اللقاء الذي قد يشق الائتلاف: نتنياهو وترامب في طريقهما إلى مواجهة كبيرة

قيل عن كل لقاء بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو خلال السنة الماضية إنه حاسم لمستقبل إسرائيل – وهذا ينطبق أيضًا على اللقاء القريب، وهو السادس بينهما. طلب نتنياهو عقد هذا اللقاء قبل بداية السنة الميلادية الجديدة، وقبل أن يقرر ترامب المضي قدمًا في عدد من القضايا المهمة لإسرائيل.
التقى نتنياهو بترامب أكثر من أي زعيم أجنبي آخر. هذا التواتر ليس بالضرورة دليلًا على صداقة شخصية وثيقة بين الرجلين، بل هو بالأحرى شهادة على اعتماد إسرائيل الكامل على الولايات المتحدة، والحاجة إلى تنسيق المصالح والتوقعات والمواقف معها في طيف واسع من القضايا الإقليمية. سيُعقد اللقاء في منتجع ترامب الخاص “مار-آ-لاغو” في فلوريدا. صحيح أن ترامب يدعو أصدقاءه إلى منتجعه، لكن المكان هنا لا يحمل دلالة خاصة، إذ إن البيت الأبيض في واشنطن في عطلة عيد الميلاد، وكذلك الرئيس.
أفضل طريقة لفحص العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية اليوم هي من خلال ثلاثة اتجاهات : المصالح وأولويات العمل، الأهداف والوسائل، ونقاط الاتفاق والخلاف . ويمكن تطبيق هذه الاتجاهات على المستوى الاستراتيجي الإقليمي وعلى كل ساحة تتدخل فيها إسرائيل.
على المستوى الاستراتيجي، فإن أهم مصلحة شخصية لترامب هي الفوز بجائزة نوبل للسلام، ولتحقيق ذلك عليه إنجاز اتفاقيات سلام. وقد أعلن بالفعل عن إنهاء الحروب في المنطقة وبدء عمليات إعادة إعمار وسلام. أما نتنياهو، فيريد إبقاء جميع الجبهات مفتوحة، لأنها لم تتم تسويتها بعد، وما زالت التهديدات بالحرب تحلّق في الأجواء.
ومن خلال التسريبات التي تبادلها الطرفان قبيل اللقاء، يمكن استنتاج وجود فجوة بينهما أيضًا في ترتيب أهمية القضايا. فترامب يرى أهمية أكبر في الانتقال السريع إلى المرحلة الثانية من خطته لتسوية الوضع في غزة، لأنها مفتاح تحقيق رؤيته للسلام الإقليمي، بينما يضع نتنياهو إيران في المقام الأول.
فيما يخص غزة، هناك اتفاق على الأهداف، لكن خلافًا حول الوسائل. يوجد توافق على نزع سلاح حماس، وإخلاء القطاع من السلاح، وإقامة نظام بديل لحماس، وإعادة الإعمار. لكن لا يوجد اتفاق على التوقيت؛ إذ يقول نتنياهو إنه لن ينتقل إلى المرحلة الثانية قبل إعادة آخر مخطوف قتيل، ران غويلي. أما ترامب فيعتقد أن حماس تبذل كل جهد ممكن للعثور عليه، ولا داعي لانتظار المرحلة الثانية حتى استنفاد هذا الملف.
هناك أيضًا خلافات حول ترتيب الخطوات: ترامب يريد البدء بإعادة الإعمار بشكل تدريجي ولكن فورًا، في حين يقول نتنياهو إن الإعمار يجب أن يأتي بعد إزالة حماس ونزع سلاح غزة. وتعلن حماس أنها لن تنزع سلاحها، وليس واضحًا كيف سيتم تحقيق هذا الهدف.
كما توجد فجوات في المواقف بشأن دورَي تركيا وقطر. ترامب يراهما عاملين إيجابيين سيجبران حماس على التخلي عن حكمها ومغادرة غزة، بينما يرى نتنياهو فيهما العكس تمامًا.
فيما يتعلق بلبنان، هناك اتفاق على الأهداف وخلاف حول الوسائل . اتفق ترامب ونتنياهو على ضرورة نزع سلاح حزب الله لتمكين الحكومة اللبنانية من فرض سيطرتها على كامل أراضي الدولة. وقد أصدرت الحكومة اللبنانية قرارًا بتفكيك جميع الميليشيات، بما فيها حزب الله، حتى نهاية عام 2025. لكن اتضح أن الجيش اللبناني لا يستطيع أو لا يريد تفكيك حزب الله. بل على العكس، فمنذ وقف إطلاق النار، يعمل حزب الله على إعادة بناء قوته العسكرية.
يقول نتنياهو إنه إذا لم يقم الجيش اللبناني بذلك، فإن إسرائيل ستشن حربًا لتحقيق هذا الهدف. أما ترامب فيدعم عمليات عسكرية محدودة لإضعاف حزب الله، لكنه يعارض تجديد حرب واسعة النطاق.
فيما يخص سوريا، لا يوجد اتفاق لا على الأهداف ولا على الوسائل. فقد حمل ترامب انطباع إيجابي حيال
أحمد الشرع، الرئيس السوري الجديد، ودعاه إلى البيت الأبيض، ورفع العقوبات عن سوريا، ويسعى إلى إقامة قاعدة أمريكية على أراضيها، ويضغط على إسرائيل لوقف هجماتها العسكرية في سوريا والتوصل إلى اتفاق أمني مع الشرع ، يُلزم إسرائيل بالانسحاب من مناطق احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد .
وفي مرحلة لاحقة ، يرغب ترامب في انضمام سوريا إلى اتفاقيات أبراهام . أما نتنياهو فيعتقد أن الأمر يحتاج إلى وقت للتأكد من أن الشرع تخلّى تمامًا عن ماضيه الجهادي ، وأنه يسيطر فعلًا على سوريا، ويمنع أعمال الانتقام ضد الدروز ، ويكبح نشاط حزب الله والتنظيمات الإرهابية الأخرى في جنوب البلاد . وحتى ذلك الحين ، لن توقف إسرائيل هجماتها ولن تسحب قواتها .
سلوك القوتين الإسلاميتين الكبيرتين في المنطقة ، إيران وتركيا ، يقلق إسرائيل كثيرًا ، بينما يقلق ترامب بدرجة أقل .
فيما يتعلق بإيران ، يتفق نتنياهو وترامب على الأهداف ، لكنهما يختلفان حول الوسائل . كلاهما حدّد ضرورة منع طهران من امتلاك سلاح نووي ومن الإنتاج الواسع للصواريخ الباليستية . لكن ترامب يعتقد أن إيران هُزمت ، وأن منشآتها النووية دُمّرت بالكامل . وقد فُرضت عليها مؤخرًا عقوبات خانقة ، وتزعزع موقع النظام ، وتدهور وضعها الداخلي ، ولا سيما الاقتصادي . ويقدّر ترامب أن الإيرانيين سيعودون إلى طاولة المفاوضات معه للتوصل إلى اتفاق يمنع امتلاك السلاح النووي واستمرار إنتاج الصواريخ الباليستية .
نتنياهو لا يوافق على ذلك . فهو يعرض معطيات استخبارية حديثة تشير إلى أن النظام الإيراني يسعى للانتقام من إسرائيل على هزيمته في حرب حزيران 2025، ويهدد إسرائيل، ويحاول بسرعة إعادة بناء قوته العسكرية، ويجري تدريبات على الصواريخ الباليستية . سيعبر نتنياهو عن خشيته من هجوم إيراني مباغت أو من الاضطرار إلى شن جولة استباقية أخرى إذا استمرت إيران في التعاظم . وسيطلب من ترامب المشاركة في الدفاع والهجوم ، أو على الأقل دعم ضربة عسكرية . من المرجح أن ترامب لن يكون مستعدًا لهجوم مشترك ، وربما لن يمنح الضوء الأخضر لهجوم إسرائيلي ، لكنه سيتعاون في توجيه تهديدات لإيران لدفعها إلى العودة للمفاوضات .
أما بشأن تركيا ، فلا يوجد اتفاق لا على الأهداف ولا على الوسائل . ترامب يعجب بالحكام المستبدين ، ويرى في أردوغان صديقًا وفي تركيا حليفًا. وهو يعتقد أن الضغط التركي وحده هو الذي أدى إلى إطلاق سراح جميع المخطوفين . ويريد منح تركيا دورًا في “اليوم التالي” في غزة، خاصة ضمن القوة متعددة الجنسيات، لأنه يعتقد أن أردوغان وحده قادر على نزع سلاح حماس وإخراجها من غزة . كما يرى ترامب أن تركيا عامل استقرار في سوريا .
مواقف نتنياهو معاكسة تمامًا . فتركيا ، برأيه ، دولة إسلامية متطرفة ، وتصريحاتها وأفعالها ضد إسرائيل طوال الحرب تدل على عداء عميق . وهي تسعى إلى الحفاظ على حماس لا تفكيكها . وهي عامل تأجيج في المنطقة ، لا عامل استقرار . يهدد أردوغان إسرائيل ويريد استبدال إيران في سوريا والسيطرة عليها . كما يخشى نتنياهو من تزويد تركيا بطائرات F-35 .
في عام 2026 ستُجرى انتخابات في الولايات المتحدة للكونغرس، وفي إسرائيل للكنيست وتشكيل الحكومة. يواجه ترامب معارضة من جماعات متطرفة ومعادية للسامية داخل قاعدته اليمينية، تعارض دعمه لإسرائيل وأي تورط عسكري أمريكي في المنطقة. كما أن نتنياهو تحكمه اعتبارات سياسية وائتلافية . كل هذه العوامل تضيف قيودًا قد تمس الاعتبارات الموضوعية.
هناك اتفاق بين ترامب ونتنياهو على الأهداف في غزة وإيران ولبنان، لكن توجد خلافات حول الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، كما يوجد غياب اتفاق على كلٍّ من الأهداف والوسائل فيما يخص تركيا وسوريا.
في لقائه مع ترامب، يتمثل هدف نتنياهو في تقليص الخلافات والتوصل إلى مزيد من التفاهمات، وكذلك التفكير في أي ساحة يمكن التنازل فيها، مثل غزة، من أجل تحقيق تفاهمات في ساحة أخرى أكثر أهمية، مثل إيران.
المصدر: معاريف