INSS, Insight no. 1229 (November 19, 2019).

– Even, Shmuel, Tomer Fadlon & Yoel Guzansky. “The Economic- Strategic Dimension of The Abraham Accords”. INSS, Insight no. 1388.

Even, Shmuel. “The ‘Tnufa’ Multi-Year Plan for the IDF: Where are the Cabinet Approval and the Budgets?”. INSS, no. 1357 (August 5, 2020):

 http://bit.ly/3raCf99

– Even, Shmuel. “US Military Aid – Still a Strategic Asset for Israel”. In: Sasson H., Fadlon T. (ed) Israel’s Defense Industry and US Security Aid. INSS, Memorandum no. 202 (July 2020).

– “Exportations. Ventes d’armes : une période faste pour Israël”. Courrier International, 28/11/2022:

https://www.courrierinternational.com/article/exportations-ventes-d-armes-une-periode-faste-pour-israel

– Felstead, Peter. “The domino effect that opened the road to Damascus –and an uncertain Syria”. ESD, 9/12/2024:

https://euro-sd.com/2024/12/major-news/41804/the-road-to-damascus

– Flamer, Netanel & Erez Magen. “The ‘Unclassified Secret’”. The Begin-Sadat for Strategic Studies, paper no. 2238, 26/11/2023:

https://besacenter.org/the-unclassified-secret/?utm_source=chatgpt.com

– Frantzman, Seth J. “Amidst Gaza tensions, Israel signs F-35 deal with US for 25 more warplanes”. Breaking Defence, 5/5/2024:

https://breakingdefense.com/2024/06/amidst-gaza-tensions-israel-signs-f-35-deal-with-us-for-25-more-warplanes

– Frish, Hillel. “Thwarting leaders during war is beneficial”. JISS, 12/8/2024:

https://jiss.org.il/frisch-eliminating-leaders

– Fuller, Craig. “US supply chains are powering Israel’s military”. FreightWaves, 16/6/2025:

https://www.freightwaves.com/news/u-s-supply-chains-are-powering-israels…

– Guzansky, Yoel. “The Road to Normalization: Relations Between Israel and Saudi Arabia”. INSS, Special Publication, July 23, 2023.

– Guzansky,Yoel & Udi Dekel. “The Abraham accords at one year: Required to dictate the pace”. INSS, 2021.

– Hacohen, Gershon. “Israel and the Emerging Trends in Syria”. BESA, 4/2/2025:

https://besacenter.org/israel-and-the-emerging-trends-in-syria

– Har-Zvi, Shay. “Normalization with Saudi Arabia- Interests Vs. Challenges”. Institute for Policy and Strategy (IPS), September 2023.

– Har-Zvi, Shay. “Saudi Arabia and the Strategic Arab Axis”. Institute for Policy and strategy (IPS), February 2024.

– Hayman, Tamir. “The Day After: The Development of the War Requires Brave Decisions” Policy Paper. INSS, 12/4/2024.

– Hazut Guy & Ofer Shelah. “The IDF Ground Operation in Lebanon — Goals, Alternatives and Consequences” Policy Paper. INSS, 14/10/2024.

– Inbar, Efraim. “Syria and the Middle East Are No Safer After the Fall of Assad”. JISS, 13/12/2024:

https://jiss.org.il/en/inbar-syria-and-the-middle-east-are-no-safer-after-the-fall-of-assad

– Inbar, Efraim. “Time to Revise Israel’s Military Doctrine”. JISS, 17/3/2025.

– “Israel army faces shortage of ammunition amid war on Gaza, Lebanon”. Middle East Monitor, 21/10/2024:

https://www.middleeastmonitor.com/20241021-israel-army-faces-shortage-of-ammunition-amid-war-on-gaza-lebanon

– (2023-2024) Israel Defense,

– “Israel’s Jericho missile program”. Jane’s Defence Weekly, 2000.

– Israeli Ministry of Defense, SIBAT. “Defense export report 2018”. MoD, 2019.

– “Israeli Navy Officer to Be Permanently Stationed in Bahrain – Report”. The Jerusalem Post, 12/2/2022:

https://www.jpost.com/breaking-news/article-696145

– Jewish Virtual Library. “Israeli defense industry” (Encyclopedia Article). American-Israeli Cooperative Enterprise, 2020.

– Johnson, Keith. “Trump Returns to ‘Maximum Pressure’ on Iran”. Foreign Policy, 5/2/2025:

https://foreignpolicy.com/2025/02/05/trump-iran-maximum-pressure-presidential-memorandum

– Jones, Clive & Yoel Guzansky. “Israel’s relations with the Gulf states: Toward the emergence of a tacit security regime?”. Contemporary Security Policy, vol. 38, Issue 3 (February 2017).

– Kass, Harrison. “IAI Kfir: Israel’s Classic Fighter Jet No Nation Wanted to Ever Fight”. The National Interest, 7/8/2024:

https://nationalinterest.org/blog/buzz/iai-kfir-israels-classic-fighter-jet-no-nation-wanted-ever-fight-210375

– Katulis, Brian, Alex Vatank & Patricia Karam. “Beyond ‘Maximum Pressure’ in US Policy on Iran: Leveraging Regional Partners to Contain Iran’s Actions and Shape its Future Choices Study”. Middle East Institute, 30/1/2025:

https://www.mei.edu/publications/beyond-maximum-pressure-us-policy-iran-leveraging-regional-partners-contain-irans

– Khalil, Zein. “Israeli army admits it suffers shortage of tanks, ammunition amid Gaza war”. Anadolu Agency, 15/7/2024:

https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israeli-army-admits-it-suffers-shortage-of-tanks-ammunition-amid-gaza-war/3276115

– Kurz, Anat. “The Negev Summit- What Next?”. INSS, Special Publication.

– Lerman, Eran. “Deterrence is not dead: With necessary modifications, it remains central to Israel’s defense doctrine”. JISS, 26/11/2024.

– Lis, Jonathan. “Israeli Government Set to Extend Mandatory Military Service for Men to Three Years”. HAARETZ, 14/7/2024:

https://www.haaretz.com/israel-news/2024-07-14/ty-article/.premium/israeli-government-set-to-extend-mandatory-military-service-for-men-to-three-years/00000190-b1df-d7ee-af9c-ffdfa5280000

– “Lockheed Martin F-35 Lightning II Israel procurement”. Wikipedia, 2024:

https://en.wikipedia.org/wiki/Lockheed_Martin_F-35_Lightning_II_Israeli_procurement

– Malsin, Jared. “U.S. Plans $320 Million Weapons Transfer to Israel as Gaza Toll Mounts”. The Wall Street Journal, 6/11/2023:

https://www.wsj.com/world/middle-east/u-s-plans-320-million-weapons-transfer-to-israel-as-gaza-toll-mounts-7c50afd9

– Meridor, Dan & Ron Eldadi. “Israel’s National Security Doctrine: The Report of the Committee on the Formulation of the National Security Doctrine, Ten Years Later”, (Memorandum). INSS, February 2019.

– Michael, Kobi & Udi Dekel. “Israel- UAE Normalization of Relations: At the Expense of The Palestinians?”. INSS, insight no. 1368 (August 23, 2020).

– “Pourquoi Israël a progressé de 30% dans les ventes d’armes”. JFORUM, 15/4/2022:

https://www.jforum.fr/pourquoi-israel-a-progresse-de-30-dans-les-ventes-darmes.html

– Power, Catherine. “Economic cooperation between Israel and the UAE: deep roots and significant gains”. The Washington Istitute for Near East Policy, 8/3/2022:

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/altawn-alaqtsady-byn-asrayyl-walamarat-jdhwr-myqt-wmkasb-kbyrt

– Roni, Bart. “Israel and American Aid: Continue Forward or Reverse Course”. Strategic Assessment, vol. 10, no. 1 (June 2007).

– Samama, Pascal. “Armement: l’industrie israélienne lance une percée en Europe avec le char Merkava”. BFM Business, 16/6/2023:

https://www.bfmtv.com/economie/entreprises/defense/armement-l-industrie-israelienne-lance-une-percee-en-europe-avec-le-char-merkava_AN-202306160569.html

– Sayigh, Yezid. Arms proliferation and the Arab-Israeli conflict. London: International Institute for Strategic Studies, 1991.

– Scheer, Steven. “Israel signs deals with defence firm Elbit to make bombs domestically”. Reuters, 7/1/2025:

https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/israel-signs-deals-with-defence-firm-elbit-make-bombs-domestically-2025-01-07

– Shavit, Eldad. “The Trump Administration Policy Recommendations for Israel” Policy Paper. INSS, 26/1/2025:

https://www.inss.org.il/publication/trump-policy-paper

– Shine, Sima, Yoel Guzansky & Eldad Shavit. “Iran and Saudi Arabia Renew Relations”. INSS, no. 1695 (March 14, 2023).

– Siboni, Gabi, Yuval Bazak & Gal Perl Finkel. “The Development of Security-Military Thinking in the IDF”. Strategic Assessment, vol. 21, no. 1 (April 2018).

– “SIPRI arms transfers database, 2018 report”, Solna: SIPRI, 2019.

– Sipri – Stockholm International Peace Research Institute Home page:

https://www.sipri.org

– Sobelman, Daniel. “Israel–Hezbollah: from ‘rules of the game’ to deterrence stability”, in Deterrin Terrorism. Routledge, 2018.

– “The Estimated Cost of the Gaza War on the Israeli Economy”. Arab Center Washington DC, 27/1/2025:

https://arabcenterdc.org/resource/the-estimated-cost-of-the-gaza-war-on-the-israeli-economy

– Tira, Ron. “Developing a Doctrine for Cyberwarfare in the Conventional Campaign”. Cyber, Intelligence, and Security, vol. 2, no 1 (May 2018).

– Tobin, Andrew. “Israel Secretly Building Buffer Zones Inside Lebanon and Gaza”. Washington Free Beacon, 31/1/2025:

https://freebeacon.com/israel/israel-secretly-building-buffer-zones-inside-lebanon-and-gaza

– “UAE National Archives, Israeli National Library Sign MoU”. Emirates News Agency – WAM, 1/5/2021:

https://wam.ae/en/details/1395302931499

– “US deploys THAAD battery to support Israel’s air defence”, Financial Times, 2024:

https://www.ft.com/content/65611fb6-d88a-41b6-8c50-e06ae376c697

– “U.S. Foreign Aid to Israel: Overview and Developments since October 7, 2023”. Every CRS Report, Updated 28/5/2025:

https://www.everycrsreport.com/reports/RL33222.html

– “U.S.-Israel Strategic Cooperation Agreement”. Washington DC: U.S. Government, 1979.

– Valensi, Carmit. “A New Era in Syria: Winners, Losers, and Implications for Israel” Policy Paper. INSS, 12/1/2025:

https://www.inss.org.il/publication/syria-new-era

– Wang, Yu. “Interest or influence? an empirical study of US foreign aid to Israel”. Israel Affairs, vol. 27, Issue 4 (14 July 2021):

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13537121.2021.1940553

– Weinberg, Jesse R., Alon Berkman & Rebecca Meller. “The American Foreign Aid Package and Its Implications”. INSS, no. 1867 (June 19, 2024):

https://www.inss.org.il/publication/the-us-foreign-aid-package

– “West Bank Access Restrictions – November 2024”. OHCA, 28/11/2024:

https://www.unocha.org/publications/map/occupied-palestinian-territory/west-bank-access-restrictions-november-2024

– Zanotti, Jim. “Israel: Background and U.S. Relation”. Congressional Research Service, 28/10/2016:

https://www.hsdl.org/?view&did=796700

– “2021 Abraham Accords Progress Report: A Year In Review”. Abraham Accords Peace Institute, 20/1/2022:

https://www.aapeaceinstitute.org/latest/abraham-accords-progress-report-2021-a-year-in-review

https://www.inss.org.il/publication/central-command

[1] Gabi Siboni, Yuval Bazak, & Gal Perl Finkel, “The Development of Security-Military Thinking in the IDF”, Strategic Assessment, vol. 21, no. 1 (April 2018).

[2] Dan Meridor & Ron Eldadi, “Israel’s National Security Doctrine: The Report of the Committee on the Formulation of the National Security Doctrine, Ten Years Later”, (Memorandum), INSS, February 2019.

[3] Siboni & others, op.cit.

[4] فادي نحاس، “المؤسسة الأمنية والعسكرية”، “دليل إسرائيل 2020” (رام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2020)، ص 675، 676.

[5] Shmuel Even, “The ‘Tnufa’ Multi-Year Plan for the IDF: Where are the Cabinet Approval and the Budgets?”, INSS, no. 1357 (August 5, 2020):

 http://bit.ly/3raCf99

[6] رون بن يشاي، “دروس 7/10: لإسرائيل استراتيجية دفاع حدودية جديدة من ثلاث طبقات” (بالعبرية)، “يديعوت أحرونوت”، 25/2/2025:

https://www.ynet.co.il/news/article/b1btcz5q1g

[7] عاموس هرئيل، “كيف تحوّل فك الارتباط 2005 إلى عبء أمني؟” (بالعبرية)، “هآرتس”، 12/11/2023.

[8] “العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر: إخفاق التصورات القديمة” ورقة تقدير موقف، معهد دراسات الأمن القومي (INSS) (كانون الأول/ديسمبر 2023).

[9] “من إدارة الصراع إلى الحسم: مراجعة للسياسة الإسرائيلية تجاه غزة” تقرير استراتيجي، معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، 2024.

[10] Shimon Arad, “Israel’s National Security Concept: Functional Incoherence and the October 7 Disaster”, Policy Analysis, Strategic Assessment, (April 2025).

[11] تاريخياً، لم تعتمد إسرائيل قط استراتيجيا مكتوبة للأمن القومي منذ تصريحات بن غوريون أمام مجلس الوزراء سنة 1953، إنما تركت هذه المسألة لتقديرات المسؤولين السياسيين والعسكريين، على الرغم من وجود إجماع ضمني على بعض المبادئ العامة غير المكتوبة.

[12]Arad, op.cit.

[13] Ron Tira, “Developing a Doctrine for Cyberwarfare in the Conventional Campaign”, Cyber, Intelligence, and Security, vol. 2, no 1 (May 2018).

[14] أرييل ويتمان، “رئيس الشاباك السابق يكشف: ‘لقد حذرنا المستوى السياسي طوال الوقت‘” (بالعبرية)، “غلوبس”، 27/10/2023.

https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001460912

عوزي روبين، “هل أفرط المفهوم الأمني لجيش الدفاع الإسرائيلي وإسرائيل في الاعتماد على الابتكار والتكنولوجيا على حساب المبادئ العسكرية الأساسية؟”، مركز القدس للإستراتيجية والأمن، 2/11/2023.

https://jiss.org.il/he/rubin-did-idf-rely-excessively-on-innovation-and-…

[15] Yuval Abraham, “‘A mass assassination factory’: Inside Israel’s calculated bombing of Gaza”, +972 Magazine, 30/11/2023:

https://www.972mag.com/mass-assassination-factory-israel-calculated-bomb…

[16] Yuval Abraham, “‘Lavender’: The AI machine directing Israel’s bombing spree in Gaza”, +972 Magazine, 3/4/2024:

https://www.972mag.com/lavender-ai-israeli-army-gaza

[17] بن يشاي، مصدر سبق ذكره.

[18]Andrew Tobin, “Israel Secretly Building Buffer Zones Inside Lebanon and Gaza”, Washington Free Beacon, 31/1/2025:

https://freebeacon.com/israel/israel-secretly-building-buffer-zones-insi…

[19] أفنير جلوب، “الردع مقابل حماس: أفكار متجددة”، معهد أبحاث الأمن القومي:

https://short-link.me/GmrY

[20] Efraim Inbar, “Time to Revise Israel’s Military Doctrine”, JISS, 17/3/2025.

[21] Jared Malsin, “U.S. Plans $320 Million Weapons Transfer to Israel as Gaza Toll Mounts”, The Wall Street Journal, 6/11/2023:

https://www.wsj.com/world/middle-east/u-s-plans-320-million-weapons-tran…

[22] Ahmed Asmar, “Israel receives 230 planes, 20 ships loaded with US arms amid Gaza war”, Anadolu Agency, 25/12/2023:

https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israel-receives-230-planes-20-ships…

[23] Eldad Shavit, “The Trump Administration Policy Recommendations for Israel”, Policy Paper, INSS, 26/1/2025:

https://www.inss.org.il/publication/trump-policy-paper

[24] Jesse R. Weinberg, Alon Berkman & Rebecca Meller, “The American Foreign Aid Package and Its Implications”, INSS, no. 1867 (June 19, 2024).

https://www.inss.org.il/publication/the-us-foreign-aid-package

[25] Linda J. Bilmes, William D. Hartung & Stephen Semler, “United States Spending on Israel’s Military Operations and Related U.S. Operations in the Region, October 7, 2023 – September 30, 2024”, Watson Institute for International & Public Affairs: Brown University, 7/10/2024:

https://watson.brown.edu/costsofwar/files/cow/imce/papers/2023/2024/Cost…

[26] في سياق المقال، تفترض “المساعدات التدخلية” التدخل المباشر وغير المباشر للدولة المانحة في الدولة المستهدفة لتقديم المساعدة، وتؤسس على المتابعة المستمرة ضمن مراقبة وتقييم أهمية المساعدات وتأثيرها بصورة مستمرة لضمان فاعليتها.

Aswin Ariyanto Azis & Hemalia Kusumadewi, “Aidization of Weapon, Weaponization of Aid: The US-Israel Interventionist Aid in Israeli-Palestinian War”, European Journal of Law and Political Science, vol. 3, no. 2 (April 2024):

https://www.ej-politics.org/index.php/politics/article/view/134

[27] Yu Wang, “Interest or influence? an empirical study of US foreign aid to Israel”, Israel Affairs, vol. 27, Issue 4 (14 July 2021), pp. 664–674:

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13537121.2021.1940553

[28] على سبيل المثال: في خضم الانتفاضة الثانية سنة 2003، تم تخصيص منحة إضافية لإسرائيل بقيمة مليار دولار.

[29] Jim Zanotti, “Israel: Background and U.S. Relation”, Congressional Research Service, 28/10/2016, p.25.

https://www.hsdl.org/?view&did=796700

[30] Bart Roni, “Israel and American Aid: Continue Forward or Reverse Course”, Strategic Assessment, vol. 10, no. 1 (June 2007).

[31] Shmuel Even, “US Military Aid – Still a Strategic Asset for Israel”, In: Sasson H., Fadlon T. (ed) Israel’s Defense Industry and US Security Aid, INSS, Memorandum no. 202 (July 2020).

[32]Ibid.

[33] Avishay Ben, Sasson-Gordis & Chuck Freilich, “Theodore Sasson. Implications of the US Senate Vote on Limiting Arms Sales to Israel”, INSS, Insight no. 1926 (December 18, 2024).

[34] إيتان جلبوع، “الولايات المتحدة الأميركية وقضية ‘اليوم التالي‘ للحرب في غزة”، “راديو غالي”، 9/1/2024:

https://jiss.org.il/he/media-gilboa-galey-israel-090124

[35] “Arming Israel to Defeat Iranian Aggression: Frontloading Weapons Delivery, JINSA’s Gemunder Center U.S.-Israel Security Policy Project”, JINSA, November 2019, pp. 1-26:

https://jinsa.org/wp-content/uploads/2019/11/Arming-Israel-to-Defeat-Ira…

[36] أوره كورن، “طائرة الفالكون كنقطة تحول: الضغط الأميركي بدأ في عام 2003” (بالعبرية)، “هآرتس”، 2/1/2008:

https://www.haaretz.co.il/misc/2008-01-02/ty-article/0000017f-e8b8-df5f-…

Doron Ella, “A Regulatory Mechanism to Oversee Foreign Investment in Israel: Security Ramifications”, INSS, Insight no. 1229 (November 19, 2019).

[37] Jacques Bendelac, “Le modèle israélien d’économie de guerre a conduit à la création d’une société ‘à deux étages’”, Le Monde, 7/10/2022:

https://www.lemonde.fr/idees/article/2022/10/07/le-modele-israelien-d-ec…

[38] Harrison Kass, “IAI Kfir: Israel’s Classic Fighter Jet No Nation Wanted to Ever Fight”, The National Interest, 7/8/2024:

https://nationalinterest.org/blog/buzz/iai-kfir-israels-classic-fighter-…

[39] Sipri – Stockholm International Peace Research Institute Home page:

https://www.sipri.org

[40]Anthony H. Cordesman and Aram Nerguizian, “The Arab-Israeli military balance”, CSIS, 29/6/2010:

https://www.csis.org/analysis/arab-israeli-military-balance-2010

[41] Yezid Sayigh, Arms proliferation and the Arab-Israeli conflict (London: International Institute for Strategic Studies, 1991).

[42] Benjamin Beit-Hallahmi, Original sins: Reflections on the history of Zionism and Israel (London: Pluto Press, 1992).

[43] Jewish Virtual Library, “Israeli defense industry” (Encyclopedia Article), American-Israeli Cooperative Enterprise, 2020.

[44] “Israel’s Jericho missile program”, Jane’s Defence Weekly, 2000.

[45] Israeli Ministry of Defense, SIBAT, “Defense export report 2018”, MoD, 2019.

[46] Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “SIPRI arms transfers database, 2018 report”, Solna: SIPRI, 2019.

[47] “U.S.-Israel Strategic Cooperation Agreement”, Washington DC: U.S. Government, 1979.

[48] “Exportations. Ventes d’armes : une période faste pour Israël”, Courrier International, 28/11/2022:

https://www.courrierinternational.com/article/exportations-ventes-d-arme…

“Pourquoi Israël a progressé de 30% dans les ventes d’armes”, JFORUM, 15/4/2022:

https://www.jforum.fr/pourquoi-israel-a-progresse-de-30-dans-les-ventes-darmes.html;

Pascal Samama, “Armement: l’industrie israélienne lance une percée en Europe avec le char Merkava”, BFM Business, 16/6/2023:

https://www.bfmtv.com/economie/entreprises/defense/armement-l-industrie-israelienne-lance-une-percee-en-europe-avec-le-char-merkava_AN-202306160569.html;

AFP, “Record d’exportations d’armes israéliennes, dont un quart vers des pays arabes”, The Times of Israel, 14/6/2023:

https://fr.timesofisrael.com/record-dexportations-darmes-israeliennes-do…

[49] وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

[50] “صادرات الأسلحة الإسرائيلية ترتفع لمستوى 13.1 مليار دولار عام 2023″، “الجزيرة”، 17/6/2024:

https://tinyurl.com/267m2u95

[51] Eliav Breuer, “Government extends age cutoff for IDF reserve duty amid heavy criticism”, Jerusalem Post, 16/6/2024:

https://www.jpost.com/israel-news/defense-news/article-806478?utm_source…

[52] Jonathan Lis, “Israeli Government Set to Extend Mandatory Military Service for Men to Three Years”, HAARETZ, 14/7/2024:

https://www.haaretz.com/israel-news/2024-07-14/ty-article/.premium/israe…

[53] “High Court rules state must draft ultra-Orthodox yeshiva students, halts funding for those who refuse”, Times of Israel, 2024.

Tio Staff, “AG orders daycare funding cut for ultra-Orthodox students who defy draft orders”, The Times of Israel, 11/8/2024:

https://www.timesofisrael.com/ag-orders-daycare-funding-cut-for-ultra-or…

[54] Israel Defense, (2023–2024).

[55] Seth J. Frantzman, “Amidst Gaza tensions, Israel signs F-35 deal with US for 25 more warplanes”, Breaking Defence, 5/5/2024:

https://breakingdefense.com/2024/06/amidst-gaza-tensions-israel-signs-f-35-deal-with-us-for-25-more-warplanes

 “Lockheed Martin F-35 Lightning II Israel procurement”, Wikipedia, 2024:

https://en.wikipedia.org/wiki/Lockheed_Martin_F-35_Lightning_II_Israeli_…

[56] Craig Fuller, “US supply chains are powering Israel’s military”, FreightWaves, 16/6/2025:

https://www.freightwaves.com/news/u-s-supply-chains-are-powering-israels-military

 “U.S. Foreign Aid to Israel: Overview and Developments since October 7, 2023”, Every CRS Report, Updated 28/5/2025:

https://www.everycrsreport.com/reports/RL33222.html

[57] Zein Khalil, “Israeli army admits it suffers shortage of tanks, ammunition amid Gaza war”, Anadolu Agency, 15/7/2024:

https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israeli-army-admits-it-suffers-shor…

 “Israel army faces shortage of ammunition amid war on Gaza, Lebanon”, Middle East Monitor, 21/10/2024:

https://www.middleeastmonitor.com/20241021-israel-army-faces-shortage-of…

[58] Steven Scheer, “Israel signs deals with defence firm Elbit to make bombs domestically”, Reuters, 7/1/2025:

https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/israel-signs-deals-wi…

[59] “US deploys THAAD battery to support Israel’s air defence”, Financial Times, 2024:

https://www.ft.com/content/65611fb6-d88a-41b6-8c50-e06ae376c697

[60] “The Estimated Cost of the Gaza War on the Israeli Economy”, Arab Center Washington DC, 27/1/2025:

https://arabcenterdc.org/resource/the-estimated-cost-of-the-gaza-war-on-…

[61] “U.S. Foreign Aid to Israel…”, op.cit.

“The Estimated Cost…”, op.cit.

[62] Scheer, op.cit.

[63] “The Estimated Cost…”, op.cit.

[64] للمزيد انظر/ي: عبد القادر بدوي، “عن انتعاش سوق تطوير وبيع الأسلحة والتقنيات الإسرائيلية في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة!”، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 1/4/2024:

https://tinyurl.com/y3snh6d7

[65] “غانتس لسكان الجنوب: الحرب قد تستمر لجيل كامل” (بالعبرية)، “القناة 7″، 29/1/2024:

https://www.inn.co.il/news/627605

[66] “من إسرائيل.. بلينكن يتحدث عن هويته اليهودية ويُشبّه ممارسات ‘حماس‘ بـ ‘داعش‘”، “سي أن أن بالعربية”، 12/10/2023:

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2023/10/12/blinken-talks-abou…

[67] ياردين ميخائيل وأفي شرف، “الحزام الأمني ​​وممر السيطرة: هكذا يبدو ترسيخ الجيش الإسرائيلي في غزة” (بالعبرية)، “هآرتس”، 28/3/2024:

https://www.haaretz.co.il/news/security/2024-03-28/ty-article-magazine/….

[68] هرتسي هاليفي، “الدفاع متعدد الأبعاد بين القطبين” (بالعبرية)، مجلة “جيش الدفاع الإسرائيلي” لفن المعركة، (تشرين الأول/أكتوبر 2020)، ص 241-254.

https://short-link.me/EnJo

[69] أحد المصطلحات الواردة في مفاهيم العلاقات الدولية، التي تصف سلوك الدول بعد الحروب.

[70] كشف عن هذا الموضوع تحقيق لبرنامج “عوفدا” أعدّته إيلانا ديان في “القناة 12” في 7 آذار/مارس 2024.

[71] “تحقيق: أين كان الجيش الإسرائيلي يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر؟” (بالعبرية)، “القناة 12″، 30/12/2023:

https://www.mako.co.il/news-world/2023_q4/Article-68b29643579bc81027.htm

[72] أرييل فيتمان، “رئيس الشاباك السابق يكشف: لقد حذرنا المستوى السياسي طوال الوقت” (بالعبرية)، “جلوبس”، 27/10/2023:

https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001460912

عوزي روبين، “هل أفرط المفهوم الأمني لجيش الدفاع الإسرائيلي وإسرائيل في الاعتماد على الابتكار والتكنولوجيا على حساب المبادئ العسكرية الأساسية؟” (بالعبرية)، مركز القدس للاستراتيجيا والأمن، 2/11/2023:

https://jiss.org.il/he/rubin-did-idf-rely-excessively-on-innovation-and-…

[73] “تحقيق بن كاسبيت الصادم: أكبر فشل أمني منذ قيام الدولة” (بالعبرية)، “معاريف”، 25/2/2024:

https://www.maariv.co.il/news/military/Article-1079057

[74] Netanel Flamer & Erez Magen, “The ‘Unclassified Secret’”, The Begin-Sadat for Strategic Studies, paper no. 2238, 26/11/2023:

https://besacenter.org/the-unclassified-secret/?utm_source=chatgpt.com

[75] أفنير جلوب، “الردع مقابل حماس: أفكار متجددة” (بالعبرية)، معهد أبحاث الأمن القومي (بلا تاريخ):

https://short-link.me/GmrY

[76] عيدن إرتس، “المهندسة من طاقم تطوير القبة الحديدية تشرح – لماذا يجب أن تفرح عندما تسمع دوياً كبيراً” (بالعبرية)، “غلوبس”، 26/10/2023:

https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001460985؛

كلمن ليبسكيند، “برعاية القبة الحديدية دولة إسرائيل فقدت إرادة الانتصار” (بالعبرية)، “معاريف”، 20/5/2023:

https://www.maariv.co.il/journalists/Article-1008044

[77] عازار جت، “زيادة عدد القوات البرية أم منح الأفضلية للتكنولوجيا” (بالعبرية)، معهد أبحاث الأمن القومي، 14/3/2024:

[78] عوفر شيلح، “بناء القوة على ‘سيوف حديدية‘ – عدم تكرار أخطاء الماضي” (بالعبرية)، معهد دادو، 28/4/2024:

https://tinyurl.com/26af5t6k

[79] يتسحاق بريك، “القوات البرية أُهملت: أصبحنا جيش سلاح الجو” (بالعبرية)، “قناة 12″، 10/5/2022.

[80] مئير فرانكل، “الإحساس بالسيطرة على الواقع كعنصر من عناصر الثقافة التنظيمية للجيش الإسرائيلي” (بالعبرية)، مركز دادو، 22/2/2022:

https://tinyurl.com/mrxuju5p

[81] مئير فينكل، “القوات البرية – قيادة ذراع البر ومقرات قيادات الألوية” (بالعبرية) (موشاف بن شيمين: دار مودان للنشر، 2023).

[82] ياعيل تشخنوبر، “المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: تم نقل قوة الاحتياط قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر” (بالعبرية)، “واي نت”، 5/12/2023.

 القرار المتعلق بقوات الاحتياط في كل القطاعات هو قرار عسكري من جانب هيئة الأركان يتم تنفيذه دورياً ضمن تقييم للوضع القائم.

https://www.ynet.co.il/news/article/s1aygsobp

[83] “أين كان الجيش الإسرائيلي يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر؟” (بالعبرية)، “موقع ماكو”، 30/12/2023:

https://www.mako.co.il/news-world/2023_q4/Article-68b29643579bc81027.htm

[84] عوفر شيلح، وعنات شابيرا، وعيديت جيتلمان، “حتى النصر، السيوف الحديدية” (بالعبرية)، معهد أبحاث الأمن القومي، 31/1/2024:

https://www.inss.org.il/he/publication/victory

[85] Udi Dekel, “The Long-Awaited Victory Over Hamas Was Not Achieved—What Now?”, INSS, insight no. 1950 (February 2025)

Tomer Dekel, “Hamas and the New Great Game”, Strategic Assessment, vol. 27, no. 1 (March 2024).

Tamir Hayman, “The Day After: The Development of the War Requires Brave Decisions”, Policy Paper, INSS, 12/4/2024.

[86] Guy Hazut & Ofer Shelah, “The IDF Ground Operation in Lebanon — Goals, Alternatives and Consequences”, Policy Paper, INSS, 14/10/2024.

[87] آنا بارسكي، “في الطريق لإخلاء مدينة جنين؟ اقتراح إسرائيل كاتس يثير جنون العالم العربي” (بالعبري)، “معاريف”، 11/8/2025:

https://www.maariv.co.il/news/politics/article-1123981

[88] “West Bank Access Restrictions – November 2024”, OHCA, 28/11/2024:

https://www.unocha.org/publications/map/occupied-palestinian-territory/w…

[89] https://www.inss.org.il/publication/central-command/

[90] إليشا بن كيمون، “خلال زيارة للإدارة المدنية، قال سموتريتش إنه يعمل على إغلاقها: ‘تحدثت مع نتنياهو‘” (بالعبرية)، 5/12/2024:

https://www.ynet.co.il/news/article/bkldluke1e

[91] Yoel Guzansky & Udi Dekel, “The Abraham accords at one year: Required to dictate the pace”, INSS, 2021.

[92] Kobi Michael and Udi Dekel, “Israel- UAE Normalization of Relations: At the Expense of The Palestinians?”, INSS, insight no. 1368 (August 23, 2020).

[93] Anat Kurz, “The Negev Summit- What Next?”, INSS, Special Publication.

[94] Yoel Guzansky, “The Road to Normalization: Relations Between Israel and Saudi Arabia”, INSS, Special Publication (July 23, 2023).

Shay Har-Zvi, “Saudi Arabia and the Strategic Arab Axis”, Institute for Policy and strategy (IPS), February 2024.

 Shay Har-Zvi, “Normalization with Saudi Arabia- Interests Vs. Challenges”, Institute for Policy and Strategy (IPS), September 2023.

[95] Sima Shine, Yoel Guzansky & Eldad Shavit, “Iran and Saudi Arabia Renew Relations”, INSS, no. 1695 (March 14, 2023).

[96] ملاك سلوم، “المطبّعون ينعشون صناعة الأسلحة في ‘إسرائيل‘”، جريدة “الأخبار”، 8/8/2023:

https://tinyurl.com/yn9jwam9

[97] Clive Jones & Yoel Guzansky, “Israel’s relations with the Gulf states: Toward the emergence of a tacit security regime?”, Contemporary Security Policy, vol. 38, Issue 3 (February 2017), pp. 398–419.

[98] باقي الاتفاقيات التي سترد أدناه، يمكن العثور عليها في قاعدة بيانات “مركز اتفاقيات أبراهام للسلام”.

 “2021 Abraham Accords Progress Report: A Year In Review”, Abraham Accords Peace Institute, 20/1/2022:

https://www.aapeaceinstitute.org/latest/abraham-accords-progress-report-…

[99] Shmuel Even, Tomer Fadlon& Yoel Guzansky, “The Economic- Strategic Dimension of The Abraham Accords”, INSS, Insight no. 1388.

[100]Catherine Power, “Economic cooperation between Israel and the UAE: deep roots and significant gains”, The Washington Istitute for Near East Policy, 8/3/2022:

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/altawn-alaqtsady-…

[101] “Israeli Navy Officer to Be Permanently Stationed in Bahrain – Report”, The Jerusalem Post, 12/2/2022:

https://www.jpost.com/breaking-news/article-696145

[102] “UAE National Archives, Israeli National Library Sign MoU”, Emirates News Agency – WAM, 1/5/2021:

https://wam.ae/en/details/1395302931499

[103] “2021 Abraham Accords…”, op.cit.

[104] نشرت صحيفة “النيويورك تايمز” مقالاً للكاتب توماس فريدمان، أكد فيه أن يوم عملية طوفان الأقصى هو “أسوأ يوم لإسرائيل”، وأن “أي حرب طويلة الأمد بين إسرائيل و’حماس‘، ستجعل صفقة التطبيع السعودية – الإسرائيلية المقترحة مستحيلة في الوقت الحالي.”

[105] Daniel Sobelman, “Israel–Hezbollah: from ‘rules of the game’ to deterrence stability”, in Deterrin Terrorism (Routledge, 2018), pp. 90-109.

[106] Hazut, op.cit.

[107] Hillel Frish, “Thwarting leaders during war is beneficial”, JISS, 12/8/2024:

https://jiss.org.il/frisch-eliminating-leaders

[108] Hazut, op.cit.

[109] Peter Felstead, “The domino effect that opened the road to Damascus –and an uncertain Syria”, ESD, 9/12/2024:

https://euro-sd.com/2024/12/major-news/41804/the-road-to-damascus

[110] Udi Dekel, Assaf Orion, Anat Ben Haim, Zvi Magen, “The Potential for a War on the Northern Front that None of the Parties Want: Insights from a war Game”, INSS, Insight no. 1049 (May 3, 2018).

[111] موران أزولاي، “قال نتنياهو لبوتين: لن نهدد نظام الأسد. وينفي مكتبه ذلك” (بالعبرية)، “واي نت”، 11/7/2018:

https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5308465,00.html

[112] Guy Hazut, op.cit.

[113]Gershon Hacohen, “Israel and the Emerging Trends in Syria”, BESA, 4/2/2025:

https://besacenter.org/israel-and-the-emerging-trends-in-syria

[114] Efraim Inbar, “Syria and the Middle East Are No Safer After the Fall of Assad”, JISS, 13/12/2024:

https://jiss.org.il/en/inbar-syria-and-the-middle-east-are-no-safer-afte…

[115] Carmit Valensi, “A New Era in Syria: Winners, Losers, and Implications for Israel”, Policy Paper, INSS, 12/1/2025:

https://www.inss.org.il/publication/syria-new-era

[116] Eran Lerman, “Deterrence is not dead: With necessary modifications, it remains central to Israel’s defense doctrine”, JISS, 26/11/2024.

[117] يوآف زيتون، “تكشفت خطط زامير – وكذلك التعيينات” (بالعبرية)، “واي نت”، 5/3/2025:

https://www.ynet.co.il/news/article/sjhekmliyg

[118] Keith Johnson, “Trump Returns to ‘Maximum Pressure’ on Iran”, Foreign Policy, 5/2/2025:

https://foreignpolicy.com/2025/02/05/trump-iran-maximum-pressure-presidential-memorandum/;

Brian Katulis, Alex Vatank & Patricia Karam, “Beyond ‘Maximum Pressure’ in US Policy on Iran: Leveraging Regional Partners to Contain Iran’s Actions and Shape its Future Choices Study”, Middle East Institute, 30/1/2025:

https://www.mei.edu/publications/beyond-maximum-pressure-us-policy-iran-…

عن المؤلف

فادي نحاس، أكاديمي وباحث مختص بقضايا الأمن القومي.

عن دليل اسرائيل العام 2025 – مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *