الفلسطينيون: الخاسر الأكبر من زيارة بايدن

ظهر الفلسطينيون بمثابة الخاسر الأكبر من زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للمنطقة، في حين بدت إسرائيل الرابح الأكبر من هذه الزيارة، فقط ثمة “ربتة” على كتف الرئيس الفلسطيني، ومجرد تعاطف مع مشاعر ألم عند الفلسطينيين، وطلب صبرهم لحين ظهور أفق يسمح بإقامة دولة لهم، في مقابل ذلك خاطب الرئيس الأميركي إسرائيل باعتبارِه صهيونياً، وإن لم يكن يهودياً، متحدثاً عنها بإعجاب، وباعتبارها دولة يهودية، مؤكداً العلاقات الاستراتيجية التي تربط بلاده بها، والحرص على أمنها وتفوقها النوعي في المجالات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية. وفوق كل ذلك فقد أبدى الرئيس الأميركي تفهمه لحاجات إسرائيل الأمنية، ومنها إطلاق يدها في الدفاع عن نفسها، في ما يخص البرنامج النووي الإيراني، كما أبدى حماسة كبيرة لتسهيل دمجها في المنطقة، في مجالي الاقتصاد والأمن، وهو أمر يتم الاشتغال عليه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ظاهرة أو مبطنة.

هكذا بدت القيادة الفلسطينية، لزوم ما لا يلزم في هذه الزيارة، وفي حالة انفصال عن الواقع، والمشكلة أنها لا تريد أن ترى الأمور على حقيقتها، وتفضل الاستمرار في بيع الأوهام لشعبها، لأن ذلك وحده يبرر إصرارها على بقائها كسلطة، إزاء شعبها، كما يبرر الخيار الذي انتهجته بتحولها من حركة تحرر وطني إلى سلطة تحت الاحتلال، أو قبل زوال الاحتلال، وضمن ذلك تهميشها منظمة التحرير الفلسطينية، ككيان جامع للفلسطينيين، وتحولها عن الرواية الوطنية المؤسسة القائمة على النكبة (1948) إلى رواية تفيد بأنها تصارع إسرائيل على الأراضي المحتلة عام 1967، ظنا منها أن ذلك يرضي الأطراف المعنية عنها!

هكذا، ثمة أوهام كثيرة عند القيادة الفلسطينية، قوضتها زيارة بايدن، ضمنها:

أولا، أنها أضحت بمثابة دولة فلسطينية لكنها “دولة تحت الاحتلال” (في الأراضي المحتلة عام 1967، وهو الوهم الذي تحاول القيادة الفلسطينية إشاعته في خطاباتها السياسية وفي مقررات اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني، في دوراته الأخيرة، كأن إعلانها ذلك هو براءة لها من “فخ” نصوص اتفاق أوسلو (1993)، الذي لم يلحظ ذلك البتة، ولا في أي اتفاقات لاحقة، لا بل إنه لم يأت ولا مرة على ذكر أراض محتلة، أو على ذكر إسرائيل كدولة احتلال. والفكرة هنا أن هذا العالم يتعاطى مع الكيان الفلسطيني ككيان أقل من دولة، أي ككيان حكم ذاتي على الشعب مع تمثيل خارجي (فلسطينيي الضفة وغزة)، وبدون سيادة، لا سياسية ولا قانونية ولا عسكرية ولا اقتصادية. ولعل هذا هو معنى كلام الرئيس الأميركي عن أن الدولة الفلسطينية بعيدة، وأن الأجدى يتمثل بتقديم تسهيلات معيشية للفلسطينيين ودعم مالي للسلطة الفلسطينية، أي أن الخيار المتاح هو “سلام اقتصادي” فقط؛ وطبعاً فإن ذلك ليس مجاناً وإنما هو مشروط بضمان التنسيق الأمني ومراعاة الاستقرار والأمن لإسرائيل، وفي ذلك تبن أميركي خالص للرؤية الإسرائيلية.

 ثانياً، تبين، قبل الزيارة وبعدها، أن البوابة الفلسطينية لم تعد ضرورية للتطبيع مع إسرائيل، إذ باتت لإسرائيل علاقات أكثر من طبيعية، ومع علاقات اقتصادية بل وأمنية متميزة، بأكثر من دولة عربية، حتى إن الأمر بات يتعلق بدمج إسرائيل في المنطقة، في منظوماتها الاقتصادية والأمنية والبني التحتية، أي بما يتجاوز كثيراً متطلبات مشروع النظام الشرق أوسطي الذي طرح في التسعينات، أو متطلبات “المبادرة العربية للسلام” (2002)، وذلك بسبب الاختلاف الحاصل في الظروف والحسابات والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية. ومعنى ذلك أن مقولة أن السلام العربي ـ الإسرائيلي يبدأ من فلسطين، التي تشرعها القيادة الفلسطينية، لم تعد واقعية، ولم تعد تشتغل، وهي أصلاً اشتغلت في السابق في المزايدات العربية، وفي ابتزاز هذا الطرف لذاك، لا أكثر، مع كل الاحترام للعبارة المتضمنة في البيان الختامي الصادر عن مؤتمر جدّة في شأن القضية الفلسطينية، والتي بدت كعبارة للمجاملة أو للاستهلاك، لأن الواقع الجاري يقول بغير ذلك.

ثالثاً، من كل التطورات يتبين، أيضاً انكشاف مقولة أن “فلسطين قضية مركزية للعالم العربي” فهي لم تكن كذلك أصلاً، من الناحية الفعلية، في أحسن أوقاتها، سوى كمقولة لتوظيف تلك القضية في الأوضاع الداخلية والعلاقات البينية، أي كوسيلة للتغطية على الشرعية والمزايدات البينية وتبديد الموارد ومصادرة الحريات، في معظم البلدان العربية. وللأسف فإن القيادات الفلسطينية كانت تبنت تلك المقولة، أو استهوتها، فقط لتعزيز مكانتها، كنظام، أو كسلطة، مثلها مثل بقية الأنظمة والسلطات في العالم العربي، من دون أن يعود ذلك باستثمارات سياسية لمصلحة قضية فلسطين أو لتحسين أحوال الفلسطينيين في الداخل والخارج. هكذا لم يعد ثمة اليوم نظام عربي لا يعترف بإسرائيل، أو يحتضن حقاً كفاح الفلسطينيين من أجل حقوقهم، وهو أمر يفترض ملاحظته ومعرفة كيفية التعامل معه، ودرء مخاطره. 

طبعاً ثمة عوامل كثيرة ساهمت في كل تلك التحولات السلبية ضمنها هشاشة وضع الفلسطينيين، وعدم قدرة قيادتهم على تقديم نموذج لكيان سياسي أفضل، في خياراته السياسية وطريقة إدارته الصراع مع إسرائيل، كما إدارته لأحوال الفلسطينيين في الداخل والخارج، لا سيما مع اختلافات الفلسطينيين، وانقساماتهم، كما تأتي ضمن ذلك التحولات الدولية، والإقليمية، وصعود خطر النفوذ الإيراني في العالم العربي، خصوصاً في المشرق العربي وفي اليمن.

عن موقع درج

Author: ماجد كيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.