القائد الذي نريد…
يخوض الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، والقدس السباق الانتخابي الثالث، فمنذ الانتخابات العامة الثانية للمجلس التشريعي في 25 يناير 2006 (سبقته الانتخابات الرئاسية بتاريخ 15 يناير 2005 للرئاسة)، لم تجر الانتخابات العامة في موعدها، ما أوقف الحراك الانتخابي وعزز من تفرد وهيمنة السلطة التنفيذية خصوصا بعد إصدار الرئيس الفلسطيني لقراره بحل المجلس التشريعي الفلسطيني بتاريخ 22 ديسمبر 2018، لهذا يأتي الإعلان عن موعد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في شهر مايو وشهر يوليو للرئاسة من هذا العام في ظل تعطش الفلسطينيين الكبير للانتخابات باعتبارها أداة ووسيلة للتغيير. هذا ويعتبر قسم من الشعب الفلسطيني أن هذه الانتخابات تشكل فرصة للمساءلة والتعبير عن رفضهم للأداء السلطوي لحزبي (فتح وحماس) اللذين تفردا بالحكم في الضفة وغزة، وهناك العديد ممن يرون أنفسهم الأحق بالتربع على عرش السلطة فيما تشير استطلاعات الرأي الى تفوق الأسير مروان البرغوثي في مؤشر القيادة. الا أنه من غير الواضح كيف سيتم تسخير الانتخابات القادمة –ان حصلت– لكي تخدم الأهداف الوطنية بشكل يفوق الأهداف الضيقة للحزبين الحاكمين في رام الله وغزة. حيث تشير استطلاعات الرأي على ثبات التصويت لكل من فتح وحماس، مع اعطاء فسحة ضيقة للأطراف الثالثة ومن ضمنها أحزاب اليسار والمستقلين. في نفس الوقت، فيما يرسخ الأسير مروان البرغوثي قيادته وذلك لأنه يتمتع بشعبية واسعة لدى كافة الأطراف، الا أنها يمكن أن تستمر مع وقف التنفيذ، بمعنى أنه يمكن أن يبقى قائدا ثوريا رمزيا اذا ما اتفق الحزبان الحاكمان على استراتيجية مشتركة في التعاطي مع قضية الانتخابات.
لعله من المفيد، في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفلسطيني من غياب الوضوح في الرؤيا والآليات الواضحة للمحاسبة أن نسأل عن صفات القيادة المرغوبة في هذه المرحلة الصعبة التي نمر بها. لربما أن موضوع القيادة كفمهوم وممارسة، لا يمكن استحضاره بشكل مقصود أو ممنهج، فالقيادة وان كانت خصلة يمكن العمل على تنميتها وتعزيزها بالتدريب، الا أنها يمكن أيضا أن تكون نتاج فعل طبيعي وعفوي وخاصة على المستوى السياسي. فمثلا، رأينا ردة الفعل الشعبية على وفاة أبو عاصف، المناضل الفلسطيني من قرية كوبر والذي أعطى أولاده للشهادة وللسجن، وهو الذي بدأ حياته السياسية عضوا في فتح وانهاها جزءا من حماس.
في الواقع، نحن اليوم في أشد الحاجة الى قيادة من نوع جديد، من نوع خالص، لا مثيل لها، نحن بحاجة الى قائد وطني نموذجي تتوفر فيه الصفات التالية:
- أن يعي معنى القيادة وخاصة في ظل هذه المرحلة التاريخية العصيبة.
- أن يسخر حياته لخلاص شعبه من قدر الظلم ويرفع المعاناة عنه ويسانده في كافة المجالات الحياتية الصغيرة والكبيرة.
- أن يكون صادقا في كل ما يقول وفي كل ما يعمل وأن تتوفر لديه القدرة على الاعتذار، فكلنا بشر والذي يعمل يخطئ بعكس الذي لا يعمل.
- أن يكون شجاعا ويصارح الشعب بالأخطاء التي تمت سابقا ويعترف بالتقصير ان وجد وأن يسعى الى العمل للعبور بالشعب الفلسطيني الى المرحلة المقبلة.
- أن يكرس حياته لخدمة القضية بدون انتظار أي مقابل، بمعنى أن يتجرد من كافة القضايا والأمور الدنيوية والخاصة والسلطوية، قائد يعطي كل ما لديه بدون انتظار مقابل. قائد لا يسعى الى منصب أو وظيفة أو تشريف، قائد خادم وليس مخدوما و يقود من خلال الممارسة واعطاء المثل الحي وليس فقط من خلال الكلام والشعارات.
- أن يكون أبا محبا للجميع، بدون استثناء، المتدين والعلماني والفقير قبل الغني دون الالتفات الى الانتماءات الحزبية أو الفكرية أو الدينية أو الاجتماعية.
- أن يجمع الفرقاء على الهدف الوطني وأن تكون لديه القدرة الروحية والسياسية لمخاطبة شعبه والعالم بلغة واضحة وصريحة.
- أن يكون نزيها وشفافا ولا يقبل المساومة بفكره وروحه وانتماءه لوطنه ولا يفرط أبدا بحقوق شعبه. قائد لا يشترى ولا يباع.
- أن يكون مستعدا للتضحية بذاته لأجل شعبه ولا يتوقف عند مرحلة معينة أو هدف آني أو سلطة محددة، وأن يكون مستعدا للخدمة حتى من وراء الكواليس.
- أن يتسع صدره للجميع بغض النظر عن خلفياتهم الجندرية والدينية والعرقية والفكرية والسياسية.
- أن يتقبل النقد وأن يتمكن من احتواء حتى من لا يتفق معه وأن يرتقي بفكره وقوله ومشاعره وأعماله فوق كل ما يمكن أن يشكل تحديا له سواء على الصعيد الفكري أو السياسي أو حتى على الصعيد الشخصي.
- أن يكون ممتنا لثقة أبناء شعبه وألا يستغلها لأهداف خاصة.
- والأهم أن يحول قوته الشرعية الى تعزيز الخير العام
كيف نصل الى هذه القيادة ، لا شك بأن تصورنا لمواصفات القيادة التي نريد ليس تصورا مثاليا أفلاطونيا، إذ يمكن لها أن تتحقق، اذا ما اراد الشعب الفلسطيني ذلك، حيث ان جميع الديمقراطيات والأنظمة التي يخضع فيها المسؤول لسلطة وحكم القانون والشعب، هي الانظمة التي يمارس فيها الشعب دورا فاعلا في المساءلة والرقابة على أداء القيادة والسلطة الحاكمة من خلال العملية الديمقراطية. في هذه الحالة فقط، أي في الظروف التي لا يسمح بها الشعب للسلطة بأن تتفرد في صنع القرار وأن تشعر بالحصانة والقداسة يمكن لنا ان نصل الى القيادة التي نرغب، وبالتالي نصل الى ترسيخ مبادئ وممارسة الحكم الصالح والرشيد وضمان الشفافية والمشاركة والمسائلة.
إن ممارسة الديمقراطية يمكنها أن تأتي بهذا القائد، مع العلم أن هذا الأمر ليس بالضرورة أن يرتبط حصريا بالفعل الديمقراطي، ذلك لأنه يمكن أن ينتج قيادة فردية أو مجموعة قيادات يمكن أن تفتقر الى المواصفات أعلاه، ويمكن أن تكون قيادة متسلطة أوغير واعية أو تابعة، الخ. ولكنها في نفس الوقت تعبر عن خيار الشعب الذي يفرز قياداته. لهذا كان انتخاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب انعكاسا لميول المجتمع الأمريكي المائل نحو الشعبوية واليمينية كما هو الحال في عدة بلدان أوروبية أخرى. في المقابل، نجد أن دولا عظمى مثل الصين التي تتبع النظام الديمقراطي الاشتراكي بقيادة الحزب الشيوعي، استطاعت أن تصل الى أن تكون قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة وأوروبا في العالم ولكن الأهم من ذلك، استطاعت أن تحقق درجة مهمة من الرخاء الاجتماعي والاقتصادي لشعبها. من المؤكد أن هناك عدة دروس وعبر يمكننا أن نستخلصها من تجارب الدول في العالم، مثل ألمانيا وفرنسا وزعمائها الذين أسسوا الاتحاد الأوروبي ( ونراد أديناور وروبرت شومان) الذين نقلوا أوروبا من أمم متحاربة الى أمم متصالحة وتعمل بشكل جماعي لوحدة ورخاء شعوبها. لا بد أن الشعب الفلسطيني غني بالقيادات الواعدة ولا بد أن الأغلبية تتطلع الى قيادة جديدة وشرعية تعبر عن همومها المعيشية والوطنية. نأمل أن تفرز الانتخابات الفلسطينية قيادة جديدة شابة ووطنية وتستطيع قيادة الشعب الفلسطيني الى بر الأمان.
ليلي حبش