العيش في الهامش.. المؤقت هو الدائم الوحيد

 

بُنيت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سورية على هامش المدن، لأنه لا أحد يريد رؤية الضحايا ويسمع قصصهم الحزينة، لو أمكن تكنيسهم من الوجود، لفعلوا، ولأن ذلك غير ممكن تم تكنيسهم إلى خارج المدن. عندما تم اختيار موقع مخيم اليرموك في جنوب العاصمة دمشق في خمسينيات القرن الماضي، تم اختيار موقع معزول، لا يمكن الوصول إليه بسهولة، فقد كان يقع في وسط الغوطة، المنطقة الزراعية المحيطة بمدينة دمشق. لم تكن هناك أي طرق معبدة تصل إليه، ولم تكن في المخيم بنية تحتية، لا صرف صحي، لا أي خدمات من كهرباء أو ماء أو هاتف. منحت المؤسسة العامة للاجئين قطع أرض من أجل السكن للعائلات الفلسطينية، وكانت القطعة تزيد أو تنقص حسب عدد أفراد العائلة.

حصل أبي على قطعة أرض في هذا المخيم، وكان عليه أن يبني بيته بيديه، ويحفر بئرًا للماء بيديه، وأن يحفر بئرًا آخر للصرف الصحي أيضًا. كانت الغوطة الدمشقية الجميلة التي زُرع المخيم في وسطها بعيدة عن المدينة، جمال الطبيعة خفف من قفر المكان والمعاناة في سكناه، ولأن تجمعات اللاجئين البؤساء تصيب بعضها البعض بالعدوى، فقد أخذ المخيم يكبر بهذه العدوى بانضمام المزيد منهم للسكن هناك في المنطقة المقطوعة وسط الغوطة. الأونروا ببنائها المدارس والمركز الصحي والمستوصف الطبي ومركز توزيع المعونات الغذائية، خففت أكثر من وطأة المكان، وأطلق السكان أسماء مدنهم وقراهم على الأماكن مختصرين فلسطين ليحملونها معهم، جامع فلسطين، شارع القدس، شارع  حيفا، شارع عين غزال، بقالية حطين… ولم يكتفِ سكان المخيم بالتسمية الرسمية المكتوبة على مغلفات الرسائل التي يبعثها الأبناء المغتربون إلى أهاليهم، بل توافقوا أيضًا على تسمية الحارات في ما بينهم، حارة الطيارنة، حارة الغوارنة، حارة الجواعنة، حارة المغاربة… شكلت هذه التفاصيل جزءًا أساسيًا من إعادة اختراع فلسطين في المنافي، وتشكيل هوية وطنية من الغياب.

بعد خمس سنوات من قدوم عائلتي إلى المخيم في عام 1964 ولدت أنا، آخر أبناء العائلة لأبوين خرجا من فلسطين في عام 1948 يجرجران الخيبة وخمسة أولاد أكبرهم لا يزيد عمره عن الثانية عشرة. وأضافا أربعة في المنفى، أنا آخرهم، لأن الحياة تستمر بطرقها الصحيحة والملتوية، فالظروف الصعبة آخر شيء يمكن أن يوقف الإنجاب عند البشر، وقد يكون الإنجاب بالنسبة للضحايا الرد الوحيد على محاولات إلغائهم، فيعلنون: نحن باقون بقوة الحياة.

كانت أمي من نوع النساء اللاتي لا يحملن من جديد طالما أنهن يرضعن أطفالهن. وقد استخدمتني كمانع للحمل، رغم أنها أنجبتني في الثامنة والأربعين من عمرها. أرضعتني خمس سنوات، حتى أني أذكر شخصيًا، كيف كنت عندما أعود من المدرسة وأنا «مستمع» في الصف الأول أذهب إلى الجيران وأناديها إلى البيت، لأني كنت أخجل من الرضاعة أمام الناس، وحتى لا أسمع تعليقاتهم. وكنت كلما ذهبت لأناديها من عند صديقتها أم نبيل، الأقرب لها والجارة لنا، تضحك أم نبيل عندما تراني وتقول لي: «بدك ترضع»؛ وبقيت طوال السنوات اللاحقة، تقول لي ذات الكلمات عندما تراني، حتى بعدما تزوجت وأصبح عندي أولاد، وبقيت تقول لي العبارة ذاتها، حتى وفاتها في نهاية التسعينيات.

قالت أمي «أنت محظوظ». سألتها «كيف؟». قالت “كنت سأخسرك كما خسرت أخوك حسام، كان طفلًا مثل القمر، عندما أطلت علينا جارتنا أم العبد، (وهي أمرأة لونها غامق، كانت أمي تستخدم بوصفها تعبيرًا عنصريًا «العبدة»)، وسألتني: متى أنجبت هذا الولد يا أم بدري. لم يأتِ الليل إلا والطفل يصرخ، لم أستطع أن أجهز نفسي وأقول لوالدك أن يرافقني لنذهب إلى المدينة، لأن الولد الذي يغلي مثل النار، همد فجأة وسلم الروح، قبل أن نغادر البيت. من يومها وأنا أخاف من عينها الحاسدة، لذلك عندما أنجبتك خبأتك بعيدًا عن عينها حتى لا تشاهدك، وعندما رأتك لأول مرة، مرضت وكدت تلحق بأخيك. لكن هذه المرة لحقت بك بالآيات القرآنية ووصلنا الطبيب في الوقت المناسب، رغم الأجواء العاصفة وأوحال المخيم في ذلك الشتاء العاصف”.

لا أعتقد أني محظوظ، كما قالت أمي، فالمحظوظ لا يولد أصلًا في مخيم بائس، يفتقد لكل وسائل الحياة الإنسانية. لم أختر المكان الذي أولد فيه، ولم أختر العائلة التي أنتمي إليها، ولدت صدفة ابنا لعائلة لاجئة، تعيش في مخيم هامشي، على طرف عاصمة هامشية.

في طفولتي، كان العديد من الأشياء يشعرني بالقهر، طابور المدرسة على حليب الأونروا، الذي كانوا يقدمونه لنا في المدارس لنشربه إجباريًا، ونتحايل لنتخلص منه دون أن ننجح أغلب الأحيان، نشربه على مضض هو وحبات دواء الغدة وزيت السمك. مشاهد الإذلال في صف الإعاشة للاونروا حيث يوزعون المساعدات الغذائية، عندما كانت أمي تأخذني معها إلى هناك، ألبسة الأونروا المستعملة بألوانها الفاقعة وأحذيتها التي كلها فردة واحدة لا تصلح للاستعمال. الأطفال الذين يرفعون فلقات على أقدامهم من المدير على منصة المدرسة بحجة تربيتهم. المدرسون الذين يوسعوننا ضربًا وجلدًا، بحجة جعلنا رجالًا لأننا أبناء قضية وعلينا الدفاع عنها، يجلدوننا وكأننا سبب النكبة والهزيمة. أخي الذي كان يحملني من قدمي وينزلني من رأسي في فوهة البئر، ويقول لي مازحا «أرميك.. أرميك»، وهو يضحك، ولا تردعه صرخات أمي لتركي، عن تكرار مزاحه الذي يرعبني، دون أن أستطيع فعل شيء غير الاستسلام للخوف… وغيرها الكثير.

مقابل هذا القهر، كان هناك لحظات سعيدة، من مكونات البؤس ذاته، كان اللعب في البراري الخضراء المحيطة في المخيم، يجعلني في قمة سعادتي أشعر بحرية هائلة مع الطبيعة، التقاط الجوز حبة، حبة، بعد قطاف أشجاره من المزارعين (*)، وحفّه في الحيطان حيث تسحرني يداي المصبوغتان بحنة الجوز الذي ننزع قشره الأخضر بالكتابة على الجدران. ألعابنا التي كنا نصنعها بأيدينا، كرات الشرايط التي نضعها في جراب نسائي سميك ونلعب بها، ألعاب الدحاحل، سيارات الأسلاك التي نلم أسلاكها من المزابل ونصححها ونحنيها بتناسق ونربطها، لتستقيم سيارة ولا أجمل من صنع يدنا، وبمقود مصنوع من نوابض الأسرة. العربات التي نصنعها ونضع لها رمانات لتسير على طرقات غير معبدة، ونذهب لنحمِّل عليها بعض حصص الأونروا الصغيرة بأجور زهيدة، نجرّ عرباتنا كأننا أحصنة ونحن نجرها فعلا كالحمير. سحر الطائرات الورقية الملونة في سماء المخيم نصنعها بأيدينا من قنب الأفران وأوراق الأشغال الملونة.

منذ وقت مبكر، استقطب المخيم كمكان بائس عائلات سورية بائسة، فالبؤس يعمل كمغناطيس للبؤساء الآخرين. كانت العائلات السورية البائسة، تحسد الفلسطينيين البائسين على مساعدات الأونروا، فهي عمليًا تسد حاجاتهم إلى الطعام، في وقت لم يكن هناك من يسد حاجة البؤساء السوريين للطعام (في مصر أيضًا شاهدت البؤساء المصريين يحسدون اللاجئين السوريين على بؤسهم، حيث كانت المفوضية العليا للاجئين تمنح السوري اللاجئ إلى مصر 200 جنيه للفرد، أي عائلة مؤلفة من 6 أفراد كانت تأخذ 1200 جنيه، وهذا ما لا يحصل عليه مصري خريج جامعي بدوام كامل عنده عدد أفراد الأسرة ذاته).

في الهامش ترى العالم من زاوية الحاجة والعوز والتقنين، الخوف من الحاجة تسيطر عليك، وتنقلها لأولادك، النكبة قد تتكرر، ماذا نفعل؟ كان السؤال يلح على الفلسطينيين في المنافي، لكن لا جواب على السؤال، وعندما نُكب الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم في فترات مختلفة، كانوا عاجزين عن فعل أي شيء، كانوا ضحايا مركبين، خوفهم لم يحمهم من الكارثة. أن تولد وأنت خائف، وأنت لا تنتمي إلى المكان، ولن تنتمي، أن تولد وشبح الحاجة يلاحقك، وهويتك ضائعة بين وطن غائب، وأرض مؤقتة، وتحمل بطاقة لاجئ من جهة، وتحمل بطاقة إقامة مؤقتة يمكن أن تنتهي في أي وقت من جهة أخرى. أن تولد في مكان، تشعر فيه أنك فائض عن الحاجة، وأنك عبء على الدولة التي ولدت فيها صدفة، كل هذا والكثير مثله، يجعل هويتك تلتبس، وتصبح أكثر تعقيدًا من أقرانك من البؤساء الذين يحملون بطاقة هوية دائمة.

أن تولد في الهامش، فهذا يمنحك الإحساس بأن المؤقت هو الدائم الوحيد، لا شيء ثابتًا، كل شيء يتغير، «الحركة كل شيء والهدف النهائي لا شيء». أن تولد في الهامش، هذا يعني أن تفقد توازك، وهو ما يجعلك تقضي بقية عمرك في محاولات متعثرة لاكتساب توازنك من جديد.

(*) في مناطق الغوطة المحيطة في مخيم اليرموك، كان هناك عُرف متفق عليه بعد قطاف شجر الجوز، يحق لأي كان بعد أن ينتهي صاحب البستان من قطاف أشجاره، أن يلتقط ما تبقى من جوز منفرد على الأشجار لم يستطيعوا قطافه، وكان هناك شرط وحيد لهذا العرف، هو أن لا يتم تحطيم أغصان الأشجار، وكنا نطلق على هذه العملية اسم (البعورة). كان الصبية في موسم حصاد الجوز يحضرون أنفسهم بأن يصنعوا أدواتهم لاصطياد الجوز من خلال قصبة طويلة جدًا في نهايتها يتم تثبيت خطاف من الحديد، يتم وضع الخطاف على الجوزة على الشجرة، تلف القصبة فتسقط الجوزة، دون أن يصيب الشجرة أي أضرار. ولم يكن صيد الجوز سهلًا في تلك الأداة المضحكة.

المصدر: ضفة ثالثة

 

(اللوحة: النزوح الكبير – يارا الأسدي)

Author: سمير الزبن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *