الكيالي: لا يمكن فصل الموسيقى عن الأوضاع العامة في بلادنا

عبد الوهاب الكيالي عازف عود أردني، مقيم حاليا ً في مونتريال في كندا، وقد سبق له أن شارك كعازف منفرد ومع فرق مختلفة في العديد من المسابقات والمهرجانات والعروض في جميع أنحاء العالم العربي، وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية. وبمناسبة إصدار ألبومه الأول «جذور» كان هذا الحوار..

■ بداية.. ماذا عن أول ألبوماتك «جذور»؟

□ «جذور» هو ترجمة لنشاط موسيقي قمت به أنا وبعض الشركاء في عَمان، في الفترة بين عامي 2010 و2016. يحتوي الألبوم على رصيدي الكامل من المؤلفات، والتي كتبت جميعها بين 2009 و2015 ووزعت على مراحل مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يحتوي الألبوم على ثلاثة مؤلفات لموسيقيين آخرين أثروا في تفكيري الموسيقي وعزفي على العود، وهم عازف القانون التركي غوكسيل باكتاجير وعازف العود الأرمني- الأمريكي الراحل آلان شافارش باردازبانيان وعازف العود العراقي الراحل جميل بشير. قمت بإعادة توزيع مؤلفات الغير ووزعت مؤلفاتي على مراحل عديدة، وحاولت هنا أن أمزج موسيقى المقام الشرقي مع التناسق الموسيقي (الهارموني) وتعدد الأصوات (البوليفوني). بالنهاية هذا الألبوم يعبر عن تفكير موسيقي وطريقة تعبير موسيقية من الأردن، حيث كان لدينا الفرصة للتعلم من جميع المدارس الموسيقية المجاورة لنا (من العراق وتركيا ومصر والموروث الشامي) بدون طغيان أي منها على الأخرى.

رابط لموسيقا جذور:

https://www.youtube.com/watch?v=Vpe8qgtrrOo&app=desktop

■ وما هي قصة كل معزوفة، خاصة «جذور» التي اخترتها عنواناً للألبوم؟

□ الحقيقة أن كل من مؤلفاتي لها قصة، لا يسعنا وصفها جميعاً هنا. ولكن أود الإشارة إلى مقطوعة (فرح) بالذات، لأنني كتبتها في عام 2014 في ظروف عالمية بالغة السوء. كانت الثورات المضادة في العالم العربي تنتصر، وكان واضحاً أننا أمام المزيد من الدم والطغيان وزوال الأمل. وكانت الموصل قد سقطت توا في يد تنظيم “داعش” الإجرامي، في صيف 2014 أحسست بأنه يجب أن أكتب موسيقى فرحة لمقاومة هذه الظروف ورفضها. استوحيت الإيقاع والنغم من أغنية أعراس فلسطينية، اسمها «سبل عيونه ومد أيده يحنونه» وحاولت الالتزام بقالبها الإيقاعي والنغمي، وإدخال بعض التنويعات عليها. (فرح) هنا ليست فقط نغمة فرحة، وإنما تصوير للعرس الفلسطيني المشرقي بأبهى تجلياته. الفكرة من التجربة كلها هي التعبير عن الحب للحياة، والإقبال عليها بكل ما أوتينا من قوة، ورفض الموت والذل والدمار والقهر الذي من حولنا. في الوقت نفسه هو تذكير بالتراث الإنساني الغني لمنطقة المشرق، الذي لا يمكن طمسه طالما نحن أحياء. وهذه فكرة الألبوم كله.. الاحتفال بالمشرق وتراثه الإنساني وتقديم هذا التراث بطريقة عصرية للأذن الحديثة.

■ كيف ترى وضع الموسيقى العربية اليوم من حيث الكلمة واللحن والتوزيع؟

□ الحقيقة أنني لا أؤمن بالنوستالجيا، ولا أحن لـ (زمن جميل) من الناحية الموسيقية. أرى أن هناك تراكما وكل جيل يستفيد من تجارب الذين سبقوه، وهناك بعض مما يتمسكون بالتراث ويصارعون للحفاظ عليه في كل مكان وزمان. يمكن أن المشرق العربي كان في أحوال اجتماعية وسياسية أكثر هدوءا، مما سمح للموسيقى والفن والثقافة أن تنتعش وتزدهر مرحلياً. ولكن بصراحة الماضي القريب هو المؤسس لهذا الخراب المعمم الذي نعيشه اليوم على مستوى السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، بطبيعة الحال. والعالم الموسيقي ليس محصناً أبداً من هذا الخراب والدمار الذي تصر الأجيال الأكبر على جعله قدر المشرق ومستقبله. من ناحية أخرى أرى أن العود تحديداً يعيش حالة انتعاش مذهلة اليوم، ليس فقط في البلاد العربية، بل على مستوى العالم أجمع. وأرى أيضاً أن عالمنا أضحى أصغر بكثير، مما يمكن التجارب الموسيقية المميزة أن تصل لآذان المهتمين. وهناك العديد من التجارب لموسيقيين عرب في البلاد العربية وخارجها مما تستحق المتابعة والاهتمام.

■ وما تداعيات الظروف الحالية لمعظم البلدان العربية على الموسيقى؟

□ كغيرها من الفنون والآداب، لا يمكن فصل الموسيقى عن الأوضاع العامة في بلادنا. تشهد سوريا مثلاً نزيفا مستمرا من الموارد البشرية والمواهب الفنية، كما نزفت العراق قبلها. الموسيقى في النهاية أحد منتجات الازدهار الحضاري، ولا ينطبق هذا على بلداننا العربية اليوم. هناك بعض الموسيقيين النشيطين في العالم العربي، ولكن لا يجدون الدعم المؤسساتي الكافي، ولكنهم يواصلون عملهم بمثابرة. وهناك أيضاً مجموعة من الموسيقيين العرب يعيشون الآن في المهجر حيث هناك موارد أكبر للعمل الثقافي وينشطون ضمن المتاح. في النهاية هذه المنطقة من العالم – المشرق العربي – غير محفزة على الإبداع وغير راعية له، وذلك انعكاساً للأوضاع العامة التي تشهدها. ولكن ما العمل سوى مقاومة هذه الأوضاع البائسة! لا بديل عن النشاط ضمن المتاح.

■ ما المطلوب لتغيير المعادلة الموسيقية الحالية في العالم العربي؟

□ أرى أن المطلوب لتحسين المعادلة الموسيقية بصراحة هو أولاً الاستماع: هو سعة صدر المستمع والراعي الموسيقي بتقبل كل التجارب الموسيقية، سواء كانت آلاتية أم غنائية، وتعلم الإنصات للموسيقي. نحن ما زلنا نعيش في أجواء تعتبر أن الموسيقى تعني الأغنية الصاخبة، وهذا ما يجب التغلب عليه، بالإضافة لذلك، لم ننشأ على مهارة الاستماع – لا للموسيقى، ولا للآراء، ولا لشيء. أتكلم هنا عمن يطلق عليهم النخبة، وليس العوام. يجب أن نتعلم أن نتكلم أقل وننصت أكثر، للموسيقي ولغيرها. تجربتي الشخصية هي أن هناك آذاناً صاغية عديدة في العالم العربي، تود أن تتجاوز الصخب، وكل ما قدمت موسيقتي لهذه الآذان لاقت استحساناً كبيراً. يجب علينا، نحن الموسيقيين، أن نضاعف جهودنا للوصول إلى هذه الآذان، ويجب على رعاة الموسيقى والثقافة ضخ المزيد من الموارد لإنتاج المزيد من الموسيقى بكل أنواعها. هذا استثمار في إنسانيتنا، سيثمر بصناعة إنسان أكثر وعياً ورقةً وحساسيةً ومتانة ثقافية.

(المصدر: القدس العربي)

Author: آدم جابر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *