الكاريكاتير وعبث الطبقة السياسية الفلسطينية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

يبدو أن انفصال الطبقة السياسية الفلسطينية عن الشعب الفلسطيني قد بلغ مرحلة اللاعودة. وسلوكها يستعصي على الاستيعاب والتحليل لافتقاره إلى أي منطق. ولا تقتصر مظاهره على الموضوع الذي يتناوله هذا المقال . فالبدء  به  تفرضه سخونة الحوار الفلسطيني حوله فقط، كي يتسنى  العودة  بالحوار الفلسطيني إلى الملفات الرئيسية الأهم، التي ينبغي أن تستأثر  مناقشتها  بجل الاهتمام الفلسطيني العام  في هذه المرحلة التاريخية الفارقة .

المعروف  أن فن الكاريكاتير على وجه الخصوص من فنون الرسم الساخر، لاعتماده المبالغة في  تحريف ملامح  ومميزات الأشخاص،  بهدف النقد بما يفوق  قدرة المقالات والتقارير .

والمألوف أنه يتناول الزعماء  وهم على قيد الحياة وفي عز سطوتهم . ذلك أن قيمة الكاريكاتير تكمن في قدرته على الجهربالحقائق عبر اختزالها في صور معبرة تحقق الغاية المنشودة .

والمؤكد أن معرض الكاريكاتير  المعنون ” ياسر عرفات وفلسطين ” ينطوي على فرادة فلسطينية.  وبالنظرلكونه غير مسبوق عالميا في تاريخ تخليد الزعماء الراحلين، فقد تعذر  على الشعب الفلسطيني فهم  دوافعه  وأسباب إقدام مؤسسة ياسر عرفات  تحديدا على تنظيمه. واستضافة متحف ياسر عرفات  لثلاث مئة  وخمسين لوحة شارك  بها  مئة فنان من ثلاثة وأربعين دولة حول العالم .

فالشعب الفلسطيني يعلم أن المؤسسات العامة  تعمل وفقا لأهداف محددة، وخطط  وبرامج عمل وموازنات تعتمدها مرجعياتها القيادية التشريعية والتنفيذية  قبل الشروع بالتنفيذ . 

ويعرف تماما أن تنظيم المعرض لم يتم خلسة. وأنه بالضرورة ليس جهدا فرديا وإنما هو نتاج جهد  جماعي دؤوب تواصل لمدة غير قصيرة ، منذ بدأ  بفكرة  حفزتها رؤية واضحة وأهداف محددة ، ووجدت استحسانا وقبولا من المسؤولين  المعنيين فتم إقرارها . ثم وجهت عمليات التخطيط  والإعداد والتنظيم  وتوجيه الدعوات  ومتابعة الرسامين وصولا إلى الجاهزية  للعرض . ثم الافتتاح الرسمي من قبل رئيس وزراء الحزب الحاكم وعضو لجنته المركزية .

ولهذا  كان غضب الشعب الفلسطيني على تنظيم المعرض  مباشرا وعفويا. وسابقا  للمحاولات  اللاحقة للتوظيف  السياسي للقوى والتنظيمات والأفراد. كل لأسبابه التي لا علاقة بها بغضب الشارع الفلسطيني، الذي رأى بالمعرض محاولة للمساس ليس  فقط برمزية  قائدهم الموثوق بوطنيته . وإنما  أساسا بالإرث النضالي الذي دفع حياته من أجل إحيائه بعدما تكشفت له خديعة أوسلو ، وسعى جاهدا لتصويب الخطيئة  بإحياء  نهج المقاومة ضد المستعمرة الصهيونية .

ولم يكن غضب الشعب الفلسطيني نتيجة جهل عموم الفلسطينيين بفن الكاريكاتير كما  يشيع أقطاب الطبقة السياسية الفلسطينية  المتغربة  العاجزة عن فهم نبض شعبها .  فقد عرفه عامة الفلسطينين وألفوه على يد فنانه الأشهر الشهيد ناجي العلي .الذي تمكن بحسه السياسي العميق من توحيد الشعب الفلسطيني على اختلاف مناطق تواجده وانتماءاته السياسية والعقائدية والطبقية وفئاته العمرية . وجعل حنظلة زعيما شعبيا وناطقا رسميا باسم الكل الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات . فبات تتبعه عادة يومية  للفلسطينيين وعموم العرب، للاحاطة بتطورات الوضع الفلسطيني الداخلية والخارجية . ومارس النقد البناء بمهنية وجرأة وجدية فاق تأثيرها الجماهيري تأثير كل أطياف المعارضة السياسية والحزبية .

ولأن الكاريكاتير فن  يرمي إلى إيصال الفكرة بطريقة سهلة لجميع القراء دون وسيط . فقد أكسبه ناجي العلي شعبية واسعة وقيمة مضاعفة. عبر توظيفه السياسي الهادف للتعريف بالظلم الكوني الواقع على الشعب الفلسطيني الذي ألحقه به الأعداء وذوي القربى على السواء من جهة .

ولعدم رضوخه من جهة أخرى للشعار الرائج ب “أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة “. ووعيه المبكر  بأن معركة التحرر  الوطني الداخلية والخارجية واحدة ،وبأن الانتصار فيهما متلازم . فلم  يأل جهدا للجهر  بالحق  والنقد  في حضرة القادة الكبار .

وعليه ، كان حريا بمؤسسة ياسر عرفات،  إن كانت تريد الاحتفاء بأبو  الوطنية الفلسطينية المعاصرة  ياسرعرفات عبر فن الكاريكاتير . أن تنظم معرضا  لكاريكاتير ناجي العلي . الذي امتلك شجاعة النقد في حضور  القائد الرمز. إذ كان يدرك – كما  عموم الشعب الفلسطيني- أن لا قداسة  لإنسان ، وأن لا أحدا  فوق المساءلة  من قبل الشعب الذي يمتلك حقا حصريا في منح الشرعية   المشروطة  للقادة ، وفي سحبها  عند إخلالهم  بها .

وكان سيلقى هذا  الاحتفاء  قبولا جمعيا فلسطينا يحسب لصالح مؤسسة ياسر عرفات ، التي يحرص الشعب الفلسطيني على إخراجها من دائرة الصراعات والتجاذبات  السياسية والحزبية والشخصية . ويعتبرها مؤسسة وطنية فلسطينية لتخليد ذكرى قائد وطني لعموم الشعب الفلسطيني وليس حكرا على تنظيم بعينه . يحظي بتقدير  شعبي عال لتميز دوره الوطني في استنهاض طاقات شعبه واستجماع  شتاته بعد النكبة الكبرى عام 1948 ، واستعادة هويته الوطنية الجامعة ، والحفاظ على تماسكه المجتمعي ،وحماية وحدة العمل الوطني الفلسطيني والحفاظ على تعدديته واحترام اختلافاته ، وتجنيبه الوقوع في شرك الانقسام  المدمر  . وعندما  خيّر بين الخضوع أو التغييب عن المشهد السياسي وحوصر في مقره المدمر، آثر الشهادة للحفاظ على شعلة الثورة متقدة .

ووفاء لذكراه ، ربما الأجدر بمؤسسة عرفات أن  تحشد الموارد وتوجه الجهود لإنجاز مراجعة نقدية جادة لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة ، تمكنها من بلورة مشروع نهضوي إنساني نقيض للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري  ومؤهل لهزيمته .

فقد كان هاجس عرفات الأكبر في حياته ، تجنيب الحركة الوطنية الفلسطينية انقطاع المراحل النضالية ،وإدامة  تواصل حلقاتها  لتمكين الشعب الفلسطيني  من بلوغ حقوقه الوطنية والتاريخية الثابتة غيرالقابلة للتصرف ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير .

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

1 thought on “الكاريكاتير وعبث الطبقة السياسية الفلسطينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *