الفلسطينيون داخل إسرائيل وحق تقرير المصير

إذا تركنا جانبا، لغرض النقاش، الفلسطينيين الآخرين (فلسطينيي المناطق المحتلة منذ العام 1967 وفلسطينيي بلدان اللجوء والشتات)، واليهود الآخرين (الذين ليسوا مواطنين فعليين في دولة إسرائيل)، لأمكننا القول إن “قانون القومية” الصادر عن الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) في 19 يوليو/ تموز 2018، يفصل، وبحد السكين، بين نوعين من المواطنين في الدولة: مواطنين أسياد (يهود إسرائيل)، ومواطنين أتباع (المواطنين الفلسطينيين داخل الدولة أساسا). المواطنون الأسياد هم من ينطبق عليهم حق تقرير المصير (لؤلؤة تاج الحقوق الجماعية/ الوطنية)، بينما المواطنون الأتباع هم من لا ينطبق عليهم مثل هذا الحق الجماعي. بكلمات أدق وأبسط، قانون القومية هذا، وبقوة إلزام القانون الأساس ذي البعد الدستوري، يقول صراحة ما قالته قوانين عادية سابقة ضمنا، إن السيادة في الدولة تقتصر على اليهود فقط، ولا سيادة بالتالي لغير اليهود فيها. ألا ينتج عن ذلك، مباشرة وبالضرورة، أن المساواة في الحقوق بين اليهود وغير اليهود في الدولة (يجب أن) تظل تحت سقف سيادة اليهود ومشتقاتها؟ وألا ينتج عن ذلك، مباشرة وبالضرورة أيضًا، استثناء الفلسطينيين داخل إسرائيل وممثليهم في البرلمان، بطريقة أو بأخرى، من المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرارات ذات العلاقة بالسيادة ومشتقاتها؟ الفلسطينيون داخل إسرائيل ليسوا شركاء حقيقيين في اتخاذ القرار، مثلًا، بشأن ضم مناطق أو التنازل عن مناطق سبق ضمها (القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية)، أو بشأن طبيعة الدولة ونظام الحكم فيها، أمنها، رموزها، التزامها تجاه يهود العالم، وهكذا. غني عن القول في هذا الصدد إن ديمقراطية الدولة والمواطنة الإسرائيلية هما تحت سقف سيادة اليهود. وكلتاهما إذن منقوصتان بالنسبة للمواطنين غير اليهود في الدولة.

ما العمل؟ أو: ما هو الواقع السياسي الذي يجب النضال من أجله والتصويب نحوه، والذي في إطاره تتحقق المساواة التامة في الحقوق بين اليهودي وغير اليهودي (أساسا الفلسطيني)، من المواطنين في الدولة؟ علمًا أن المساواة المقصودة هي المساواة في الحقوق على مستوى العضوية في المجتمع السياسي، كما على مستوى الخدمات والمخصصات والممتلكات.

من الواضح، وضوح الشمس (كما يقال)، أن واقعًا سياسيا تتحقق فيه المساواة التامة في حقوق المواطنة الديمقراطية يتنافى مع الإصرار الصهيوني على يهودية الدولة، لما ينطوي عليه مثل هذا الإصرار على الأغلبية اليهودية الساحقة في الدولة، وعلى التزاماتها وأولوياتها اليهودية. إن واقعًا سياسيًا تتحقق فيه المساواة التامة في الحقوق يتطلب، في رأيي، لا أقل من تحويل إسرائيل إلى “دولة جميع مواطنيها”، أو قل: دولة تساوي في الحقوق، كل الحقوق، بين جميع مواطنيها. تحويل إسرائيل إلى دولة جميع مواطنيها هو، إذن، شرط ضروري لتحقيق المساواة التامة في حقوق المواطنة الديمقراطية. ولكن هذا الشرط ليس كافيًا لتحقيق المساواة التامة فعليا. فطالما ظلت إسرائيل دولةً بأغلبية ساحقة من المواطنين اليهود، يظل خطر التمييز والانتقاص من الحقوق قائمًا، كما تدل على ذلك تجارب الأقليات العرقية، خصوصا الأصلانية، في الولايات المتحدة وأستراليا وكندا وغيرها من الدول. بكلمات أخرى، لكي تكون المساواة في الحقوق تامة فعليا، هناك حاجة إلى إجراءات إضافية، تكون سياج حماية لحقوق الأقلية العرقية. وسياج الحماية هذا يأخذ عادة شكل الحكم الذاتي الجدي، وليس الثقافي فقط. غني عن القول في هذا الصدد إن تحويل إسرائيل الى دولة جميع مواطنيها يتضمن إلغاء جميع القوانين التمييزية، وعلى رأسها قانون القومية، الظالم والفاسد.

بناء على ما ورد أعلاه، تحويل إسرائيل إلى دولة جميع مواطنيها وإنجاز حكم ذاتي جدي للفلسطينيين مواطني الدولة شرطان ضروريان لتحقيق المساواة التامة في الحقوق، قانونيا وفعليا على حد سواء، ولكن هذين الشرطين ليسا كافيين، فبما أن الفلسطينيين داخل دولة إسرائيل جزء من شعب يعاني في معظمه من واقع الاحتلال الحربي أو/ واللجوء القسري، فهناك بالتالي شرط ضروري ثالث لتحقيق المساواة التامة في الحقوق: شرط الحل النهائي للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، والذي يتضمن، من بين أشياء أخرى، إزالة الاحتلال وإنصاف اللاجئين. هذه الشروط الثلاثة، كل منها ضروري، وفي اجتماعها تكون كافية لتحقيق المساواة التامة في الحقوق، الفردية والجماعية/ الوطنية، بين اليهودي/ الإسرائيلي والفلسطيني في الدولة.

ينتج مما تقدم، أي عند استيفاء الشروط الثلاثة المذكورة، أن الواقع السياسي المنشود يتطلب أو يفترض أو يقوم على أحد النوعين التاليين من الحلول للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي: أولا، حل الدولة الديمقراطية الواحدة (أحادية أو مفدرلة أو ثنائية القومية) للكل الفلسطيني (يشمل اللاجئين) والكل اليهودي/ الإسرائيلي. في دولة كهذه، دولة جميع مواطنيها، يتساوى الطرفان المذكوران في الحقوق، الفردية والوطنية على السواء. أما الحلول من النوع الثاني، ثانيا، فهي حلول دولتين متجاورتين بسلام، كل منهما دولة لجميع مواطنيها، وفي دولة إسرائيل ذات الأغلبية من المواطنين اليهود، يتمتع الفلسطينيون بحكم ذاتي “كامل الدسم”، حكم ذاتي يصون الهوية المميزة من جهة، ويحصن الأقلية من “الأفضليات الخارجية” للأغلبية في الدولة من جهة أخرى.

الممثل: أو: من يقود النضال، نضال الفلسطينيين داخل إسرائيل، من أجل الوصول إلى، أو الاقتراب من، الواقع السياسي المنشود، والذي حاولت وصف ملامحه الأولية أعلاه؟ من الواضح أن “القاىمة المشتركة”، أو الأحزاب الفلسطينية الممثلة في الكنيست، منفردة أو مجتمعة، لا تستطيع أن تكون الحامل الوحيد، أو حتى الحامل الرئيس، لمشروع كهذا. مشروع كهذا هو في الصلب مشروع فوق – برلماني، والنضال من أجله هو أساسًا وطني/ ميداني من جهة، ويتطلب تنسيقًا وتكاملا مع الأطراف التمثيلية للكل الفلسطيني من جهة أخرى. أضف إلى ذلك، محدودية تمثيل الأحزاب ومحدودية تأثيرها وإنجازها، إذ إن قطاعات واسعة من الفلسطينيين داخل إسرائيل تتقاطع في الانتخابات البرلمانية لأسباب مبدئية، كما أن هناك حركات سياسية وازنة محظورة، فعليا أو بالإمكان، من المشاركة في تلك الانتخابات، أساسًا بسبب منطلقاتها الأيديولوجية.

مشروع وطني كهذا يمكن، في اعتقادي، لـ”لجنة المتابعة العليا”، بل يجدر بها، أن تكون حاملا له. ولكن: ليس بتركيبتها ووضعيتها، وربما تسميتها، الحالية. ويعرف العارفون أن “لجنة المتابعة العليا” تحتاج إلى إعادة بناء جدية، إذا أريد لها أن تكون القيادة الوطنية العليا للفلسطينيين داخل إسرائيل، إعادة بناء على أسس ديمقراطية قويمة. كما ويعرف العارفون أن الانتخابات هي عصب هذه الأسس الديمقراطية القويمة. المطلوب، إذن، هو جسم تمثيلي منتخب (بهذه التسمية أو تلك) يكون القيادة الوطنية العليا، وتكون الأحزاب الفلسطينية الممثلة في الكنيست، متحدة او متفرقة، ذراعه البرلماني؛ جسم منتخب يقود العمل/ النضال الوطني الميداني، ويحتضن القضايا الجماعية الكبرى (التعليم بمراحله المختلفة، الأوقاف الإسلامية، قضية المهجرين منذ نكبة 48، إلخ)؛ جسم منتخب يعبر أيضًا عن الأفضليات بشأن مواصفات الحل النهائي للصراع الفلسطيني/الإسرائيلي، كما بشأن موقع فلسطينيي 48 في مثل هذا الحل.

وختامًا، قانون القومية يقول لمن تغافل أو تجاهل أو تعامى إن ما يتوجب النضال من أجله هي الحقوق الوطنية، وحق تقرير المصير لؤلؤة تاجها. هذا يعني، في ما يعنيه، أن ما يتوجّب النضال من أجله، إضافة إلى المساواة في الحقوق المدنية في الدولة، هو حل من أحد النوعين السابق ذكرهما للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي اليهودي. أما عبء قيادة هذا النضال الوطني فتقع على عاتق قيادة وطنية منتخبة، تكون بديلا للجنة المتابعة العليا أو نتيجة لإعادة بنائها ديمقراطيا؛ قيادة وطنية تكون الأحزاب الممثلة في الكنيست ذراعها البرلماني ليس أكثر. وتكون لها، بالطبع، أذرع عمل ونضال أخرى. وأخيرًا، بحل للصراع حسب مواصفات أحد النوعين المذكورين سابقا، نكون، نحن فلسطينيي 48، قد مارسنا حق تقرير المصير وأصبحنا، تبعًا لذلك، مواطنين أسيادا في وطننا.

عن العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *