العاصي الفلسطيني-هذا النهر لي

تقول الحكمة الشعبية: لم يروهم يسرقون لكن رأوهم يتقاسمون!! فعندما يختلف اللصوص تسنح الفرصة لصاحب المسروقات بالتعرف على سارقيه وفي أضعف الايمان الصراخ بوجههم، على ماذا تختلفون ؟هذا  النهر نهري.

حرب قضائية وكلامية تدور بين السكان الاشكناز في كيبوتس تل عمال- نير دافيد وهو اول كيبوتس اقيم سنة 1936 في منطقة سهل بيسان وتوسع لاحقا على انقاض  القرى التي تم تهجيرها، وبين جيرانهم  وهم ناشطون يهود من اصول شرقية من بيت شان المقامة على انقاض مدينة بيسان العربية. المعركة حول نهر العاصي الفلسطيني الذي يشق كيبوتس ( تل عمال – نير دافيد) .حيث يدعي سكان كيبوتس تل عمال الذي لا يتجاوز عددهم 730 شخص بانه لهم ويقع ضمن الكيبوتس وقاموا بترميمه بعدما كان مستنقعا في حين يقارعهم سكان مناطق التطوير من اليهود الشرقيين بانه ملك عام ولا يحق لهم الاستحواذ بمياهه ومنع الناس من القدوم اليه والاستجمام بمياهه.

هذه حرب قضائية قديمة ولكنها اشتعلت مجددا قبل سنة تقريبا عندما منع افراد من كيبوتس تل عمال – نير دافيد الشاب ليف شابيرو وهو يهودي شرقي  متدين  24 عاما من الدخول الى النهر . فقام الاخير بتنظيم مظاهرة وحاول الدخول مع مجموعة من الاشخاص بالقوارب من منطقة خارج الكيبوتس فقام افراد الكيبوتس بطمر النهر بتربة حمراء وقاموا بتعكير النهر ليمنعوا أي شخص من الدخول والاستجمام بمياه النهر. ومنذ ذلك الوقت هناك مظاهرات اسبوعية يشارك بها العشرات على مدخل الكيبوتس واصبح الموضوع سياسيا تكتب عنه كل الصحف وهذا الاسبوع افردت له صحيفة هأرتس تقريرا موسعا في ملحقها. من جانبهم اقام المتظاهرون مجموعة على الفيس بوك تحمل الاسم ” نحرر العاصي ” وصلت الى اكثر من عشرين الف شخص، وفي المقابل وظف الكيبوتس شركة  حراسة  امنية خاصة وشركة علاقات عامة كلفته حتى الان اكثر من مليون شاقل اضافة لتفعيل مجموعات لوبي في الكنيست الاسرائيلي .

يدعي المتظاهرون انهم يطالبون بالعدالة التوزيعية وبحقوقهم في الموارد الطبيعية للبلاد، وضمن مطالبهم يرفعون شكاوي تاريخية تتعلق بالامتيازات الكبيرة التي اعطتها الدولة للكيبوتسات وللمجالس الاقليمية بدعوى تطوير الزراعة. فمنذ التسعينات بدأت هذه المجالس الاقليمية والكيبوتسات التي تستحوذ على اكثر من 70% من اراضي الدولة في عمليات خصخصة وتحويل الاراضي الزراعية الى اماكن تجارية وسياحية ومناطق صناعية ملئت صناديق مجالسهم بالمال ورفعت من مستوى الخدمات المقدمة لسكانها الاشكناز بالمقابل بقيت مدن التطوير التي يسكنها يهود شرقيون مثل بيت شان مدن فقيرة بدون امكانيات تطوير مستقبلية مما يساهم في تعميق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين السكان اليهود. وللتأكيد على حقوقهم فهم يستحضرون امثلة ان هذه الكيبتوسات الغنية تنفق على الطالب الواحد مبلغ 14000 شاقل سنويا في التعليم وفي المقابل لا يتعدى الانفاق على الطالب في بيت شان اكثر من 4000 شاقل وهم يتسألون كيف يمكن لابن مدن التطوير مجاراة ابن الكيبوتس بكونهن منذ البداية لا يقفون على نفس نقطة الانطلاق. في نقاشهم يسوقون امثلة  اخرى على عدالة قضيتهم مثل ان عدد سكان بلدية بيت شان 18000 نسمة على مسطح 7100 دونم بينما عدد سكان الكيبوتسات في المنطقة لا يتعدى ال 13000 نسمة يسيطرون على مسطح 250000 دونم.

قد يبدو للوهلة الاولى ان الخلاف هنا بين ناشطين يبحثون عن تطبيق القانون حول حقوق وعدالة، الا ان النقاش أعمق بكثير ويحمل في طياته غبن وشعور بالعنصرية يشعر بها اليهود الشرقيون. نقاش الامتيازات ليس جديدا ففي نهاية التسعينان بادرت مجموعة من الناشطين من اليهود الشرقيين اليسارين اطلقت على نفسها اسم القوس الشرقي لرفع قضايا حول شرعية خصخصة الكيوبتسات لأراضي زراعية منحتها اياها الدولة ونجحت في استصدار امر محكمة يمنع استمرار هذا الاحتكار ورفعت الى مقدمة النقاش الاسرائيلي  العام مصطلح العدل التوزيعي.

النقاش القديم والحالي   مغلف بعبارات حول الحقوق البيئية والحق التوزيعي والفجوات والخ من مصطلحات مستحضرة من قواميس جَسّر الفجوات والحقوق المدينة الا ان الاول تم من خلال مجموعة يهود شرقيين بغالبهم اعتبروا انفسهم يساريين على عكس هذا الصراع  اليوم، الذي يستخدم نفس العبارات ولكنه قادم من يهود شرقيين من الجناح اليمني في السياسية الإسرائيلية . في الحقيقة هذا النقاش يجسد عمق الانقسام الحاصل داخل المجتمع الإسرائيلي الصهيوني بين من يمثلون اسرائيل القديمة الاشكناز( واغلبهم يسار صهيوني ) وبين ما اصطلح على تسميته “اسرائيل الجديدة” الذي يطغى به صوت اليهود الشرقيين (وأغلبهم يمين صهيوني).

نظرة الى نتائج الانتخابات الاخيرة في المنطقتين المتجاورتين  تُظهر انه في مدينة  بيت شان حصل الليكود على اكثر من 55% من الاصوات وشاس على اكثر من 20 % من الاصوات وميرتس التي تعتبر يسارية  على اقل من 1% من الاصوات. في المقابل في كيبوتس تل عمال نيردافيد حصل حزب ازرق ابيض على47% من الاصوات وميرتس على 31% والعمل على 14% بينما حصل الليكود على اقل من 2%.

رغم عمق المصطلحات التي توظف في هذا الصراع الا ان جوهر  الصراع  هو بين الاشكناز الاوربيين البيض مؤسسي الدولة اصحاب الامتيازات وبين السود الشرقيون من سكان بلدات التطوير حول غنائم حرب 1948 وهي في الاساس حرب لاعادة  تقسيم مراكز القوة في دولة اسرائيل بين اليهود انفسهم . وقد كشفت منصات التواصل الاجتماعي عمق هذه الهوة بين اليهود انفسهم حيث يطلق داعمي الكيبوتس  اسم “العرصيم” أي العرصات على اليهود الشرقيون بهدف  الحط من قيمة اليهود الشرقيين بوسمهم انهم منحطون ثقافيا او “بيبستم” بمعنى قطيع بيبي اشارة الى انهم منقادون مثل القطيع خلف بيبي نتياهو  في المقابل  تجد عبارات مثل “نازيين ” موجهة للاشكنازمن قبل مؤيدي الناشطين.

على خط هذه المواجهة دخل اعضاء كنيست من اليمين واليسار وافردت الصحف مقالات وتقارير كثيرة وبالرغم من ان الصراع يبدو حول حقوق الدخول الا انه صراع حقيقي يمثل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمر بها اسرائيل. وهذا الاسبوع نشرت صحيفة هأرتس في ملحقها تقريرا كبيرا حول الموضوع. في هذا التقرير والنقاش الدائر  يتم تغييب  صاحب هذه الارض والنهر والشرعي  وكأن الامر مفروغ منه، الطرفان النقيضان المتصارعان حول هذه الغنائم لا يذكرون اصحابها، يطالبون بالحقوق باسم القيم الاخلاقية ولا يذكرون اصحاب هذا النهر وهذه البلدات التي شرد اهلها.  في هذا اليوم بالذات يوم التضامن الدولي  مع الشعب الفلسطيني من المهم ان نذكر انفسنا بحقوقنا المنهوبة  ومن المهم الاشارة الى اللصوص ابيضهم واسودهم، قديمهم وجديدهم يسارهم ويمنيهم بان نضالهم فارغ المضمون ومزيف فهو مبني على باطل.

هذا النهر لي

نهر العاصي الفلسطيني يخرج من ينابيع منطقة الساخنة سمي العاصي لكونه يجري نحو الشمال والشرق في فلسطين خلافا لاغلبية الوديان والانهار في فلسطين التي تسير ناحية  الغرب او الجنوب  درجة حرارته 28 مئوية ثابتة صيفا وشتاء مياهه مالحة. ويلتقي مع وادي جالود الذي يصب في نهر الاردن . خلال حرب 1948 تم تهجير كل القرى العربية المحيطة مثل قومية وتل الشوك وعرب الساخنة وفرونة  والاشرفية وغيرها اضافة الى مدينة بيسان العربية  على الرغم من استسلامها وفق اتفاق  ضمن حملة جدعون  قادها لواء جولاني في الجيش الاسرائيلي.

بمناسبة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني

Author: بكر عواودة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *