العقلية العسكرية الإسرائيلية وفلسطينيو 48

تسجل الهجمة الإسرائيلية الشرسة على فلسطينيي 48 ذروة جديدة هذه الأيام، سواء لناحية مصادرة مزيد من الحقوق المدنية، أو لناحية محاصرة الوجود من خلال نهب ما تبقى من الأرض، كما جسّدت ذلك الهجمة الأخيرة على أراضي قرية مجد الكروم في الجليل. وأخيراً، قال وزير المال الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، على خلفية الهجمة على مجد الكروم، إنه يدفع بخطة واسعة لتهويد الجليل والنقب تحت شعار “نعم نهوّد”، تستهدف الوجود العربي في منطقتي الشمال والجنوب، اللتين تعدّان ذواتي أكثرية عربية، وتتضمن إقامة عشرات المستوطنات والمزارع اليهودية، وتوسيع الاستيطان القائم، إلى جانب إلغاء مخططات تطوير للبلدات العربية. ونوّه بأن النجاح الآخذ بالتراكم لخطته بشأن الضفة الغربية المعروفة باسم “خطة الحسم” تحفّزه على أن يطالب في الحكومة المقبلة بتولي زمام السيطرة على إدارة التخطيط في سلطة أراضي إسرائيل من أجل فرض تغييرات جذرية على سياسات التخطيط وتخصيص الأراضي.
تضع هذه التطوّرات الفلسطينيين في الداخل أمام مفترق طرق حاسم، ذلك أن هذه الهجمة تبدو أكثر شراسة من كل الهجمات السابقة. والحكومة الإسرائيلية الحالية أعلنت الحرب على الفلسطينيين في الداخل منذ بداية ولايتها في عام 2022، وما يجب أخذه بالحسبان أنها تحت وطأة أزمتها السياسية متعدّدة النواحي تحاول أن تصدّرها، ويعتبر فلسطينيو الداخل أحد العناوين المطروحة لتصدير هذه الأزمة لها.
في عملية سريعة للملمة بعض مخزون الذاكرة بغية مواجهة النسيان، نستعيد أنه سبق لإحدى حكومات نتنياهو أن صادقت عام 2013 على ما عرف باسم “مخطط برافر” التهجيري الذي نصّ على مصادرة مئات آلاف الدونمات من العرب الأصلانيين في منطقة النقب، والبالغ عددهم آنذاك نحو 220 ألف نسمة، وذلك من خلال تجميعهم على أقل من مائة ألف دونم، أي أقل من 1% من مساحة تلك المنطقة. وجرى تعريفه بأنه “مخطط توطين عرب النقب”، وسعى إلى التهام نحو 500 ألف دونم من أصل 600 ألف دونم يملكها العرب في النقب والتي ترفض الحكومة تسجيل ملكيتهم لها. وسرعان ما أدركت القوى السياسية والوطنية في صفوف فلسطينيي 48 أن هذا الموضوع لا يرتبط بوجود العرب في منطقة النقب فقط، وإنما أيضاً ينطوي على انعكاسات خطرة تتعلق بجوهر المعركة على الأرض مع إسرائيل والتي لم تخمد أبداً. ومن هنا رأت لجنة المتابعة العليا لشؤون العرب في الداخل أنه أكبر مخطط استعماري يستهدف وجودهم منذ نكبة 1948، وأن معركة النقب تُعدّ بالتالي فاصلة على ما تبقى من أراضٍ عربية، بعدما نالت المؤسسة الإسرائيلية من أراضي منطقتي الجليل والمثلث والمدن الساحلية على مرّ الأعوام.
ولعل أكثر ما لفت الأنظار في ذلك الوقت: أولاً، أن كل من عمل في إعداد هذا المخطط، وكذلك جميع القائمين على تنفيذه، هم من رجال المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. ومجرّد ذلك يدل على أن حكومة إسرائيل تتعامل مع الفلسطينيين في الداخل بعقلية عسكرية، وعلى أساس أنهم قضية أمنية، وخطر قومي. وثانياً، أن كبار المسؤولين والخبراء في الشؤون الجغرافية والديموغرافية أكدوا أن تنفيذ هذا المخطط يعتبر “مهمة قومية” من الدرجة الأولى، تفرضها، أيضاً، الضغوط السكانية الشديدة بوسط إسرائيل، والحاجة إلى تخفيف الحضور العسكري الكثيف المنتشر حول تل أبيب الكبرى، حيث أن الجيش الإسرائيلي أعد خططاً متعددة لنقل عدد كبير من قواعده العسكرية إلى النقب بهدف إخلاء أراض في مناطق الوسط وتخصيصها لمشروعات سكنية، أو لمشروعات مدنية أخرى، للسكان اليهود.
ولقد تم إحباط “مخطط “برافر” بعدما أعلن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية عن سحب مشروع القانون المتعلق به من جدول أعمال الكنيست. هذا التراجع جاء نتيجة لتضافر ضغوط شعبية وميدانية وسياسية وقانونية مكثفة واجهت المخطط منذ إقراره بالقراءة الأولى في الكنيست، وفي مجرّد ذلك إحالة واضحة إلى أهمية استخلاص العبرة من دروس الماضي، ووضعها على طاولة الحاضر.
عن العربي الجديد