اللاجئون وحقّ العودة في ضوء “الميثاق” 


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

مقدّمة

شكّلتْ ولادةُ منظّمة التحرير الفلسطينيّة في العام 1964 خطوةً حاسمةً على طريق إعادة بناء الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة المعاصرة بعد أعوامٍ قليلةٍ من تشتّت المجتمع الفلسطينيّ وتجزئة حركتِه السياسيّة جرّاءَ النكبة. وقد برهنتْ تلك الخطوةُ على حيويّة الشعب الفلسطينيّ وقدرتِه الفائقة على الانبعاث، كطائر الفينيق، من رماد النكبة من أجل إعادة تنظيم نفسه وإطلاق شكلٍ جديدٍ لحركته الوطنيّة في ظلّ شروط الشتات القاسية وإملاءاته المغايرة لشروط مرحلة ما قبل النكبة (حين اتخذت الحركةُ الوطنيّةُ شكلَ الجمعيّات الدينيّة، ومن بعدها شكلَ الأحزاب التقليديّة المعروفة).

شهدت المنظّمة منذ تأسيسها تحوّلاتٍ حاسمةً في خطابها الفكريّ والسياسيّ — بدءًا بتبنّي البرنامج المرحليّ (1974)، مرورًا بـإعلان الاستقلال (1988)، وتوقيع اتفاق أوسلو وقيامِ سلطة الحكم الذاتيّ الانتقاليّ (1993-1994)، وصولًا إلى التوجّه نحو الأمم المتحدة بطلب قبول فلسطين دولةً غيرَ عضو/بصفة مراقب في هذه المنظّمة الدوليّة (2011-2012).

سأحصر مداخلتي في رصد التحوّلات التي طـرأتْ على قضيّة اللاجئين والعودة في الخطاب الفكريّ وفي الممارسة السياسيّة لمنظّمة التحرير، في ظلّ الانزياحات عن أسس الميثاق الوطنيّ الفلسطينيّ. وفي هذا الإطار سأعالج ثلاثَ مراحل زمنيّة: الأولى (1964-1988)، وأناقشُ فيها جدليّةَ (أو ثنائيّة) العودة/التحرير؛ المرحلة الثانية (1993-1994)، وأعالجُ فيها مكانةَ حقّ العودة في مفاوضات مدريد وأوسلو؛ والمرحلة الثالثة، وأُلقي فيها الضوءَ على وضع قضيّة اللاجئين وحقّ العودة في تفاهمات ومبادرات ما بعد أوسلو.

I – جدليّة (أو ثنائيّة) التحرير/العودة خلال ربع قرن (1964-1988)

تكرّستْ فكرةُ التعارض الرمزيّ بين فكرة العودة وواقعِ اللجوء في الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ منذ انعقاد المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ الأوّل في القدس (1964)، إذ قرّر هذا المجلسُ استخدامَ تعبير “عائدون” بدلًا من “لاجئون” في وصف الفلسطينيّين المقتلعين خارج وطنهم.

وظلّت العودةُ طوال عقدٍ كامل، بعد تأسيس المنظّمة، محصّلةً طبيعيّةً لفعل التحرير الكامل وغير المنقوص عندما يتحقّق. وقد أكّدتْ نصوصُ الميثاق الوطنيّ (الموادّ 1-3) أنّ فلسطين وطنُ الشعب العربيّ الفلسطينيّ، وأنّه “صاحبُ الحقّ الشرعيّ في وطنه فلسطين بحدودها التي كانت قائمةً في عهد الانتداب.” كما أكّدت المادّة 9 من الميثاق المنقّح سنة 1968 أنّ “الكفاحَ المسلّح هو الطريقُ الوحيدُ لتحرير فلسطين،” وشدّدتْ على تصميم الشعب الفلسطينيّ على “تحرير وطنه والعودةِ إليه… وممارسةِ حقّ تقرير مصيره فيه والسيادة عليه…” علمًا أنّ الضفّة الغربيّة وقطاعَ غزة لم يكونا محتلّيْن حينها.

ولم تحِدْ منظّمةُ التحرير عن هذا الهدف، أيْ تحقيق العودة من خلال التحرير الكامل، في مقرَّرات الدورات المتعاقبة للمجلس الوطنيّ الفلسطينيّ منذ تأسيسها، وصولًا إلى الدورة الحادية عشرة (6/12/1973) التي دعت صراحةً إلى” النضال ضدّ عقليّة التسوية وضدّ مشروعات الكيانات أو الدولة الفلسطينيّة على جزءٍ من أرض فلسطين.” أي إنّ قيادة المنظّمة لم تفكّرْ في تلك المرحلة في الحلول الوسط أو الحلول الدبلوماسيّة، ولم يكن “حقُّ العودة” مسألةً ملحّةً في حدّ ذاتها بسبب عدم انفصالها عن قضيّة التحرير. ولم تنفصلْ قضيّةُ العودة عن هدف تحرير كامل التراب الفلسطينيّ إلّا عندما أقرّ المجلسُ الوطنيّ في دورته الثانية عشرة (8/6/1974) ما عُرف بـالبرنامج المرحليّ (أو برنامج النقاط العشر أو برنامج السلطة الوطنيّة). وقد جرى تبنّي هذا البرنامج، الذي يُعتبر نقطةَ تحوّلٍ حاسمةً في الفكر السياسيّ لمنظّمة التحرير، في سياق التماثل مع الأوضاع العربيّة والدوليّة الناجمة عن حرب تشرين/أكتوبر عام 1973.

الجدير ذكرُه أنّ مصطلح “حقّ العودة” ورد لأوّل مرّة في مقدّمة البرنامج المرحليّ خارج السياق المعهود في مقرَّرات المجالس الوطنيّة السابقة. فقد أكّدت المقدّمة استحالةَ إقامة سلامٍ دائمٍ وعادلٍ في المنطقة من دون استعادة الشعب الفلسطينيّ “كاملَ حقوقه الوطنيّة، وفي مقدَّمها حقُّه في العودة وتقرير مصيره على كامل ترابه الوطنيّ،” وذلك من دون الإشارة إلى القرار 194 وقراراتِ الأمم المتّحدة ذاتِ الصلة. وبعد أن كانت مقرَّراتُ المجالس السابقة ترفض القرار 242 جملةً وتفصيلًا على أساس قيامه على مبدأ “مقايضة الأرض بالسلام” والاعتراف لـ”إسرائيل” بحدودٍ آمنة، جاء رفضُه في البرنامج المرحليّ على أساس أنّه “يَطمس الحقوقَ الوطنيّةَ والقوميّة” للشعب الفلسطينيّ ويتعامل مع قضيّته بوصفها “مشكلة لاجئين.”

منذ تبنّي البرنامج المرحليّ، تعرّضت المكانةُ المركزيّةُ لقضيّة اللاجئين وحقّ العودة في الفكر السياسيّ لمنظّمة التحرير للاهتزاز. فعلى سبيل المثال شهدت الدورة 19 للمجلس الوطنيّ الفلسطينيّ (الجزائر، 15/11/1988)، في مناخات الانتفاضة الأولى، تغيّرًا مهمًّا في مكانة حقّ العودة مقارنةً بالدورة 18 (الجزائر، نيسان/إبريل1987). ففي حين أكّدت مقرّراتُ الدورة 18 حقَّ العودة من دون الإشارة إلى قرارات الأمم المتحدة، أكّدت الوثيقتان الأساسيّتان الصادرتان عن الدورة 19 (البيان السياسيّ وإعلان الاستقلال) حقَّ العودة وحلَّ مشكلة اللاجئين في إطار قرارات الأمم المتحدة ولكنْ من دون أن تشيرا صراحةً إلى القرار 194 أساسًا قانونيًّا لحقّ العودة.

وهكذا فإنّ مفهومَ “العودة” في الخطاب السياسيّ للمنظّمة تبدّل تبدّلًا جوهريًّا خلال نحو ربع قرن (1964-1988) حتى قبلَ أن تتورّطَ المنظّمة في مستنقع أوسلو. ومع هذا التبدّل سقطتْ ثنائيّةُ (أو جدليّةُ) التحرير/العودة.

II – حقّ العودة: من مدريد إلى أوسلو

تمّت الدعوةُ إلى عقد مؤتمر مدريد على أساس القراريْن 242 و338 اللذيْن يعالجان نتائجَ حربيْ 1967 1973. القرار الأوّل دعا إلى تحقيق تسويةٍ “عادلةٍ” لمشكلة اللاجئين من دون تحديد ماهيّتهم؛ ما فتح البابَ لنشوء تفسيريْن للقرار 242: الأول إسرائيليّ يحصرهم بلاجئي حرب 1967، والثاني عربيّ يشمل لاجئي 1948 و1967 على حدّ سواء.

وفي مجموعة العمل الخاصّة باللاجئين، المنبثقة عن المفاوضات المتعدّدة الأطراف، رفضتْ “إسرائيل” اعتمادَ القرار 194 مرجعيّةً للبحث في مشكلة اللاجئين. وبذلك انتهت تلك المفاوضاتُ إلى الفشل الذريع، في الوقت الذي كانت فيه قيادةُ المنظّمة تدير مفاوضاتٍ سرّيّةً من أجل الذهاب إلى أوسلو.

في رسائل الاعتراف المتبادلة بين رابين وعرفات (9/9/1993) اعترفت المنظّمة بالقراريْن 242 و338 و”بحقّ دولة إسرائيل في العيش في سلام ٍوأمن.” أمّا اعترافُ رابين بالمنظّمة، كما ورد في رسالته إلى عرفات، فكان مشروطًا بالتعهّدات الواردة في رسالة عرفات إليه، وأخطرُها تعهّدُ المنظّمة بأن تعتبر بنودَ الميثاق الوطنيّ التي تتعارض مع تلك التعهّدات قد أصبحتْ (لا ستصبح!) “عديمةَ الأثر وغيرَ ساريةِ المفعول.” والإشارة هنا هي إلى الموادّ 2، 9، 10، 19، 20، 21، 22؛ علمًا أنّ المادّة 9 تؤكّد تصميمَ الشعب الفلسطينيّ على متابعة الكفاح المسلح “لتحرير وطنه والعودةِ إليه…”

وفي إعلان المبادئ الذي جاء ثمرةً لمفاوضات أوسلو السرّيّة، وافق الطرفُ الفلسطينيّ على ما كان المفاوضون الفلسطينيّون قد رفضوه في مباحثات واشنطن التي أطلقها مؤتمرُ مدريد. فالفقرة الثالثة من المادّة الخامسة (3/5) من الإعلان أرجأتْ حلَّ مشكلة اللاجئين إلى مفاوضات الحلّ النهائيّ من دون أن تربطَ ذلك بأيّ مرجعيّةٍ قانونيّة. وبهذا تجاهل الإعلانُ مصادرَ الحقوق الوطنيّة للشعب الفلسطينيّ في القانون الدوليّ وفي قرارات الأمم المتحدة على حدّ سواء، وفي مقدمها حقُّه في العودة في إطار ممارسة حقِّه في تقرير المصير. أمّا مصيرُ قضايا الحلّ النهائيّ، التي كان من المقرَّر أن تُنجَز في العام 1999، فأصبح معروفًا، وليس في حاجةٍ إلى تفصيل.

III – حقّ العودة في أعقاب اتفاقيّات أوسلو

شهدت الفترةُ التي تلت توقيعَ اتفاقيّات أوسلو، وصولًا إلى جهود إدارة أوباما ووزير الخارجيّة جون كيري في إحياء مفوضات السلام (وهي جهودٌ مُنيتْ بالفشل في آذار 2014 )، عددًا من المبادرات والتفاهمات والمواقف الرسميّة وشبهِ الرسميّة التي عكست التبدّلات التي طاولتْ خطابَ العودة خلال الفترة السابقة.

سنميّز هنا بين نوعين من المبادرات والتفاهمات:

– تلك التي جاءت في سياق المحاولات العبثيّة على الصعيديْن الدوليّ والإقليميّ من أجل إحياء المفاوضات، مثل: معايير كلينتون (2000)، ومبادرة السلام العربيّة (2002)، وخارطة الطريق (2003)، ولقاء أنابوليس (2007)، ومباحثات جون كيري (2014)؛

– وتلك التي أطلقها مسؤولون وقياديّون فلسطينيّون بالوناتِ اختبارٍ على هامش عمليّة المفاوضات المتعثّرة، من دون أن تتبنّاها قيادةُ منظّمة التحرير بشكلٍ رسميّ، مثل: اتفاق بيلين-أبومازن (1995)، ومبادرة أيالون- نسيبة (2002)، وتفاهمات جنيف (2003).

نظرًا إلى ضيق المجال سنركّز على المبادرات والتفاهمات الأخيرة، وخصوصًا تفاهمات جنيف التي تُعتبر أخطرَها لأنّها قُدّمتْ “نموذجًا لاتفاقيّة سلام” ناجزةٍ تُنهي الصراعَ العربيّ-الصهيونيّ إلى الأبد.

أ – اتفاق بيلين-أبو مازن (13/10/1995). على الرغم من أنّ اتفاق الإطار هذا لم يكن رسميًّا، فإنّه كان جزءًا من ترتيبات “إسرائيل” والسلطة الفلسطينيّة من أجل بلورة إطار لقضايا الوضع النهائيّ بحسب توجيهات إعلان المبادئ. وقد سُرِّب نصُّ هذا الاتفاق كاملًا إلى وسائل الإعلام في أعقاب فشل تلك المحادثات واندلاعِ انتفاضة الأقصى.

ألزمت الفقرةُ الأولى من المادّة السابعة من الاتفاق الجانبَ الفلسطينيَّ باعادة النظر في حقوق اللاجئين الفلسطينيّين، التي تُقرُّها قواعدُ القانون الدوليّ، في ضوء الحقائق المتغيّرة على الأرض منذ النكبة، إذ نصّت تلك الفقرة على ما يلي:

“بينما يَعتبر الجانبُ الفلسطينيّ أنّ حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى بيوتهم حقٌّ مكفولٌ في القانون الدوليّ ومبادئ العدالة الطبيعيّة، إلاّ أنّه يُقرّ بأنّ المتطلّبات الأساسيّة للحقبة الجديدة من السلام والتعايش، فضلًا عن الحقائق التي خُلقتْ على الأرض منذ العام 1948، جعلتْ من تطبيق هذا الحقّ أمرًا غيرَ ممكنٍ عمليًّا. ولهذا يعلن الجانبُ الفلسطينيّ استعدادَه لقبول وتطبيق سياساتٍ وإجراءاتٍ من شأنها أن تَضمنَ، بقدر المستطاع، رفاهَ هؤلاء اللاجئين ورغدَ عيشهم.”

وفي حين تعترف “إسرائيل” في الفقرة الثانية من المادّة السابعة نفسها بـ”المعاناة” المعنويّة والمادّيّة التي تكبّدها الفلسطينيّون جرّاء حرب 1947-1949، فإنّها تتنصّل من أيّ مسؤوليّةٍ أخلاقيّةٍ أو معنويّةٍ عن هذه المعاناة وترميها على عاتق الشعب الفلسطينيّ أو السلطة الفلسطينيّة بموجب أوسلو-1.

ويحدِّد هذا الاتفاق عودةَ اللاجئين إلى أراضي “الدولة الفلسطينيّة” الموعودة حصريًّا [المقصود في حدودِ ما جرى احتلالُه سنة 67]، ويحمّل المجتمعَ الدوليَّ عبءَ تعويض الأضرار، إذ ينصّ على تشكيل “لجنة دوليّة” تكون مسؤولةً عن حقوق اللاجئين في التعويض واستعادةِ الممتلكات، وتناط بها مهمّةُ تطوير “برامج إعادة تأهيل واستيعاب.”

الجدير ذكرُه أنّ اتفاق بيلين-أبومازن بات جزءًا من ترتيبات الوضع النهائيّ في أوسلو-2، وركيزةً مهمّةً من ركائز التفاهمات السرّيّة في محادثات كامب ديفيد الثانية (تمّوز/يوليو وآب/أغسطس 2000). وقد جرى استنساخُ جوانبَ عديدةٍ من بنوده في المباحثات والتفاهمات اللاحقة، بدءًا بمحادثات طابا وحتى مبادرة/ تفاهمات جنيف (2003).

ب – مبادرة أيالون-نسيبة (تمّوز/يوليو 2002). تعتمد هذه المبادرة على ما يسمّيه سري نسيبة منهجيّةَ “التفاوض الشفّاف.” وهذه المنهجيّة تقول بضرورة الإعلان عن الحدّ الأدنى من المطالب وعدمِ التفريط به مهما يكن من أمر، بدلًا من منهجيّة “الأوراق التفاوضيّة” التي تقول بضرورة عدم الإفصاح عن تنازلٍ أُقِرَّ به مسبّقًا إلاّ بعد الحصول على تنازلٍ مقابل.

تقترح هذه المبادرة، أو”إعلانُ النوايا” كما أسماها نسيبة، إقامةَ دولتيْن لشعبيْن على أساس أن تكون “فلسطينُ هي الدولةَ الوحيدةَ للشعب الفلسطينيّ، وإسرائيلُ هي الدولةَ الوحيدةَ للشعب اليهوديّ،” وبحيث يُتّفق على حدودٍ دائمةٍ بين الدولتيْن على أساس حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وقراراتِ الأمم المتحدة والمبادرةِ العربيّة للسلام (المعروفة بالمبادرة السعوديّة). أمّا في خصوص حقّ العودة، فقد نصّت في بندها الرابع على ما يأتي:

– اعترافًا بمعاناة اللاجئين الفلسطينيّين وتشريدِهم، يعمل المجتمعُ الدوليُّ وإسرائيل ودولةُ فلسطين على تأسيس ودعم صندوقٍ دوليٍّ خاصٍّ لتعويضهم.

– يعود اللاجئون الفلسطينيّون إلى دولة فلسطين فقط، ويعود اليهودُ إلى دولة إسرائيل فقط.

– يقدّم المجتمعُ الدوليّ تعويضاتٍ وتسهيلاتٍ لتحسين أحوال اللاجئين الذين يرغبون في البقاء في مواطن إقامتهم، والذين يرغبون في الهجرة إلى دولةٍ ثالثة.

وهكذا تُسقط المبادرة حقَّ العودة على أساس القرار 194، الذي لم يرِدْ ذكرُه مطلقًا في أيٍّ من بنودها. كما تُعفي “إسرائيلَ” من المسؤوليّة الأخلاقيّة والسياسيّة عن النكبة وعن خلق مشكلة اللاجئين، إذ تعترف (رمزيًّا) بالمعاناة والتشريد (وهما حقيقةٌ واقعةٌ أصلًا) لكنْ من دون تحميل “إسرائيل” مسؤوليّةَ جبْر الضرر عن ذلك، بل يجري تحميلُ المجتمع الدوليّ تلك المسؤوليّةَ.

وتختزل هذه المبادرةُ حقوقَ اللاجئين الفلسطينيين في التعويض واستعادةِ الممتلكات، وهي حقوقٌ يُقِرّ بها القانونُ الدوليّ، إلى مجرّد مقاربةٍ “إنسانيّةٍ” تدعو إلى تحسين أحوالهم المعيشيّة في مواطن إقامتهم أو أماكنِ توطينِهم الجديدة.

وشأنَ المبادرات السابقة واللاحقة فقد تضمّنتْ مبادرة أيالون-نسيبة بندًا يتعلّق بإنهاء الصراع، وهو البندُ السادسُ والأخير الذي ينصّ على ما يأتي: “بعد التنفيذ الكامل لهذه المبادئ ستنتهي جميعُ المطالبات من كلا الطرفيْن وينتهي الصراعُ الإسرائيليّ-الفلسطينيّ.” ويا لها من خاتمة سعيدة، و”يا دار ما دخلك شرّ!”

ج – تفاهمات جنيف (1 كانون الأوّل/ ديسمبر 2003). جاءت هذه التفاهمات في سياق الجهود الداعية إلى التوصّل إلى حلٍّ دائمٍ للقضيّة الفلسطينيّة ولقضيّة اللاجئين على حساب حقوق الشعب الفلسطينيّ الوطنيّة الثابتةِ غيرِ القابلة للتصرّف. وهي كانت حصيلةَ عاميْن من المفاوضات بين فريقٍ من الأكاديميّين وأعضاءِ الكنيست الإسرائيليّين برئاسة يوسي بيلين، وفريقٍ فلسطينيٍّ برئاسة ياسر عبد ربّه، عضوِ المجلس التشريعيّ والوزير السابق في السلطة الفلسطينيّة حينها.

صحيح أنّ هذه التفاهمات لا تُعتبر وثيقةً رسميّةً من وجهة نظر القانون الدوليّ، نظرًا إلى الصفة القانونيّة غير الملزِمة للموقِّعين عليها، إلّا أنّ خطورتَها تكمن في مضمونها وفي السياق السياسيّ الذي تمّت فيه حينَها. فقد قُدّمتْ في وصفها نموذجًا لاتفاقيّة سلامٍ نهائيّ متفاوَضٍ عليه، ومقبولٍ من الأطراف المعنيّة، وذي أولويّةٍ على القانون الدوليّ. كما أنّ الأطرافَ الدوليّة المعنيّة، ومن ضمنها أطرافُ اللجنة الرباعيّة (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبيّ والأمم المتحدة)، استَقبلتْها بوصفها آليّةً لتنشيط “خارطة الطريق” الميّتة وبعثِ الحياة في أوصالها من جديد.

يشكّل موضوعُ اللاجئين ثقلًا رئيسًا في تفاهمات (نموذج اتفاقيّة) جنيف، إذ تعالجه المادّةُ السابعةُ التي تحتوي على ثلاثة عشر بندًا. وفي هذا الخصوص تدعو إلى “حلٍّ متّفقٍ عليه” لمشكلة اللاجئين الفلسطينيّين على أساس القراريْن 194 و242 ومبادرة السلام العربيّة (2 ,Article 7/1) وإلى تشكيل “صندوق دوليّ” للتعويض من اللجوء وخسارةِ الممتلكات بعد تقديرها من قِبل لجنةٍ دوليّةٍ مختصّة (Article 7/3, 9, 10, 11).

ولا يرِدُ مصطلحُ “حقّ العودة” أبدًا في الاتفاقيّة التي تستخدم بدلًا منه مصطلحًا فنّيًّا بحتًا هو “اختيار مكان سكن دائم” وفق خياراتٍ خمسةٍ (دولة فلسطين، مناطق في إسرائيل – المقصود فلسطين المحتلّة عام 48 – تُنقل إلى الدولة الفلسطينيّة في اتفاق تبادل أراضٍ، دولة ثالثة، دولة إسرائيل، الدول المضيفة حاليًّا)، على أن يَخضع الخيارُ الرابع للقرار السياديّ الإسرائيليّ (Article 7/4/v/a, b, c, d, e). وبهذا تعطي الاتفاقيّةُ “إسرائيلَ” حقَّ الفيتو على عودة أيّ لاجئٍ إلى بيته الذي طُرد منه في العام 1948، وذلك خلافًا لأحكام القرار 194 (علمًا أنّ هذا القرار يردُ في الاتفاقيّة ليكون أساسًا لحلٍّ “متفقٍ عليه،” لا لإلزام “إسرائيل” بتطبيقه).

أكثر من ذلك: تَعتبر هذه الاتفاقية أنّ مكانةَ اللاجئ القانونيّة تنتهي مع تحقّق مكان السكن الدائم وفق ما تقرّره اللجنةُ الدوليةُ ذاتُها (Article7/6). فماذا تبقّى إذن من مبدأ الاختيار الحرّ؟! وأين دورُ القانون الدوليّ وقرارات الأمم المتحدة التي تكفل المكانةَ القانونيّةَ للاجئ إلى أن يعودَ إلى وطنه؟!

كما تدعو الاتفاقيّة إلى تصفية دور الأونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين)، وإلى نقل وظائفها إلى الدول المضيفة وفق جدولٍ زمنيٍّ ينتهي بعد خمس سنوات من بداية عمل اللجنة المذكورة (Article7/11). ولا يجب أن يغيبَ عن أذهاننا أنّ وجودَ الأونروا في حدّ ذاته، واستمرارَ عملها، مجرّدُ تعبيرٍ عن اعتراف المجتمع الدوليّ بالمسؤوليّة القانونيّة والأخلاقيّة عن التسبّب في مشكلة اللاجئين الفلسطينيّين.

وكالاتفاقيّات والمبادرات السابقة، تُقدَّم اتفاقيّةُ جنيف في وصفها “حلًّا شاملًا ودائمًا لمشكلة اللاجئين لا يجوز بعدها طرحُ أيِّ مطالبَ أخرى عدا تلك المتعلّقة بتطبيق الاتفاقيّة” (Article7/7). وتنصّ المادّتان الأولى والأخيرة (Articles 1, 17) على المضمون نفسه في ما يتعلّق بانهاء الصراع ونهاية المطالب.

د – خلاصة الكلام في هذه التفاهمات والمبادرات. تنفيذًا لتوجيهات إعلان المبادئ، تساوقتْ قيادةُ منظّمة التحرير مع كلّ المبادرات والتفاهمات المذكورة، وإنْ لم تتبنَّ بعضَها رسميًّا. وقد هدفتْ جميعُها إلى التمييز بين مبدأ حقّ العودة وتطبيقِه؛ كما فصلتْ هذا الحقَّ عن فكرة “العدل المطلق” ومبادئ العدالة الطبيعيّة.

وإزاء ذلك، وفي ظلّ حالة الانهيار التي تعيشها الحركةُ الوطنيّةُ الفلسطينيّة، فقد بات من الملحّ وضعُ حقّ العودة، من جديد، في صلب المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، وإعادةُ الاعتبار إلى ثنائيّة العودة/التحريرالتي أكّدها الميثاق. وهذا يَفرض على القوى الحيّة في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة تبنّي “خطاب عودة” واضحٍ وحازمٍ يتعامل مع جذور المشكلة (نكبة 1948)، لا مع نتائجها المتمثّلة في حرب 1967؛ خطابٍ يرفض مقايضةَ حقّ العودة بوهم الدولة؛ خطابٍ حقوقيّ ينطلق من الرواية الفلسطينيّة للصراع في مواجهة الرواية الصهيونيّة الزائفة.

IV – عودة إلى المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ

إنّ إعادةَ قضيّة اللاجئين وحقّ العودة إلى الاعتبار في الفكر السياسيّ الفلسطينيّ تستدعي إعادةَ الاعتبار إلى المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ في حدّ ذاته في إطار الميثاق. فالمشروع الوطنيّ برمّته مهدَّدٌ اليوم، لا حقُّ العودة فحسب، وذلك مع ترهّل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، إنْ لم نقلْ هزيمتَها أمام المشروع الصهيونيّ. وهنا نستدرك لنقول إنّ هزيمةَ الحركة الوطنيّة المعاصرة، إنْ صحّ هذا الحكم، لا تعني مطلقًا هزيمةَ الشعب الفلسطينيّ.

والسؤال الذي يبرز هنا: هل ثمّة اتفاقٌ بين الفلسطينيّين اليوم على ماهيّة هذا المشروع بعد مرور ما يزيد عن نصف قرن على انطلاق حركتهم الوطنيّة؟

واقعُ الحال يشير إلى وجود تبايناتٍ فارقةٍ في تعريف هذا المشروع جرّاء التحوّلات الفكريّة والسياسيّة التي مرّت بها تلك الحركةُ طوال المرحلة الماضية. واستتباعًا نتساءل: هل لا يزال المشروعُ الوطنيّ هو تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، كما عبّر عنه الميثاقُ القوميّ (1964) ثمّ الميثاقُ الوطنيّ (1968)؛ أمْ أنّه اختُزِل إلى مشروع إقامة الدولة على جزءٍ من أرض فلسطين التاريخيّة على أساس حلّ الدولتين، وهو “حلٌّ” بات وهمًا اليوم أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى؟

كلُّ ذلك يستدعي إعادةَ تعريف المشروع الوطنيّ، بل إعادةَ تعريف فلسطين نفسها، بما ينسجم مع الميثاق الوطنيّ، نصًّا وروحًا، وبناءً على جملةٍ من الأسس نذكر منها:

– التمسّك بوحدة الأرض والشعب، ووحدةِ قضيّة اللاجئين، ومركزيّة حقّ العودة في النضال الوطنيّ الفلسطينيّ.

– إدراك استحالة التعايش مع الكيان الصهيونيّ قبل تفكيك بنيته الكولونياليّة الاستيطانيّة، لكون المشروع الصهيونيّ مشروعًا كولونياليًّا استيطانيًّا إحلاليًّا لا يختلف في جوهره عن ظواهر الاستعمارالاستيطانيّ التي عرفها تاريخُ العالم الحديث، والتي قامت على أساس التطهير العرقيّ لسكّان البلاد الأصليّين.[1] وهو بذلك ليس مجرّدَ مشروع أبارتهايد فحسب كما وصفه آخرُ تقريرٍ للمنظمة الإسرائيليّة لحقوق الإنسان (بيتسيلم).[2]

– تغليب المحدّدات التاريخيّة للصراع على محدّداته السياسيّة، ما يستوجب التعاملَ مع جذور الصراع المتمثّلة في النكبة (1948)، لا مع إحدى نتائجه (حرب 1967).

هذا الفهم للمشروع الوطنيّ الفلسطينيّ يعيدُنا إلى المربّع الأوّل للصراع وجذوره التاريخيّة، ويضمن التمسّكَ بالحقوق التاريخيّة والطبيعيّة للشعب الفلسطينيّ، أي الحقوق الوطنيّة الثابتة غير القابلة للتصرّف، ونعني حقَّ العودة وحقَّ تقرير المصير لمجموع الشعب على كامل الأرض، بما يملأ الفجوةَ القائمةَ بين وحدة الشعب الفلسطينيّ القانونيّة وتشتّته الجغرافيّ.

 

[1] تميّز المشروعُ الاستيطانيّ الصهيونيّ من حالات الاستيطان الأخرى التي تمّت في مرحلة التوسّع الاستعماريّ فيما وراء البحار بالنشأة المتأخّرة، إذ إنّه نشأ في مرحلة تحوّل الرأسماليّة إلى الإمبرياليّة. كما تميّز باقتلاع السكّان الأصليّين من أرضهم، الأمر الذي لم يحصل في بعض حالات الاستيطان الأخرى (جنوب أفريقيا على سبيل المثال).

[2] تقرير المنظّمة الإسرائيليّة لحقوق الإنسان B’Tselem 11/1/2021): يُعتبر هذا موقفًا متقدّمًا عن المواقف السابقة التي عبّرتْ عنها هذه المنظّمة. يقول التقرير: “يصحّ القول إنّ النظام الإسرائيليّ نظامُ أبارتهايد رغم أنّه لم يصرّح علنًا عن نفسه كهذا أبدًا.” ويضيف: “يطبِّق النظامُ الإسرائيليّ في كافّة الأراضي الممتدّة بين النهر والبحر قوانينَ وإجراءاتٍ وعُنفًا منظّمًا (عنف الدّولة) غايتُها السّعيُ إلى تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر، أي اليهود، على جماعةٍ أخرى، هُم الفلسطينيّون. وتشكّل هندسةُ الحيّز بطريقة مغايرة لكلّ من هاتين المجموعتين إحدى الأدوات المركزيّة التي يستخدمها النظامُ لتحقيق هذا الهدف.”

 

اللوحة للفنان الفلسطيني الراحل اسماعيل شموط بعنوان: من أجل البقاء

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: جابر سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *