العمل التطوعي في فلسطين: بين الفعل المجتمعي والهيمنة الكولونيالية

لم يكن العمل التطوعي في السياق الفلسطيني يوماً فعلاً هامشياً أو نشاطاً ترفيهياً، بل شكّل تاريخياً أحد الأعمدة المركزية للصمود المجتمعي والمقاومة الشعبية. فمنذ بداياته في القرى الريفية، حيث سادت “العونة” كممارسة جماعية للتعاون في الزراعة والبناء، تطوّر العمل التطوعي ليصبح ركيزة أساسية في مقاومة المشروع الاستعماري الصهيوني، وتجسيداً لروح التكاتف والمبادرة الشعبية.[1] ومع تمدد الاستعمار الاستيطاني، تحوّل العمل التطوعي إلى عمل وطني مسيّس وأداة مركزية في إعادة إنتاج المجتمع الفلسطيني كجماعة سياسية فاعلة، قادرة على تنظيم ذاتها وتلبية احتياجاتها بمعزل عن منظومة الاحتلال.[2] أمّا ذروة العمل التطوعي فكانت خلال انتفاضة 1987، حيث شكلت اللجان الشعبية شبكة بديلة عن مؤسسات الاحتلال، فوفّرت التعليم، والرعاية الصحية، ونظمت الاقتصاد المحلي، وساهمت في تعزيز الاكتفاء الذاتي. وقد أدت اللجان التطوعية دوراً حاسماً في الانتفاضة، إذ انخرطت في حماية القرى والمخيمات، ومقاطعة المنتوجات الإسرائيلية، وإعادة بناء البيوت المهدّمة، وتشغيل مشاريع إنتاج محلي، ما جعلها فاعلاً مركزياً في بنية المقاومة. بعد اتفاق أوسلو، أصبح القطاع التطوعي مؤسساتياً بشكل أكبر، وذلك مع ظهور المنظمات غير الحكومية التي تعتمد في كثير من الأحيان على تمويل خارجي، ما طرح تحديات في مواءمة هذه الأجندات مع الاحتياجات المحلية.[3] وفي ظل التصاعد غير المسبوق للعدوان العسكري الإسرائيلي، وما يرافقه من عنف ممنهج يمارسه المستوطنون في الضفة الغربية، ومن حصار وتجويع وإبادة جماعية في قطاع غزة، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار إلى العمل التطوعي كفعل سياسي جذري، ينبع من عمق المجتمع الفلسطيني ويعبّر عن قدرته الجماعية على الصمود، والترميم، وإعادة البناء في وجه الاستعمار. إن العمل التطوعي، في هذا السياق، يتحوّل إلى أداة وجودية في معركة البقاء، وإلى مجال لاستعادة السيادة المجتمعية في ظل انهيار الهياكل الرسمية، وتفكك البنى التحتية، ومعاناة الفلسطيني في ظل مشروع الإبادة المتواصل. انطلاقاً من هذا المبدأ، تستعرض هذه الورقة واقع القطاع التطوعي في ظل منظومة الاستعمار الاستيطاني، مستندة إلى معطيات ميدانية وإحصاءات حديثة، كما تناقش التحديات البنيوية والاجتماعية التي تعيق تطوره، وتسلط الضوء على مبادرات تطوعية موجودة في الميدان، لتصل في الختام إلى مجموعة من التوصيات التي تهدف إلى إعادة تفعيل هذا الدور الحيوي في سياق التحرر الوطني.
إحصاءات وأرقام
تُظهر بيانات دراسة صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2017 أن الأفراد في فلسطين ممن تبلغ أعمارهم 10 سنوات فأكثر يخصصون وقتاً متفاوتاً للعمل التطوعي، إذ يبلغ متوسط الوقت اليومي للذكور حوالي ساعة و23 دقيقة، في مقابل 39 دقيقة للإناث.[4] وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة المشاركة في العمل التطوعي تتراوح بين 37% و44% من إجمالي السكان في هذه الفئة العمرية، مع تباينات طفيفة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، من دون وجود فروقات جوهرية بين الجنسين أو المناطق. أمّا في إحصاءات واردة في تقرير شبكة وطن من عام 2019، فتحتل فلسطين المرتبة التاسعة عالمياً في مؤشر العمل التطوعي من بين 68 دولة، متقدمة بذلك على معظم الدول العربية والآسيوية والأفريقية.[5] وتكشف الإحصاءات أن النساء حول العالم أكثر انخراطاً في العمل التطوعي من الرجال، سواء في الأطر الرسمية أو غير الرسمية، وهو نمط يتكرر أيضاً في السياق الفلسطيني. بالإضافة إلى ذلك، تشير إحصاءات منظمة “سواعد 19” التطوعية إلى أن عدد المتطوعين في فلسطين يُقدّر بحوالي 700 ألف متطوع/ة، ضمن أكثر من 4400 مؤسسة وهيئة غير ربحية، وتبلغ القيمة الاقتصادية للعمل التطوعي في فلسطين نحو 150 مليون دولار سنوياً. وعلى الرغم من هذا الحضور الواسع، فإن دراسة أجريت عام 2019 على عينة من 480 شاباً ومؤسسة أظهرت أن 68% من المشاركين يرون أن العمل التطوعي في فلسطين يتم بشكل عشوائي وغير منظم، ما يعكس وجود فجوة كبيرة بين حجم المساهمة التطوعية وفعالية تنظيمها. كما تُقدَّر نسبة المشاركة في العمل التطوعي في فلسطين بنحو 28%، وهي نسبة قريبة من المعدلات العالمية، إذ تبلغ 30% في الولايات المتحدة و44% في كندا، الأمر الذي يعكس حيوية المجتمع الفلسطيني في هذا المجال على الرغم من التحديات البنيوية والتنظيمية التي يواجهها قطاع التطوع.[6]

العمل التطوعي في ظل الابادة والعنف الاستيطاني: مبادرات محلية ودولية وانتهاكات استعمارية
في سياق الإبادة وانهيار البنى التحتية والاجتماعية، كما تُبيِّن إحدى الدراسات الميدانية الحديثة في قطاع غزة، تُمارَس نشاطات التطوع كفعل مقاومة يومي في وجه سياسات الاستعمار الإسرائيلي الممنهجة في القتل والتجويع.[7] وتظهر هذه المقاومة من خلال سلسلة مبادرات وإجراءات تهدف إلى النجاة والحفاظ على الحد الأدنى من الحياة. في هذا الإطار، وبينما يستخدم الاستعمار سلاح التجويع إلى جانب القتل، ينتج الفلسطيني في المقابل أدوات مواجهة، من بينها العمل التطوعي، وفتح التكايا لإطعام الناس، في تعبير حيّ عن الصمود الجماعي وابتكار شبكات دعم ذاتية في ظل الانهيار العام.
وتعكس مبادرة “تكية الطعام”، على سبيل المثال، جوهر هذا القطاع في فلسطين، إذ ينهض المواطنون بأنفسهم لسد الفجوات التي تخلّفها الكارثة الإنسانية والحصار، في ظل غياب الدعم الرسمي الكافي.[8] ويأتي هذا في سياق التجويع وسط الابادة، ففي كانون الثاني/ يناير 2024، أصدرت منظمة بتسيلم تقريراً بعنوان “إسرائيل تجوّع قطاع غزة”، يؤكد أن السياسة الإسرائيلية في قطاع غزة لا تُعد مجرد أثر جانبي للحرب، بل تكتيكاً ممنهجاً عبر استخدام الجوع كسلاح، وهو ما صنّفه التقرير على أنه جريمة حرب. ويضيف التقرير أن ما يزيد على 1.17 مليون شخص في غزة يعانون من مستويات طوارئ غذائية، ونسبة 53% من السكان في خطر المجاعة، ما يشكل تهديداً قاتلاً للسكان المدنيين.[9] أمّا حملة “صامد” فتشكل مثالاً حياً على فعالية العمل التطوعي كخط دفاع أخير في مواجهة الإبادة والتهجير القسري،[10] وقد انطلقت هذه المبادرة في مدينة خان يونس، في لحظة فارقة تشهد فيها المدينة تصعيداً غير مسبوق في أوامر الإخلاء والقصف، ما دفع آلاف العائلات إلى النزوح الجماعي وسط ظروف إنسانية كارثية. لم تنتظر الحملة تدخلات رسمية أو مساعدات دولية، بل اعتمدت على التضامن المجتمعي المحلي، إذ بادر المتطوعون إلى تأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين، من طعام وشراب ومأوى موقت، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية وغياب أي حماية دولية.
في المقابل، هناك أيضاً تضحيات وأثمان يدفعها المتطوعون كسائر المجتمع الفلسطيني؛ ففي دراسة صادرة عن مؤسسة أمان، يتّضح أن قطاع المنظمات الأهلية، الذي يشكل العمل التطوعي أحد ركائزه الأساسية، قد تعرض لخسائر فادحة في ظل الإبادة؛ فقد حدث تدمير كلي أو شبه كلي لما نسبته 49% من مقرات هذه المنظمات، بينما تعرّضت 46% منها لتدمير جزئي.[11] وعلى الرغم من هذه الأوضاع القاسية، فإن أكثر من 85% من هذه المنظمات ما زالت تواصل تقديم خدماتها الإغاثية قدر الإمكان، بعضها من مخيمات النزوح. وتُظهر الدراسة تحوّل طبيعة عمل هذه المؤسسات من الدور التنموي إلى الدور الإغاثي المباشر استجابة لظروف الإبادة. وتشير الدراسة كذلك إلى الثمن الباهظ الذي دفعه العاملون والمتطوعون، إذ استُشهد 68 متطوعاً خلال أدائهم واجبهم، ولا يزال أكثر من 27 آخرين تحت الأنقاض حتى تاريخ إعداد التقرير. كما أن شدة العدوان، والحصار الخانق، والاستهداف المباشر لفرق المتطوعين، بمن فيهم العاملون في المؤسسات الوزارية والدفاع المدني وفرق الإسعاف، كلها أمور ساهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية، التي نجم عنها حالة من الفوضى العامة وسط نقص حاد في المواد الغذائية والدوائية والمياه الصالحة للشرب.[12]
يشكل استشهاد المتطوع الفلسطيني محمد المدهون مثالاً صارخاً لطبيعة الاستهداف الإسرائيلي الممنهج للعمل التطوعي في قطاع غزة، إذ لا تقتصر سياسات الإبادة الجماعية على تدمير البنية التحتية أو قتل المدنيين، بل تمتد لتطال عمق الفعل المجتمعي التضامني.[13] المدهون، الذي كرّس نفسه للعمل في “تكية الطعام” لتأمين الوجبات الساخنة للنازحين خلال العدوان، لم يكن يحمل سلاحاً ولا ينتمي إلى أي تشكيل عسكري، بل كان يمارس أبسط أشكال التضامن الإنساني في ظل مجاعة معلنة، ومع ذلك استُهدف وقُتل، كما قُصفت التكية التي كان يعمل فيها، في سياق تصعيد ممنهج يجرّم حتى فعل إطعام الجائعين. وهذه الجريمة ليست معزولة، بل تنسجم مع نمط واسع من الانتهاكات التي تطال المتطوعين والمؤسسات الإغاثية والطواقم الإنسانية، ما يؤكد أن العمل التطوعي، في السياق الفلسطيني، لم يعد مجرد نشاط مدني، بل بات فعلاً مقاوماً يُجابَه بالعنف ذاته الذي يُمارَس ضد المقاتلين.
ولم يقتصر الأمر على استهداف المبادرات المحلية، بل تم أيضاً استهداف متطوعي المنظمات العالمية؛ ففي 2 نيسان/ أبريل 2024، أكدت منظمة المطبخ المركزي العالمي (WCK) مقتل سبعة من متطوعيها الدوليين، من جنسيات أسترالية وبولندية وبريطانية وأميركية وكندية وفلسطينية، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت قافلتهم، على الرغم من أنها كانت تتحرك في “منطقة منسقة” وبسيارات مدرعة وموسومة بشعار المنظمة.[14] وكان الفريق قد أنهى للتو إيصال أكثر من 100 طن من المساعدات الغذائية عبر المسار البحري، في محاولة للتخفيف من المجاعة المفروضة على السكان.
أمّا في الضفة الغربية، فالوضع ليس مختلفاً تماماً، على الرغم من اختلاف السياق الاستعماري، فالتهديد الأكبر حالياً في الضفة هو عنف المستوطنين الذي لا رادع له والمحمي من جيش الاحتلال. فوفقاً لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2024، شهدت الضفة الغربية والقدس الشرقية أعلى مستوى من العنف المرتبط بالمستوطنين الإسرائيليين منذ بدء الأمم المتحدة بتوثيق هذه الحوادث قبل ما يقرب من عقدين.[15] وسجل التقرير نحو 1400 حادثة، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية، وحرائق الممتلكات، ومداهمة المجتمعات الفلسطينية، وتدمير أشجار الزيتون، ما أدى إلى إصابة أو قتل فلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم. وفي هذا السياق، قامت العديد من المبادرات لحماية الفئات المستهدفة من المجتمع الفلسطيني، فعلى سبيل المثال، شهد موسم قطف الزيتون لعام 2024 عدة حملات تطوعية فاعلة دعماً لصمود المزارعين الفلسطينيين في وجه اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، وأطلقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حملة “الفزعة” لمساندة المزارعين في المناطق المهددة ومساعدتهم في الوصول إلى أراضيهم.[16] وبحسب المصدر نفسه، نظّم اتحاد لجان العمل الزراعي حملة “صمود وتضامن” بمشاركة 22 متضامناً دولياً، واستهدفت 14 تجمعاً في مناطق جنوبي نابلس وشرقي رام الله وغربي بيت لحم، كما أطلقت جمعية التنمية الزراعية حملة “إحنا معكم”، التي شملت 20 موقعاً واستمرت 21 يوماً، وساهمت في حماية المزارعين ومساعدتهم في قطف محاصيلهم. وأصدرت أيضاً حركة التضامن الدولية (ISM) نداءً عاجلاً إلى المتطوعين الدوليين للانضمام إلى جهود حماية المجتمعات الفلسطينية في مناطق غور الأردن ومسافر يطا بالضفة الغربية.[17] ويأتي هذا النداء في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على المزارعين والرعاة الفلسطينيين، إذ يُعتبر وجود النشطاء الدوليين بمثابة ردع وحماية ضد هذه الهجمات، فالمتطوعون في هذه الحملة يرافقون العائلات الفلسطينية ويقومون بحراسات ليلية لحمايتها من المضايقات.
أمّا بالنسبة إلى انتهاكات المستوطنين وجيش الاحتلال ضد المتطوعين، فقد وُثّق العديد من الحوادث التي توضح طبيعة الخطر المستمر الذي يواجهه هؤلاء الأفراد خلال تأديتهم أدوارهم الإنسانية والداعمة للمجتمع الفلسطيني. ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2022، تعرضت متطوعة أجنبية للطعن من جانب مستوطنين إسرائيليين خلال مساعدتها مزارعاً فلسطينياً في قطف الزيتون في قرية كيسان شرقي بيت لحم،[18] كما قام المستوطنون بتمزيق أكثر من 300 شتلة زيتون ورشوا مواد كيماوية حارقة على الأشجار. وتأتي هذه الاعتداءات في سياق الهجمات المتكررة التي يتعرض لها المزارعون الفلسطينيون خلال موسم قطف الزيتون، وخصوصاً في القرى القريبة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية. وفي حادثة أُخرى، في تموز/ يوليو 2024، تعرض متطوعون أجانب من حركة التضامن الدولية لهجوم عنيف من مستوطنين إسرائيليين في أثناء مساعدتهم مزارعين فلسطينيين في قرية قُصرة جنوبي نابلس،[19] وقد استخدم المعتدون العصي والحجارة وأصيب عدد من المتطوعين بجروح، في حين لم يتدخل الجيش الإسرائيلي لوقف الاعتداء، بل أطلق النار في الهواء لتفريق المجموعة. وأتى هذا الهجوم في سياق تصاعد التوترات بعد حكم محكمة العدل الدولية بشأن الاحتلال الإسرائيلي.
تحديات بنيوية واستعمارية واجتماعية
على الرغم من أن العمل التطوعي جزء أصيل من ثقافة المجتمع الفلسطيني، فإنه يواجه تحديات كبيرة على عدة أصعدة تعيق استدامته وتطوره، أبرزها المعوقات الاستعمارية المتمثلة في القيود الأمنية التي يفرضها الاحتلال، والتي تقيد حرية الحركة والتنظيم، وتعرقل قدرة المتطوعين على الوصول إلى المناطق المحتاجة أو التنسيق فيما بينهم. فقد أظهر مسح أجراه مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (الأوتشا) في شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2025 أن هناك حالياً 849 حاجزاً ومعوقاً للحركة تُقيّد بشكل دائم أو متقطع حركة 3.3 مليون فلسطيني في أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية،[20] بالإضافة إلى الجدار الذي يبلغ طوله 712 كيلومتراً، إذ تكرس هذه العوائق التجزئة الجغرافية والاجتماعية، وتساهم في تفاقم الأوضاع الإنسانية، كما تحد من فرص نجاح المبادرات التطوعية التي تتطلب عادة التنقل بين المدن والتعاون والتواصل بين مختلف المنظمات. أمّا الأثمان والتضحيات التي يقدمها المتطوعون نتيجة تعرّضهم المستمر لانتهاكات وعنف الاحتلال الاستعماري، والتي تصل في أحيان كثيرة إلى فقدان حياتهم كما تبين الحالات التي تم ذكرها، فتشكّل عائقاً جوهرياً أمام استدامة العمل التطوعي، إذ إن المتطوعين يعملون في بيئة غير آمنة، بلا أي حماية قانونية، وفي ظل غياب آليات للمحاسبة، ما يعمّق هشاشة هذا القطاع ويثقل كاهله بالخوف والمخاطرة الوجودية.
إلى جانب هذه العقبات، تبرز أيضاً عقبات اجتماعية وبنيوية تُضعف من مشاركة الأفراد، وخصوصاً الشباب، في العمل التطوعي. فقد أظهرت دراسات ميدانية أن أبرز أسباب تراجع المشاركة التطوعية تلك المرتبطة بثقافة المجتمع التي لا تشجّع دائماً على الانخراط في العمل الجماعي أو تُقلل من قيمته، يلي ذلك عوامل نفسية، كفقدان الدافع أو الإحباط العام، ثم مشكلات داخل مؤسسات العمل التطوعي نفسها، مثل ضعف التنظيم أو غياب الحوافز.[21] وكشفت دراسة أُخرى عن وجود تحديات بنيوية عميقة تقيّد انخراط النساء في مؤسسات المجتمع المدني، أبرزها القيود الاجتماعية المرتبطة بالأدوار الجندرية التقليدية، التي تحصر دور المرأة في المجال المنزلي والرعائي، بالإضافة إلى ضعف دعم الأسرة لمشاركة النساء في المجال العام.[22]
توصيات
بناءً على المعطيات التي تم إظهارها، تقدم هذه الورقة بعض التوصيات للجهات المسؤولة وذلك على النحو التالي:
- العمل على نشر الوعي وإعادة الاعتبار إلى الجذور النضالية والضرورة الوجودية للعمل التطوعي:
الوعي والتعليم هما أساس كل تغيير مجتمعي، وبالتالي علينا البدء من هذا المنطلق، فمن الضروري استعادة وإحياء الذاكرة الجمعية التي لطالما رحّبت بالعمل التطوعي كممارسة مقاومة بدلاً من مجرد أداة للمساعدة، أو الخدمة، أو لتمرير أي أجندة خارجية ومصالح خاصة. لذلك، من المهم إدماج السردية التاريخية للعمل التطوعي في المناهج التعليمية، سواء على مستوى المدارس أو الجامعات، مع التركيز على محطات تاريخية أدى فيها التطوع دوراً محورياً في تعزيز الصمود ومقاومة الاحتلال، لا كأرشيف منسي فحسب، بل أيضاً كممارسة للصمود والمقاومة وكضرورة حياتية لشعب تحت الاستعمار.
- تنظيم العمل التطوعي من خلال شبكة جامعة ومنسقة لكل المبادرات الشعبية:
بالنظر إلى الإحصاءات والمعطيات، يتضح أن قطاع العمل التطوعي في فلسطين يعاني جراء التشتت والعشوائية، على الرغم من زخمه واتساعه، ويعود ذلك جزئياً إلى أن معظم المبادرات التطوعية تنشأ من الواقع الشعبي، كردة فعل مباشرة على الأزمات أو الحاجات الملحّة، من دون وجود بنية تنسيقية تنظم الجهود وتعزز التكامل فيما بينها. لذلك، هناك حاجة ملحّة إلى إنشاء شبكة وطنية جامعة للمبادرات والمؤسسات التطوعية تعمل على التنسيق بين الفاعلين، وتبادل الموارد والخبرات، وتحديد الأولويات بناءً على الاحتياجات الميدانية، مع الحفاظ على الاستقلالية السياسية والمجتمعية لتلك المبادرات. من الضروري أن يكون هذا الجسم المنظم مستقل عن أي تمويل سياسي أو خارجي مشروط، وأن يتصف بالاستقلالية والشفافية، وأن يعزز دور الفئات المهمشة كالنساء والشباب في التطوع من خلال خلق بيئة داعمة، وأن يكون مكوناً من نشطاء من القاعدة الشعبية، والتي يمكن أن تكون نقابات مهنية وعمالية، وحركات طلابية، ومبادرات شبابية، وأي فئات أُخرى ناشطة. وسيشكل أيضاً هذا الكيان مرجعية أو إطاراً جامعاً لكل المبادرات التطوعية في مختلف المناطق والمجالات. ومن المهم أيضاً أن يكون هذا الكيان جامعاً للكل الفلسطيني، بحيث يتم اشراك فلسطينيي الضفة وغزة والداخل والشتات، وذلك لتبادل الخبرات، والتنظيم اللوجستي، وتعزيز شبكة الدعم الإنساني والاقتصادي.
- استغلال وسائل التواصل وإنشاء منصة رقمية وطنية للعمل التطوعي:
بناءً على النقطة السابقة، من الضروري استغلال المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم العمل التطوعي، إذ تعتمد الفئة المستهدفة على هذه الوسائل بشكل أساسي في أي مبادرات أو نشاطات. وبالتالي، يُقترح تطوير منصة رقمية شاملة تسمح للمتطوعين بالتعرف على المبادرات، وتربط بين المشاريع والمتطوعين بناءً على الاهتمامات والإمكانيات والموقع الجغرافي، الأمر الذي سيساهم في التغلب الموقت على الحواجز والعقبات الأمنية الاستعمارية، إذ سيتم إنجاز الجزء التنظيمي والبيروقراطي من العمل التطوعي عن بعد.
- العمل على تطوير آليات للحماية القانونية للمتطوعين والمنظمات التطوعية:
على الرغم من إدراكنا للواقع الكولونيالي العنيف، حيث لا يوجد أي خطوط حمراء، فإن العمل على بناء منظومة حماية قانونية وأمنية لهؤلاء الفاعلين يعتبر ضرورة أساسية. وفي ظل غياب محاسبة دولية، ينبغي أن تتعاون المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية على توثيق الانتهاكات الممنهجة بحق المتطوعين، وتقديمها كملفات قانونية أمام المحاكم الدولية باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، كما يجب تطوير أدوات محلية للحماية، تتضمن برامج تدريبية للمتطوعين حول كيفية التعامل مع المخاطر الأمنية، وسبل حماية النفس في أثناء أداء المهمات الميدانية، وخصوصاً في المناطق التي تشهد هجمات من المستوطنين أو الجيش. ومن الضروري أيضاً الضغط من أجل الاعتراف بالمتطوعين كجهات إنسانية يجب حمايتها، والسعي لخلق سردية ورأي عام عالمي يفضح الانتهاكات ويوفر شبكة تضامن دولية تدعم وجودهم ودورهم المحوري في الصمود المجتمعي.
- ربط العمل التطوعي بالبحث العلمي والسياق النضالي داخل الجامعات:
لطالما كانت الجامعات الفلسطينية بؤرة للعمل السياسي والمجتمعي، وبالتالي فهي تشكل مكاناً مناسباً لإعادة العمل التطوعي إلى إطاره الوطني التحرري. وتشترط العديد من الجامعات الفلسطينية، مثل جامعتي بيرزيت وبيت لحم، اجتياز مساق “الخدمة المجتمعية” كأحد المتطلبات الجامعية الأساسية، حيث يُلزم الطلبة بإتمام عدد محدد من ساعات العمل التطوعي في مؤسسات أو جمعيات مجتمعية. وعلى الرغم من أن هذا التوجه يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز الثقافة التطوعية، فإنه من الضروري الارتقاء بهذه المبادرة إلى ما هو أبعد من شكليات، فمن الضروري النظر إلى هذه المساقات كأدوات تربوية وأكاديمية تعزز الوعي الوطني، وتدمج بين النظرية والممارسة، بحيث يدرك الطلبة أهمية العمل التطوعي في سياق نضالي، فالجامعة ليست فقط مؤسسة معرفية، بل أيضاً سياسية كما كانت دائماً في التاريخ الفلسطيني. ولتحقيق ذلك، يجب التنسيق مع الجامعات لربط العمل التطوعي بالبحث العلمي، وتشجيع الطلاب على دراسة أثره الاجتماعي والسياسي وتحديد القطاعات التي بحاجة إلى زيادة العمل التطوعي بها، وهو ما سوف يعزز من دورهم كمواطنين فاعلين في مجتمعهم ومشاركين في مشروع التحرر الوطني.
* أعدت ورقة السياسات هذه ضمن مشروع مشترك مع مؤسسة التعاون، وتعبر محتويات هذا الورقة عن آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة التعاون ووجهة نظرها.
[1] هيئة العمل التطوعي الفلسطيني، “العمل التطوعي الفلسطيني: ذاكرة وطن تأبى النسيان” (رام الله: هيئة العمل التطوعي الفلسطيني، 2012).
[2] M. Awad, “Volunteerism in Nonprofit Sector in Palestine,” in Global Encyclopedia of Public Administration, Public Policy, and Governance, edited by A. Farazmand (Cham: Springer, 2018).
[3] عبد الكريم مزعل عبد الرحمن عتيق، “سمات العمل التطوعي في فلسطين من العونة إلى المجتمع المدني”، “مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات”، المجلد 1، العدد 33 (30 حزيران/ يونيو 2014)، ص 135-161.
[4] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، “العمل التطوعي من منظور نوع اجتماعي: دراسة تحليلية باستخدام بيانات مسح استخدام الوقت 2012/2013” (رام الله – فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2017).
[5] “فلسطين تحتل المرتبة التاسعة عالمياً في العمل التطوعي“، “وكالة وطن للأنباء”، 5/12/2019.
[6] “التطوع في أرقام“، سواعد 19، تم الوصول إليه في 20/6/2025.
[7] نور بدر، “الصمود: فهم قيمة وممارسات العمل التطوعي للفلسطينيين خلال فترة الإبادة الجماعية”، “سوسيولوجيون”، المجلد 5، العدد 1 (30 حزيران/ يونيو 2024)، ص 34–48.
[8] “تكايا الطعام.. مشاريع تطوعية لإطعام نازحي الحرب في غزة وسد جوع الأطفال بإمكانيات بسيطة“، “القدس العربي”، 16/1/2025.
[9] بتسيلم، “إسرائيل تجوّع قطاع غزة“، 8/1/2024.
[10] “صامد: حملة تطوعية تُسند النازحين في خان يونس وسط أوامر الإخلاء والدمار“، “هدف نيوز”، 30/5/2024.
[11] مؤسسة أمان، “الواقع والتحديات في عمل المنظمات الأهلية في ظل حرب الإبادة على غزة” (رام الله: الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة –آب/ أغسطس 2024).
[12] محسن أبو رمضان، “التحديات التي تواجه منظمات العمل الأهلي في غزة بسبب العدوان“، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2024.
[13] “محمد المدهون شهيد فلسطيني تطوّع لإطعام النازحين فقصفه الاحتلال الإسرائيلي“، “الجزيرة نت”، 2/12/2024.
[14] World Central Kitchen, “Gaza Team Update,” March 27, 2025.
[15] Middle East Eye. “Israeli Settler Violence in 2024 Highest since UN Began Record-Keeping,” Middle East Eye, 1/1/2025.
[16] مؤيد بشارات، “واقع موسم الزيتون في الضفة الغربية في ظل حرب الإبادة“، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2025.
[17] “حماية للفلسطينيين.. دعوة للتطوع في الضفة الغربية لمواجهة عنف المستوطنين“، موقع “مقاطعة”.
[18] WAFA Palestinian News Agency, “Israeli Settlers Stab Foreign Volunteer While Helping Palestinian Farmer Harvest Olives Near Bethlehem,” 19/10/2022.
[19] Middle East Monitor, “Israeli Settlers Attack Foreign Volunteers with Stones, Batons, and Iron Rods,” 22/7/2024.
[20] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), “West Bank Movement and Access Update“, ReliefWeb, May 2025.
[21] عماد عبد اللطيف حسين اشتية، “العمل الاجتماعي التطوعي في فلسطين: أسباب التراجع”، “مجلة جامعة القدس المفتوحة للبحوث الإنسانية والاجتماعية”، المجلد 1، العدد 29 (شباط/ فبراير 2013)، ص 77-116.
[22] حسن فخري إبراهيم أقطام، “معوقات مشاركة المرأة في العمل التطوعي من وجهة نظر المتطوعين والعاملين في مؤسسات المجتمع المدني في محافظة نابلس“، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، 2014.
1
عن المؤلف:
إيمان العصا: باحثة وأكاديمية متخصصة في الأدب الانجليزي ودراسات الاستعمار، وتعمل حالياً كأستاذ مساعد في جامعتي بيرزيت والعربية الأمريكية.
عن ورقة سياسات – مؤسسة الدراسات الفلسطينية
تحية الوطن
دراسة مهمة جدا و تحتوي على معلومات قيمة. ، نأمل ان تنجحوا في تعميمها على المؤسسات الدولية و منها مؤسسات الامم المتحدة و الاتحاد الاوروبي ،
بوركت جهودكم ومع تمنياتي اكم بالتوفيق دائما ،