المأزق الفلسطيني الراهن كما يراه الشباب الفتي وتصوراتهم لموجبات الخروج منه (٢)


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تناول المقال السابق بتاريخ ١٤/١٠/٢٠٢٠ رؤية الشباب للمأزق الفلسطيني الراهن ومخاوفهم من مخاطر استمراره. ومنذ نشره توالت ملاحظات كثيرة مهمة ركزت غالبيتها على الأسباب والعوامل الذاتية التي أفضت اليه. إذ يعتقدون أن التوقف عندها بمزيد من التحليل والنقد وبيان أخطارها، يساعد في تبين السبل للخروج منه. باعتبار أن التشخيص الدقيق للمرض ثلثي العلاج. ما يدفعني إلى مواصلة تناول ملاحظاتهم النقدية حول الواقع الفلسطيني القائم، وتأجيل طرح تصوراتهم لمستلزمات التغيير الفلسطيني المستحق ومجالاته المختلفة للمقال القادم.

وخلافا لملاحظات عديد المسؤولين والمثقفين الفلسطينيين الذين تناولوا المقالين الأخيرين خصوصا باللوم، لتركيزهما على أوجه القصور الذاتي.

إذ يرون في ذلك جلدا للذات وخدمة للعدو والمطبعين من الدول العربية والإسلامية الساعين لتبرير انحرافاتهم وخطاياهم بحق شعوبهم خصوصا، وبحق الشعب الفلسطيني وأمتهم العربية والإسلامية عموما، بالتواري وراء الأخطاء الفلسطينية.

فإنني أشارك الشباب قناعتهم بأن الأعداء ليسوا بحاجة للمساعدة في قراءة وفهم الواقع الفلسطيني، لأن إحاطتهم بتفاصيله تفوق معرفتنا، ما يحفزهم على التمادي بسلوكهم العدواني الذي فاق كل الحدود، دون الخوف من تحمل العواقب التي تجبرهم على تغييره في المدى المنظور.

أما انحرافات المطبعين من الأنظمة العربية والإسلامية، فالجميع يدرك أنها نتاج لخيارات استراتيجية وثيقة الصلة بالاختراقات التي أسهمت بانتصار القوى الغربية المتنفذة في الحرب العالمية الأولى، ومكنتها من الاستيلاء على إرث الإمبراطورية الإسلامية المتهاوية واستباحة الوطن العربي وتقاسمه بينها، وتجزئته، وانتزاع قلبه فلسطين لإقامة قاعدة استعمارية استيطانية متقدمة تفصل مشرقه عن مغربه، وتحول دون استقرار وتطور شعوبه و دوله ، لإدامة الهيمنة الاستعمارية التي كرستها وعمقتها نتائج الحرب العالمية الثانية .

وأما التهافت والتسابق المحموم للتطبيع ، إنما يرتبط بتعهدات أنظمة الحكم التي التزمت منذ النشأة بمقايضة حكم أوطانها التي استحدثتها اتفاقات سايكس – بيكو ، بالتنازل عن عروبة فلسطين بحدودها الانتدابية والسماح بإنشاء الكيان الصهيوني فيها . وبمنع نشوء دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية التي استعصى عليه احتلالها عام ١٩٤٨ ، ما سهل استكمال احتلالها بعد أقل من عقدين ، فبات يسيطر على كامل فلسطين الانتدابية وأراض عربية أخرى في محيطها.

وامتناع هذه الأنظمة عن كشف حقيقة مواقفها طوال العقود الماضية ، وثيق الصلة بعدم توفر الظروف المحلية والعربية والإقليمية والدولية المواتية ، والمتعلقة أساسا باستعصاء شعوبها على التطويع والرضوخ ، لوعيها الفطري بمركزية فلسطين في سقوط الأمة وفي نهوضها.

ولتنامي الوعي الوطني والقومي وتتابع انتصار حركات التحرر العالمية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية . ولظهور مراكز قوى عربية ذات ثقل ديموغرافي وحضاري وتطلعات قومية ونهضوية جعلت تأثيرها عابرا للحدود القطرية / مصر وسوريا والعراق والجزائر / . ولتوفر الدعم والرعاية الدولية الوازنة من قبل المعسكر الاشتراكي للأنظمة التقدمية وحركات التحرر الوطني في عصر الثنائية القطبية .

والأهم من كل ذلك ، استعصاء الشعب الفلسطيني على الاستسلام ، وتمكنه من انتزاع زمام المبادرة بإطلاق ثورته التحررية ، واحتضان الشعوب العربية الواسع لها . قبل أن يتم استيعابها في النظام العربي الرسمي بعد حرب اكتوبر ١٩٧٣ ، وتطويعها بالمال النفطي ، واستدراج قيادتها للانخراط في نهج التسويات ، الذي استخدمه التحالف الاستعماري – الصهيوني كوسيلة لإدارة الصراع واستنزاف القوى المركزية الفاعلة المناهضة له بصراعات بينية وداخلية تعمق الاختلال في موازين القوى لصالحه ، ما يمكنه من إنجاز مشروعه وفقا لخططه .

لا يغفل الشباب الانعكاسات التراكمية للتطورات الجوهرية المعاكسة المتلاحقة في الساحات العربية والإقليمية والدولية . سواء المتصلة منها بانهيار الاتحاد السوفييتي وتحلل المعسكر الاشتراكي، وانتهاء عصر الثنائية القطبية، وانفراد النظام الرأسمالي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة الدولية . والذي ما تزال تداعيات تأثيراته تتفاعل على امتداد العالم .

أم تلك المتعلقة منها بالتحولات التي سبقت ذلك وتلته في منطقتنا العربية ، بانقلاب مصر على حلفائها وانضمامها للتحالف النقيض بعد إزاحة الرئيس عبد الناصر من المشهد السياسي . وانعكاسات ذلك المباشرة على الثورة الفلسطينية التي تم انتزاعها من حاضنتها الجماهيرية وإخراجها من قاعدتها الارتكازية الأهم في الاردن . واستتباع ذلك لاحقا بإخراج مصر وثقلها المركزي من دائرة الصراع العربي – الصهيوني عام ١٩٧٨ . ما أخل بموازين القوى العربية وأسس لانقسام النظام العربي ، وسهل اجتياح اسرائيل للبنان عام ١٩٨٢ واقتلاع منظمة التحرير الفلسطينية من حاضنتها الشعبية وإخراجها من آخر معاقلها المحاذية لفلسطين . وتشتيتها وتوزيع عناصرها على عدة دول عربية تقع على بعد آلاف الكيلومترات من فلسطين .

والمضي قدما في تفكيك الدول العربية المركزية تباعا ، ونقل مركز القرار العربي لدول الأطراف ذات الثقل المالي النفطي ، التي تفتقد إلى مقومات القيام بدور المركز الإقليمي العربي ، القادر على مواجهة مراكز إقليمية وازنة ، ذات طموحات توسعية في البلاد العربية . منها قوى أصيلة تجمعنا بها مشتركات كثيرة ما يوفر فرصا لحل الصراعات معها سلما عند تصويب اختلال موازين القوى /تركيا وإيران / . وأخرى استعمارية استيطانية أجنبية لا مجال لمهادنتها لأنها ذات دور استعماري استيطاني وظيفي يتصل بإخضاع المنطقة ونهب مواردها واستنزاف قواها ومنع استقرارها وتعطيل فرص نهوضها وتقدمها / اسرائيل/ .

ولا يقلل الشباب من مخاطر انخراط أطراف النظام الرسمي العربي في المحاور الإقليمية المتصارعة والمتنافسة على بلاده . واستقواء بعضهم بالتحالف مع العدو الرئيسي اسرائيل ، والذي ستكون له انعكاسات تدميرية على عموم المنطقة ، تتجاوز أخطار التخلي عن القضية الفلسطينية والاشتراك علنا مع اسرائيل في تطويق الشعب الفلسطينى وتكثيف الضغوط على النظام السياسي الفلسطيني لتطويعه وإخضاعه ودفعه للاستسلام . تارة باستخدام العصا عبر التجويع بحجب التمويل ، والتهديد بقيادات بديلة ، وتوظيف العملاء لإثارة الفتن وتعميق الانقسام السياسي ، وتأجيج الاستقطاب المجتمعي / العقائدي والجهوي والطبقي والعشائري والعائلي الخ… / ، وتارة أخرى بالتلويح بالجزرة بالمنح ووعود الرفاه عند الإذعان والقبول بصفقة القرن .

ويعلم الشباب أنه مهما اشتدت ظلمة الواقع الراهن ، فإن دوام الحال من المحال . حيث التغير هو الثابت الوحيد على مدى التاريخ . وحيث للقوة – مهما عظم شأنها واشتدت سطوتها – حدود قصوى تبلغها ثم تبدأ بالتراجع والأفول عندما تتطور قوة مضادة قادرة على هزيمتها.

ذلك أن حركة التاريخ الإنساني كما تدلل الشواهد تخضع لقوانين علم الفيزياء وأهمها قانون نيوتن في الحركة . فلكل قوة فعل ردة فعل مساوية لها في المقدار ومعاكسة لها في الاتجاه . وقوة الظلم والاستبداد والاستغلال والاستعباد والقهر والضغط ، تحفز عند نشوئها قوة مضادة تتنامى وتتراكم مفاعيلها ، وتوفر موجبات موازين قوى جديدة قادرة على مواجهتها وهزيمتها.

ويعي الشباب الفلسطيني أن الصراع بين الخير والشر قد لازم البشر منذ بدء الخليقة . ويعرفون أن حسم الصراعات مع القوى الاستعمارية ذات الطبيعة الاستيطانية لصالح الشعوب الأصيلة حتمي . عندما تنجح في الاحتفاظ بوجودها الديموغرافي الوازن في أوطانها المستهدفة بالاستلاب . وتحافظ على تماسكها المجتمعي . وتحفظ هويتها الوطنية والحضارية الجامعة . وتتمسك ببلوغ حقوقها الثابتة في العيش الحر الكريم وتقرير مصيرها في أوطانها، مهما طال الزمن وعظمت التضحيات .

ويدركون ، أيضا، بأن هزيمة المشروع الاستعماري – الصهيوني في فلسطين الذي يستهدف عموم المنطقة العربية – الإسلامية الممتدة ، مهمة يتعذر على الشعب الفلسطيني إنجازها لوحده .

إلا أنهم يعون تماما ، أن موقع وطنهم الجيو – استراتيجي في مركز الصراع ، واستهدافهم الوجودي من قبل عدوهم يحتم عليهم أن يكونوا في الطليعة لمقاومته . ويؤمنون بامتلاك الشعب الفلسطيني المقومات والمحفزات الضرورية للقيام بذلك .

غير أنهم يعلمون أن هذا الشعب – ولأسباب ذاتية وموضوعية عديدة – ظل على الدوام ، وما يزال ، يفتقر إلى الأطر التنظيمية والمؤسسية والقيادات المؤهلة التي يحتاجها للتوظيف الصحيح لتلك المقومات والمحفزات ، وقيادة نضاله التحرري بوعي معرفي مدرك لطبيعة الصراع الوجودي الذي يخوضه ضد المشروع الصهيوني وتشابكاته المصلحية المحلية والعربية والإقليمية والدولية ، وطول أمده . ولمستلزمات البناء الذاتي الضروري للتأسيس للنهوض ولحشد وتعبئة الطاقات المحلية وحفز القوى العربية والإقليمية والدولية المناهضة للظلم والاستعمار والاستبداد والإقصاء والعنصرية على التعاون معا والتحالف سويا لتوفير الشروط الضرورية لهزيمته بشكل تدريجي وتراكمي .

ويعلم الشباب أن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الممتد لأكثر من قرن حافل بالإنجازات والإخفاقات . ويدركون أن احتساب الانجازات لا يقتصر على تحقيق المكاسب فقط ، وإنما أيضا على محاصرة وتقليص المخاطر وتجاوزها . وأن الإنجاز في صراع وجودي يواصل شنه للقرن الثاني على التوالي تحالف كوني يشترك فيه ذوي القربى على الشعب الفلسطيني الصغير الأعزل . إنما يقاس بمدى نجاح الشعب الفلسطيني في الاستعصاء على التغييب والتهميش والاستسلام ، وبتواصل نضال أبنائه البالغ تعدادهم عام ٢٠٢٠ نحو ١٤ مليون نسمة داخل الوطن وفِي الشتات ، ومواصلة تمسكهم بهويتهم الوطنية الفلسطينية الجامعة ، والحفاظ على تماسكهم المجتمعي ، وإصرارهم على بلوغ حقوقهم الوطنية والتاريخية الثابتة في الحرية والعودة وتقرير المصير . ويقاس ايضا بنجاح نصفه /٧ مليون / في البقاء والصمود المقاوم على أرض الوطن ، يفوقون عدديا – بنسبة ضئيلة آخذة في التنامي لفتوة تركيبته السكانية – إجمالي عدد المستوطنين الأجانب من اليهود الذين تضافرت جهود القوى الدولية المتنفذة وعملائها في البلاد العربية والإسلامية لاستجلابهم من مختلف بقاع العالم على مدى قرن ونصف / منذ عام ١٨٨٢ وحتى اللحظة / . وما يزالون يمدونهم بكافة المستلزمات لضمان استقرارهم وبقائهم في فلسطين .

وعلى الرغم من ذلك ، فإن الشباب يعلمون أن هناك فرصا كثيرة لتعظيم الإنجازات وتعزيز الصمود وتقوية المناعة الوطنية وتقليص أعباء مقاومة الاستعمار قد تم تفويتها ، بسبب خيارات وسياسات وسلوكيات فلسطينية خاطئة . ويعتقدون بأنه قد آن الأوان لمكاشفة الذات ، والاعتراف بأوجه القصور والتقصير الفلسطيني في توفير المقومات الضرورية للاطلاع بالمهمة الرئيسة المناطة بنا كرأس حربة في مواجهة المشروع الاستعماري – الصهيوني . وباستمرار إخفاقنا في بلورة رؤية نهضوية واستراتيجية تحررية بعيدة المدى رغم مرور أكثر من قرن على بداية الصراع . والاستعاضة عن الاستقواء بالجماهير الشعبية الفلسطينية والعربية القادرة وحدها على توفير الحماية للثورة ، بالمراهنة على النظام العربي الرسمي رغم توفر الدلائل على تورطه . والتساهل إزاء التجاوزات والانحرافات والسلوكيات الخاطئة والتقاعس عن وقفها . والمكابرة وعدم امتلاك الجرأة للتراجع عن خيارات تم استدراجنا لها رغم تكشف مخاطرها ، وسياسات ومناهج ثبت ضررها . و تشديد التضييق على النقد الذاتي البناء ، والامتناع عن مكاشفة الشعب بخطأ الاجتهادات ، وعرقلة المحاولات المتكررة لتصويب المسار بمواصلة القفز في المجهول .

ويرى الشباب أنه لا سبيل للخروج من المأزق الفلسطيني الراهن قبل الشروع في إصلاح الذات ، باعتبار ذلك حجر الأساس لوقف التدهور في الحقل الداخلي الفلسطيني ، وأولويته لإيقاف الانهيارات المتتالية المتصلة بالقضية الفلسطينية في المحيط العربي والإسلامي والدولي .

ويعتقدون بعدم إمكانية مواصلة الاعتماد على المنهج التجريبي في مواجهة تحالف استعماري استيطاني صهيوني ، يمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى . حدد مرتكزاتها وعد بلفور الصادر في ٢ تشرين الثاني عام ١٩١٧ ، باستبدال فلسطين باسراييل ، واستبدال شعبها العربي الفلسطيني الأصيل بالمستوطنين اليهود المستجلبين من كافة بقاع العالم . وما يزال هذا الهدف يشكل الإطار المرجعي الحاكم لسياسات التحالف الاستعماري – الصهيوني . والموجه لكافة خطط العمل لاستكمال تنفيذه . والمحدد الأساس للبرامج الانتخابية للقوى والأحزاب السياسية الاسرائيلية المتنافسة على الحكم ، والمعيار الرئيس لتقييم أداء المسؤولين الاسرائيلين قياسا بما يحققونه من تقدم لبلوغ هذا الهدف . والمؤشر على الكفاءة بالنسبة للقوى الدولية المتنفذة والحركة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية ، ولغالبية الناخبين الاسرائيليين.

بينما ما تزال النخب السياسية الفلسطينية في السلطة والمعارضة على السواء ، تفتقر إلى رؤية وطنية جامعة ، ومشروع تحرري نقيض للمشروع الصهيوني يوجه سياساتها وسلوكياتها ، ويقاس أداؤها بمدى إسهامها بالاقتراب من أهدافها التحررية أو الابتعاد عنها .

وما تزال القوى والأحزاب والفصائل الفلسطينية تختلف على الأولويات والمناهج ، وتفتقر إلى مرجعية معيارية واضحة وأدوات قياس للاحتكام إليها في حسم خلافاتها . ما يبقيها جميعا عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى تضحيات الشعب الفلسطيني ، الذي لم يكف يوما عن البذل والعطاء في ميدان الاستشهاد والتضحية دفاعا عن وطنه . دون أن يرفق ذلك – كما يتوجب – بإخضاع قياداته للمساءلة والمحاسبة عن الإخفاقات المتوالية في إدارة الصراع مع العدو الصهيوني . ما تسبب ، وما يزال ، بإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية وتكبيد الشعب الفلسطيني خسائر جسيمة كان بالإمكان تلافيها ، فضاعف بذلك قوة عدوه .

ولا يغفل الشباب مسؤولية الجميع في التقصير ، وإن بنسب متفاوتة تبعا لمواقع المسؤولية . ويدركون أخطار وتداعيات استمرار التهاون في ممارسة حقوق المواطنة وواجباتها ، والتساهل إزاء تجاوزات القيادات . والاستعاضة عن إخضاعهم للمساءلة والمحاسبة الواجبة عن الأخطاء في السياسات والمناهج والسلوكيات وسوء الاداء ، باقتناص الفرص – عندما تتاح للشعب – لمعاقبة قادته ثأريا . بحجب الدعم الذي يحتاجونه ، وبالانفضاض عنهم والالتفاف حول خصومهم السياسيين ، دون الالتفات إلى الانعكاسات التدميرية لذلك على مجمل الاداء الوطني . وارتداد ذلك سلبا على عموم الشعب بزيادة الأعباء عليه ومضاعفة كلفة صموده .

وقد برزت تجليات ذلك في موقفين مفصليين :

اولهما : الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أعقبت اغتيال الرئيس ياسر عرفات . عندما انتخب الفلسطينيون في مطلع العام ٢٠٠٥ مرشح حركة فتح محمود عباس لرئاسة السلطة – الذي تبنى نهجا سياسيا نقيضا لنهج سلفه – وفاز بانتخابات ديموقراطية شهد العالم بنزاهتها بأغلبية ٦٢،٥٢٪؜ (تنافس فيها سبعة مرشحين وقاطعتها حركتي حماس والجهاد الاسلامي ) . وبعد عام واحد فقط في مطلع العام ٢٠٠٦ . انتخب الفلسطينيون مرشحي حركة حماس – الذين يتبنون نهجا سياسيا نقيضا لمنهج عباس ، وفازوا بأغلبية ٥٦٪؜ من مقاعد المجلس التشريعي .

ولم يكن ذلك التحول نتيجة لوعي فلسطيني بأهمية وجود معارضة وازنة في السلطة التشريعية والرقابية لمنع تغول السلطة التنفيذية .

أو لأسباب سياسية تتعلق بمنهج الرئيس عباس التفاوضي ، الذي راهنت عليه جهات عديدة وازنة شملت غالبية القوى والأحزاب السياسية وقطاع الأعمال والمنظمات الأهلية والمثقفين ، ووفروا له الدعم الذي يحتاجه ما مكنه من المضي بعيدا في اختبار نجاعة خياراته . وللحق فإن الرئيس عباس كان شديد الوضوح مع شعبه في الأهداف والمناهج لبلوغها إلى درجة الاستفزاز .

ولم يتوارى خلف أي من الشعارات الشعبوية . بل إن حركة حماس استقبلت فوزه بالرئاسة بارتياح وأثنت على وضوحه وصدقيته . ولم يواجه معارضة جدية ، وانحصر معظم النقد لسياساته وسلوكياته من الموالين والمعارضين في المجالس الخاصة والغرف المغلقة .

فلم يلتفت الناخبون لأسباب انقلاب موقف حركة حماس من مقاطعة الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٥ – بدعوى أنها محكومة بسقف أوسلو – إلى المشاركة فيها عام ٢٠٠٦ تحت ذات السقف . ولم تلفتهم الضغوط الأمريكية والغربية لإجراء الانتخابات التشريعية ، وترافقها مع تسهيلات اسرائيلية لافتة بالسماح بخوضها في القدس الشرقية ، وبرفع التحفظ على مشاركة حركة حماس – المعارضة لاتفاقات أوسلو – فيها .

ولم ينتبه الفلسطينيون إلى الصلة المحتملة لذلك ، بقرار رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون في آب ٢٠٠٥ بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة ، وإعادة الانتشار في محيطه .

واقتصر هدف غالبية الناخبين آنذاك – الذين لم تتح لهم الأطر المؤسسية الشرعية الفرصة لوقف الممارسات الخاطئة – ، على المعاقبة الثأرية لقيادة السلطة – التي تسيطر عليها حركة فتح ، لتغاضيها عن سلوك وتجاوزات وفساد المسؤولين وانعدام محاسبتهم . فانتخب عديد من أبناء وأنصار حركة فتح خصومهم السياسيين من حركة حماس ، باعتبار ذلك الوسيلة المتاحة أمامهم لمحاسبة قادتهم والاقتصاص منهم .

وأسس غياب السياسة كمحدد رئيس لسلوك الناخبين لاختيار القادة ، وانعدام القنوات والوسائل الديموقراطية ، إلى انقسام النظام السياسي الفلسطيني ، الذي ما يزال عصيا على الحل .

وألحق ، ذلك ، أضرارا بالغة بالقضية وبالشعب الفلسطيني ، فأدخل كافة القوى الفلسطينية إلى الملعب المحكوم بقواعد اتفاقات أوسلو . واستدرج حركة حماس إلى مقاعد السلطة ، وسمح لها بتكرار تجربة فتح الفاشلة عندما حاولت الجمع بين السلطة والمقاومة ، فأخفقتا في كلاهما . وتكبد الشعب الفلسطيني أعباء تفوق طاقته . وشرعوا الأبواب لاختراقات خطيرة في الساحة الفلسطينية/ اسرائيليا وأمريكيا وأوروبيا ومن الأطراف العربية والاقليمية المتصارعة / ما تزال تداعياتها تتفاعل حتى الان .

وثانيهما : عزوف الجماهير الشعبية بسبب انعدام الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني بأسره عن المشاركة الميدانية الفاعلة ودعمه في التصدي للإدارة الأمريكية عندما تجاوزت الشرعية الدولية واتخذت قرارا عدوانيا بنقل سفارتها للقدس . وعندما أطلقت صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية ، وعندما رعت اتفاقات لتطبيع العلاقات مع اسرائيل التي تتمادى في سلوكياتها العدوانية والعنصرية . ما فسره الأعداء وحلفاؤهم خطأ باليأس ، واقتراب انتهاء استعصاء الشعب الفلسطيني ، وشجع البعض على التمادي بالانحراف .

ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي إدراكه من هذه التجارب الفلسطينية باهظة الكلفة ، هو الأخطار الهائلة التي يمكن أن تنجم عن ضياع البوصلة السياسية الموجهة لسلوك شعب يخوض صراعا وجوديا . والنتايج التدميرية التي تنجم عن السياسات والسلوكيات الاقصائية . وعن الصراع الاستقطابي الفصائلي الذي تغيب عنه الأهداف الوطنية والمصالح العليا للشعب الفلسطيني . والتداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن انهيار الثقة بالنظام السياسي ، وتغييب الأطر القيادية والمؤسسات التشريعية والرقابية والقضائية الضرورية لضمان صواب المسيرة وحسن الاداء .

يدرك الشباب تماما طبيعة الصراع الجبري الذي يفرضه العدو الصهيوني على كامل الشعب الفلسطيني البالغ تعداده عام ٢٠٢٠ نحو ١٤ مليون داخل الوطن وفي الشتات . والذي ما يزال يخوضه للقرن الثاني على التوالي ضد الغزاة الصهاينة الذين يحتلون كامل وطنه ، ويواصلون حروبهم لاجتثاثه من التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا . ويوظفون القوة بأدواتها المختلفة / العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والثقافية والاعلامية الخ… / لإلغاء هويته الوطنية الفلسطينية الجامعة ، وتقويض تماسكه المجتمعي كي يتسنى لهم الاستقرار بالعيش فوق أنقاضه .

ويعلمون أن الشعب الفلسطيني يخوض صراع البقاء ويحتاج إلى نضال طويل ودام ومضن وباهظ الكلفة ، على مدى أكثر من جيل لتوفير موجبات الانتصار على العدو . بتصحيح الاختلالات الهائلة في موازين القوى الشامل ، عبر انتهاج استراتيجية طويلة المدى ، تعطي الأولوية القصوى لتعزيز الصمود الفلسطينى بتوفير مقوماته الذاتية وتطوير المناعة المجتمعية وزيادة مقدرة الشعب الفلسطيني على تحمل أعباء المقاومة .

ويجمعون على تعذر إمكانية مواصلة المراوحة بانتظار صحوة الطبقة السياسية الفلسطينية التي شاخت وتكلست . لتصويب الأخطاء والإخفاقات التي تسببت بها على الصعد كافة : الكفاحية والسياسية والديبلوماسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والثقافية الخ…. .

ويلاحظون حراك التجمعات النخبوية التي تنادي بالمصالحة الفصائلية ، وبإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية المستحقة لتجديد شرعية القيادات وتجديد شبابها ، ولإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية .

إلا أنهم يتشككون بمدى كفاية ترميم النظام السياسي الفلسطيني / بتوافق وتصالح أطرافه ، وتغيير شخوص المسؤولين عبر آلية الانتخابات ، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية / على أهمية وضرورة ذلك .

ويرون بأن عبور المأزق الخطير الذي يواجهه الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة المفصلية التي يتم فيها إعادة تشكيل النظام الإقليمي وعموم النظام الدولي ، لا يتأتى إلا بالمسارعة في استعادة زمام المبادرة فلسطينيا ، والبدء بعملية تغيير جذري شامل يرقى إلى مستوى الثورة لوقف تسارع التدهور في بيئة العمل الفلسطيني . وللتأسيس للنهوض الفلسطيني الذي يشكل شرطا لا غنى عنه للنهوض العربي الشامل .

بإعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها الصحيح كقضية شعب يكافح ضد الظلم والاستعمار والاستعباد والاستبداد والفقر والبطالة والفساد والعنصرية . وجميعها قضايا إنسانية ونضالية تتشارك بها كافة شعوب العالم . وتتبدى مظاهرها في النضالات الشعبية والمطلبية المحقة – التي تتفجر تباعا على امتداد الكرة الأرضية ، وما يزال يتخلف عنها الشعب الفلسطيني ، رغم أنه الأحوج لخوضها .

ويجمع الشباب على أن التغيير الفلسطيني المستحق والقادر على عبور المرحلة الأخطر منذ نكبة عام ١٩٤٨ ، لا بد أن يطال الرؤى والمناهج والسياسة والاقتصاد والإدارة والهياكل المؤسسية . لتوفير معايير مرجعية توجه عملية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ، وتؤهلها للدور المناط بها كمرجعية عليا وإطار تمثيلي جامع لكافة مكونات الشعب الفلسطيني ، وقادر على التصدي لمهمة قيادة مشروعه النهضوي التحرري . والبوصلة التي يسترشد بها الشعب عند اختيار قياداته الوطنية الكفؤة القادرة على تحمل مسؤولية إدارة الصراع وتوفير موجبات النصر .

ويمتلك الشباب تصورا شاملا لأولويات ومجالات التغيير الفلسطيني المستحق ، سيكون محور المقال القادم .

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: غانية ملحيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *