العشريات…
في يوم مولدي، وقبل خمسين عاماً من اليوم صرخت، صرختي الأولى.
لم أكن أعلم، كما غيري، كيف ولماذا نأتي إلى الحياة.
ويبدو أننا ما زلنا لا نعلم، غير أننا لسوء الحظ أو حسنه جئنا لنقطع المسافة الفاصلة ما بين زفير وشهيق، وكأن العمر، كل العمر أطول قليلا من حدث، وأقل كثيراً من لحظة.
الأمر أشبه ما يكون بقطرة ماء حررتها السماء لتتلقفها الأرض، وما بينهما يحيا المرء القليل من الحب والكثير من الألم، كما الأفراح والخيبات والانتصارات والانكسارات، يحياها بين ليلة وضحاها. وهذه هي المسألة، كل المسألة، والتالية هي حياتي كما عشتها.
***
العشريات…
تلويحةُ وداعٍ أنا، يقول الأطباءُ
لدي خمسون عاماً وبعضُ ذكرياتٍ وكثيرٌ من الأوجاع
أحملُ على ظهرِ قلبي
عديدَ الخيباتِ التي انجبتها الأيامُ من صُلبِ الحياة
لدي خمسون ظلاً
ومرآةٌ واحدةٌ شوشَ رؤيتَها موتُ الأحياء.
في العشريةِ الأولى
كنتُ بريئاً، براءةَ الصحراءِ من تيهِ الأنبياء.
في الثانية،
لم يتبعني ظلي ففتحتُ رزنامة الوقت واخطأتُ في العد
في الثالثة،
ادعيتُ أنهم صلبوني كمسيحٍ شُبه لهم للتو
أما الرابعة،
فعثروا علي متمسكاً بمهدٍ
احتواني طفلا بات شابا لم يعد يعلم كيف بدوت
في الخامسة،
حملتُ التابوتَ وشرعتُ في تشييعِ نفسي بنفسي
قائلا: الآن، الآن صحوت.
* بالمناسبة: أدعوكم جميعاً لنحتفل سوية بهذه العشريات بعد غدٍ الأربعاء في متحف محمود درويش، يوم توقيع كتابي الثاني “وعي الهزيمة” علنا نصحوا معا قبل فوات الأوان.
