الغيتو والشجاعة الأخلاقيّة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

لماذا يقدم الإنسان على ارتكاب الشرّ؟ هل يمكن لشخص أن يرتكب الشرّ، دون أن يكون شرّيرًا، أو دون دوافع شرّيرة؟ وهل الشرّ هو جزء من الطبيعة الإنسانيّة، أم أنّ الشرّ والخير كامنان فيه، وله الحرّيّة أن يختار؟ وكيف يمكن ضبط سلوك الإنسان أو سلوك المجتمع أو الدولة؟

شغلت هذه الأسئلة، أو كلّ ما يتعلّق بموضوع الشرّ أو العنف، المتمثل بالحروب المرعبة والإبادة الجماعيّة، الباحثين والفلاسفة وعلماء النفس، وفي كثير من الأحيان أيضًا حيّرت الإنسان العاديّ، على مدار التاريخ الإنسانيّ. وعادة تبرز هذه الأسئلة، والّتي غالبًا تطرح بالارتباط بمعنى الوجود أو بجدوى الحياة على هذه الأرض، عند حدوث حروب طاحنة طويلة وجرائم إبادة، مثل الحربين العالميّتين وما بعدهما، والآن تعيد حرب الإبادة ضدّ غزّة فرض الأسئلة ذاتها. ولكن، هذه الحرب الإباديّة الّتي تشاهد بالبثّ الحيّ المباشر، تتّخذ طابعًا أكثر رعبًا ودناءة وخسّة، وذلك نظرًا للاستثنائيّة أو الحصانة الّتي منحها المعتدي لنفسه ولعدوانه الهمجيّ بدعم مطلق من حاضنته الغربيّة ذات التاريخ الاستعماريّ والحاضر العدوانيّ.

وكلّ من حاول الطعن بهذه الاستثنائيّة ووجه ويواجه بحملات تحريضيّة عدميّة وحملات تشويه وعزل وملاحقة وتدمير السمعة، في أميركا والغرب عمومًا. رغم ذلك، هناك من تمرّد على الخضوع لهذه الاستثنائيّة، وبالذات من قبل مفكّرين ومثقّفين يهود غربيّين أو يعيشون ويعملون في دول الغرب. ومؤخّرًا، تعرّضت كاتبة يهوديّة روسيّة – أميركيّة، هي ماشا غيسن، لحملة كراهية بسبب كتابتها مقالاً في مجلّة نيويوركر الأميركيّة في التاسع من الشهر الجاري، تحت عنوان “في ظلّ المحرقة”، تقارن فيه واقع غزّة قبل 7 أكتوبر بالغيتوات اليهوديّة الّتي أقامتها ألمانيا النازيّة في دول أوروبّيّة بعد احتلالها في أثناء الحرب العالميّة الثانية. وكادت مؤسّسة ألمانيّة أن تسحب جائزة كان مفترضًا أن تمنح لها في 15 كانون الأوّل/ ديسمبر الجاري، وهي” جائزة حنّة آرندت للفكر السياسيّ” بسبب هذا المقال، أو بسبب التجرّؤ على عقد هذه المقارنة.

وحنّة آرندت هي الفيلسوفة اليهوديّة الألمانيّة، الّتي تعرّضت لحملة غضب ليس من جانب الدولة الإسرائيليّة فحسب، بل من معظم المثقّفين الإسرائيليّين أيضًا، في أعقاب كتابتها سلسلة تقارير عن محاكمة النازيّ أدولف أيخمان في مجلّة نيويوركر الأميركيّة عام 1961، صدرت لاحقًا في كتاب “أيخمان في القدس… تقرير عن تفاهة الشرّ”. انتقدت آرنت في هذا الكتاب تركيز المحاكمة على شخص أيخمان وليس على النظام النازيّ وجهازه البيروقراطيّ الدمويّ الّذي كان هذا الشخص عبدًا منفّذًا له. كلّ ذلك جرى رغم أنّها لم تبرّئه من جرائمه، بل وافقت على الحكم بإعدامه باعتباره مجرمًا نازيًّا.

كانت حنّة آرندت (1906 – 1975) منذ بدء حياتها الأكاديميّة والفكريّة منشغلة في قضيّة الأنظمة السياسيّة الشموليّة، والعدالة، والعنف، والثورة، والسياسة. وانسجامًا مع قيمها الكونيّة، عارضت الصهيونيّة وفكرة إقامة دولة يهوديّة في فلسطين، بعد أن اكتشفت أنّ الظلم ضدّ اليهود لا يجوز أن يكون سببًا في التسبّب بظلم لشعب آخر ليس له ضلع بالمحرقة النازيّة، أو بملاحقة اليهود في أوروبا.

لماذا انصب هذا الغضب الصهيونيّ عليها والّذي لم يختف تمامًا حتّى اليوم، وماذا قصدت آرندت بتفاهة الشرّ؟ تقول آرندت، وهي الناجية من المحرقة النازيّة، في كتابها أنّها على خلاف ما كانت تتصوّره عن أيخمان كأيديولوجيّ ومخطّط، وجدته سطحيًّا، جاهلًا، وبليها، ومقولبًا، حوله النظام النازيّ إلى عبد للوظيفة. أي أنه، بحسبها، كان “برغيا” في جهاز بيروقراطيّ متوحّش، وأنّه مارس ونفّذ الأوامر دون أن يحسّ بألم الآخرين، أو يفكّر بالآخرين. ممارسة القتل الجماعيّ كانت بالنسبة له فعلًا اعتياديًّا، بصورة مرعبة. وحين تقول آرندت بتفاهة الشرّ، لم تقصد التقليل من خطورة العنف، أو من خطورة أفعال هذا المجرم، بل قصدت أنّ الاعتياديّة في ممارسة العنف هو الجانب المرعب في القضيّة، أي أنّه يمكن لأيّ إنسان عاديّ أن يمارس الفعل ذاته إذا ما نشأ تحت نظام استبداديّ وشموليّ، وبالتّالي كان نقدها للمحاكمة بسبب تركيزها على الشخص وكأنّه هو المسؤول الوحيد، وليس النظام النازيّ الإباديّ، الّذي قام بغسيل دماغ مجتمعه وتعبئته حول أيديولوجيّته الشموليّة العنصريّة. كان جلّ انشغالها في كيفيّة تجنّب حصول هولوكوست آخر، وخلق عالم أفضل، وعدم تكرار فعل الشرّ بحيث تعود السياسة إلى كونها الفضاء الّذي يمارس فيه الإنسان الحرّيّة وحبّه للعالم (و”حبّ العالم” مصطلح استعارته في إطار بحثها للدكتوراه عن “مفهوم الحبّ عند القدّيس أوغسطين”، الّذي يعرف بأنّه أعظم فيلسوف في حقبة القرون الوسطى)؛ والأهمّ هو أنّه يمارس تفكيره الحرّ وإبداعاته، والانفتاح على الإمكانيات.

كانت آرندت في بواكير شبابها مناصرة للفكرة الصهيونيّة، وساعدت شبابًا يهود في الهروب من النازيّة إلى فلسطين، ولكن بعد اتّضاح نوايا الحركة الاستعماريّة العنصريّة في مؤتمر بلتمور عام 1942 في نيويورك، تحوّلت ضدّها وباتت مناهضة لها، ومنسجمة مع إيمانها بالقيم الكونيّة.

وقبل أسابيع، وبتأثير حرب الإبادة ضدّ غزّة، عادت مجازيًّا هذه الفيلسوفة إلى الحضور، وخرجت من الدوائر الأكاديميّة إلى المجال العامّ، من خلال حملة ضدّ الكاتبة الصحافيّة الروسيّة – الأميركيّة المتأثّرة بفكرها، ماشا غيسن، الّتي اضطرّت لإلقاء محاضرة في قاعة صغيرة وبحضور عدد محدود وبحماية الشرطة الألمانيّة، في أعقاب الحملة المسعورة ضدّها.

ما الّذي أدّى إلى هذه الحملة، والّتي تندرج ضمن النهج الصهيونيّ المناهض لكلّ من يغرّد خارج القبيلة الاستعماريّة.

نشرت غيسن مقالًا طويلًا في مجلّة نيوركر الأميركيّة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تحت عنوان “في ظلّ الهولوكوست” الّذي شبهت فيه قطاع غزّة بالغيتو اليهوديّ في أثناء الاحتلال النازيّ، وتتعرّض فيه بالنقد لسياسات أو ثقافة الذاكرة المعتمدة في ألمانيا، وتحديدًا الازدواجيّة في مقولة “لن يتكرّر” الّتي تظهر في المتاحف أو المؤسّسات الّتي تحيي جرائم النازيّة، ومحاولة تصوير الإبادة بأنّه “حدث فريد، لا يشبه ما قبله وما بعده”. إذ تكتب أنّ مقاربتنا للهولوكوست على هذا النحو، “ليست فقط أنّها ليست صحيحة، بل يجعل التعلّم منها بهدف تفاديه في المستقبل مستحيلًا”. كما تنتقد جعل اليهود الضحيّة الأبديّة، وما تمخّض عن ذلك من تحصين لها، أي دولة إسرائيل، من أيّ مساءلة قانونيّة أو دوليّة.

ولكنّ ما جلب كلّ هذا الهجوم عليها بشكل خاصّ، هو أنّها عقدت مقارنة بين قطاع غزّة والغيتو اليهوديّ، أو الغيتوات، الّتي أقامتها النازيّة في الدولة الأوروبّيّة بعد احتلالها. وتكتب أنّه ” ليس هذا الغيتو (غزّة) مثل أيّ غيتو يهوديّ في فينيسيا أو في داخل مدينة أميركيّة، ولكنّه مثل أيّ غيتو يهوديّ في الدول الأوروبّيّة الّتي وقعت تحت السيطرة النازيّة. هذا الغيتو (غزّة)، تجري إبادته الآن”.

ولم تتراجع عن المقارنة رغم الحملة العدائيّة، بل واصلت الدفاع عن هذه المقارنة باعتبارها ضروريّة، حتّى لو كانت تثير الغضب والاستياء عند البعض. وكتبت “أنا أؤمن أنّه من أجل أن نؤدّي رسالة ‘لن يتكرّر بعد اليوم’ (والّتي بحسبها “باتت شعارًا فارغًا لأنّنا خنّا هذا الوعد”)، علينا أن نفحص بصورة دائمة ما إذا كنّا ننزلق إلى الظلمات، الّتي أعتقد أنّه يحدث الآن في غزّة”.

وكتبت أيضًا أنّ فهم الماضي ضروريّ لفهم الحاضر، “إذ أعتقد أنّه لدينا واجب أخلاقيًّا وقانوني لمقارنة الهولوكوست والفظاعات الّتي ارتكبت في الحرب العالميّة الثانية بما يجري الآن”.

وتواصل بأنّه لا يجوز وضع الهولوكست خارج التاريخ، وكأنّه لم يرتكبها بشر. كما تذكر في مقالها أنّ بعض المفكّرين اليهود، الناجين من المحرقة، كرّسوا جلّ حياتهم للقول للعالم إنّ هذه الفظاعة، أي الهولوكوست، يجب ألا ينظر إليها كانحراف أو حالة شاذّة، بل إن هذا الحدث كان ممكن الحدوث، وسيظلّ ممكنًا إذا لم تتحقّق الحرّيّة كنقيض للشموليّة، والعيش المشترك القائم على التسامح.

شكّلت الحرب العالميّة الأولى الثانية وما ارتكب فيها من أهوال ضدّ الشعوب، والمحرقة ضدّ اليهود، ذروة أزمة الحداثة. ومن أهوال الحداثة هو أن تشكّلها الحضاريّ، سار جنبًا إلى جنب مع الحروب الداخليّة والأنظمة الشموليّة، والحروب الاستعماريّة والإباديّة ضدّ شعوب غير أوروبّيّة.

وإقامة إسرائيل كمشروع استعماريّ عنصريّ إقصائيّ وإحلاليّ وبالوسائل الشرّيرة الّتي اعتمدت، مثل التطهير العرقيّ، هي امتداد لمشاريع الحداثة الأوروبّيّة المغموسة بالاستعمار والإبادة. ولا تزال هذه الدولة الحديثة الّتي عرضت في سياق التحديث للشعوب المتأخّرة في أوطانها، تحظى بمظلّة قانونيّة وأخلاقيّة رغم ما ترتكبه من جرائم ضدّ الشعب الفلسطينيّ، وبحقّ الإنسانيّة. ولم تعد الإنسانية، وتحديدًا حركات الشعوب، تسكت على كلّ هذه الهمجيّة وهذا الظلم والفجور، وعلى الانفصام الأخلاقي للغرب، وتكافح من أجل سياسة أفضل، ونظام عالميّ أقلّ عدوانيّة وأكثر عدالة.

هذان الصوتان المذكوران، هما نموذج للشجاعة الفكريّة والأخلاقيّة الّتي يحتاجها العالم، خصوصًا وأنّها أصوات يهوديّة لا تبالي بخسارة موقع أو وظيفة. لم يعد صوت حنّة آرندت وحيدًا، ولا صوت ماشا غيسن أيضًا، بل إن المجازر الصهيونيّة المتواصلة ضدّ المدنيّين في غيتو غزّة، ولّد غضبًا غير مسبوق، وتعاظمًا في حجم الأصوات اليهوديّة وغير اليهوديّة الّتي تذمّ الشرّ والإبادة الجماعيّة، والّتي لم تعد تكترث بردود الفعل الصهيونيّة، سوى ما يملي عليها ضميرها. ذلك هو الأمل الّذي يفتح كوّة نحو حياة أفضل وتعايش طبيعيّ بين البشر، وسط هذا الكمّ من القتل والهمجيّة.

وفي مقابل هذه الشجاعة الأخلاقيّة المتمثّلة في مواقف كلّ من آرندت وغيسن وغيرهما المئات من المثقّفين اليهود، نجد مثلًا مفكّرًا كبيرًا، بل يوصف بأنه أعظم مفكّري ألمانيا غير اليهود، هو يورغن هابرماس، صاحب النظريّة التواصليّة، يسقط سقوطًا أخلاقيا مدوّيًا في اختبار الحرب على غزّة. فقد أصدر بيانًا مع ثلاثة مثقّفين غربيّين آخرين، يتحدّث فيه عن حقّ إسرائيل بالدفاع عن النفس، دون أن يذكر الحرب الأباديّة الّتي تنفّذها إسرائيل بحقّ الشعب الفلسطينيّ. ويقول المفكّر العربيّ عزمي بشارة، الّذي تناول نظريّة هابرماس التواصليّة، في مجلّده الضخم “الدين والعلمانيّة”، في محاضرة ألقاها في معهد الدوحة نهاية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تحت عنوان “السياسة والأخلاق والقانون الدوليّ”: الكثير من المتنوّرين، بلغة القرن الثامن عشر الفرنسيّ، لا يتجاوزون الهوّة الفاصلة بين القيم الكونيّة في مضمونها من جهة، وكونيّتها لناحية نطاق سريانها من جهة أخرى”. ويضيف بأنّ “هابرماس لا يملك أيّ رصيد يذكر أو مكانة فعليّة في التضامن مع الشعوب خارج أوروبا، حيث يتركّز اهتمامه العموميّ في عقلنة الخطاب السياسيّ في أوروبا والمصالحة بين العقلانيّة التنويريّة والعدالة الاجتماعيّة والليبراليّة السياسيّة”.

عن عرب 48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عوض عبد الفتاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *