القدس في صفقة القرن ، تحليل وبدائل

بقلم : د. وليد سالم

مدخل

يعالج هذا البحث وضع القدس في إطار ” رؤية السلام من أجل الازدهار ” ، والمعروفة بإسم صفقة القرن والتي أعلن عنها في البيت الأبيض بواشنطن يوم ٢٨ كانون ثاني ٢٠٢٠ من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبحضور رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو.

تحلل الدراسة  ما أتت عليه الخطة بشأن القدس، ثم تأتي بعد ذلك إلى تحليل انعكاسات بنود الصفقة على القدس، وعلى بقية فلسطين ، وأخيرا تقترح بعض البدائل لمواجهة تداعيات صفقة القرن على القدس بشكل خاص وعلى فلسطين بشكل عام.

صفقة القرن والقدس

ضمن صفحاتها ال ١٨١ الصادرة عن البيت الأبيض باللغة الانجليزية ، تعالج صفقة القرن موضوع القدس في قسم “المقاربة” ( ص.٩)  ، وقسم ” رؤية للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين والمنطقة: القسم الخامس ( ص. ١٤-١٩). وفي القسمين تتعامل الصفقة مع القدس من منطلق ديني أساسًا ، وذلك باعتبارها مدينة مقدسة للأديان الثلاث ولقسم كبير من البشرية(ص.١٠و ص. ١٥) . وتعطي الأولوية للدين اليهودي من وقت قيام النبي ابراهيم عليه السلام بمحاولة ذبح ابنه اسحق إلى أن منعه الله من فعل ذلك، وما تبعه من قيام  مملكة داود قبل ٣٠٠٠ عام، ثم قيام الملك سليمان ببناء الهيكل الأول والذي أودع داخله الوصايا العشر. وبعد تدمير الهيكل مرتين ، أخرهما عام ٧٠ ميلادية، راح اليهود حسب الوثيقة / الصفقة يحيون ذكرى تدميره في التاسع من آب كل عام، مرددين عبارة” العام القادم في أورشليم”. وحسب الوثيقة فقد جاءت بعد ذلك المسيحية ، فالإسلام للقدس، حيث ذكرت الوثيقة أهمية القدس لكلا هاتين الديانتين، ولكنها تلت ذلك بكيل المديح لإسرائيل بأنها حافظت على الأماكن المقدسة لكل الأديان طيلة فترة حكمها للقدس منذ عام ١٩٦٧، فيما كانوا السابقون لحكم إسرائيل يقومون بتدمير الأماكن المقدسة للأديان الأخرى ( ص. ١٦)

. وبعد ذلك تشير الوثيقة الى ضرورة ابقاء القدس بدون تقسيم ، وأن هذا الموقف يعكس رأي كل الإدارات الأمريكية السابقة ، كما ينعكس في قانون القدس العاصمة الذي أقره الكونغرس عام ١٩٩٥( ص.١٦).

تشرعن  الوثيقة / الصفقة ابقاء القدس ضمن حدود جدار الفصل العنصري غير مقسمة وخاضعة خضوعًا تاما للسيطرة الاسرائيلية ، فيما تخرج من القدس مناطق سبق أن ضمتها اليها والمكونة من كتلتين غير متواصلتين جغرافيا : الكتلة الأولى هي كفر عقب وسمير أميس ومخيم قلنديا وقرية قلنديا القريبة على مدينة رام الله، والثانية هي كتلة مخيم شعفاط وضاحية السلام ورأس خميس وأقسام من عناتا  القريبة نسبيا  لأبو ديس والعيزرية وهما مناطق ب حسب تقسيمات اتفاق أوسلو ٢ لعام ١٩٩٥، والتي تعني خضوعهما  للسلطة الوطنية الفلسطينية في الشؤون المدنية وخضوعهما لإسرائيل فيما يتعلق بالشؤون العسكرية. وتشمل هذه المناطق ١٢٠ الى ١٤٠ ألف مواطن فلسطيني يساوون اقل بقليل نصف فلسطينيي القدس الشرقية الواقعة تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة والذين بلغ عددهم زهاء ٩٢٦’٢٨٤ نسمة في منتصف عام ٢٠١٨ حسب احصائيات الجهاز الفلسطيني المركزي للاحصاء( كتاب القدس الإحصائي، ٢٠١٩، ص. ٢٧). ويعني ذلك أنه سيبقى في القدس المضمومة قسرًا إلى إسرائيل ما بين ١٤٤ و ١٦٤ ألفًا من الفلسطينيين فقط ، مقابل ٣٣٥’٢٢٥ مستوطنًا إستعماريا اسرائيليًا يقيمون في نفس المنطقة ( نفس المصدر، ص. ١٧٥). أي سيصبح الفلسطينيون أقلية سكانية في الجزء المضموم من القدس الى اسرائيل حسب الصفقة.

تتضمن الصفقة فكرة إقامة عاصمة فلسطينية تسمى القدس ( ص.١٧) في كتلتي كفر عقب ومخيم شعفاط غير المتواصلتين جغرافيا مضافا لهما ابو ديس، وحيث أن الأخيرة تخضع للسلطة الأمنية الاسرائيلية العليا، فإن ذلك يعني أن ما سيضم اليها من كتلتي كفر عقب ومخيم شعفاط سيخضعان لنفس السلطة العليا، وقد أكدت صفقة القرن من جهة أخرى أيضا  أن السلطة الأمنية العليا ستبقى بيد إسرائيل على كل المناطق التي ستحول إلى الدولة الفلسطينية ، وبذلك فإن الصفقة تعني إلغاء المنطقة أ  الواردة في اتفاق أوسلو ٢ بوصفها منطقة تخضع للسيطرة الأمنية والمدنية الفلسطينية في آن معًا، وفي هذا الإطار ستكون السفارة الأمريكية التي وعدت الصفقة بإنشائها في مناطق القدس التي ستحال لفلسطين خاضعة أيضا للحماية الأمنية الاسرائيلية .

فيما يتعلق بمفهوم الصفقة لماهية القدس ، فإنها بموافقتها في اجزاء أخرى منها على ضم كافة المستوطنات الاستعمارية إلى إسرائيل ، فإن ذلك يعني تبنيها لمفهوم القدس الكبرى كما حددتها حكومات اسرائيل والتي تشمل كتلة مستعمرات غوش عتسيون التي تلف محافظة بيت لحم وصولًا إلى مشارف محافظة الخليل، كما تشمل كتل مستوطنات معاليه أدوميم وملحقاتها مثل ميشور أدوميم ومنطقة إي ١ المزمع البناء بها، وهي الكتل التي تشمل مخططاتها المستقبلية فكرة توسيعها لتصل حتى البحر الميت. كما تشمل كتلة جفعات زئيف التي تلف قرى شمال محافظة القدس. وإضافة لهذه الكتل الثلاث تقوم الحكومة الاسرائيلية بتوسيع كتلة رابعة من المستعمرات تشمل مستعمرات آدم وكوخاف يعقوب وبسغوت  وهي مستعمرات تقر الصفقة ايضا بضمها إلى إسرائيل مما يحد من إمكانية التوسع المستقبلي لمحافظة رام الله.

وبالنسبة للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في المدينة تثني الصفقة على دور اسرائيل الإيجابي ” كحارس للاماكن المقدسة” كما سبق ذكره ، وفيما تقول ببقاء الوضع القائم في المسجد الاقصى وحائط المبكى ( الأخير كان قبل عام ١٩٤٨ مكانًا للصلاة لكل من اليهود والفلسطينيين وليس لليهود فقط كما هو عليه الحال اليوم)، فإنها في المقابل تنص على ان ” الناس من جميع الأديان لهم حق الصلاة في الحرم الشريف/ جبل الهيكل بطريقة تحترم كلية أديانهم، مع الأخذ بعين الاعتبار أوقات الصلاة لكل دين ، والأعياد ، وعوامل دينية أخرى”( ص١٦-١٧) . وفي هذا الإطار تدعو الصفقة إلى تنظيم رحلات طيران من الدول العربية والإسلامية بهدف الوصول والصلاة في الأماكن المقدسة في القدس.

يسمح الاقتباس أعلاه بتقسيم الاقصى( والمسمى بجبل الهيكل في الصفقة) مكانيًا وزمانيا بين المسلمين واليهود ، وبالتالي يعطي مصداقية لدعوات منظمات الهيكل للسيطرة على المسجد الاقصى( انظر/ ي: محمود محارب : سياسات اسرائيل للسيطرة على الاقصى في هذا العدد من مجلة المقدسية).

وتذكر الصفقة ٣١ مكانًا مقدسا في القدس منها ١٧ مكانًا مسيحيًا و ١٣ يهوديًا و١ اسلاميا تسميه باسم الأمكنة المقدسة للمسلمين بدون تحديد أي اسم محدد من هذه الأمكنة . وحينما تذكر الصفقة الحرم الشريف فإنها تعتبره مكانًا مقدسًا مشتركًا للمسلمين واليهود.

 وتتضمن هذه اللائحة مشكلتين كبريين اثنتين اضافة لاعتبارها الحرم الشريف مكانًا مقدسًا للمسلمين واليهود، وهاتان المشكلتان هما:

 اولا : أن الصفقة كما ذكر لا تأتي على إشارة  لأي من الأماكن المقدسة للمسلمين سوى بعبارة عامة هي” الأماكن الإسلامية المقدسة” ( ص.١٦) وذلك بدون ذكر اي منها بالتحديد، هذا علما أن عدد المساجد من هذه الأماكن  فقط يزيد عن ٤٠ مسجدًا حسب دراسة غير منشورة بعد للدكتور حنا عيسى، كما أن الأماكن المسيحية المقدسة تزيد عن ٧٠ وفق نفس الدراسة. يضاف لذلك مئات المعالم الإسلامية داخل المسجد الاقصى وخارجه.

وثانيًا: أن الأماكن المقدسة ال ١٣ المذكورة لليهود ليست غالبيتها مقدسة كما ورد في دراسة لمؤسسة ” عيمق شفيه” الاسرائيلية ( عيمق  شفيه، شباط ، ٢٠٢٠). وتشير المؤسسة إلى المواقع التالية التي اعتبرت مقدسة في الصفقة فيما هي ليست كذلك : التلة الفرنسية، وممر الحجاج الذي أقامته منظمة العاد اليمينية المتطرفة في سلوان، ونبع جيحون وحدائق داود قرب سلوان ايضا والتي تقوم منظمة العاد بحفريات اثرية فيهما أيضا مع إهمال أهمية هذه المواقع للمسيحيين أيضا ، وأضرحة الرسل حجاي وزكريا وملاخي في جبل الزيتون مع أنه لا يوجد دراسات علمية تؤكد وجود هذه الأضرحة في تلك الأماكن، ومقبرة سامبوسكي ، وكنيس هورفا. كما اعتبرت مقبرة جبل الزيتون مكانًا مقدسًا لليهود وأهملت أهمية الجبل الدينية المقدسة للمسيحيين . يعني ذلك أن الصفقة تحاول تزوير التاريخ واختراع أماكن يهودية مقدسة جديدة من أجل تبرير الاستحواذ على المدينة.

وعدا هاتين المشكلتين فإن الصفقة تطرح فتح الأماكن المقدسة في القدس للسياحة والصلاة للمؤمنين من كل أنحاء العالم، وتعطي إسرائيل صلاحية تنظيم ذلك، كما تطرح اشراك الأردن في تنظيم السياحة الإقليمية نحو القدس والأماكن المقدسة ( ص.١٩) فيما تقسم المناطق الفلسطينية إلى أجزاء ، وتعطي الامن الإسرائيلي أولوية ، وبالتالي تجعل القدس مفتوحة لكل العالم ما عدى الفلسطينيين بذريعة الأمن.

وفي مجال الحقوق، تطرح الصفقة نقل ال ١٢٠ إلى ١٤٠ ألف من المقدسيين في كتلتي كفر عقب ومخيم شعفاط من حالة   الهوية المقدسية التي ليست سوى حالة ” إقامة لمواطنين اردنيين في ارض إسرائيل” وذلك حسب التعريف الاسرائيلي بعد ضم القدس أرضا إلى إسرائيل عام ١٩٦٧ بدون ضم سكانها إلى الأخيرة ( سالم، ٢٠١٨) ، إلى حالة المقيمين الفلسطينيين تحت ظل السلطة الوطنية الفلسطينية ، وبالتالي يصبح لهم الحق في الحصول على الجواز الفلسطيني وتنزع عنهم صفة الإقامة التي كانت تعطيها إسرائيل لهم. يتضمن هذا التوجه تفريغا سكانيا للمدينة من أجل ضمان أغلبية يهودية في القدس الشرقية كما سبق ذكره أعلاه. في المقابل  تضع الصفقة ثلاثة خيارات أمام  ال ١٤٤ إلى ١٦٤ ألفًا من الفلسطينيين الباقين تحت السيادة الاسرائيلية المفروضة في القدس، وهذه الخيارات هي: إما أن يحصلوا على الجواز الفلسطيني الذي لا يعطي وضعًا اكبر من حالة الإقامة في فلسطين نظرًا لأن الصفقة لا تعطي فلسطين وضع السيادة على الإقليم والشعب والحكومة، وإما أن يحافظوا على وضع الإقامة القائم، والخيار الثالث هو الحصول على الجنسية الاسرائيلية .

الخيار الأخير لا تقبله غالبية المقدسيين وطنيًا ، كما أن من الصعب الحصول على الجنسية الاسرائيلية لمن يتقدمون بطلبات للحصول عليها نظرًا لاجراءات المعقدة والمهينة التي تشمل الفحص الأمني وشروط مثل إتقان اللغة العبرية واثبات الولاء . ولذلك يبقى خيار الإقامة في المدينة والذي يتعرض للمطاردة الاسرائيلية من خلال سحب الهويات لمن يقيم خارج القدس ، وفرض الضرائب الباهظة، والامتناع عن توفير رخص السكن مما يجبر الأهالي للسكن خارج المدينة وبالتالي فقدان هوية الإقامة. يترتب على ذلك أن الصفقة تطرح شكليًا ثلاثة خيارات، ولكنها تلغي فعليا خيار التجنس بالجنسية الاسرائيلية ولا تعطيه الا سوى لأقلية محدودة من آلاف الطلبات التي تقدم لذلك، كما تجعل الإقامة في المدينة رهن المطاردة، وبالتالي فإن خيار اسرائيل في القدس هو خيار السيطرة على أرض بدون سكان عبر الترحيل المتدرج للمقدسيين إلى خارج القدس. ويلاحظ هنا أن الصفقة تطرح خيار الإبقاء على حالة الإقامة في المدينة بصيغة ملغومة حيث نصت الوثيقة على أن قسمًا من المقدسيين ” يريدون الحفاظ على هوية منفصلة عن فلسطين وإسرائيل تسمح لهم بالفخر بهويتهم المميزة وتاريخهم، وهذا الخيار يجب أن يكون متاحًا لهم”( ص.١٧). هذا وكأن سعي الفلسطينيين المقدسيين للحفاظ على وجودهم في القدس من خلال حفظ الإقامة فيها هو سعي للانفصال عن فلسطينيتهم.

اخيرا تطرح الصفقة في الجانب الاقتصادي، تطوير منطقة سياحية في عطروت بمستوى عالمي وتضم فنادق ومطاعم وحوانيت ووسائل مواصلات مريحة نحو الحرم الشريف ويساهم الأردن في تنظيم السياحة الإقليمية نحوها ( ص.١٩)  ، وإنشاء شركة مشتركة لتنمية البلدة القديمة من  القدس بدون المساس بالسيادة الاسرائيلية عليها تقدم لها إسرائيل جزءا من عائدات الضرائب( نفس الصفحة).

انعكاسات بنود الصفقة على القدس وفلسطين

بناءا على ما تقدم، وبموافقتها على ضم المستوطنات الاستعمارية إلى إسرائيل ، فإن الصفقة تجعل  السيطرة على القدس أولًا مدخلًا لتمزيق الضفة الفلسطينية إربا،ومنع قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا،  وذلك عبر توسيع الاستيطان الاستعماري في القدس تحت عنوان إنشاء مشروع القدس الكبرى المطروح ليصل إلى البحر الميت شرقا، وإلى مداخل الخليل جنوبا، والى محيط رام الله شمالًا ، علما أن مخطط القدس الكبرى المستقبلي سيجعلها تصل إلى مستعمرة شيلو في منتصف الطريق إلى نابلس شمالًا. يعني ذلك ابقاء حدود القدس مرنة ومفتوحة للتوسع الدائم بما يلغي أي حدود ثابتة حتى لدولة فلسطينية بدون القدس. ويتضمن هذا المشروع ايضا تغيير الطابع العربي الإسلامي للبلدة القديمة عبر المشاريع المطروحة لإنشاء تلفريك  وحديقة توراتية ومرافق سياحية عبرية حولها، وكذلك ربط المستعمرات الاستيطانية داخل المدينة ببعضها البعض لتضييق الخناق على الأحياء الفلسطينية تمهيدا لإجبار أقسام أوسع منها للحيل عن المدينة

وثانيًا:  لا تأتي الصفقة بأية كلمة فيما يتعلق بحقوق المقدسيين في أملاكهم في القدس الغربية، وهي بالتالي تطرح حلًا لقضية لاجئي القدس عام ١٩٤٨ ونازحيها لعام ١٩٦٧ خارج فلسطين ، وذلك تساوقا مع نصوص الصفقة التي تدعو لحل قضية اللاجئين عبر توطينهم في الخارج بما في ذلك استيعابهم تدريجيا في دول الخليج العربي.

وثالثا: مع فرضها للسيادة الاسرائيلية على المدينة، تنزع الصفقة الحقوق الوطنية الجماعية للمقدسيين  للمقدسيين الباقين في مدينتهم ، ولا تبقي لهم ما هو أكثر من حقوق إنسانية فردية قابلة للانتزاع عبر التهجير وسحب الهويات، كما وتضعهم على شفير الترحيل. هنا يجب الإشارة أيضا إلى إزاحة كتلتي مخيم شعفاط وكفر عقب المكتظتين بالسكان إلى خارج القدس لحل مشكلة التناسب الديمغرافي في القدس الشرقية ، ومما يعني أيضا إخراجًا للاجئي مخيمي قلنديا وشعفاط من المناطق المضمومة لإسرائيل. يضاف لذلك إهانة للمقدسيين الذين يحافظون على الإقامة في المدينة بنعتهم في نص الصفقة بإسم المقدسيين الفخورين الذين لا يريدون الارتباط مع السلطة الوطنية الفلسطينية كما سبق ذكره.  مع ما سيتبع ذلك من إمكانية إقفال مكاتب وكالة الغوث الدولية في المدينة

ورابعًا: بتركيزها على الطابع الديني للصراع ، وحق اسرائيل في استمرار حراسة الأماكن المقدسة ، تخلق الصفقة وضعًا متفجرا في المسجد الاقصى من خلال تعزيز نشاطات منظمات جبل الهيكل الهادفة للصلاة فيه وتقسيمه مكانيا وزمانيا، عوضا عن أن هذا التوجه يخلق توترا مع الأردن وحق الرعاية الأردنية فوق الأماكن الدينية المقدسة في القدس كما ورد في نصوص اتفاقية السلام الاسرائيلية الأردنية لعام ١٩٩٤.كما أن هذا التوجه يخلق حالة يصل بها اصحاب الديانات الثلاث في العالم الى القدس ، فيما يحجر هذا الحق عن المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين من الضفة وغزة.

وخامسًا : هنالك آثار أخرى منها وأد أي وجود مؤسسي فلسطيني في القدس سواء كان سياسيًا أو تعليميًا أو صحيًا وغير ذلك طالما هي عاصمة  إسرائيل واعتقال الشخصيات الفلسطينية المقدسية ومنعها من حرية الحركة والتنقل ، ومنع القيام بنشاطات فلسطينية في القدس كما هو جار. يضاف لذلك منع الأسرى المحررين المقدسيين من تلقي أموال من السلطة الوطنية الفلسطينية حيث طالبت الوثيقة ضمن إحدى شروطها السلطة الوطنية الفلسطينية بأن توقف دفع مساعدات للأسرى وعائلاتهم.

خيارات وبدائل

لا تقل صفقة القرن عن كونها محاولة لاستخدام قدرات اكبر قوة عظمى في الكون من أجل الاجهاز على الإنجازات الفلسطينية ، وإعادة القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر . وفي القدس يظهر هذا الاستنتاج بشكل جلي للغاية.

وفيما تحافظ فلسطين على إعترافات ١٤١ دولة من العالم بها، وتبقى قرارات الشرعية الدولية ثابتة بشأنها، فإن هدف التحالف الأمريكي الصهيوني هو الاجهاز على فلسطين على الأرض بحيث تصبح الاعترافات والقرارات الدولية غير ذات صلة.

يترتب على ذلك أن المعركة من أجل القدس لا تنفصل عن المعركة من أجل استعادة فلسطين مجددا على الخارطة، وهو ما يقتضي مشاركة الكل الفلسطيني  ، بما يتضمن مهمات ومسؤوليات لكل فرد ، حيث لم يعد أحد معفى من المسؤولية. ويشمل ذلك فعل الجاليات الفلسطينية الموحد في امريكا وأوروبا وباقي دول العالم من أجل تغيير مواقف دول العالم والتأثير فيها، واستعادة اللاجئين لكرامتهم من خلال إستنهاض الكفاح الجماعي من أجل حق العودة. وفعل الفلسطينيين داخل الوطن بأشكال كفاحية ميدانية ابداعية كإعادة بناء العراقيب عشرات المرات ، وإقامة قرى باب الشمس والكرامة في الضفة ، وكذلك فعلهم لبناء التنمية المبنية على المجتمع المحلي مما يعزز الصمود الإيجابي الذي يبني للمستقبل وليس مجرد الصمود السلبي المستكين، إضافة لتنمية المنتجات المحلية والاستغناء عما عداها. على أن يتم تنسيق كل هذه الجهود من قبل منظمة التحرير الفلسطينية الموحدة والتي تضيف اليها العمل الدبلوماسي مع المؤسسات الدولية ودول العالم، ورفع القضايا للمحاكم الدولية ومتابعتها. أي تحقيق التكامل بين البعد الشعبي المقاوم والتنموي وبين البعد الرسمي الدبلوماسي والقانوني. واذا ما خططت هذه الأفعال بشكل جيد ومتراكم فإنها كفيلة بتجاوز الأزمة واستعادة فلسطين خلال عدة سنوات لا أكثر

 

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *