المأزق الفلسطيني الراهن كما يراه الشباب الفتي وتصوراتهم لموجبات الخروج منه (١)

حظي المقال السابق المعنون ” الخطيئة فينا نحن الفلسطينيين ، ففلسطين هي الأساس في السقوط وهي المنطلق للنهوض ” بتاريخ 10/9/2020 ، باهتمام لافت لم يقتصر على النخب كما جرت العادة بالنسبة لمقالاتي السابقة. بل شمل الشباب الفلسطيني من داخل الوطن ومن الشتات بالتعليق والملاحظات التي تواصلت على مدى أيام ، وما تزال .

ويبدو أن المقال قد لامس بعض جوانب الوجع الذي يستشعرونه ويزداد تعمقه بسبب تسارع الانهيارات في بيئة العمل الفلسطيني، منذ قرر التحالف الأمريكي – الصهيوني توظيف التردي غير المسبوق في الحالة الفلسطينية والعربية والإسلامية ، واستغلال الارتباك الدولي لتسريع بناء الشرق أوسط الجديد بعد توفرت غالبية مستلزماته . بالمسارعة في محاولة تسوية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي وفقا لرؤياه وشروطه . ما دفع الشباب بمشاركتي مخاوفهم الكبيرة ، التي سأخصص لها هذا المقال . وأرفقوها بتصورات واضحة لمستلزمات الخروج من المأزق الراهن ، سأجتهد لتلخيصها في مقال تال منفصل ، لاتسامها بالوضوح والعمق والشمولية ، ما يثري الفكر ويبعث الأمل بانبثاق فجر جديد .

لا يشغل الشباب الفلسطيني المستقبل البعيد لإدراكهم اليقيني بحتمية الانتصار على الكيان الصهيوني مهما طال الزمن . فشواهد التاريخ الإنساني المدون تؤكد فشل تجارب الاستعمار الاستيطاني الأجنبي في مناطق مأهولة بسكانها الأصليين .

والشباب – رغم ظلمة الواقع القائم – يعرفون تاريخهم . ويستحضرون تجربة مماثلة عندما تمت هزيمة المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي استظل بالدين المسيحي / الاستيطان الإفرنجي- الصليبي / قبل نحو عشرة قرون ، ونجح ، آنذاك ، في احتلال فلسطين واستقر فيها قرابة قرنين ، ثم مني بهزيمة ساحقة عندما تم توفير موجبات هزيمته .

ويمتلكون، أيضا، وعيا حسيا بتجربة عربية حديثة ملهمة . حقق فيها الشعب الجزائري انتصارا حاسما ، رغم الفوارق الهائلة في موازين القوى ، وتمكن في منتصف عام ١٩٦٢ من تحرير وطنه ودحر الاستعمار الاستيطاني الفرنسي بعد ان استقر فيه قرابة ١٣٢ عام .

ما يثير قلق الشباب الفلسطيني تفاقم حالة العجز الفلسطيني غير المسبوق في مرحلة مصيرية . فلا يجدون تفسيرا لانعدام الفعل الفلسطيني ، ولا يستطيعون فهم حالة السكون التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني في بيئة سريعة التغير . ولا يستوعبون استمرار المراوحة وتكرار المراهنة على التغيير الذي قد تأتي به الانتخابات الأمريكية والاسرائيلية . لعلمهم اليقيني بان لا طائل من ورائه أيا كان القادمون . فالوقائع التاريخية على امتداد الصراع تشير إلى انعدام الفوارق بين الأحزاب الأمريكية والصهيونية التي تتعاقب على الحكم . لأنها تحتكم إلى مؤسسات توجهها رؤى استراتيجية بعيدة المدى ، وأهداف ذات صلة بالمصالح العليا التي تتجاوز الأحزاب والاشخاص . ومواقفها ازاء فلسطين وعموم المنطقة تلتزم بذات المشروع الاستعماري الغربي الذي دخل حيّز التنفيذ في بلادنا منذ الحرب العالمية الأولى ، عندما قامت القوى الغربية المنتصرة بإعادة تشكيل النظام العالمي ، فاحتلت الوطن العربي وتقاسمته بينها ، وعمدت الى تفكيكه وتجزئته إلى أقطار عدة ، وأعادت ربط جزيئاته عموديا بالمراكز الاستعمارية . وانتزعت منه بعد الحرب العالمية الثانية فلسطين التي تقع في مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي بين مشرقه ومغربه ، وأنشأت فيها كيانا استعماريا استيطانيا أجنبيا وظيفيًا . يطلع بمهمة منع نشوء إقليم عربي واحد وازن ، ويعطل فرص نهوض المكونات الأصيلة الوازنة في المنطقة / العرب والأكراد والأتراك والإيرانيين/ ، ويحول دون تمكينهم من استعادة وحدتهم في إطار الحضارة الإسلامية الجامعة . ويقوم بدور الوكيل الحصري المكلف بحماية مصالح القوى الدولية المتنفذة فيها .

يضاعف من قلق الشباب الفلسطيني عجز الطبقة السياسية الفلسطينية في السلطة والمعارضة على السواء ، عن استيعاب التغيرات الجوهرية المتسارعة في البيئة الفلسطينية والاسرائيلية والعربية والإقليمية والدولية . رغم تلمس الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده داخل الوطن وفي الشتات التداعيات التدميرية لهذه التغيرات على حاضره ومستقبله . خصوصا منذ قيام الولايات المتحدة الأمريكية ، التي تتفرد بالقيادة العالمية بالانخراط المباشر – كما سابقتها البريطانية – لاستكمال تنفيذ وعد بلفور في فلسطين الانتدابية ، باغلاق الملفات الفلسطينية المعلقة والمتعلقة منها : –

– بالحدود ، باعترافها بالسيادة الاسرائيلية على كامل فلسطين الانتدابية . مضافا إليها هضبة الجولان السورية وما أمكن من الأراضي اللبنانية ، وما يمكن الاستحواذ عليه من الحدود البحرية في شرق المتوسط ، والقواعد العسكرية التي يتسارع انتشارها بدعوة من الأنظمة الهلعة من تمرد شعوبها .

– وبالقدس الموحدة بالاعتراف بها عاصمة لاسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها .

– وبالمضي قدما في تصفية قضية اللاجئيين الفلسطينيين ، باستكمال الحروب المتسلسة على امتداد الساحة العربية ، وتسريع وتائرها في سوريا ولبنان خصوصا . وتوظيف توافق الفرقاء على تصفية آخر معاقل اللجوء الفلسطيني المتمثل في مخيمات الشتات ، باقتلاع ما أمكن منها بالقوة ، وتفكيك ما يتبقى عبر محاصرتها عسكريا وسياسيا واقتصاديا وحرمانها من شروط الحياة . والعمل بالتوازي على قطع التمويل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين

/ الأونروا / ، التي تقدم الخدمات الأساسية / الإغاثية والصحية والتعليمية / لسكان المخيمات . وبتسهيل هجرة الشباب اليائس لتفريغها من القوة الفاعلة . وبممارسة أقصى الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية على الدول العربية لإعادة توزيع من يتعذر تهجيرهم من اللاجئين الفلسطينيين عليها لتوطينهم واستيعابهم فيها ، وإنهاء ظاهرة المخيمات الفلسطينية .

وبالتوازي مع ذلك ، تشديد الحصار على الجزء المقيم من الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل :

بإقرار قانون يهودية الدولة لتجريد فلسطينيي اسرائيل من هويتهم الوطنية الجامعة ، وتحويلهم من مواطنين أصيلين في أسفل السلم الاجتماعي الاسرائيلي ، إلى مجرد مقيمين منتمين إلى طوائف مختلفة في الدولة اليهودية .

وبتسريع الزحف الاستيطاني الجغرافي والديموغرافي داخل الجزء الفلسطيني المحتل منذ عام ١٩٦٧ ، وتكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية والمالية على السلطة الفلسطينية لإخضاعها وإجبارها على المفاضلة بين القبول بحكم ذاتي محدود في معازل سكانية متفرقة تقترحها “صفقة القرن ” . وبين التهديد باستبدالها بقيادة بديلة يجري تجهيزها برعاية أمريكية وصهيونية وعربية .

وبإحكام الحصار على سكان قطاع غزة وإدامة الانقسام ، بمهادنة قيادته الجاهزة لاستغلال انعدام خيارات الشعب الغزاوي المحاصر بالجوع والوباء والعسكر والمال ، والمحاط بالمتربصين بأبنائه برا وبحرا وجوا . واستغلال استعدادها لتوظيف عذابات السكان للضغط الميداني – المحسوب بدقة – على العدو . من أجل تمرير دفعات تحت الحساب الجاري المفتوح لتمويل عملية مقايضة الحقوق الوطنية بالتهدئة الشاملة طويلة الأمد . بالتوازي مع الإعلان المتأخر عن القبول بحل الدولتين – بعد تبين انعدام فرص تحققه – لضمان التزام طرفي النظام السياسي الفلسطيني بمهادنة الحركة الصهيونية .

يفاقم خوف الشباب الفلسطيني تسارع تساقط الجدار العربي الذي كان يستظل به .

ويقلقه تفجر الصراعات العربية البينية والأهلية من حوله . ويعمق مخاوفه حالة التفسخ والتشرذم والتنافس العبثي والاستقطاب اللافت للمكونات الداخلية الفلسطينية والعربية بين المراكز الإقليمية المتصارعة الثلاث / الأمريكي – الصهيوني ، والتركي ، والايراني / الساعية لتوظيف القضية الفلسطينية في صراعاتها التنافسية للتوسع في الأراضي العربية ، ولتقاسم النفوذ في ما يتبقى منها .

ويدركون أن الكيان الاستعماري الصهيوني الذي يحتل كامل وطنه ، وتشرع له أبواب الدول العربية والإسلامية تباعا ، هو الرابح الوحيد ، وأن الشعوب العربية والإسلامية عموما ، والشعب الفلسطيني خصوصا هم الخاسر الأكبر .

غير أن أكثر ما يخيف الشباب الفلسطيني تزايد احتمالات الانهيار والتفكك الذاتي ، بفعل الجمود السياسي الفلسطيني الملفت في مرحلة ربما الأخطر منذ النكبة الكبرى عام ١٩٤٨ . وتفاقم مظاهر التفسخ المجتمعي الذي يغذيه الانقسام ، والتشظي الأفقي والعمودي ، والتناحر بين المكونات السياسية وداخلها ، والتخبط والارتباك في أداء القيادات الهرمة المتشبثة بمواقعها . واختزال دورها الداخلي في إصدار بيانات التأييد والتهديد والشجب والتنديد . والخارجي في الظهور على وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والدولية للتعليق كشهود فاقدي القدرة على التأثير في تطورات جوهرية يصنعها الغير . تطال حاضر الشعب الفلسطيني ، وترفع كلفة صموده ونضاله ، وتبعد فرص تحقيق تطلعاته للحرية والعودة وتقرير المصير .

ورغم تفاؤل الشباب بانعقاد اجتماع الضرورة الفلسطيني تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، – بعد ان أصبح الكل الفلسطيني في دائرة الاستهداف بالتصفية ، بغض النظر عن اختلافاتهم السياسية والفكرية والعقائدية وخلافاتهم بشأن المناهج والبرامج – . فتابعوا وقائع التواصل عبر تقنية الفيديو كونفرانس بين بيروت ورام الله في الثالث من أيلول الجاري ، الذي شاركت به كافة أطراف النظام السياسي الفلسطيني في الوطن والشتات ، بعد استعصاء لسنوات طويلة . واستبشروا خيرا بتوافق الجميع على العمل ضمن ” نظام سياسي ديمقراطي واحد، وسلطة واحدة، وقانون واحد، في إطار من التعددية السياسية والفكرية، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة، وفق التمثيل النسبي الكامل في دولةٍ وفق المعايير الدولي”.

غير ان حماسهم خبى لخلو خطابات جميع القادة المتحدثين من أية مراجعة نقدية للتجارب التي أفضت إلى المأزق الفلسطيني الراهن . دون ان يمنعهم ذلك من ملاحظة إيجابية ابتعاد الخطباء للمرة الأولى عن تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن المأزق الذي قادوا شعبهم إليه ، ففسره الشباب بانه إقرار جماعي بالمسؤولية المشتركة عن الإسهام ببلوغه .

ولفتهم طغيان سمة الاستعراض الخطابي للقادة ، الذين بدوا بأعمارهم ومداخلاتهم وكأنهم مستقدمين من عصر سابق لا علاقة له بجيلهم ، ولا بالوقائع الميدانية المتسارعة فلسطينيا واسرائيليا وعربيا ودوليا .

واحبطهم عدم اتخاذ المجتمعين قرارات تنفيذية حاسمة لإنهاء الانقسام وإتمام المصالحة وفقا لجداول زمنية محددة كما كان مأمولا . والاستعاضة عن ذلك بتشكيل لجنة ” تقدم رؤية استراتيجية لتحقيق إنهاء الانقسام والمصالحة، والشراكة في إطار م. ت. ف ، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني ، خلال مدة لا تتجاوز خمسة أسابيع ، لتقديم توصياتها للجلسة المرتقبة للمجلس المركزي الفلسطيني ” . رغم انه قد سبق بحث ذلك في عشرات اللجان على مدى ثلاثة عشر عام . وأغلب الظن ان اللجنة الجديدة ستشكل من ذات الشخوص .

ولفت الشباب ، أيضا ، قرار “تشكيل لجنة وطنية موحدة لقيادة المقاومة الشعبية الشاملة ” ومطالبة اللجنة التنفيذية للإطار الجامع الذي يمثلهم م . ت . ف .- ” بان توفر لها جميع الاحتياجات اللازمة لاستمرارها ” !! .

فبدى لهم وكأن القادة في اجتماع تأسيسي ، وليس في اجتماع الفرصة الأخيرة لإنقاذ الحركة الوطنية الفلسطينية وما يستوجبه ذلك من تقديم رؤية استراتيجية واضحة للعمل الفلسطيني للتصدي للمخاطر المتنامية ، والتقدم بخطة عمل واضحة ، وبرامج تنفيذية مجدولة زمنيا لتجديد واصلاح الأطر والهياكل المؤسسية الجامعة وإعادة تأهيلها وتجديد شرعيتها الوطنية وتعزيزها بالكفاءات الشابة لتمكينها من تحمل مسؤولية قيادة المشروع الوطني الفلسطيني ، وتجنيب الشعب الفلسطيني مخاطر الفراغ الذي يؤسس للفوضى والاختراق ويهدد بانقطاع المراحل النضالية ، ما قد يتسبب للشعب الفلسطيني بتيه جديد يماثل ذاك التيه الذي أعقب النكبة الكبرى عام ١٩٤٨ ، واستلزم حينها أكثر من عقد ونصف ، قبل أن يتمكن الشعب الفلسطيني من استجماع قواه واستعادة تماسكه الوطني وإطلاق ثورته التحررية .

وسعد الشباب بزيارة السيد اسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس بعد الاجتماع إلى مخيم عين الحلوة ، وكانوا يتوقعون ان يصحبه كافة المجتمعين من قادة الفصائل .

غير أنهم تألموا كثيرا وهم يتابعون وقائع الزيارة ، ويرون تكرارا لذات السلوك المسؤول عن مآزق الشعب الفلسطيني في الدول العربية المضيفة للاجئين الفلسطينيين .

سواء لجهة انعدام الحساسية للتطورات الخطيرة في الساحة اللبنانية المتفجرة ، وسوء التقدير لتداعيات إطلاق تهديدات عنترية من مخيم محاصر ومستهدف بالاقتلاع ، ويفتقر سكانه إلى أبسط مستلزمات الصمود ، ويتربص بهم العدو الصهيوني والمكونات الوازنة في البلد المضيف .

أو لجهة مواصلة توظيف عذابات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ، الباحثين عن قشة تنقذهم من غرق يبدو وشيكا ، في ظل تنامي استهدافهم ، وإهمال النظام السياسي الفلسطيني بأسره لقضاياهم ، وتجاهله لمعاناتهم ، والاستقواء بهم في الصراعات التنافسية .

ولم يقلل الإحباط من حرص الشباب الفلسطيني على الإمساك بلحظة التوافق الفلسطيني الراهن على قرارات إنهاء الانقسام وإتمام المصالحة . وانخراط الجميع في منظمة التحرير الفلسطينية كإطار وطني جامع وممثل شرعي وحيد. للشعب الفلسطيني . والتحلل من التزامات أوجبتها اتفاقات اوسلو ، التي أنهاها العدو الصهيوني والراعي الأمريكي .

وما يزالون يولون الأولوية لتوظيف فرصة التوافق الفلسطيني النادر ، ويأملون بتكثيف الضغوط الشعبية على الطبقة السياسية الفلسطينية لتسريع تنفيذ القرارات المتوافق عليها . وإحداث تغيير حقيقي في النهج والسلوك الفلسطيني الذي يرونه ضرورة حيوية لا غنى عنها ، على صعيد السياسة والإدارة والامن والاقتصاد والمال ، ويمتلكون تصورا واضحا لمضامينه / سيكون محور المقال القادم / من اجل العبور الامن لهذه المرحلة المفصلية والتأسيس للنهوض.

 

Author: غانية ملحيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *