اللعب بالنار: إسرائيل تنجر إلى مستنقع دموي في سوريا

اندلعت اشتباكات عنيفة الأسبوع الماضي بين قوات درزية وبين من يصفهم النظام الجديد في سوريا بـ”المتمردين” أو ” قوات خارجة عن القانون”، في منطقتي جرمانا وصحنايا في ريف دمشق . شرارة الأحداث كانت تسجيل صوتي مفبرك لأحد شيوخ الدروز، يسيء إلى مكانة النبي محمد .
تمر سوريا بمرحلة تغيير سياسي، وما زال مستقبلها محاطاً بالغموض – نظام يشوه صورته إلى حد كبير ماضيه الجهادي على الرغم من محاولاته تعزيز اجراءات الاستقرار في البلاد. ولا يزال انعدام الثقة والخوف بين شرائح كبيرة من السكان مرتفعاً للغاية، ولم يستقر النظام في البلاد بعد، ولدى الرئيس أحمد الشرع قدرة محدودة للغاية على فرض النظام والأمن بسبب نقص الطاقة البشرية العاملة وطبيعتها ( قسم كبير من المقاتلين العاملين تحت تصرفه هم مقاتلون أجانب وجهاديون، وبالتالي فإن درجة السيطرة عليهم مشكوك فيها أيضاً). ويشكل هذا الواقع أرضاً خصبة لاندلاع صراعات محلية، بالأخص على خلفية عرقية – كما حدث في الأيام الأخيرة، ومثلما يتوقع مع الأسف أن يحدث في المستقبل .
في واقع الأمر، فإن الاشتباكات العنيفة مع الدروز تذكرنا إلى حد كبير بالصراع الدموي الذي دار بين الأقلية العلوية وقوات النظام ومسلحين اخرين في غرب سوريا في شهر مارس/آذار الماضي . ويتميز كلا الحدثين بصراع من الروايات والمعلومات المضللة والأخبار الكاذبة التي تجعل من الصعب للغاية “توضيح الواقع” ومحاولة الحصول على صورة موضوعية لتسلسل الأحداث. وهكذا ، تتضارب المواقف بشأن مدى تورط النظام في الأحداث العنيفة أو ما إذا كان سعى إلى التهدئة ؟ فهل وقعت فعلا مجزرة جماعية أم كانت هذه حوادث عنف محلي، وهل فعلاً هناك إجماع بين الدروز بشأن تورط إسرائيل بالأحداث ؟.
بحسب بعض التقديرات بلغ عدد القتلى نحو 90 شخصاً، معظمهم من المقاتلين الدروز ومن عناصر قوات الأمن السورية ، ومن ضمنهنم هناك نحو 15 مدنياً . وتظل هذه الأرقام بحاجة إلى التحقق بسبب التقارير المتضاربة، ولكن في هذه المرحلة يبدو أن هذا هو حجم الحدث.
وفيما يتعلق بشأن المتورطين، يبدو أن الأمر يتعلق باشتباكات اندلعت بين مسلحين دروز ومسلحين محليين وقوات الأمن السورية ، وبرز بينهم عناصر من البدو المستقلين، والمسؤولين على مايبدو عن الهجمات الوحشية ضد الدروز على طريق السويداء-دمشق . وفي السويداء، يتعلق الأمر برجال عشائر محليين أطلقوا النار على منازل الدروز . وبحسب أغلب الدروز في سوريا وإسرائيل، فإن قوات النظام السوري متورطة في عمليات القتل والانتهاكات، في حين أن المصادر السورية الرسمية تقول بأن ذلك كان محاولة لفرض السيطرة واستعادة النظام. منذ توليه السلطة، عمل الشرع جاهداً على إبراز صورة معتدلة واحتوائية من أجل اكتساب الشرعية الدولية التي من شأنها أن تؤدي إلى رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد ــ والهجمات على الأقليات، كما حدث، تضر بجهوده . ومع ذلك فإنه حتى لو لم يكن النظام هو المسؤول المباشر عن الأذى الذي لحق بالدروز ـ كما في حالة العلويين ـ فقد أصبح من الواضح هذه المرة أيضاً أن قدرته على السيطرة على ما يحدث وفرض سلطته كانت محدودة للغاية.

ويوضح الحدث الحالي مدى عمق الانقسام داخل الطائفة الدرزية في سوريا . حيث أن كبير الطائفة الشيخ حكمت الهاجري يعكس موقفا متشددا وانتقاديا جداً حيال النظام الجديد ، واتهمه باستخدام “عصابات تكفيرية” ضد السكان الدروز، وأعرب عن دعمه لتدخل إسرائيلي ودولي في ما يحدث في سوريا . وفي المقابل، دعا شيوخ كبار آخرون، ومنهم حمود الحناوي ويوسف جربوع، إلى الهدوء، وأكدوا على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا، ودعموا دخول قوات الأمن إلى المناطق الدرزية لفرض النظام. ومن وجهة نظرهم فإن أي تدخل خارجي، وخاصة من جانب إسرائيل، يضر بمكانتهم في سوريا . وحتى الآن تم التوصل إلى اتفاق في السويداء يتيح المجال للحكومة السورية لإعادة فرض سيطرتها الأمنية في المنطقة الدرزية مع تجنب الاشتباكات مع القوات المحلية . ويتضمن الاتفاق تجنيد آلاف الدروز في قوات الأمن، ونشرهم في القرى، وانسحاب قوات الأمن العام، هذه الخطوة التي تشير إلى تعاون العناصر المحلية، والرغبة في الحفاظ على وحدة سوريا.


ومن ناحية أخرى، أظهرت الطائفة الدرزية في إسرائيل عرضاً وحدوياً استثنائياً . فقد أثارت مقاطع الفيديو التي تم تصويرها في سوريا والتي توثق عمليات قتل وإذلال الدروز، القلق والاضطراب بين الدروز في إسرائيل، الذين لا يشترون “الوجه المبتسم” للشرع ويفضلون أن يشهدوا سقوطه. ولأول مرة منذ سنوات، أطلق كبار أفراد الطائفة حملة تأثير واسعة النطاق ضد المسؤولين الإسرائيليين، بهدف زيادة التدخل الإسرائيلي لحماية إخوانهم . وبالإضافة إلى الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بأنها لا تبذل ما يكفي من الجهد، كان هناك العديد من المناشدات من كبار الطائفة إلى المسؤولين الإسرائيليين والأمنيين، فضلاً عن إغلاق طرق ومظاهرات، بما في ذلك أمام منزل رئيس الحكومة في قيسارية.
التعقيدات الإسرائيلية :
منذ سقوط الأسد، سيطرت إسرائيل على المنطقة العازلة في جنوب سوريا، وتهاجم أهدافا عسكرية في البلاد بشكل متكرر . في بداية الأحداث الأخيرة، وجه وزير الدفاع إسرائيل كاتس رسالة تهديد للسلطة في سوريا : “أحذر مرة أخرى رئيس النظام الجولاني – إذا لم تتوقف الهجمات على الدروز، فسنرد بشدة”. وأضاف أن “رسالة واضحة وصلت للنظام السوري مفادها أن من مسؤوليته منع الهجمات”.
إن شكوك إسرائيل حيال الشرع، “الجهادي الذي يرتدي بذلة”، والضغوط التي مورست عليها في الأيام الأخيرة من جانب كبار القادة الدروز في إسرائيل، وتعهداتها منذ شهر مارس/آذار بحماية الدروز، لم تترك لها الكثير من الخيارات، وأدت إلى رد عسكري متدرج ــ في المرحلة الأولى، نفذت خمس هجمات، وفي وقت مبكر من صباح الجمعة، قصفت أيضاً مبنى (قريب جداً) من القصر الرئاسي في دمشق، كإشارة تحذيرية للشرع. ولم تكتف إسرائيل بهذا، فنفذت ليلة الجمعة والسبت سلسلة من الهجمات القوية على أهداف عسكرية ومخازن صواريخ. وبالإضافة إلى الرد العسكري، أفادت التقارير أيضاً أن إسرائيل سلمت مساعدات إنسانية للدروز، بل نقلت جرحى لتلقي العلاج في إسرائيل.
تنطوي السياسة الإسرائيلية في سوريا في الأشهر الأخيرة على مخاطر عديدة. وهي تؤدي إلى زيادة العداء والخطاب المعادي تجاه إسرائيل من جانب النظام والسكان المحليين، وتشجع على تعزيز متطرفين ينتقدون تراخي النظام الجديد بسبب سياسته المنضبطة تجاه إسرائيل، وبالتالي يزيد من خطر الاحتكاك المباشر مع المسلحين المحليين في جنوب سوريا، ومع قوات النظام، وحتى مع تركيا، التي أدت نيتها توسيع نفوذها وتثبيت قبضتها على القواعد العسكرية في وسط سوريا إلى عدة هجمات إسرائيلية تهدف إلى الإشارة إلى الأتراك بأن اسرائيل لن تتسامح مع التهديد المحتمل على حرية العمل الإسرائيلية في سوريا. وفي الوقت نفسه، تتزايد الانتقادات الدولية والاقليمية لقيام اسرائيل بانتهاك السيادة السورية .
وصلت إسرائيل الآن إلى وضع معقد – تعهدها بحماية الدروز على ضوء علاقاتها الجيدة مع الطائفة الدرزية في إسرائيل ونظرتها للدروز في سوريا كحلفاء وطرف إيجابي، في منطقة مشبعة بالتهديدات المحتملة من جهة، وخطر الأنجرار إلى تدخل في شؤون سوريا الداخلية والمخاطرة بمواجهة مباشرة معها من جهة أخرى.
تؤدي التحركات الإسرائيلية في نهاية الأسبوع الماضي فقط إلى تعزيز الأخطار المذكورة أعلاه، وينظر إليها في سوريا على أنها محاولة تخريبية تسعى إلى تفكيك الدولة. ومن الممكن النقاش (كما يحدث بالفعل بين الدروز) حول مدى مساهمة السياسة الإسرائيلية العلنية في تصوير الدروز في سوريا من خلال محاولة حمايتهم كخاضعين لوصايتها أو كمتعاونين أو كوكلاء كما سمعنا مؤخراً في سوريا . من جانبه، أدان النظام السوري الهجمات الإسرائيلية، وحذر من أنها تؤدي إلى تصعيد خطير. كما أن السكان المحليون دعوا في نهاية الأسبوع إلى النضال العنيف ضد إسرائيل.
بعد الرد العسكري القاسي، سيكون من الأفضل لإسرائيل الآن أن تنتهج سياسة متوازنة تساعد في الحفاظ على مصالحها الأمنية على المدى الطويل، وتتيح المجال لها للاستفادة في تحويل إنجازاتها العسكرية الهامة في العام الماضي إلى تسويات تضمن واقعاً أمنياً أفضل ومستدام ، دون الحاجة إلى الحفاظ على وجود عسكري في الأراضي السورية . وينبغي للرد الإسرائيلي الآن أن يركز على نقل رسائل قوية إلى النظام (وليس بالضرورة رسائل عسكرية) بشأن ضمان احتياجات إسرائيل الأمنية في المنطقة، وتقديم المساعدات الإنسانية للدروز، وحشد المجتمع الدولي لتهدئة التوترات ومنع تكرار حوادث مماثلة في المستقبل.

ملاحظة :
الدكتورة كارميت فالنسي هي باحثة أولى ورئيسة برنامج سوريا في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي .

المصدر:  موقع N12

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *