القضية الفلسطينية في عالم عربي متغير: الخطوة الاماراتية في سياق تحولات النظام الاقليمي العربي

 

لا يمكن فهم خطوة الإمارات العربية المتحدة بالتوصل إلى إتفاق سلام مع إسرائيل أعلنه الرئيس الامريكي دونالد ترامب يوم ١٣ آب ٢٠٢٠، بدون تحليل التغيرات التي طرأت على النظام الاقليمي العربي منذ نشأته عام ١٩٤٥، ورؤية الانظمة العربية المتغيرة لأدوار الفواعل الاقليمية غير العربية فيه وهي تركيا وإيران وإسرائيل وإثيوبيا وتهديداتها عليها ، كنتيجة أيضا للتغيرات على طابع الصراعات البينية والتحالفات الدولية للأنظمة العربية ، هذا وقد ركزت دراسات أخرى على عناصر تفسيرية مختلفة لخطوة الامارات من منطلق الدولة الوطنية الهشة ( افضل تسميتها بانظمة التجزئة القطرية ) غير المبنية على أسس ديمقراطية ، وعلاقة التبعية مع الخارج التي تحتاجها هذه الانظمة لحفظ وجودها وبقائها ( غانم ، ٢٠٢٠)، وهي مداخل تقدم عناصر تفسيرية أيضا ولكنها ليست كاملة . من هنا تأتي هذه الورقة لتسلط الضوء على عامل النظام الاقليمي وتحولاته في ضوء ارتباطاته الدولية كعامل حاسم في تفسير ما جرى، بحيث تم الوصول إلى مرحلة نشأ فيها محور عربي- يتبنى اجندة عمل مناهضة لثلاثة مشاريع اقليمية أخرى في المنطقة هي كما سماها عبد المنعم سعيد: المشروع العثماني ، والتمدد الايراني ، والمشروع الاصولي الاسلامي المتطرف ( سعيد ، ٢٠٢٠)، وقد وجد هذا المشروع نفسه متطابقا في هذه الاجندة مع إسرائيل ، ومع امريكا، ودول أخرى كالهند والبرازيل وكوريا الجنوبية. أي أن الحديث يدور عن محور اقليمي – دولي وليس محور اقليمي وحسب.

تبدء هذه الورقة بمدخل نظري حول مفهوم الانظمة الاقليمية وأمثلتها العالمية ، بالتطرق أيضا للنظام الاقليمي الجديد قيد التكون الذي يضم لأول مرة في عداده دولة استيطانية استعمارية. يلي ذلك عرض موجز للتحولات على النظام الاقليمي العربي بمراحله الثلاث من المد القومي ، فالشرق اوسطية ، فالتفكك، وتغير النظرة إلى دور إسرائيل في المنطقة في هذه المراحل الثلاث، يتلو ذلك مناقشة لأثر الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي على النظام الاقليمي في ضوء نظريات التكامل والصراع الاقليمي وديناميكيات تأثيراتها المرتقبة على الطرفين ، الطرف الاستيطاني الاستعماري الاسرائيلي والطرف الاماراتي الكوسموبوليتاني المستهلك للحضارة لا منتجها، ويتساءل هذا القسم عما إذا سيترتب عن الاتفاق تحولا إسرائيليا أقل ايديولوجية وبالتالي أقل نزوعا للتوسع والاقتلاع والاحلال ومحدد الحدود بشكل نهائي. وفي النهاية ستقدم الورقة بعض الاستشرافات حول التحولات المقبلة للنظام الاقليمي العربي ، بما في ذلك حول المحور الجنيني الجديد الناشئ بين العراق ومصر والاردن وآفاقه ، وفي إطار ذلك تقدم بعض الاسئلة حول ماهية التغيير المطلوب في التوجه الفلسطيني إلى الانظمة العربية في وقت لم تعد فلسطين تمثل أولويتها الأولى.

مدخل نظري: بين النظام الاقليمي والنظام الاستيطاني الاستعماري

يحيل مصطلح ” النظام الاقليمي العربي ” المذكور في العنوان ، إلى الحقل المعرفي المسمى ” بالدراسات الاقليمية “، وهو نوع جديد نسبيا من الدراسات بادر إليه مفكرون من المدرستين الليبرالية الدولية، والليبرالية المؤسسية في حقل العلاقات الدولية يهتم بدراسة عمليات التكامل / أو عدم التكامل بين دول مختلفة على طريق تشكيل إقليم مندمج بينها بمعنى ( region)، عن طريق الاعتماد المتبادل المتماثل وغير المتماثل ، أو الفشل في ذلك. ويعود الهدف من تشكيل الاقليم إلى رغبة دوله في تحسين وضعها الدولي وحماية أمنها إقتصاديا وأمنيًا وسياسيا عن طريق تطوير مؤسسات إقليمية تعاونية مشتركة في هذه المجالات كافة( كوهيني وناي، ١٩٧٧). ولا تقوم التكتلات الاقليمية بمعزل عن الارتباطات الدولية لدولها، وهي ارتباطات متداخلة قد تسهل عملية تشكيل التكتل الاقليمي وقد تمنع ذلك ، كما أن لها دورا في خلق محاور وتحالفات جزئية داخل كل تكتل إقليمي ، عوضا عن ذلك هنالك جوانب التكامل وجوانب التنافس بين الدول المشاركة في كل تكتل اقليمي بما في ذلك التنافس على موقع دور الدولة المهيمنة على التكتل ، وهكذا. وترجع جذور فكرة الدراسات الاقليمية إلى تجربة التكامل الاوروبية التي بدأت ببينلوكس ثلاثي من هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ في اربعينيات القرن الماضي ، ثم بإتحاد للفحم والصلب في بداية خمسينيات القرن الماضي ، ثم إعلان سوق مشتركة عام ١٩٥٧ وانتهت بتكوين إتحاد أوروبي كامل تنسق دوله معا كافة سياساته الاقتصادية والسياسية والامنية ( ، سعيد ، ١٩٨٦، وميتراني ١٩٦٦).

يعود تشكيل الانظمة الاقليمية في الزمن المعاصر إذا إلى تجارب عديدة بعضها نجحت كتجربة تشكيل الاتحاد الاوروبي من ٢٨ دوله ( ٢٧ بعد انسحاب بريطانيا )، وبعضها نجح جزئيا كمجلس التعاون الخليجي الذي نشأ عام 1981 ولا زال مستمرا رغم التناقضات الداخلية بين الدول المنضوية فيه ، وبعضها فشلت كتجربة الوحدة المصرية السورية ١٩٥٨- ١٩٦١، والمجلس المغاربي الذي لم ير النور ،ومجلس التعاون العربي (1989) وكل محاولات الوحدة العربية التي لم تتجاوز تشكيل جامعة عربية منذ عام ١٩٤٥ تتخذ قرارات بالاجماع ، ولكنها في الوقت ذاته تحترم حق دول الجامعة في اتخاذ ما يناسبها من قرارات بما يضمن سيادتها الوطنية . أي أن الجامعة تتخذ قراراتها فيما تسمح لأعضائها بخرقها تحت راية السيادة الوطنية ، وهنالك العديد من التجارب العربية التي فشلت ايضا ، ما عدا مجلس التعاون الخليجي الذي تشكل ولكنه عانى من تمزقات لاحقا نتيجة للتمايزات في مواقف الدول المكونة له.

تعالج المدرسة اللبرالية الدولية ، والمدرسة الواقعية البنيوية كمدرستين في حقل العلاقات الدولية عمليات الاقلمة ونشوءالتكتلات الاقليمية من منظورات مختلفة ، ففيما تهتم النظرية الليبرالية الدولية بنزعة الدول الايجابية للتعاون والاعتماد المتبادل على بعضها البعض ، تنظر المدرسة الواقعية البنيوية بشك وريبة لعملية تشكيل أي تكتل إقليمي ، إذ ترى أن تكتلا من هذا النوع في حال نشوئه سيخضع لهيمنة الدولة الاكبر ، مما سيولد منافسة وصراع قوى مع الدول الاخرى داخل التكتل والتي ستجند كل منها قواها من أجل التفوق الوصول إلى مصاف الندية مع الدولة المهيمنة أو الحلول محلها.

ويتفرع عن المدرسة اللبرالية الدولية مقاربات متنوعة توردها نادية سعد الدين بشأن الاقلمة والتكامل الاقليمي ، فهنالك القائلون منها بالتوجه الفدرالي الوحدوي لتشكيل إقليم ( أميتاي إتزيوني )، والتوجه الانتقالي لتشكيله عبر الاعتماد المتبادل للبضائع والخدمات الاقتصادية والامنية وتشكيل مجتمع أمني ( كارل دويتش )، والتوجه الوظيفي عبر الدمج المتدرج للقطاعات من قبل قيادة تقنية وادارية مختصة كما جرى في حالة الاتحاد الاوروبي ( ديفيد ميتراني) ، او التوجه الوظيفي الجديد الذي يرى أن التكامل الاقليمي يتحقق من خلال مركب من الاعتمادات المتبادلة الاقتصادية والاجتماعية ، وكذلك من خلال مجموعات المصالح والقوى السياسية ( ايرنست هاس وجوزيف ناي )( سعد الدين ، ٢٠١٥، ص ٢٦-٢٧). وبشكل عام تهتم الليبرالية الدولية بتشكيل مؤسسات وآليات للإعتمادية المتبادلة إقتصاديا ، وإنشاء بنى أمنية متكاملة ، ومبادرات لحل النزاعات سلميا ، وتطوير سياسات خارجية موحدة ، كأسس لتشكيل تكتلات وعمليات تكامل إقليمية.

على عكس ذلك ترى المدرسة الواقعية البنيوية أن التكتلات الاقليمية تؤدي لإستفادة طرف على حساب الاطراف الاخرى المشاركة في التكتل ، كما أنها تجعل الدول الاضعف في التكتل تتبع الدول الاقوى داخله ، واضافة لذلك فإن الدول الاقوى تقوم أحيانا بتقديم أطروحات للتكامل الاقليمي لتغطية سعيها للهيمنة على الدول التي تطرح عليها هذا التكامل ( وولتز، ٢٠٠٠، ص . ١٤). وتضيف الواقعية البنيوية في هذا الاطار أن التكتل الاقليمي عندما يقام سيكون محط صراع بين الطرف المهيمن ، والطرف الطامح للهيمنة ، والثالث الساعي للمساومة ، والرابع الساعي للتوازن ( سعد الدين ، ٢٠١٥، ص . ٢٨).

تنطلق النظريتان أعلاه من رؤيتين مختلفتين للعالم ، فالاولى ترى أن العالم يتجه للتكامل وذلك رغم غياب وجود حكومة دولية ، أما الثانية فترى العالم متجها إلى مزيد من التشظي والتشرذم نتيجة لصراعات الدول التي لا تستطيع أي منها الثقة المطلقة بنوايا الدول الاخرى تجاهها وتهديداتها على وجودها. لهذا تتجه الدول وفق هذه النظرية لتقوية أنفسها وتسعى على الدوام لتغيير موازين القوى لصالحها ، ولهذا سيستمر صراعها مع الدول الاخرى إلى الأبد.

تغطي كل واحدة من النظريتين أعلاه جانبا من جوانب العلاقات بين الدول، فالتكامل والاعتمادية المتبادلة تستخدم في العلاقات بين الدول بحيث تكون اعتمادية متماثلة في بعض الحالات واعتمادية غير متماثلة في حالات أخرى ( كوهيني وناي ١٩٧٧)، وقد إزداد الاتجاه نحو الاقلمة وتشكيل التكتلات الاقليمية بعد إنهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة ، فمع هذا التحول لم يعد الغرب يدعم دولا معينة لشراء ولائها ضد الاتحاد السوفياتي إذ لم يعد هنالك ضرورة لذلك ، كما إنتهى مع هذا التحول العالم الثالث ، واصبحت دوله أكثر هشاشة سواء منها من كانت تعتمد على الدعم الغربي أو الدعم السوفياتي سابقا ، ولهذا يرى بوزان أن العالم يتجه بعد انتهاء الحرب الباردة إلى ” مستوى أعلى من الاقلمة ومستوى أدنى من العولمة “( بوزان واخرين ، ١٩٩٨، ص. ٤٣). ويرى بوزان أن الاحداث الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تسرع التوجه نحو إنشاء التكتلات الاقليمية ومن هذه الاحداث يعدد الهجوم الغربي على العراق ، ونشوء مجتمعات أمنية جامعة بين دول المركز في العالم ، مما ترك دول العالم الاخرى معرضة للتهديدات الامنية ، وانبثاق الصراع بين الغرب والاسلام محل الصراع السابق بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي ، ونمو أهمية الامن المجتمعي في ضوء التهديدات عليه داخل كل دوله ( بوزان ، نفس المصدر ، ص . ٤٣١و ٤٣٦). عوضا عن ذلك يعزز بيورن هتني رأي بوزان مشيرا أن ما الاقلمةإتخذت بعد انتهاء الحرب الباردة شكلا أوسع اطلق عليه إسم”wider regionalism “، بحيث لم تعد الاقلمة اقتصادية وأمنية فقط ، ولكنها باتت تشتمل أيضا على تكامل في الجانبين البيئي والسياسي ، واشكال تعاون وتبادل ثقافي (أودن وسودرباوم، ١٩٩٩، ص. ٢٣٢).

يطمح بوزان وهتني إلى نشوء تكتلات إقليمية بين دول الاطراف ( periphery )، تحررها من سطوة العولمة وقواها المتنفذة، ولكن الواقعية البنيوية تعيد هذا الطموح إلى الارض مرة أخرى ، وفي مزيج بين هذه المدرسة الاخيرة وبين اللبرالية الدولية يمكن القول أن هنالك ثلاثة نماذج عامة من الاقلمة : النموذج المندمج( integrative) ونموذج التفسخ ( disintegration ) عبر إنفصال وحدات من نظام إقليمي معين لتنضم إلى وحدات أخرى في نظام إقليمي جديد كجزء من عملية إعادة أقلمة ( Re- regionalization)، ونموذج التكامل او الاندماج الجزئي. وتسود علاقات تنافس ونزاع إلى جانب علاقات التكامل في كل من هذه الحالات، كما يتدخل العامل الدولي فيها من خلال علاقاته مع دولها مما يصب بدوره في ثلاثة نماذج من التفاعل بين النظام الاقليمي ودول العالم المهيمنة ، وهذه النماذج الثلاث هي : نموذج محللة العولمة( glacalization) والذي يخلق عمليتين متناقضتين تجريان معا داخل كل تكتل اقليمي : الاولى هي صيرورة فرض العولمة من قبل الدول المهيمنة في العالم على التكتل الاقليمي ودمجه قسريا في النظام العالمي ، والثانية تنتج عن الاولى بما يجعل النخب المتعولمة داخل التكتل الاقليمي تنعزل عن مجتمعها المحلي ولا تعبر عن حاجاته وآماله وتطلعاته مقابل تعبيرها عن مصالح الجهات العالمية التي ترتبط هذه النخب بها .

النموذج الثاني هو نموذج التشرذم الذي يصيب مجتمعات دول التكتل الاقليمي وهو تشرذم ذو صلة بالنموذج الأول إذ يشمل انفصال النخب عن شعوبها ، وفي المقابل تشتت هذه الشعوب ضمن ولاءات محلية متعددة غالبيتها ذات طابع عشائري وقبلي وعائلي وطائفي وجهوي وفئوي وزبائني كما في حالة الوطن العربي.

واخيرا النموذج الثالث هو نموذج الهرمية والتي يجري من خلالها جلب ثقافة العولمة إلى كل قرية وحارة وزقاق ومحاولة فرضها عليهم بدون إلتفات للثقافات المحلية ( إيوالد ، ١٩٩٩، ص. ٢١٨- ٢٢١).

تتخذ هذه النماذج طابعا أكثر تعقيدا حينما يتفسخ النظام الاقليمي العربي إلى عدة وحدات ، وتنبثق من داخله نظم إقليمية فرعية وعمليات إعادة تشكيل للإقليم بمشاركة قوى دولية كالولايات المتحدة الأمريكية ، وقوى فرضت من الخارج مثل دولة إسرائيل ككيان استيطاني استعماري اقتلاعي إحلالي ( صايغ ، ١٩٦٥، رودنسون ١٩٧٣، وحماد ١٩٨٢)، تم انشاؤه نتاجا لتقسيمات سايكس بيكو وتصريح بلفور عامي ١٩١٦ و ١٩١٧، بدون رضى من الشعب الفلسطيني والامة العربية عام ١٩٤٨، وتوسع عام ١٩٦٧ على كل فلسطين، والجولان السوري ، كما لا يزال يحتل الاراضي اللبنانية في مزارع شبعا وتلال كفار شوبا ، ويمارس الاعتداءات على سوريا ولبنان والعراق وإيران عبر الطيران والهجمات السيبرانية. ولعلم هذه الدراسة فإن تجارب التكامل الاقليمي على مستوى العالم كله تتم بين دول طبيعية بينها حالة سلام ، أما في المنطقة العربية فإنه يراد لهذه التجارب أن تتم في إطار الربط بين الانظمة العربية وبين نظام الاستيطان الاستعماري الصهيوني الذي لا زال بدون دستور يحدد حدود دولته ، ويتعامل بالتالي مع حدوده على أنها حدود مؤقتة قابلة للتوسع خارجها . فهل تنجح تطبيقات المدرسة اللبرالية الدولية في المنطقة في نزع الطابع الايديولوجي التوسعي عن هذا النظام وجعله يقبل بالإنكفاء وتحديد حدوده لينتقل من كيان إستيطاني استعماري إلى دولة عادية ؟ . هذا هو السؤال( سالم ، ٢٠٢٠) .

تمهد هذه المفاهيم النظرية الطريق لتحليل تطور النظام الاقليمي العربي ، والاتفاقية الامريكية الاسرائيلية الاماراتية ، وعلاقتها بالتشكل المتدرج لنظام إقليمي فرعي جديد بمشاركة إسرائيل تشرف عليه وتقوده الولايات المتحدة الامريكية ويمتد للتحالف مع قوى دولية أخرى كالهند والبرازيل وكوريا الجنوبية. وهذا ما ستفعله هذه الورقة في الاجزاء اللاحقة.

تحولات النظام الاقليمي العربي

أعدت منذ النصف الثاني من القرن الماضي دراسات عربية تتعلق بمحاولة اللحاق بالتجربة الاروبية من خلال إنشاء نظام إقليمي عربي وتحقيق التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري العربي ، وبرز في إطار ذلك عشرات الدراسات التي صدرت بهذا الخصوص سيما عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت( مثلا: سعيد ١٩٨٦، مطر وهلال ، ١٩٨٣، ابراهيم ، ١٩٨٥و ١٩٨١، ومجموعة مؤلفين ١٩٨٣، و ١٩٨٨، و ٢٠٠٠). كان ذلك كله في إطار التفكير بوحدة عربية على أساس وحدة التاريخ واللغة والجغرافيا والانتماء لأمة عربية واحدة تنصف الشعوب الاخرى التي تشكل جزءا من تاريخ المنطقة مثل الاكراد والامازيغ ، ولم تكن إسرائيل مطروحة لأن تكون جزءا من هذه الوحدة ، بل نظر إليها باعتبارها نبتا غربيا غريبا عن المنطقة ، استعماريا استيطانيا إحلاليا موظف للعدوان على المنطقة والتوسع فيها وادامة تفتيتها وتجزئتها خدمة للمصالح الغربية ومصالح إسرائيل أيضا ومنها إدامة السيطرة على مقدرات المنطقة وفي مقدمتها النفط. هذا وقد ظهر في هذه المرحلة بوادر الانتقال إلى قبول التعامل مع إسرائيل بدءا بموافقة الرئيس جمال عبد الناصر على مبادرة وزير الخارجية الامريكي آنذاك وليم روجرز عام ١٩٧٠ بوقف إطلاق النار تمهيدا لمفاوضات لاحقة على أساس قرار مجلس الامن٢٤٢،مرورا بمحادثات فك الارتباط بعد حرب اكتوبر عام ١٩٧٣، وما تلاها من مفاوضات إسرائيلية عربية في جنيف برعاية امريكية – سوفياتية ، والاعتراف العربي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في قمة الحزائر عام ١٩٧٤ وهو إنجاز فلسطيني ولكن العرب استغلوه كمبرر للبدء في التحلل من التزاماتهم تجاه فلسطين تحت عنوان ” قضية فلسطين تترك للفلسطينيين ليقرروا بها” ، وانتهاءا باتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٨على أساس مبدء الارض مقابل السلام ، وما تلاها من طرح مبادرة الملك فهد للسلام العربي مع إسرائيل مقابل إنسحابها من كل الاراضي العربية المحتلة عام ١٩٨١، والتي اقرت في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في فاس عام ١٩٨٢، ولاحقا اصبحت المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام ٢٠٠٢. هذا وقد قابلت اسرائيل مبادرة الملك فهد بقصف المفاعل النووي العراقي عام ١٩٨١، وفي عام ١٩٨٢ قامت بغزو لبنان وصولا إلى بيروت وتم طرد قوات الثورة الفلسطينية من لبنان بدون تضامن عربي عدا بيانات الدعم والاستنكار في كلتا الحالتين. كان هذا السلوك العربي مؤشرا لما سيليه من تراجع متدرج في التضامن مع القضية الفلسطينية ودعمها.

جاءت حرب الخليج الاولى لتنهي هذه ” الحقبة العربية ” بايجابياتها وسلبياتها ، مترافقة مع إنتهاء صراع المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وسيطرة الرأسمالية عالميا بما فسر على أنه ” نهاية التاريخ ” ( فوكاياما ،١٩٩٢)، أي حسمه من خلال تحقيق الانتصار المؤزر للرأسمالية ونظامها الديمقراطي الليبرالي عالميا. أنتج هذا التطور مشاريع عالمية للمنطقة ( ١٩٩١-٢٠١١) بدأت من أوروبا التي ارادت نسخ النموذج الاروربي للسلام والديمقراطية على المنطقة ، وفي استعادة لمشاريعها القديمة للشرقين الاوسط والأدنى في بداية القرن العشرين ، ولكن من خلال القوة الناعمة هذه المرة وبدون إحتلال عسكري وبشكل يتجاوز مشروع الوحدة العربية السابق ، ويشمل الدول العربية بدل ذلك في إطار أقاليم جديدة مثل المتوسطية التي تجمع دول المتوسط معا بما يشمل الدول العربية والدول الاوروبية المشاطئة للبحر الابيض المتوسط وإسرائيل ، أو الشرق اوسطية وشمال إفريقيا ( MENA) الشاملة لتركيا وايران وإسرائيل مع الدول العربية الاسيوية والافريقية. كانت هذه مشاريع أوروبية إذن تم تطويرها والتوجه بها للمنطقة بعد الحرب على العراق وما تلاها من عقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط عام ١٩٩١، وما لحقه من عقد مؤتمرات إقليمية شاركت بها إسرائيل في الرباط وعمان والقاهرة والمنامة والدوحة، ومن عقد المحادثات متعددة الاطراف في مجموعات عمل شاركت بها إسرائيل أيضا وشملت قضايا الأمن وضبط التسلح، والبيئة والمياه ، والتنمية الاقتصادية واللاجئين ( هلال ، ١٩٩٥، وقريع ٢٠٠٨)، وفي هذه الفترة قامت الاردن بتوقيع إتفاقية سلام مع إسرائيل عام ١٩٩٤، بعد توقيع إتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني الاسرائيلي عام ١٩٩٣ والذي حدد اجراءات ومراحل التفاوض للتوصل إلى اتفاق سلام فلسطيني إسرائيلي لم يتم التوصل إليه حتى اليوم ، وتلى ذلك فتح مكاتب تمثيل ورعاية مصالح لدول عربية عديدة في تل أبيب هي الامارات العربية المتحدة وعمان وقطر والمغرب وتونس ، واقامت موريتانيا علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل عام ١٩٩٩، وقطعت عام ٢٠٠٩ بعد الحرب الاسرائيلية على غزة آنذاك.

بعد هذه المشاريع الاوروبية ( انظر/ي تفاصيلها في الصفحة الالكترونية للاتحاد الاوروبي ، وفي دراسات : هوليس ، ٢٠١٠، الفتال ، ٢٠١٠، أيمت ٢٠١٠، ابوسيف ٢٠١١). جاء أيضا مشروع إدارة جورج بوش الابن للشرق الاوسط الكبير عام ٢٠٠٤ ليكون مشروعا للدمقرطة واحلال السلام ومكافحة الارهاب ، وأضيفت افغانستان والباكستان لهذا المشروع الجديد ، ( الشقاقي ٢٠٠٤)، فيما أخرجت منه إسرائيل على أعتبار أنها دولة ديمقراطية ولا تحتاج إلى تأهيل بهذا الاتجاه ، كما كان الافتراض أن دمقرطة الشرق الاوسط ستجعل دوله تطبع مع إسرائيل ” الديمقراطية ” انطلاقا من نظرية “السلام الديمقراطي” التي تقول أن الدول الديمقراطية لا تلجأ للحرب ضد بعضها البعض كأسلوب لحل منازعاتها( بويل ، ٢٠١٠)، وفي هذه الخلفية بقيت هنالك أيضا الرعاية الامريكية للعلاقات العربية التي كانت تتنامى بشكل سري ، سيما بين إسرائيل ودول الخليج.

كانت العلاقات الاسرائيلية الخليجية المباشرة ( غير المباشرة بدأت قبل ذلك كما تبين اعلاه )، قد بدأت في مرحلة الشرق أوسطية ومن خلال مؤتمراتها الاقليمية ولجانها المتعددة الاطراف ومكاتب الاتصال التي نشأت في تل ابيب، ولكن هذه العلاقات ظلت تتنامى سرا غالبا وعلنا أحيانا بعد وقف المحادثات متعددة الاطراف عام ١٩٩٦، وشهدت منعطفا بعد احتلال العراق عام ٢٠٠٣، حيث أدى تدمير العراق إلى ظهور نجم إيران التي باتت دول الخليج تنظر إليها على أنها التهديد الرئيس لأمنها. في إطار ذلك لم يكن صدفة أن اعلان مشروع الشرق الاوسط الكبير قد ترافق في نفس العام مع اعلان تحالف دول الخليج الامني مع حلف الاطلسي ( الناتو) في استنبول المسمى ب &39;، وهو الحلف الذي تتمتع إسرائيل بعلاقة خاصة معه. وقد شاركت الامارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين في المبادرة التي شملت التعاون العسكري ومكافحة الارهاب وانتشار اسلحة الدمار الشامل ولضمان أمن الطاقة ( كشك، ٢٠١٢، ص. ١٩) . هذا وقد بقيت السعودية وعمان خارج المبادرة حيث رأتا أن حل القضية الفلسطينية يجب أن يسبق أي تحالفات علنية لمعالجة أي تهديدات أخرى ، ولكن هاتين الدولتين عادتا للمشاركة في مؤتمر مبادرة استنبول الذي عقد في الكويت عام ٢٠١٩، مما يؤشر لتغير نسبي في مواقفهما حول الصراع ذو الاولوية في المنطقة، بحيث بات هنالك اليوم رؤى بشأن ” مستقبل مجلس التعاون الخليجي ، وبخاصة أن بعض هذه الرؤى تتسع لتشمل دولا خارج الاقليم الخليجي ، ومنها تركيا وإسرائيل ” ( كشك ، ٢٠١٢، ص. ٢٧).

شكلت بعض أحداث الربيع العربي في بداياتها عام ٢٠١١، هزة هددت الدول الخليجية سيما التحولات التي تمت في مصر حيث نجح الاخوان المسلمون في الانتخابات عام ٢٠١٢، وفي اليمن حيث توسعت سيطرة الحوثيين بدعم من إيران، هذا فيما دعمت دول الخليج الحراك لإسقاط النظام السوري الذي لم يكن متوافقا مع سياساتها. بدى إنتصار الاخوان في مصر وبروز قوتهم في تونس وليبيا وسيطرة الحوثيين على اليمن كتهديد لأنظمة الخليج التي راحت تتحسس رؤوسها قلقة حول متى سيأتي الدور عليها. ولهذا السبب قامت السعودية والامارات بوجه خاص بتمويل عملية إسقاط حكم الاخوان في مصر ، والتدخل في اليمن ، والمساهمة في الحرب في ليبيا لدعم الصف المعارض للاخوان، وكذلك التدخل في سوريا بطريقة لا تدعم الاخوان كبديل للنظام. ولإستكمال الصورة فقد تمخضت الصراعات التي نجمت عن الربيع العربي عن إنقسام خليجي داخلي ، حيث دعمت قطر الاخوان المسلمين ، فيما تحالفت ضدهم السعودية والامارات اللتين قامتا أيضا بمقاطعة قطر بمشاركة من مصر والبحرين معهما في ذلك.

نجم عن ذلك كله انتقال النظام الاقليمي العربي إلى مرحلة التفكك ، بما هي مرحلة تشظي وتشرذم كاملة، بحيث تفرقت دول الخليج ذاتها بين محاور اقليمية شتى ، ونشأت تشظيات داخلية في سوريا وليبيا واليمن والعراق ، ودولة داخل الدولة في لبنان من خلال نفوذ حزب الله المتزايد وسيطرته على الدولة، وسبقت فلسطين الكل بذلك حيث نشأ فيها الانقسام السياسي والجغرافي منذ حزيران ٢٠٠٧، بحيث يتحالف طرفا الانقسام مع محاور إقليمية متباينة.

خلقت حالة الانقسام والتفكك آثارا متعددة ، أولها هو جعل المنطقة العربية عرضة لتدخلات قوى اقليمية ثلاث هي تركيا وايران وإسرائيل ، بالاضافة إلى إثيوبيا كقوة صاعدة مهددة لمصر في موضوع سد النهضة ، وثانيها هو تغير الاولويات فيما يتعلق بالخطر الوجودي على دول الخليج ، بحيث صار لافتا أن التهديد الرئيس أصبح ينظر إليه ليس على أنه التهديد القادم من إسرائيل ، ولكن التهديد القادم من إيران وقواها في المنطقة مثل حزب الله والحوثيين ، ولاحقا من كتلة تركيا – قطر وقوى الاخوان التابعة لهما بمن في ذلك حماس في فلسطين.

ترتب عن هذا الأثر الثاني أثر ثالث يتعلق بفلسطين ، وهو إلقاء اللوم على الفلسطينيين بحيث بات ينظر إلى فلسطين وحركتها الوطنية على أنها حركة فاشلة ، وأنها تغطي على الممارسات المتطرفة لحركتي حماس والجهاد الاسلامي ، وأنها حركة غير قادرة على تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، كما يضاف أن الفلسطينيين لم يستشيروا العرب عندما وقعوا اتفاق أوسلو مع إسرائيل ، فلماذا يعيبون على العرب التوجه نحو إسرائيل ؟ وغير ذلك مما وصل إلى درجة الردح وأحيانا اتهام الفلسطينيين بأنهم المسؤولون عن ضياع بلادهم . تنطوي هذه القضايا على جزء صحيح ( كإنفراد الفلسطينيين بقضيتهم دون تنسيق كاف مع العرب ) وعلى أجزاء أخرى متناقضة ( مثل الدعوة لإنهاء الانقسام مع حماس مقابل معاداة حماس من جهة أخرى )، وكذلك على أجزاء غير صحيحة ( مثل إتهام الفلسطينيين بالفشل لتبرير إقدام العرب على التطبيع مع إسرائيل بتناقض مع المبادرة العربية للسلام لعام ٢٠٠٢ والتي تقول أن هذا التطبيع يأتي فقط بعد انسحاب إسرائيل من الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام ١٩٦٧وتحقيق حل عادل لقضية اللاجئين.

الاثر الرابع يتعلق بالعنصر الدولي، حيث ترتب عن ترتيب أولويات التهديد لدى دول الخليج واعتبارها على أنها إيران وتركيا وما يتبعهما من حركات غير دولانية ( كالحوثيين وحماس وحزب الله )… ترتب عن ذلك تحالف خليجي محدد مع الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، بوصفه الحزب الاكثر إتساقا مع هذه التوجهات الخليجية، بحيث باتت دول الخليج معنية بتقديم ما يؤدي إلى نجاح المرشحين الجمهوريين للانتخابات الامريكية، ومع انتقال الحزب الجمهوري إلى الاعتماد أكثر فأكثر على قاعدة إنتخابية افنجيلية تؤمن بجمع اليهود في فلسطين وتناصر الاتجاهات الاكثر يمينية وتطرفا في إسرائيل وتساند حقها في السيطرةعلى كل فلسطين ، بل وحتى توسعها نحو الاردن ودول عربية أخرى لاحقا .. مع هذا الانتقال تكون الدول الخليجية قد اصبحت جزءا من حلف يضم عناصر دولية واقليمية تشارك بها أيضا إسرائيل ضد حلف آخر أقل اتساقا في المواقف بين أعضائه هو حلف ايران تركيا والقوى غير الدولانية المرتبطة بهما . الحلف الاول له رأس عالمي يتمثل بقيادة أمريكية جمهورية ذات تحالفات مع دول أخرى من العالم مثل الهند والبرازيل في ظل بولسنارو وكوريا الجنوبية وتحيد روسيا في خضم حربها ضد العدو الصيني اللدود في سعيه للسيطرة على العالم عبر طريق الحرير المرتقب. أما المحور الثاني فليس له رأس عالمي حيث إذا حكم الديمقراطيون أمريكا فإنهم سيعودون للاتفاق النووي مع ايران ولكنهم لن يدعموا الحوثيين ولا حزب الله ، وسيحسنون العلاقة مع تركيا ولكنهم لن يساندوا حماس . في المقابل سيعيد الديمقراطيون الضغط ولو لفظيا على السعودية لكي تنصاع أكثر لمتطلبات حقوق الانسان وهو ما لن يمثل حدثا سعيدا للسعودية مثله مثل إعادة الالتزام الامريكي بالاتفاق النووي مع إيران . من جهة أخرى لا تستطيع لا روسيا ولا الصين أن يكون أي منهما رأسا دوليا لهذا التحالف الثاني نظرا لتركيزهما على سياسات تعتمد على المصالح وليس على الأخلاق والمبادئ مما يفسر علاقات كل منهما المتزايدة مع إسرائيل على سبيل المثال .

مع كل ما ورد أعلاه يظل المحوران الاقليميان المذكوران قادرين على إيذاء كل منهما للآخر . فتصور محور السعودية وحلفاؤها أن بإمكانهم تطوير توازن ردع ضد المحور الثاني بمشاركة أمريكا وإسرائيل وقوى أخرى مثل الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية هو تصور يواجهه قدرة المحور الثاني على خلخلة التوازنات نظرا لوجود قوى غير دولانية في محوره متحررة من المعايير التي تلتزم بها الدول في علاقاتها مع بعضها البعض ، كما أن هذا المحور يمكنه الاستفادة من التناقضات بين الجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا ، وتحقيق منافع من العلاقة مع روسيا والصين ضمن توظيف بعض تناقضات هاتين الاخيرتين مع الولايات المتحدة الامريكية لهذا الغرض.

وعليه ، بعكس النظرة السائدة لم يكن النظام الاقليمي العربي منذ نشأته عام ١٩٤٥ عندما تأسست الجامعة العربية مستقرا يوما بشأن فلسطين، بل كانت مواقفه منها خاضعة للتغير والتحول الدائمين .

على هذه الخلفية يمكن التمهيد لفهم الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي كجزء من عملية إعادة بناء للنظام الاقليمي ( Re- Regionalization )، كما سيبين القسم التالي.

إسرائيل في المنطقة العربية بين الرؤية العربية – الاماراتية وبين الرؤيةالاسرائيلية

كما تبين حتى الان فإن الانخراط الاسرائيلي في المنطقة العربية من خلال برامج التعاون الامني والاقتصادي مع الدول العربية قد بدأ منذ توقيع إتفاق أوسلو عام ١٩٩٣، ونضجت ثماره في السنوات الاخيرة حيث إنتقلت العلاقات الاقتصادية والامنية العربية مع إسرائيل من السر إلى العلن ، فكان مؤتمر وارسو الذي بادرت الولايات المتحدة لعقده عام ٢٠١٨ ليكون منصة للتعاون الامريكي -العربي – الاسرائيلي ضد إيران، وكان من اللافت جلوس وزير الخارجية اليمني إلى جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي على طاولة المؤتمر ، ثم كان مؤتمر البحرين الاقتصادي في حزيران ٢٠١٩ لعرض الجانب الاقتصادي من خطة القرن والتي حضر فيها ممن حضر ما يسمى بالغرفة التجارية ليهودا والسامرة والتي تشتمل على أصحاب أعمال من المستوطنين في الضفة وأصحاب أعمال فلسطينيين على رأسهم أشرف الجعبري المشترك في ادارة الغرفة التجارية المشتركة التي يقع مقرها في المستوطنة الاستيطانية الاستعمارية آرئيل في شمال الضفةالفلسطينية.

وكأن البحرين بقبولها مشاركة هذا الوفد قد قبلت الاعتراف بالمستوطنين المستعمرين في الضفة ، كما وإعترفت أن من يمثل القلسطينيين هم شركاؤهم الذين يساهمون في تنفيذ مشاريع مشتركة تقام داخل المستوطنات الاستعمارية في الضفة . بعد ذلك تم تأسيس منتدى غازشرق المتوسط بمبادرة مصرية عام ٢٠١٩ شاركت فيه إسرائيل واليونان وقبرص وايطاليا وفلسطين والاردن، وطلبت لاحقا فرنسا الالتحاق بعضويته وكذلك طلبت الولايات المتحدة المشاركة في إجتماعاته كعضو مراقب، ولم يدع للمشاركة في المنتدى لبنان وتركيا وهما من بلدان شرق المتوسط ، مما عنى أن المنتدى قد قرر المضي في عمله قبل حل مشكلة سيطرة إسرائيل على مواقع الغاز اللبنانية الواقعة ضمن الحدود البحرية اللبنانية من خلال شركة إيتمار ، كما عنى الدخول مسبقا في صدام مع تركيا بما في ذلك الصدام معها بشأن حقول الغاز المحيطة بشمال قبرص التي تسيطر عليها تركيا منذ عام ١٩٧٤. زد على ذلك أن المنتدى إنطلق بدون معالجة السرقة الاسرائيلية للغازالفلسطيني الموجود في بحر غزة ، وشاركت فلسطين في المنتدى رغم ذلك ، وستعود الورقة لهذا الموضوع في قسمها التالي.

تلى ما سبق حضور سفراء الامارات العربية المتحدة والبحرين وعمان حفل الاعلان عن صفقة القرن في البيت الابيض في كانون ثاني ٢٠٢٠، ثم الاعلان الاماراتي الاسرائيلي الامريكي المشترك في ١٣ آب ٢٠٢٠ الذي يسلم بالاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧،ويوافق على صفقة القرن الامريكية ، ويقبل بمجرد تعليق الضم القانوني فيما يغض النظر عن إستمرار الضم الفعلي الزاحف ، ويوافق على السيادة الاسرائيلية على القدس مقابل السماح للمواطنين الاماراتيين ” الذين يأتون بسلام ” للصلاة في المسجد الاقصى ( وليس الحرم الشريف كله ، مما أبقى الباب مفتوحا امام التقاسم مع إسرائيل بحيت يكون السجد الأقصى للمسلمين ، أما بقية الحرم الشريف فتكون لإسرائيل كما اضح داود كتاب ( كتاب، 2020) من خلال البوابة الاسرائيلية ( نص الاتفاق كما يرد في صفحة البيت الابيض ). وكان قد سبق كل ما تقدم زيارة نتنياهو لعمان عام ٢٠١٨، ولقاءه مع رئيس المجلس الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان في شباط من عام ٢٠٢٠، والزيارات المتكررة لوزراء اسرائيليين للإمارات خلال السنوات الاخيرة ،وتطوير التعاون التكنولوجي والاقتصادي والإستخباري الامني بين الامارات وإسرائيل بما شمل استخدام الامارات لتقنيات انتجتها شركة NSO الإسرائيلية لتعقب المعارضين من مواطنيها، وقد كتبت الصحف الاسرائيلية مطولا وبالتفاصيل عن تطور العلاقات الاماراتية الاسرائيلية سيما منذعام ٢٠٠٤ حين توفي الرئيس المؤسس للإمارات الشيخ زايد بن نهيان وحتى اليوم ( مقالات متعددة في جريدة هآرتس عام ٢٠٢٠ مثلا).

يبين ما تقدم أن مسار إنخراط إسرائيل في المنطقة ليس مسارا إماراتيًا فقط ، بل تشارك به دول عربية عديدة منها مصر والاردن المشاركتين في منتدى غاز شرق المتوسط، وعمان والسودان والبحرين علنا، والسعودية والمغرب وموريتانيا بشكل خفي ، ولعل هذا الامر هو ما يفسر وقوف هذه الدول ضد مشروع القرار الفلسطيني لإدانة تطبيع الامارات مع إسرائيل وإسقاطه من جدول الاعمال ( وقائع اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزارة الخارجية ٩/٩/ ٢٠٢٠).

تبرر الامارات العربية المتحدة إقامتها لعلاقات مع إسرائيل بأن ” المعاملات المباشرة هي الطريق لتليين مواقف إسرائيل بديلا للمقاطعة التي تم انتهاجها في السابق والتي لم تنجح “( مركزالامارات للسياسات ، آب وأيلول ٢٠٢٠)، ويعزز مركز الامارات هذا التسويغ بالعودة إلى النظريات الوظيفية والوظيفية الجديدة وللمفكر التشيكي كارل دويتش ، والتي تمت الاشارة إليها في القسم النظري من هذه الورقة ، وأشار المفكر المصري عبد المنعم سعيد والكاتبة المصرية داليا زيادة إلى نشوء أجندة عربية إسرائيلية ضد التمددين العثماني والايراني وضد قوى التطرف الاصولي ، وزاد سعيد أنه لا يجوز أن يكون للفلسطينيين حق فيتو على هذه الاجندة سيما في ظل فشلهم في إنهاء الانقسام الفلسطيني. ( سعيد ،٢٠٢٠، وزيادة ٢٠٢٠). ويزيد الأكاديمي الاردني زيد عيادات بأن الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي ليس” مجرد فرصة تكتيكية ، ولكنه اتفاق ذومنفعة استراتيجية للطرفين ” ، وهو يرى أن الاتفاق سيغير من توجهات اليمين الاسرائيلي ” بحيث يجعله يقتنع بأن هنالك ما يمكن أن يكسبه من العلاقة مع العالم العربي “( عيادات ،٢٠٢٠).

مقابل هذا المنظور الاماراتي – العربي المتفائل حول إمكانية كسر التوسع الاسرائيلي من خلال مد اليد للتعاون معه ، هنالك المنظور الاسرائيلي للعلاقة مع العالم العربي والذي مر بمرحلتين ،الاولى تم طرحها في زمن مشاريع الشرق اوسطية في تسعينيات القرن الماضي من قبل شمعون بيرس من حزب العمل والتي طرح فيها كذبا فكرة التنازلات الاقليمية التي لم يكن يرغب بتقديمها حقا، مقابل العلاقات العربية مع إسرائيل اقتصاديا وتكنولوجيا وثقافيا ( بمفهوم التكامل الاقليمي الموسع كما طرحه بيورن هتني وورد في القسم النظري أعلاه )، وسمى ذلك بيرس بالشرق الاوسط الجديد( بيرس، ١٩٩٣). أما الثانية فقد تم طرحها في زمن التفكك العربي في العقد الاخير وهي تقضي حسب نتنياهو زعيم الليكود بعقد اتفاقات سلام مع العرب بدون إنهاء الإحتلال للأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة، والفصل بين العرب والقضية الفلسطينية، ومحاربة السلطة الفلسطينية ، والتسويق للعالم بأن القضية القلسطينية ليست سببا لعزل إسرائيل عالميا ( محمد ، 2020) . ويستعيد نتنياهو من خلال هذا الطرح فكرة جابوتنسكي ل” سلام الردع ” التي طرحها عام ١٩٢٥ استنادا لإدعائه بأن العرب لا يمكن أن يقبلوا عقد اتفاقية سلام مع الصهيونية القادمة لاقتلاعهم من أرضهم، ولذلك ما على الصهيونية سوى أن تستمر في الاقتلاع ،فيما تقيم جدارا حديديا من

القوة الرادعة بما يمنع العرب من مجرد التفكير بمهاجمة الحركة الصهيونية ، وحينها فقط يصبح من الممكن أن يأتي العرب إلى الصهيونية صاغرين لإعلان قبولهم العلاقات معها على قاعدة التسليم بسيطرتها على أراضيهم( جابوتنسكي ، ١٩٢٥).

قدم وزير المواصلات الاسرائيلي الاسبق يسرائيل كاتس ( وزير المالية حاليا ) صيغة محدثة لنظرية الردع الجابوتنسكية عام ٢٠١٧ أكثر تفصيلا من صيغة نتنياهو، أطلق عليها اسم ” المفهوم الاقليمي ثلاثي الطبقات” وفيه يقترح كاتس أن يتم البدء بالتعاون الاقليمي الامني ضد ايران وداعش ، على أن يتلوه التعاون الاقليمي في مشاريع ” السلام الاقتصادي ” ( إسم للسلام البديل عن الانسحاب من الارض) وتشمل فيما تشمل مشاريع للنقل والمواصلات تربط قارات اسيا وافريقيا

واوروبا معا عبر إسرائيل واخيرا تأتي طبقة ( layer) السلام السياسي مع الفلسطينيين بعد تحقق الطبقتين الامنية والاقتصادية السابقتين(كاتس ، ٢٠١٧) . أي أن التطبيع الامني والاقتصادي مع العالم العربي يسبق تحقيق السلام مع الفلسطينيين. ويقدم في المقالة ذاتها مشروعه للسلام مع الفلسطينيين ممثلا بإقامة كيان في غزة يرتبط بميناء ومطار يقامان في جزيرة صناعية يتم إنشاؤها في بحرغزة وتشرف إسرائيل على

تفتيش ونقل البضائع منها واليها ( كاتس ، ٢٠١٧). وكان الوزير ذاته قد قدم مخططات لخطوط سكك حديد تنطلق من إسرائيل وتصل إلى السعودية عبر الاردن ، ومن السعودية تصل إلى بقية دول الخليج.

يشمل المشروع الاسرائيلي إذا أفكارًا للهيمنة الاقتصادية بحيث تكون اسرائيل وميناء حيفا الجاري توسيعه مركزا لنقل وتبادل البضائع بين قارات ثلاث وربط ميناء حيفا بكل دول الخليج من خلال خطوط سريعة للقطارات. وعوضا عن ذلك تطرح صفقة القرن في موادها جعل إسرائيل المنظم لسياحة الحج العربي والاسلامي إلى المسجد الاقصى من خلال محطة تقام في منطقة ” عطروت ” قرب بيت حنينا يتم فيها استقبال الحجيج بالتنسيق مع الأردن كما ورد في الصفقة ثم ينتقلون بباصات حديثة تعدها إسرائيل لذلك للصلاة في الاقصى ثم العودة . إضافة لذلك ترتب عن الاتفاقية الاماراتية الاسرائيلية أفكار لقيام الامارات بتمويل شركات إسرائيلية ، وكذلك فتح المجال أمام إستثمار شركات إسرائيلية في الامارات، هذا علما أن الناتج المحلي الاجمالي للامارات لعام ٢٠١٨ كان حوالي ٤١٤ بليون دولار ، فيما كان الناتج المحلي لإسرائيل في ذات العام حوالي٣٧٠ بليون دولار حسب معطيات البنك الدولي ( البنك الدولي )، أي أن

البلدين متقاربين نسبيا في الثروة ، ولكن إسرائيل ذات بنية انتاجية في مجالات التكنولوجيا العالية بما فيها تكنولوجيا التجسس والتعقب والإختراق للانظمة الالكترونية لتوجيه جيوش وأسلحة الدول الأخرى بما فيها الأسلحة النووية ، والألماس، والصناعات سيما العسكرية منها ، فيما الامارات ذات بنية استهلاكية وخدماتية اعلى ، مما سيترتب عنه منطقيا أن توجه المال الاماراتي للشراء من المصانع الانتاجية الاسرائيلية سيكون أعلى تكلفة من توجه الاسرائيليين للسياحة في الامارات وصرف أموالهم في مرافقها الاستهلاكية كالفنادق والمطاعم وأماكن الترفيه وفي المضاربات المالية والعقارات. وحسبما يستشف من الأجندة الوطنية ألإماراتية لعام 2012، وإستراتجيتها بشأن الثورة الصناعية الرابعة المنشورتان في ” البوابة الرسمية لحكومة الإمارات” ، فإن الحديث يدور حول ” جعل الإمارات مركزا لتطبيقات التورة الصناعية الرابعة” وليس مركزا لإنتاج منتوجات هذه الثورة من روبوتات وتكنولوجيات رقمية وفي مجالات الوراثة والتعديلات الجينية التي سيتم أستيرادها لتخدم في المجالات العسكرية والصحية وفي مجال المواصلات والنقل والادارة والتعليم ومجمل الإقتصاد . هذا فيما تستمر الإمارات في تطوير القطاعات الأقوى لديها من نفط وغاز 29.5 بالمئة من الإقتصاد ) والسياحة والنقل الجوي والعقارات بحيث تصبح الإمارات ” العاصمة الإقتصادية والسياحية والتجارية لأكثر من 2 مليار نسمة ” كما ورد في اجندة2021 (www.u.ae

تشترك إسرائيل والامارات في العداء لتركيا وايران وحزب الله وحماس والحوثيين ، وكلاهما مع امريكا يمثلون تحالف دولة استبدادية هي الامارات مع ديمقراطية غير ملبرلة ( illiberal democracy) وتميل للاستبداد وحكم الفرد هي أمريكا ، ومع ديمقراطية مستوطنين استعمارية يزداد إجرامها طرديا ضد الشعب الاصلي مع زيادة ديمقراطيتها الداخلية كما وصفها مايكل مان ( مان. ٢٠٠٥). وفي المقابل ستسعى

إسرائيل أن تكون الرقم الثاني في التحالف الامريكي – الاماراتي- الاسرائيلي ، وستحاول إقناع أمريكا بالحفاظ على تفوقها العسكري كقوة أولى في المنطقة ،وستحاول تقديم نفسها للإمارات

كحامية لها ولكن بدون ان تفعل ذلك حيث لاتحمي إسرائيل إلا نفسها، فيما ستبقي إسرائيل على التوسع في القدس والضفة بدون إعلان ، وتستمر في الاعتداءات على غزة ولبنان وسوريا ، هذه الاخيرة بدعم إماراتي نظرا لتوافق الطرفين ضد حماس وحزب الله وايران.

في المقابل ستحتاج الإمارات إلى المزيد من المنتجات العسكرية والأمنية الإسرائيلية لتلبية حاجاتها العسكرية لحروبها في ليبيا واليمن وسوريا ، ولحاجات قاعدتها العسكرية في جزيرة سقطرى اليمنية. ولكن قد تسعى الإمارات إلى محاولة تمثيل كونها الطرف الإقوى في العلاقة مع إسرائيل من خلال إدعائها بأنها تمثل إقتصادا أكبر من الإقتصاد الإسرائيلي، وسعيها لتجنيد إستثمارات في الإمارات من فلسطينيي الداخل ، حيث تشير الأنباء إلى نية الإمارات لفتح قنصلية إضافية في الناصرة أو حيفا أو كليهما من أجل التواصل مع الجمهور الفلسطيني فيهما . وقد تسعى الامارات إلى

الحصول على أسلحة نوعية موازية للقدرات العسكرية الاسرائيلية كطائرات ف ٣٥ التي يمكن أن تحصل عليها الامارات بموافقة اسرائيلية ، كما حصلت على طائرات ف ١٦ الامريكية عام ١٩٩٤ بموافقة من رئيس الوزراء الاسرائيلي أسحق رابين آنذاك ( زحالقة، 2020). مع ذلك يبقى على ما يبدو التفوق لإسرائيل التي ستوفر التقنيات العسكرية والأمنية للإمارات لمساعدتها في حروبها الإقليمية .

وبالنسبة للموضوع الفلسطيني لن تعتبره الامارات عقبة أمام استمرار العلاقات الاسرائيلية الاماراتية حتى لو قامت إسرائيل بالضم الرسمي كما ورد على لسان أكثر من مسؤول إماراتي، وعوضا عن ذلك توافق الامارات على هجمات اسرائيل على غزة بذريعة أنها هجمات على العدو المشترك لكليهما وهو حماس.

لم يلق الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي حماسة عالية في إسرائيل ، فعلى المستوى الشعبي كان هنالك فتور تجاه الاتفاق، كما أن مجلس المستوطنات ( يشع) في الضفة الغربية قد ندد باشتمال الاتفاق على تعليق عملية الضم الرسمي ( بيان مجلس يشع ، ٢٠٢٠) ، وعلق البروفيسور مردخاي كيدار أن ” إسرائيل لا تريد السلام مع العرب الفاشلين”( موطني نيوز ، شباط ، ٢٠٢٠)، وذهب صحافي جريدة يديعوت احرونوت ناحوم بارنياع إلى أن إسرائيل الديمقراطية ستتفادى إقامة علاقات وثيقة مع دولة إستبدادية كالأمارات العربية المتحدة ( برنياع ، الايام ، ايلول ٢٠٢٠)، والعجيب ان برنياع يعتبر إسرائيل ديمقراطية فيما هي ليست إلا ديمقراطية مستوطنين مستعمرين مجرمة ضد الآخر ونظام حكمها فاسد مما يجعلها لا تتورع عن التحالف مع انظمة إستبداد وفساد كالإمارات العربية المتحدة.

مما تقدم يتبين أن الخروقات للاتفاق ستأتي غالبا من طرف إسرائيل ، ولكن كما عودتها الاردن ومصر على إتخاذ إجراءات مثل سحب السفير مؤقتا عند قيام إسرائيل بخطوة دراماتيكية ضدالشعب الفلسطيني ، ثم إعادته

لاحقا ، فإن الامارات قد تسلك نفس الطريق ، أو حتى أنها لن تعبء تجاه أي أمر تقوم به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني إنطلاقا من مقولتها أن السلام سيكون دافئا مع إسرائيل وليس على غرار السلام البارد السابق مع الاردن ومصر.

يترتب عن كل ما تقدم ، نشوء خطاب عربي جديد تشترك به غالبية دول الخليج وحلفاؤها من القوى الشعبية في اليمن وليبيا والسودان والعراق ، ودولة وموريتانيا، وتشترك به لدرجة معينة مصر والمغرب ، يعطي الاولوية للتناقض مع تركيا وايران والقوى الاصولية على التناقض مع إسرائيل ، ويتحالف مع إسرائيل . مع خطوة الامارات أدى نشوء هذا الخطاب العربي الجديد إلى إنتهاء الاجماع العربي السابق على أولوية حل القضية الفلسطينية قبل أي تطبيع رسمي مع إسرائيل، لذا ستصبح الجامعة العربية إطارا شكلانيا مجوفا، وستزداد شللا عما كانت عليه حيث لم تستطع تنفيذ أهدافها في إنشاء سوق عربية مشتركة ولا تمكنت من تنفيذ معاهدة الدفاع العربي المشترك ولو لمرة واحدة ،وسيفتح الباب أمام نشوء أجسام

جديدة تشارك بها إسرائيل بدأت بمنتدى الغاز لشرق المتوسط ،وقد تستمر لتشمل عضوية ما لإسرائيل في مجلس التعاون

الخليجي كما أورد كشك اعلاه ،وربما إنشاء جامعة شرق أوسطية بديلة عن الجامعة

العربية كما دعا لذلك شمعون بيرس ( بيرس، ١٩٩٣). وكذلك انخراط دول عربية أخرى في التطبيع مع إسرائيل في الزمن

القريب .

دوليا ستزداد الدول الافريقية والاسيوية والاسلامية التي ترغب بإقامة علاقات مع إسرائيل ظنا منها أن ذلك قد يؤدي إلى فتح أبواب البيت الابيض أمامها. كذلك ستخف الضغوط الاوروبية على إسرائيل لوقف الضم الزاحف الجاري بصمت وكل يوم بعد أن علقت إسرائيل ترسيم الضم، وفي المقابل ستزيد أوروبا الضغط على الجانب الفلسطيني للعودة للمفاوضات ، أو العودة على الأقل عن قرارات التحلل من الاتفاقيات مع إسرائيل التي صدرت يوم ١٩ أيار ٢٠٢٠، وذلك بذريعة أن إسرائيل قد علقت الضم وإن لم تلغه رسميا.

بالإجمال فإن الإتفاق الأماراتي الإسرائيلي قد أماط اللثام عن تكتل إقليمي لدول عربية مع كيان إستيطاني إستعماري بدون أن يتنازل هذا الكيان مسبقا عن احتلاله وتوجهاته الإقتلاعية الإحلالية، وهذه هي السابقة الوحيدة من نوعها في تاريخ التكتلات الإقليمية في العالم، إذ تقوم التكتلات الإقليمية بين دول طبيعية ويسود بينها السلام

فلسطين : استشراف المستقبل في العلاقة مع العالم العربي

خاضت الجيوش العربية حربا واحدة من أجل فلسطين هي حرب عام ١٩٤٨ حينما كانت الدول العربية خاضعة للاستعمار ، أو خرجت حديثا من ربقته، وكانت تلك الحرب الفاشلة رغم البطولات الفردية أول امتحان فشلت به الجامعة العربية ولما يمض ثلاثة سنوات على تأسيسها. ومن النقاط المضيئة الواجب ذكرها بطولات عناصر الجيش الاردني الذي ذادوا بقوة عن حمى القدس وحالوا دون وقوع البلدة القديمة ومقدساتها تحت سيطرة العصابات الصهيونية آنذاك ، كما كانت هنالك البطولات المصرية في حرب الفالوجة ( كريات غات حاليا) ، وغيرها من البطولات هنا وهناك .

وفيما بادرت الجيوش العربية لحرب ١٩٤٨ ، فإن مصر وسوريا والاردن قد خضعت للعدوان الاسزائيلي عام ١٩٦٧، حيث بادر كيانه للحرب على الدول العربية الثلاث المذكورة ولما يمض أكثر من تسعة عشر عاما على تأسيسه ، وبدلا من أن تحرر الدول العربية أجزاءا من فلسطين فقدت بقيتها في حرب ١٩٦٧، كما تم احتلال الجولان وسيناء، وكان لمصر أن تستعيد سيناء في حرب أكتوبر ١٩٧٣، فيما استعادت سوريا القنيطرة وبقيت غالبية اراضي الجولان محتلة . وكانت حرب ١٩٧٣ آخر حروب الجيوش النظامية العربية ضد إسرائيل. وعليه فقد فشل العالم العربي في تحرير فلسطين ، بل وانكفأ منذ ما بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ نحو الاعتراف باسرائيل بالتدريج وصولا لإقامة علاقات رسمية معها باتت تتدحرج اليوم لتشمل توجه القسم الاكبر من الدول العربية بهذا الاتجاه.

عوضا عما تقدم لم يكن النظام العربي منسجما يوما ، فقد أدار العراق الملكي الظهر للرئيس جمال عبد الناصر بالتعاون مع الاردن حتى عام ١٩٥٨، حين تم اسقاط النظام الملكي في العراق على يد عبد الكريم قاسم ، وقامت الوحدة المصرية السورية التي لم يقيض لها الاستمرار ما بعد سنواتها الثلاث من ١٩٥٨- ١٩٦١، كما ناصبت دول الخليج عبد الناصر العداء. وكانت أفضل فترة على النظام العربي هي تلك الواقعة بين عام ١٩٦٧ ل ١٩٨٠ وشملت مقاطعة مصر لتوقيعها على اتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨. ولكن هذه الفترة انتهت مع نشوب الحرب العراقية الايرانية عام ١٩٨٠ التي دامت لمدة ثماني سنوات استنزفت خلالها موارد البلدين ، وتشكل مجلس التعاون الخليجي عام ١٩٨١ مما شكل انقساما عن الصف العربي الموحد ، وردا على مجلس التعاون الخليجي حاولت مصر والاردن والعراق واليمن تشكيل مجلس التعاون العربي كمجلس مفتوح لكل الدول العربية في شباط ١٩٨٩، ولكنه سرعان ما انهار بعد اجتياح العراق للكويت في آب ١٩٩٠، وما ترتب عن ذلك من مشاركة قوات عربية في التحالف الدولي لتحرير الكويت

بدون إسهاب أكثر في تفاصيل ما بعد ١٩٩٠، فإن الحقيقة التي تم إبرازها أن العالم العربي لم يكن يوما موحدا في تاريخه المعاصر ، كما أن تحرير فلسطين كان خارج اجندته المكتظة بالصراعات البينية غالبية الاوقات. وإذ أن هذه الحقيقة كانت مستورة تحت ظلال من البيانات الخشبية في دعم فلسطين كانت تصدر عن مختلف مؤتمرات القمة العربية ، فلعلها تكون فرصة لفلسطين أن هذا الستار من البيانات قد سقط بعد أن كشفت أنظمة العرب أجندتها ابتداءا من مؤتمر وارسو عام ٢٠١٨، ومرورا بمؤتمر البحرين عام ٢٠١٩، واستقبالات نتنياهو ووزراء حكومته في الامارات وعمان ، وحضور سفراء عرب حفل الاعلان عن صفقة القرن ، وهكذا . فلعل هذه التطورات تصبح فرصة لفلسطين ، إذ كانت تجري تحت ستار من السرية سابقا ، قبل أن يماط اللثام عنها جليا في السنوات الثلاث الاخيرة.

وفيما استمر العرب في صراعاتهم البينية ، كان الجزء الباقي من فلسطين يتم إحتلاله عام 1967، وفي عام ١٩٧٨ صدر الامر العسكري الاسرائيلي رقم ٧٥٣ الذي إقتطع ٤٢ بالمئة من اراضي الضفة للمستوطنات الاستعمارية ، وفي عام ١٩٩٥ حصلت إسرائيل عبر اتفاق اوسلو 2 على بقاء سيطرتها لفترة مؤقتة على ٦٢ بالمئة من الضفة هي المنطقة ج وذلك لفترة مؤقتة إلى حين التوصل إلى حل سياسي ، ولكن هذه الفترة الموقتة استمرت حتى اليوم ، حيث بات يسكن في المنطقة ج أغلبية سكانية إسرائيلية وتحول الفلسطينيون إلى أقلية فيها . أما القدس الشرقية فتم إعلانها جزءا من إسرائيل عام ١٩٦٧، وطرح مشروع ” القدس الموحدة” كعاصمة لإسرائيل ، ويجري العمل اليوم على قدم وساق لتحقيق مشروع القدس الكبرى التي ستصل جنوبا إلى مشارف الخليل ، وشرقا إلى البحر الميت ، وشمالا حتى مستعمرة شيلو في منتصف الطريق إلى نابلس ( تقارير عير عميم السنوية والدورية ٢٠١٦- ٢٠٢٠) .

تقول هذه الوقائع أن المشروع الاسرائيلي هو مشروع استيطاني إستعماري اقتلاعي إحلالي توسعي ، أجهز على ٧٨ بالمئة من اراضي فلسطين عام ١٩٤٨، ويقوم بالاجهاز على بقية فلسطين بعد احتلالها عام ١٩٦٧، والسؤال الذي ينتصب هو ماذا سيكون بعد هذا الاجهاز ؟

تلمح التطورات بعد توقيع الاتفاق مع الامارات على الاتجاه العام بشأن الاجابة على هذا السؤال ، فقد نجم عن الاتفاق زيادة في حجم معسكر الاحزاب اليمينية المتطرفة بحيث بات بإمكانها الحصول على٦٥- ٦٦ مقعدا في الكنيست حسب استطلاعات الرأي الاخيرة وذلك حتى بدون حزب يسرائيل بيتينو اليميني الذي يقوده أفيغدور ليبرمان. ولكن الاستطلاعات ذاتها تشير أن عدد المقاعد لليكود ضمن التحالف اليميني المتطرف ستهبط إلى ما بين ٢٧- ٢٩ مقعدا ، فيما زادت مقاعد حزب المستوطنين بقيادة نفتالي بينيت إلى ٢١ مقعدا وذلك كعقوبة لنتنياهو على تعليقه لتنفيذ ترسيم قرار الضم بعد اتفاقه مع الامارات. من هذه النتائج يتبين أمران ؛ الاول أن ايديولوجيا التوسع لا زالت لها الاولوية في إسرائيل بعض النظر عن الاتفاقات مع العالم العربي التي لا يمكن أن تفرملها ، فاتفاقيات السلام السابقة مع مصر والاردن ، واتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية لم تمنع التوسع الاستيطاني الاستعماري الذي تضاعف ثمانية مرات على الاقل منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى اليوم. الامر الثاني : أن الانتخابات الاسرائيلية القادمة قد تنجح أحزابا على يمين الليكود لا تطمح فقط لترسيم الضم ، بل وقد تطمح إلى تنفيذ إجراءات واسعة من الترحيل الداخلي مثل طرد فلسطينيي الخان الاحمر والغور إلى مناطق أخرى داخل فلسطين . أما بشأن المصير النهائي لعموم فلسطينيي الضفة فسيتراوح موقف هذا التيار بين إستئصال فلسطينيتهم عبر فرض الجنسية الاسرائيلية عليهم ( موقف رئيس الدولة ريفلين وبعض الوزراء في الليكود ، ومن حزب يمينا )، أو إسئصالهم من أرضهم عبر طردهم ( موقف بتسلئيل سموتريتش وأقطاب أخرى من حزبي البيت اليهودي والاتحاد القومي المنضويين في حزب يمينا، إضافة لموقف حزب عوتسما يهوديت وحزب زيهوت المحلول ).

لن تحرك هذه التطورات ساكنا لدى الانظمة العربية عدا الاردن المسكون دائما بهاجس الوطن البديل للفلسطينيين على حساب الاردن ، سيما وأن هنالك أصوات باتت تتعالى في إسرائيل بهذا الاتجاه عبرت عن نفسها بشكل مبكر في مؤتمر عقد في القدس عام 2017 ناقش طرق استبدال النظام الاردني وترحيل الفلسطينيين إلى هناك( بيلمان ، 2017). وفي العالم العربي اليوم هنالك تكتلات أقواها هو مجلس التعاون الخليجي المنقسم على نفسه ، والذي كان سيتوسع عام 2011 ليشمل الأردن والمغرب ، ثم عاد لينكفئ على نفسه ولكنه وجد مصلحته في التوجه نحو إسرائيل ، جاذبا معه دولا وقوى يدعمها في كل من مصروموريتانيا والسودان والمغرب وليبيا واليمن . يعمل بموازاة مجلس التعاون تكتل جديد غض غير متناقض مع المجلس بإسم ” المشرق الجديد” ويشمل العراق ومصر والاردن ( إنظر/ ي أدناه) . ما عدى ذلك هنالك تكتل الممانعة كما يسمى وهو تكتل بات ممزقا ومحاصرا بين فلك تركيا أو أيران.

مع كل هذه الافاق التي تبدو كالحة ، قد يكون هنالك فرص للشعب الفلسطيني إذا ما أحسن استثمارها في ظل الوضع العربي الجديد الذي لم يعد الخطاب الفلسطيني القديم يصلح معه . لقد كان للخطوة الاماراتية وقع الصاعقة على رؤوس الحركة السياسية الفلسطينية التي أصدرت بيانات تنديد وشجب واستنكار وتخوين ، ثم ذهبت بعد ذلك إلى اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية لنطالب بإدانة الخطوة الاماراتية فووجهت بحائط صلد أصم أسقط المشروع الفلسطيني لأول مرة حيث كانت فلسطين وقضاياها محط إجماع عربي بياناتي في السابق ، ولكنها باتت اليوم المشكلة التي يتوجب مداراتها وصدها واحتواؤها لكي يمضي العرب فيما هم عازمون عليه.

تبدو الفرص القائمة أمام فلسطين في التعامل مع العالم العربي اليوم بايجاز كما يلي:

⁃ العودة أولا إلى أنفسنا لمراجعة الأخطاء وتقويمها ، بدءا من أخطاء أوسلو بتأجيل مواضيع القدس والمستوطنات واللاجئين لمفاوضات المرحلة النهائية ، قبل أن نطلب من العرب أن لا يطبعوا مع إسرائيل إلا إذا حلت هذه القضايا . مراجعة المطالبة الفلسطينية للعرب بزيارة القدس للصلاة والسياحة بالتنسيق مع القيادة الفلسطينية ، وفي عام 2014 بدأت فلسطين الترتيب مع الكويت لجلب حجاجها إلى القدس عبر مطار عمان ومنها عبر جسر الملك حسين برا نحو القدس، وذلك بتنسيق ذلك كله مع فلسطين بعد أن زار وزير الخارجية الكويتي رام الله حينذاك وعرج منها للصلاة في السجد الأقصى في القدس ، ولكن في المقابل غضت فلسطين النظر عن قدوم الاتراك عبر مطار تل ابيب لزيارة الاقصى والصلاة فيه بدون تنسيق معها . يجب توحيد المعايير هنا والتوجه للاتراك ولكل العرب ولكل المسلمين والمسيحيين في جميع أنحاء العالم ومنهم الامارات لتنسيق القدوم إلى القدس مع فلسطين ، وبهكذا مبادرة يمكن إبطال فتيل هذه القضية ، ولأن تعطي انفسنا دورا تنظيميا في هذا الموضوع بحيث يقيم العرب والمسلمون والمسيحيون من كل أنحاء العالم في فنادق المدينة العربية وفي مناطق السلطة الوطنية لا في إسرائيل مما يدر دخلا ماليا عليها أيضا، ويحفظ الدور السياسي المبادر لفلسطين في هذا الموضوع بالتنسيق مع الأردن . وفي مجال مسؤولية هنالك أيضا مشاركتها في منتدى غاز شرق المتوسط، حيث فعلت ذلك لكي تعالج مسألة ضخ غاز بحر غزة المستصعصية ، ولكنها بذلك فتحت الباب أمام نموذج تكامل إقليمي مع إسرائيل أعطاها الاولوية في توقيع عقود غاز طويلة المدى وبعشرات المليارات من الدولارات مع فلسطين ومع كل من الاردن ومصر.

⁃ رغم انقسامات الانظمة العربية وصراعاتها البينية فقد فرضت الثورة الفلسطينية نفسها على العرب بكفاحها ، وجاء اعترافهم بمنظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٧٤ تتويجا لهذا الكفاح. لذا فإن الخطوة الاهم هي العودة لاشعال الكفاح الوطني وتركيم إنجازاته بما يعيد لفلسطين هيبتها التي تم هدرها عربيا بسبب الإنقسام وتراجع الكفاح الفلسطيني.

⁃ ربما يجدر أن تقيم فلسطين منتدى دائما للحوار مع دول الخليج قد تدعو الاردن ومصر أيضا للمشاركة فيه ، بحيث يكون هذا المنتدى مكانا لحوار جدي وصبور تطرح من خلاله تجربة فلسطين المرة في التفاوض مع إسرائيل لكي يتعلم منها العرب ، وكذلك تطرح من خلاله رؤى فلسطين لكيفية حل المشكلات العربية مع تركيا وايران، بحيث لا يكون الطرح ” انانيا ” حول مشكلة فلسطين وحسب ، كما ربما من المناسب الانخراط في تقديم مبادرات فلسطينية لايران وتركيا حول كيفية تقليص تدخلاتهما المنفردة في المنطقة بدلا من اعتماد الحوار مع انظمتها وشعوبها.وبهذا تعود فلسطين إلى امتلاك زمام المبادرة وتظهر فعليا للعرب والدول الاسلامية إهتمامها بقضاياهم وحرصها عليها وليس على قضية فلسطين فقط.

⁃ ربما من المناسب الانضواء في مشروع الشام الجديد ، أو المشرق الجديد الذي بادرت له العراق والاردن ومصر وعقد اجتماعان له في مصر ونيويورك عام ٢٠١٩، ثم اجتماع في عمان في آب ٢٠٢٠ تمخض عنه خطوة أولى نحو المأسسة تضمنت إنشاء سكرتاريا يستضيفها كل بلد لمدة عام على أن تستضيف الاردن السكرتاريا للعام الاول . ويحظى هذا التكتل الفرعي الغض بدعم امريكي حيث أنه قد يساهم في تعزيز تبادلات العراق مع مصر والاردن بدلا من إيران وتوريد نفطها عبر ميناء العقبة بدلا من مضيق هرمز المسيطر عليه من ايران ، كما يحظى هذا التكتل برضى خليجي عنه من أجل إحتواء العراق خارج التأثير الايراني. كما ان إيران ليست حساسة من توجه العراق للاردن ومصر كحساسيتها لتوجه العراق لدول الخليج . ولهذا كله يمكن لفلسطين عبر الانضواءفي هذا التكتل العمل معه لتحقيق تفاهمات مع دول الخليج عبر مصر والاردن ، وافريقيا والمغرب العربي عبر مصر ، وسوريا ولبنان بجهد منا ومن الاردن معا . أي أن هذا التكتل الثلاثي يمكن أن يكون مدخل فلسطين الاضافي لكل الدول العربية زيادة على تفاعلها الثنائي مع تلك الدول.

⁃ ربما أيضا من المناسب جلب القطاع الخاص الفلسطينيي ليطرح مبادرات اقتصادية مشتركة مع العالم العربي ، بحيث يتم تجاوز مسألة أن مطالبة العرب بمساعدة فلسطين والعطف علينا بتوفير مظلة أمان بمئة مليون دولار شهريا . أي أن تنتقل فلسطين من خطاب التسول إلى خطاب المصالح المشتركة.

⁃ عدم الاعتماد على الجامعة العربية فقط التي كانت ولا زالت مؤسسة شلل وعدم فعالية تجاه فلسطين ، وذلك بدون الانسحاب من الجامعة وعدم مطالبتها بما لا تقدر عليه ، وفي الوقت ذاته تفعيل الاليات المقترحة اعلاه مضافا إليها ما تقوم به فلسطين من توجه للبرلمانات والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني العربية.

⁃ التوجه إلى الدول الاسلامية الاقرب لفلسطين كماليزيا والباكستان واندونيسيا وتطوير مواقف مشتركة معها تجاه كل قضية أولا باول وللتأثير على دول الخليج

⁃ بالنسبة للعودة للتفاوض مع إسرائيل والذي سيكون عدميا وهداما فيما لو عادت فلسطين له من جديد نظرا للتجارب السابقة ، فإن فلسطين محظوظة هنا أن أمريكا ترفض عقد أي مفاوضات لا تستند لصفقة القرن ، وهذا ما يجعل استئناف المفاوضات مستحيلا. كما أن إسرائيل لا زالت ترفض التراجع رسميا عن قرارات ترسيم الضم ، وهو ما ينبغي أن يمنع العودة عن قرارات التحلل من الاتفاقيات مع الاحتلال التي إتخذت في ١٩ أيار ٢٠٢٠.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *